أزرق

السيد والبحر والمدينة: ماذا فقدنا برحيل داود عبد السيد؟

داود عبد السيد، معدلة.

عبدالله البياري

كاتب وباحث من فلسطين

إن رحيله لا يعني فقط أننا خسرنا من يصنع الأفلام، بل خسرنا من يصنع الوعي بالمدينة، في زمن تباد مدننا أمامنا ونحن فيها، وغزة ليست سوى إحداها!

للكاتب/ة

خسرنا من اعتبر الجسد وثيقة سياسية، والمكان أرشيفًا للذاكرة، والسينما جهازًا استشرافيًا لا للتنبؤ، بل لفهم ما سيحدث عندما يفشل المجتمع في أن يتعرف على نفسه.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

21/01/2026

تصوير: اسماء الغول

عبدالله البياري

كاتب وباحث من فلسطين

عبدالله البياري

في تاريخ السينما المصرية والعربية، يقف داود عبد السيد على تخوم جيل صنع تحوّلًا جذريًا في معنى أن تكون السينما فنًا يفكّر لا يصف، فنًا يقترح لا يكرّر. هو ابن موجة جاءت بعد الكلاسيكيات المؤسسة للميلودراما والتحوّلات القومية في السينما، وبعد الطفرة الجماهيرية التي مثّلتها السينما التجارية في السبعينات والثمانينات، لكنها ليست موجة حداثية صادمة بقدر ما هي وعي مضطرب بالعالم، إلى جانب أسماء مثل محمد خان، عاطف الطيب، رأفت الميهي، خيري بشارة، ويسري نصر الله، ورضوان الكاشف. أسماء شكلت وعيًا وذاكرة بصرية لجيل تشغله الذات في مواجهة المدينة، والإنسان في مواجهة الزمن، لا البطولة ولا الملحمة.

لكن موقع داود عبد السيد داخل هذا الطيف ليس خطّيًا ولا قابلًا للتصنيف النمطي. فهو ليس واقعيًا اجتماعيًا بالمعنى الذي عُرف به محمد خان في "أحلام هند وكاميليا" (1988) حيث المدينة من الأسفل، واليومي المعيش مسرحًا دراميًا، أو "ضرية شمس" (1980) وبدايات الواقعية الحضرية الحديثة. ولا هو عاطف الطيب، الذي جسد العلاقة العارية مع السطلة في "البريء" (1986) والشارع بما هو فضاء قلق ومراقب في "الهروب" (1991). ولا هو – داود عبد السيد- تجريبيًا خالصًا مثلما هي سينما رأفت الميهي في "السادة الرجال" (1987) حيث العبث يمتد من البنى الجندرية وصولًا إلى العبث في ومع وبالقانون في "الأفوكاتو" 1983. ولا بصريًا أسطوريًا كما في بعض أعمال يسري نصر الله، مثل "مرسيدس" (1993) حيث المدينة المتاهة والعائلة مجازًا لتفكك الوطنية، وأخيرًا لم يكن يستخدم الواقعية السحرية كما فعل رضوان الكاشف في "الساحر" 2002.

داود عبد السيد سينمائي تشكيلي-وجودي، يبحث عن المعنى من خلال إعادة تشكيل الواقع، لا عبر محاكاته. الصورة عنده ليست مرآة للمدينة بل طريقة لابتكارها من جديد، كأن الواقع في أفلامه مسودة أولى والسينما هي النسخة الأكثر صدقًا منه. هذه ليست سينما موضوعات، بل سينما تجارب حسّية: عالم تُبنى فيه القاهرة من داخل الشخصيات، لا من شوارعها فقط؛ وتتحول فيه التفاصيل اليومية—مقهى، شارع ضيق، بحر يلامس الأطراف—إلى بنية خطابية وجمالية في آن، ما يجعلها "سينما الهموم الشخصية"، كما وصفها الكاتب المصري علاء خالد في كتاب مقابلاته مع الراحل. هنا يختلف عبد السيد عن جيله: إنّ فيلمه لا "يمثّل" المدينة، بل يفكّر بها، ولا يلتقط ملامح زمنه فحسب، بل يقترح ما يمكن أن يصير إليه الزمن. ولهذا تقترب أفلامه من حافة الاستشراف، لا بما هي نبوءة، بل بصيرة متوترة.

إن موضعة داود عبد السيد داخل تاريخ السينما العربية ليست اعترافًا بمكانته فقط، بل شرط قراءة لثقافة السينما في العالم العربي وعلاقتها بالمدينة والمدينية والمجتمع. فمشروع داود عبد السيد لا يُفهم دون إدراك لحظة الاهتزاز التي جسدها انتقال السينما المصرية من سرديات قومية كبرى إلى سرديات ذاتية-مدينية، ومن يقين جماعي إلى وعي فردي محاصر، عمقته الفترة الساداتية. وهنا، تحديدًا، تدخل القاهرة: ليس بما موضوع، بل باعتبارها فكرة وهوية.

إنّ ما بدأ قلقًا بصريًا في التسعينات صار واقعًا مكشوفًا بعد 2011؛ وما ظهر كتوتر في فكرة المجال العام صار لاحقًا شرطًا سياسيًا وأخلاقيًا لوجود الفرد داخل القاهرة. إن التحول من "الكيت كات" (1991)  إلى "أرض الخوف" (2000) ثم "رسائل البحر" (2010) ليس تتابعًا زمنيًا في فيلموغرافيا مخرج، بل هندسة شعورية لمآل مدينة بكاملها. تتجسد القاهرة في هذه الأفلام كمساحة تتراجع عنها المراكز وتتكاثر الهوامش، في سيرورة تبعتها فيها مدن عربية أخرى: مدينة لا تحكمها استراتيجيات كبرى بقدر ما تعيد إنتاج نفسها عبر التكتيكات اليومية للعيش والمسير والتأجيل والتفاوض. هنا ينسجم المشهد السينمائي مع ما تصفه ديان سينجرمان عن القاهرة بما هي مدينة "تُدار بالصراع والتفاوض أكثر مما تُدار بالسلطة الصريحة"؛ مدينة لا تعمل وفق مبدأ الدولة الكلية، بل من خلال شبكة كثيفة من القوى الصغيرة المتداخلة والمتضاربة والمتفاوضة. وحين ننتقل إلى طبقة أعمق، يصبح توصيف ديفيد سيمز للقاهرة بوصفها "مدينة خارج السيطرة لا لأنها فوضوية، بل لأنّها تملك منطقًا خاصًا للفوضى" مفتاحًا لقراءة صور داود عبد السيد. فهو لا يصوّر الاضطراب بوصفه عطبًا، بل كآلية اشتغال: شوارع ضيقة تتحرك فيها الشخصيات كاحتمالات، دولة تحضر بقدر ما تغيب، واقعية متوترة لا تستطيع حسم نفسها تجاه ما هو قادم. 

في المدينة وعلى مستوى السلطة والتحديقة، فإن "البنية البانوبتيكية" (باستعارة من بانوبتيكون Panopticon ميشيل فوكو في نموذج سجنه حيث السلطة تراقب على الدوام) في السينما المصرية — بنية لا تراقب الأجساد فقط بل الوعي ذاته — يفسّر العلاقة الملتبسة بين الكاميرا والمدينة عند داود عبد السيد. فالقاهرة هنا تُرى من الداخل على مستوى الجسد، (في طريقة شبيهة بطريقة المخرج الياباني ياسوجيرو أوزو) لا من الأعلى؛ رؤية مُخترقة، غير يقينية، كأن الصورة نفسها تتعلّم كيف تبصر محتواها. في "البحث عن سيد مرزوق" (1991) و"أرض الخوف" (2000) لا يعود السؤال: من يراقب؟ بل: ماذا تعني الرؤية أصلًا في مدينة تُدار عبر الالتباس المستمر منذ انهيار الدولة القومية ما بعد الاستعمارية، باستعارات ساداتية؟  بهذا المعنى، تبدو القاهرة في سينما داود عبد السيد في حال تحول مستمر على أكثر من مستوى: من فضاء جماعي إلى فضاء فردي، ومن سردية وطنية إلى سردية وجودية، ومن مدينة تُرى إلى مدينة تُختبر وتُجرب. وهو ما يجعل هذه السينما أقرب إلى تاريخ غير مكتوب للقاهرة؛ تاريخ يتشكل عبر مجازات المكان، لا عبر أرشيف المؤسسات الرسمية، وعبر المعنى المتولد من التجربة الفردية لا من الخطاب العام. لذلك لا يتعامل عبد السيد مع المدينة كمشهد، بل كجرح معرفي: كل فيلم يحاول أن يلمسه دون أن يغلقه.

القاهرة الاجتماعية: الانفصال الطبقي وفقدان المجال العام : الكيت كات (1991)

تطل علينا القاهرة باسمها ورسمها ووسمها في الكيت كات (1991) لا من خلال اللقطات البانورامية أو صورة العاصمة المنمّقة، والتي تَدرُج مع كل خطاب سياسي مركزي وكل جنرال يصل إلى السلطة، بل من خلال حارة تبدو لأول وهلة ضيقة ومحدودة، لكنها عمليًا هي مقطع عرضي في جسد المدينة الاجتماعية. الحارة هنا ليست مجرد فضاء للفقر الشعبي، كما تصورها التقارير الحكومية الرسمية، بل واجهة مركبة رأسيًا وأفقيًا لمدينة تعيش حالة انفصال طبقي متدرّج؛ طبقات عليا تنسحب إلى فضاءات أخرى أكثر انعزالًا وأسوارًا وحتى خطابًا وأداءات لغوية وجسدية، وطبقات وسطى تهبط بلا شبكة أمان، وتستغلها السلطة السياسية لتمرير ما تريد، وطبقات دنيا تُدفَع إلى مزيد من اللامرئية والعتمة، لتُعامل بإزدراء يمتد من الطبقة إلى الجسد. ما يبدو ساكنًا في الفيلم، ونعني الحارة، هو في الحقيقة أثر ارتجاج اجتماعي طويل: دولة تنسحب من أدوار الرعاية، وسوق يتمدّد في كل وأي فراغ متاح، وعلاقات جيرة تتحول إلى آليات بقاء أكثر منها نسيج تضامن. 

هذا المشهد الصغير في الكيت كات يمكن قراءته في ضوء ما تلتقطه دراسات المدينة عن القاهرة كنموذج لفضاء حضري "متنازع عليه"، حيث لا تُمارَس السلطة من مركز واحد واضح بقدر ما تُعاد صياغتها يوميًا عبر تفاوض بين السكان، البيروقراطية، الأمن، والاقتصاد غير الرسمي. هذه هي الصورة التي ترسمها دراسات حوكمة المدينة، حيث تُقدَّم القاهرة كمدينة تُصنع فيها المواطنة والحضور في المجال العام من أسفل، عبر ممارسات الحياة اليومية، أكثر مما تُمنَح من أعلى عبر مؤسسات الدولة. 

في  الكيت كات، نرى هذا "التنازع" في أبسط تفاصيله: المقهى كمساحة شبه عمومية يتقاطع فيها الخاص والعام؛ وهو ما لم يعد موجودًا في القاهرة 2025، حيث غزت الدولة الأمنية للجنرال كل المقاهي باعتبارها مجالات تفاوض خارجة عن إرادته. والشارع فضاء مراقبًا لكنه في الوقت نفسه مسموح بالتجاوز فيه؛ السكن العشوائي كحل عملي لأزمة سكن بنيوية، وليس مجرد خلفية اجتماعية. إن القاهرة هنا تُبنى فعلًا عبر منطق غير رسمي: توسّع عفوي، ومساكن تُضاف طابقًا فوق آخر، وحياة حضرية تشق طريقها خارج المخططات الرسمية، لتصنع هيكلًا موازياً للمدينة المخطَّطة على الورق.

شخصيات الكيت كات تتحرك داخل هذا الفضاء ككائنات عالقة في منطقة بين-بين: ليست مندمجة في اقتصاد رسمي يمكن أن يَعِد بمستقبل واضح، ولا قادرة على الانسحاب الكامل إلى هامش ريفي أو بديل. إنّها طبقة مكسورة بالمعنى الحرفي؛ لا تملك رأس مال اقتصادي يرفعها، ولا رأس مال ثقافي يضمن لها اعترافًا، ولا حتى رأس مال رمزي باستثناء بعض الفتات: درّاجة نارية، حشيش، أو حلم قديم بالسفر. هذه الهشاشة تشبه ما يرصده مارك ألين بيترسون في عن تشكّل طبقات جديدة في المدينة عبر الاستهلاك والتمييز الرمزي، مع فارق أن عالم الكيت كات يعرض الوجه المعكوس للعملة: أولئك الذين خرجوا من لعبة التمايز أصلًا، أو لم يُسمح لهم بدخولها.

بهذا المعنى، لا يمكن اختزال الكيت كات في كونه فيلمًا عن "الشارع المصري" أو "الناس البسطاء". إنّه بالأحرى فيلم عن فقدان المجال العام بوصفه فضاءً ومعنى مشتركين في آن واحد. فالحي الذي نراه لم يعد يمتلك القدرة على إنتاج رمزه الجماعي؛ لا توجد ساحة حقيقية يمكن الالتفاف حولها، ولا مشروع جمعي يمكن تخيّله. كل شخصية تنغلق في حيلتها الفردية للبقاء: الحشيش كمهرب، الحلم بالهجرة كخروج خيالي، المزاح الثقيل كتعويض عن غياب الفعل. المدينة هنا لا تقمعهم بقدر ما تتخلّى عنهم، وهذه بالضبط إحدى صور الانهيار الاجتماعي التي ستطفو على سطح التاريخ بعد سنوات، لكنها في فيلم داود عبد السيد تعمل كعلامة مبكرة على خلل أعمق في طريقة عيش القاهرة وتنظيمها لنفسها.

الإسكندرية كمدينة بديلة ومرآة وجودية للقاهرة

رسائل البحر (2010) — حين يخرج المكان من مركزية الدولة

في رسائل البحر، والذي عرض قبل عام واحد فقط من ثورة 2011، تحضر المدينة المنافسة للقاهرة في المخيال المصري (يُذكر أن الرئيس المصري حسني مبارك لم يزر الأسكندرية لعشر سنوات متتالية)، الأسكندرية. وهذا الحضور ليس خطًا جانبيًا في مشروع داود عبد السيد، بل خيارًا مدينيًا مضادًا أو لنقل مقابلًا، نابعًا من لحظة تاريخية أعمق: لحظة بدأت فيها القاهرة — بوصفها مركزًا للدولة وللتمثيل السياسي — تُشعر ساكنيها بأن المدينة نفسها لم تعد قابلة للعيش بالثمن القديم. فالمدن المركزية لا تفقد دورها فجأة، بل تتآكل تدريجيًا في مستوى الإحساس والمعنى قبل أن يظهر ذلك في العمران.

يحكي الفيلم قصة يحيى، شاب يعود إلى الإسكندرية بحثًا عن معنى لحياته خارج إيقاع المدينة المركزية، ليجد في البحر مرآةً لذاته أكثر مما يجد إجابات، وتبدأ المدينة بوتيرة أبطأ كثيرًا من القاهرة في اقحامه في شبكة من العلاقات المكانية (منها شباك يصدح بموسيقا على البيانو) والعلاقات الاجتماعية، منها علاقة قديمة مع جارته المصرية اليونانية، وفي تجسيد للحنين الاستعماري، في مقابل بائعة هوى منطبقة عليا. هذه التراكبية التي اعتدناها للقاهرة حتى باتت أمرًأ مفروغًا منه، تعطي مساحة مونولوغ غنية ليحيى والمتلقي، بحيث تُقدم الإسكندرية، في هذا السياق، لا باعتبارها بديلًا جاهزًا للقاهرة، بل كمختبر لمقولات وعلاقات مدينية مصرية تاريخي واجتماعي وفردي:

هل يمكن للمدينة أن تُبنى من الحافة بدلًا من المركز، وهو السؤال الذي بات صعبًا وثقيلًا في القاهرة وتراكم حتى وصل إلى لحظة ثورة 2011. هل يمكن لجغرافيا بعيدة عن القرار السياسي أن تنتج نوعًا آخر من الوجود؟ وهل يمكن للجسد أن يسترد سرديته حين يخرج من العاصمة لا من التاريخ؟

في القاهرة، كما تصوّرها أفلام عبد السيد الأخرى، الجسد مُسيّس قبل أن يكون حيًا: يتعلم اللغة كممر إجباري، الأخلاق كرقابة وترتيب جماعي، والخطوة فعل محسوب داخل فضاء يراقب أكثر مما يرحّب. لكن في الإسكندرية، تنقلب المعادلة، قليلًا:

  • ليست اللغة ما يُعيد يحيى إلى العالم، بل التلعثم نفسه.
  • ليست الأخلاق ما تعيد تكوين الرغبة، بل الهشاشة.
  • ليست السلطة ما يعيد تشكيل الجسد، بل خطوط البحر ورسائله إلى العالم المجهول هي التي تتسع بما يكفي لاستيعاب التردد.

هنا يصبح التلعثم فعل ممانعة صغيرة ضد الدولة المركزية ذات اللغة الصحيحة والرتيبة والمنضبطة: فكل مدينة تُنتج نظامًا للخطاب، ويحيى في الفيلم يرفض أن يتكلم بلهجة العاصمة، لا صوتيًا فقط بل وجوديًا أيضًا. كأنه يقول للجسد: تكلّم بما تبقّى، حتى لو لم يكن كلامك كاملاً.

وعند هذه النقطة تحديدًا يظهر عمق التنافس بين المدينتين:

  • فالقاهرة تمتلك شرعية الدولة، ولغتها وخطابها
  • بينما تمتلك الإسكندرية شرعية الذاكرة؛ والبحر والتاريخ
  • القاهرة تفرض معنى جاهزًا للجسد،
  • بينما الإسكندرية تمنح الجسد فسحة لخلق معنى جديد، حتى لو اصطدم مع الطبقة والأخلاق والمجال الاجتماعي

إنها ليست منافسة على الجغرافيا فحسب، بل على حق تعريف الإنسان. ومن ثم تصبح علاقة يحيى ببائعة الهوى لحظة مواجهة مع المعيارية القاهرية — لا من موقع الفضيحة الأخلاقية كما سيحكم خطاب المركز ومن يمثله في الفيلم (الصياد صاحب البناية والسوبر ماركت الذي لا يخفي تبرمه الدائم من تلعثم يحيى)، بل من موقع الاسترداد: استرداد الجسد من اللغة، واسترداد الرغبة من التاريخ، واسترداد الذات من المدينة. في هذه العلاقة، يُفهم الجسد لا كموقع للخطيئة أو البراءة، بل كمكان للتفاوض على الهوية. وكأن الفيلم يسأل: هل يمكن للحب أن يبدأ خارج العاصمة؟ وهل يمكن للرغبة أن تنجو دون موافقة المدينة؟

هكذا، حين نقول إن الإسكندرية في رسائل البحر هي مرآة وجودية للقاهرة، فنحن لا نبحث عن الانعكاس، بل عن العمى: عن الأشياء التي لا تراها القاهرة في نفسها إلا إذا ابتعدت عنها قليلًا. وما لا تقوله العاصمة عن ذاتها، يقوله البحر. وما لا تسمح به المدينة المركزية، تلتقطه مدينة الهامش. وما لا تقبله سياسات الجسد في الدولة، يستعيده الجسد في المسافة. 

(أكتب هذا النص من مدينة لا بحر فيها، بئسًا!!)

القاهرة والسلطة: الفرد في مواجهة المراقبة

سيد مرزوق(1991) / أرض الخوف (2000) — حين تصبح المدينة جهاز دولة بلا مبنى

في عالم داود عبد السيد، لا تظهر القاهرة كمدينة تُمارِس السلطة من خلال مؤسساتها فقط، بل كفضاء ينتج شعورًا مستمرًا بالاختبار. السلطة هنا لا تُطلّ من نافذة وزارة أو تتجسد في ضابط أو مكتب، بل تعمل كطاقة منتشرة في الهواء، تنتمي أكثر لعلم نفس المدينة منها للعلوم السياسة. هذه السلطة غير مرئية، لكنها محسوسة؛ لا تسمع صوتها لكنها تُدار بالحركة والكلام والصمت. ولهذا، في البحث عن سيد مرزوق، لا يكون السؤال: أين السلطة؟ بل: لماذا لا نحتاج أن نراها لكي نخضع لها؟، وهو ما يتوازى مع سيرورة الأمن والسلطة في مصر في العشرين سنة الأخيرة من حكم حسني مبارك. الشخصيات تتحرك في مدينة تشبه دائرة تحقيق مفتوحة؛ كل شيء عادي جدًا، لكن كل شيء قابل للريبة أيضًا. الخوف لا يأتي من حدث، بل من إمكان حدوثه. المدينة تبدو مألوفة، ومع ذلك لا تمنح إحساسًا باليقين، وكأن القاهرة تحولت إلى اختبار معرفي: هل ما زلت تنتمي؟ أم أن مجرد طرح السؤال يسحب عنك الاعتراف؟

أما في أرض الخوف، فيتغير مستوى اللعبة: لم تعد السلطة تُبنى على الخوف من العقوبة، بل على الرغبة في الطاعة. وهو ما يقدم لنا تأريخا للعلاقة الاجتماعية مع سلطة الدولة على مدى عشر سنوات هي السنوات الفاصلة بين الفيليمين. هنا تصبح المراقبة جزءًا من الهوية؛ ليس لأن الدولة تطالب بها، بل لأن الفرد يبدأ في ممارسة الرقابة على نفسه من الداخل (ما يذكرنا بظاهرة "المواطنين الشرفاء"، التي استفحلت في المجتمع المصري منذ أن استثمر فيها المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد سقوط مبارك). يصبح الالتزام فعلًا غريزيًا ومواطنيًا رمزيًا، كأنه اللغات التي نتعلمها دون أن نعي قواعدها. المدينة لا تُحاصر الجسد من الخارج بل تُزرع فيه، وتتحول الطاعة إلى تقنية للبقاء، لا إلى خضوع قسري.

بهذا الشكل، الفيلمان لا يقدمان خطابًا تقريريًا عن القمع أو جهاز الدولة، بل يكشفان لحظة دقيقة في تاريخ المدينة: لحظة تداخل السلطة مع الوعي. فلا يعود السؤال السياسي مجرد علاقة بين المواطن والدولة، بل بين المواطن وصورته عن نفسه، بين الجسد والتوقعات الأخلاقية والاجتماعية التي ينتجها المكان.

المدينة كمنظومة مراقبة

في الفيلمين، لا نرى العاصمة كحيز عمراني، بل كمنظومة معرفية سلطوية:

  • الشارع ليس حركة بل اشتباه مستمر.
  • النظرات ليست تفاعلات اجتماعية بل تقييم مستمر.
  • الأخلاق ليست قناعات شخصية بل جزء من السيطرة.
  • اللغة ليست وسيلة تواصل بل معيار يُختبر به الانتماء.

هنا يصبح المكان جزءًا من إنتاج السلطة: ليس فقط "أين نقف" بل "كيف يجب أن نقف"، ليس فقط "ماذا نقول" بل "كيف يجب أن نُسمَع"،ليس فقط "من نحن" بل "من يحق له أن يكون".

شخصيات داود عبد السيد في هذين الفيلمين ليست ضحية ولا بطلة، بل حالة مدينية معلقة، للمواطنية الحديثة في دولة تكاد تفقد كل مقاوماتها الشرعية بداية من الاقتصادي إلى الرمزي.  هي أجساد لا تُحارَب ولا تُنقذ، بل تُترك في منطقة رمادية، وكأن المدينة تقول لها أثبت أنك موجود، من دون أن نخبرك ما هي شروط الوجود.

النتيجة أن الفرد لا يخسر حريته، بل يخسر وضوح معنى الحرية والمشترك فيه. لا يفقد القدرة على الكلام، بل يفقد اللغة المشتركة التي تمنح الكلام أثرًا. لا يختفي من المدينة، بل يفقد الاعتراف الكامل بالانتماء إليها. هذه ليست دراما شخصية، بل تجربة حضرية تؤرخ لأفول المدينة العربية الحديثة ما بعد الدولة القومية ما بعد الاستعمارية، وهي ظاهرة تحصل بالتوازي مع المجتمعات المسورة، وهدم المناطق التاريخية والهوس بالمدن الجديدة والعواصم الإدارية. هكذا يبدأ التحول من مواطن في مدينة إلى جسد داخل جهاز إداري. وهنا تكمن قيمة الفيلمَين في مسار السينما المصرية: ليس لأنهما يفضحان السلطة، بل لأنهما يلتقطان تلك اللحظة الحساسة التي يتم فيها تطبيع المراقبة في المدينة بحيث تصبح جزءًا من الحياة اليومية.

ماذا فقدنا بموت داود عبد السيد؟

بموت داود عبد السيد، الذي بدأ باجباره على الاعتزال (كما صرح هو) خسرنا أكثر من مخرج سينمائي بارز؛ خسرنا أحد آخر الذين امتلكوا القدرة على النظر إلى المدينة قبل أن تتكلم عن نفسها، وعلى قراءة الجسد قبل أن يتحول إلى ملفّ، وعلى فهم السياسة قبل أن تتجسد في حدث. لقد كان سينمائيًا يعمل على الحدود قبل انهيارها، وينصت للتاريخ قبل أن يصل صوته، ويكتب عن القاهرة — وعن الإسكندرية في مواجهتها — كمدينتين تتصارعان على تعريف الإنسان، لا كجغرافيتين تتجاوران على الخريطة، وفي الهوية. ما فقدناه هو الحسّ الذي كان يرى التشققات قبل أن تتحول إلى كوارث: رأى انهيار المجال العام قبل أن يتحول إلى واقع يومي، رأى انتقال الخوف من الشارع إلى الوعي قبل أن تتوسع المراقبة، رأى تراجع المعنى في اللغة قبل أن يفقد الناس الثقة في الخطاب، ورأى انكماش الجسد تحت ثقل المدينة قبل أن يصبح ذلك شرطًا للحياة فيها!

إن رحيله لا يعني فقط أننا خسرنا من يصنع الأفلام، بل خسرنا من يصنع الوعي بالمدينة، في زمن تباد مدننا أمامنا ونحن فيها، وغزة ليست سوى إحداها! خسرنا من اعتبر الجسد وثيقة سياسية، والمكان أرشيفًا للذاكرة، والسينما جهازًا استشرافيًا لا للتنبؤ، بل لفهم ما سيحدث عندما يفشل المجتمع في أن يتعرف على نفسه. خسرنا صانع صورٍ لم تكن تسعى لالتقاط الواقع، بل لالتقاط اللحظة التي ينسحب فيها الواقع من نفسه. لم يكن داود عبد السيد يقدّم مستقبلًا بديلًا، بل كان يقدّم لغة نفهم بها المستقبل حين يصل.

ما خسرناه برحيل عبد السيّد حقًا كان أداتنا للنظر والمعنى.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع