ليست السياسةُ وحدها مَن يصنع التاريخ؛ ففي اللحظات التي تنجح فيها السلطة في احتكار اللغة، وتطويع وسائل الإعلام، وتحويل القتل إلى مصطلحات تقنية باردة، يظهر الفن بوصفه القوة القادرة على إعادة الإنسان إلى قلب الحكاية. وهذا تحديدًا ما يفعله الفيلم الوثائقي «نازا» (NAZA): لا ينافس الخطاب السياسي في ميدانه، ولا يردّ على الضجيج بضجيج مماثل، بل يضع أمامه مرآة لا يستطيع تحطيمها من دون أن يفضح خوفه مما تعكسه.
من "الضرر الجانبي" إلى الإنسان
"نازا" هو فيلم وثائقي أُنجز سنة 2026، كتبه وأخرجه الصحفي والمخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام، والمخرجة والمصوّرة الإسرائيلية راشيل زور. تبلغ مدته نحو ثمانين دقيقة، وهو ناطق بالعبرية والإنجليزية. أنتجته صحيفة "الغارديان" بالتعاون مع شركة JW Films والمنتج جيمس ويلسون، وتولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب فيلم"منطقة الاهتمام" (The Zone of Interest)، مهمة الإنتاج التنفيذي. وقد عُرض الفيلم عالميًا للمرة الأولى ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي، ثم نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة في المهرجان.
سبق لأبراهام وزور أن شاركا، إلى جانب المخرجين الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال، في صناعة فيلم "لا أرض أخرى" (No Other Land)، الفائز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي، والذي تناول مقاومة أهالي مسافر يطّا لسياسة الهدم والتهجير. لكن "نازا" ينتقل من توثيق الجريمة في مكان وقوعها إلى تفكيك الآلة التي تصنعها: غرف الاستخبارات، وشاشات المراقبة، وخوارزميات تحديد الأهداف، وسلسلة القرارات التي تتحول في نهايتها إلى قنبلة تسقط على بيت مأهول.
يحيل عنوان الفيلم إلى اختصار عسكري إسرائيلي مأخوذ من عبارة "نِزِك أَغافي "(נזק אגבי) العبرية، أي "ضرر عَرَضي أو جانبي" (Incidental damage). ويشير المصطلح إلى العدد المتوقع من المدنيين الذين قد يُقتلون عند قصف هدف معين. هنا تكمن الضربة الدلالية الأولى للفيلم: فالكلمة التي تبدو محايدة في قاموس المؤسسة العسكرية تخفي وراءها رجالًا ونساءً وأطفالًا؛ ويصبح الاسم نفسه شاهدًا على الطريقة التي تُفرَّغ بها الجريمة من مضمونها الإنساني قبل تنفيذها.
بُني الفيلم على شهادات أربعة وعشرين شخصًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية. وقد صُوّرت المقابلات سرًا، على أسطح مبانٍ في تل أبيب، على امتداد ثلاث سنوات، مع إخفاء وجوه المتحدثين وتغيير أصواتهم رقميًا لحماية هوياتهم. يشرح هؤلاء آليات المراقبة، وجمع بيانات الهواتف، واستخدام أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد أشخاص ومنازل يُشتبه في ارتباطها بحركة حماس، مع معرفة مسبقة، في حالات عديدة، بوجود عائلات ومدنيين داخل البيوت المراد قصفها. وتؤكد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في المقابل، أن الذكاء الاصطناعي لا يتخذ القرار النهائي، وأن الإنسان يبقى مسؤولًا عن المصادقة على الغارات.
يستند "نازا" إلى تحقيقات نُشرت بين عامي 2023 و2025 في مجلة "+972" وموقع "محادثة محلية" (Local Call) وصحيفة "الغارديان" (The Guardian). لكنه لا يكتفي بنقل التحقيق الصحفي إلى الشاشة؛ إنه يحوّل المعلومة من مادة قابلة للقراءة والنسيان إلى تجربة حسية وأخلاقية يصعب الإفلات منها.
الـ AI أداة للإبادة: لهذه الأسباب يقترب "نازا" من جائزة كبرى في فينيسيا
الفن يكشف ما تخفيه اللغة
تحتاج السياسة، ولا سيما سياسة الحرب، إلى لغة تخفّف صدمة أفعالها. لا تقول: "أطفال سيُقتلون"، بل تقول: "ضرر جانبي". ولا تقول: "منزل عائلة"، بل تقول: "بنية تحتية للعدو". ولا تقول: "إنسان"، بل تقول: "هدف". هكذا لا تكون اللغة وصفًا للجريمة فحسب، بل تصبح جزءًا من بنيتها؛ إذ تُنجز المحو الرمزي للضحية قبل محو جسدها.
تكمن أهمية "نازا" في أنه يفكك هذه اللغة ويعيد الكلمات إلى مدلولاتها البشرية. فحين يُترجم "الضرر الجانبي" إلى وجوه وبيوت وأطفال، تنهار المسافة الأخلاقية التي تحاول المؤسسة إنتاجها بين صاحب القرار ونتيجته. لا يعود الرقم مجرد احتمال إحصائي، بل يصير حياةً كان يمكن ألا تُقتل.
بهذا المعنى، لا يضيف الفيلم معلومات جديدة فحسب، بل يغيّر طريقة إدراك المعلومات المعروفة. وهذه إحدى أهم قدرات الفن: السياسة تخبرنا بما ينبغي أن نفكر فيه، أما الفن فيغيّر الآلية التي نفكر ونشعر بها. التقرير يقدم واقعة؛ والعمل الفني يجعل الواقعة تقيم في الذاكرة. الخبر قد ينتهي بانتهاء نشرة الأخبار، لكن الصورة والصمت والنبرة المرتبكة تواصل عملها داخل المتلقي بعد انتهاء العرض.
جغرافيا الصمت
اختيار أسطح تل أبيب مكانًا للتصوير ليس تفصيلًا محايدًا. ففي الخلفية تظهر مدينة هادئة، مضاءة، تمضي في حياتها اليومية، بينما يتحدث أشخاص عن منظومة قتل تعمل على مسافة عشرات الكيلومترات. هنا يصنع الفيلم مفارقة بصرية بين الاعتيادي والكارثي: الحياة الطبيعية ليست بعيدة عن الجريمة، بل تجاورها؛ والهدوء ليس نقيض العنف بالضرورة، فقد يكون الغلاف الذي يسمح باستمراره.
إنه منطق قريب من ذلك الذي بنى عليه جوناثان غليزر فيلمه "منطقة الاهتمام": يمكن أن تكون الفظاعة خارج الإطار، لكنها تظل حاضرة في كل تفصيل داخله. وفي "نازا" لا يُقاس العنف فقط بما تعرضه الكاميرا من دمار، بل بما تكشفه من قدرة المجتمع على مواصلة روتينه بينما تعمل آلة الموت بمحاذاته.
لهذا صُوِّر الفيلم في الظلام. فالظلمة ليست ظرفًا تقنيًا لحماية الشهود وحدهم؛ إنها استعارة لنظام كامل يعمل بعيدًا عن أعين الجمهور، ولوعي جماعي لا يريد أن يرى. أما الأصوات المعدّلة والوجوه المطموسة فلا تُضعف صدقية الشهادات فنيًا، بل تمنح المتحدثين هيئة أشباح صادرة من داخل الآلة: أفراد يعرفون أجزاءها، لكن كل واحد منهم يختبئ خلف عبارة "كان دوري تقنيًا بالكاد" (my role was merely technical) أو "كنت مجرّد ترسٍ صغير" (I was only a small cog).
هنا يصيب الفيلم جوهر الشر البيروقراطي: الجرائم الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى وحوش استثنائيين؛ يكفي أن يؤدي كل شخص مهمته المحدودة، وأن يتنازل عن رؤية النتيجة الكليّة لعمله. الخوارزمية تختار، والمحلل يصنّف، والضابط يوافق، والطائرة تقصف؛ وفي نهاية السلسلة لا يعثر أحد على نفسه بوصفه القاتل الكامل، مع أن القتل لم يكن ممكنًا من دون مشاركة الجميع.
شهادات لمرتكبي الإبادة: "نازا" يهز مهرجان البندقية السينمائي
الفن لا يخطب؛ الفن يُحرج
لا تكمن قوة "نازا" في رفع الصوت، بل في ضبطه. فالخطاب الحزبي يصرخ كي يحشد أنصاره، بينما يترك الفيلم لشهود المؤسّسة نفسها أن يكشفوا منطقها الداخلي. لا يحتاج المخرج إلى اتهام مباشر عندما تصبح التفاصيل التقنية أكثر إدانة من أي شعار.
في الخطاب السياسي المعتاد، يمكن نفي رواية الفلسطيني لأنها فلسطينية، واتهام الصحفي بأنه منحاز، والطعن في المنظمة الحقوقية لأنها "معادية". أما حين يأتي الكلام من ضباط وجنود ومختصين عملوا داخل النظام، فإن آليات النفي تصبح أكثر ارتباكًا. لا يعود السؤال: مَن يهاجم إسرائيل؟ بل: ماذا يقول الإسرائيليون الذين شاركوا في تشغيل المنظومة؟
هذا التحول هو ما يجعل الفيلم خطرًا على السياسة. إنه لا يهزمها بالقوة المادية، بل يحرمها من راحة الرواية الأحادية. إنه يفتح شقًّا داخل الإجماع، ويفصل بين الدولة والحقيقة، وبين الولاء والضمير، وبين اليهودية وسياسات الحكومة الإسرائيلية. وحين يتحول هذا الشق إلى صورة سينمائية قابلة للعرض والترجمة والتداول عالميًا، يصبح من الصعب على السلطة إغلاقه.
لقد كشف الهجوم السياسي الإسرائيلي العنيف على الفيلم مقدار القلق الذي أثاره؛ إذ وُصف بالتحريض والخيانة وتشويه صورة الجيش، ووصل الأمر إلى المطالبة بالتحقيق مع صنّاعه وبحث إجراءات ضدهم. لا تثبت الضجة وحدها صحة كل تفصيل في الفيلم، لكنها تكشف أن السلطة لم تتعامل معه بوصفه عملًا فنيًا هامشيًا، بل بوصفه تهديدًا فعليًا لسيطرتها على الرواية.
تفوّق الفن على السياسة
القول بتفوّق الفن على السياسة لا يعني أن فيلمًا واحدًا يستطيع إيقاف طائرة أو إسقاط حكومة. السياسة تملك الجيش والقانون والميزانية والمنابر الرسمية؛ أما الفن فلا يملك سوى الصورة والصوت والخيال. لكن تفوقه يبدأ من اختلاف ميدانه: السياسة تدير الممكن الآني، بينما يعيد الفن تشكيل حدود الممكن أخلاقيًا وتاريخيًّا.
تستطيع السياسة فرض الصمت، لكنها لا تستطيع ضمان النّسيان. تستطيع منع فيلم أو مهاجمة مخرجيه، لكنها حين تفعل ذلك تمنحه حياة إضافية، وتؤكد أن الصورة أصابت موضعًا حساسًا في بنيتها. وتستطيع السلطة أن تبرر أفعالها أمام جمهورها لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تتحكم إلى الأبد في الطريقة التي ستراها بها الأجيال اللاحقة.
لا يقدّم "نازا" برنامجًا انتخابيًّا، ولا يقترح تسوية دبلوماسية، ولا يتحدث بلغة البيانات الحزبية. إنه يفعل شيئًا أعمق: يعيد تأسيس السؤال الأخلاقي الذي تحاول السياسة إسكاته. ماذا يحدث للإنسان حين يصبح رقمًا في شاشة؟ كيف يتحول القتل إلى وظيفة مكتبية؟ وكيف يستطيع مجتمع أن يعيش حياته الطبيعية إلى جوار كارثة يشارك في صنعها؟
هذه الأسئلة لا تمنح المتلقي إجابات مريحة، لكنها تخلخل يقينه. والخلخلة هي البداية الحقيقية لكل تحول في الوعي؛ لأن السياسة المستبدة لا تخشى الرأي المضاد وحده، بل تخشى انهيار البداهات التي تستند إليها: أن الجيش لا يخطئ، وأن الطاعة فضيلة مطلقة، وأن الضحية مسؤولة عن موتها، وأن مَن يكشف الجريمة هو الخائن لا مَن يرتكبها.
يستحق ردّ فعل وزير الثقافة الإسرائيلي، ميكي زوهر، وقفة خاصة. فقد اتهم أبراهام وزور بـ"خيانة الدولة"، وأعلن أنه سيسعى إلى سحب الجنسية الإسرائيلية منهما، زاعمًا أن حرية التعبير لا تمنحهما الحق في خيانة بلدهما. وتكمن دلالة هذا الرد تحديدًا في أنه لا يناقش أدلة الفيلم، ولا الشهادات التي يعرضها، ولا ما يكشفه عن منظومة تحديد الأهداف؛ بل ينقل النقاش من مضمون الوثائقي إلى مدى شرعية انتماء صانعيه إلى الدولة. وهكذا يُستبدل بالسؤال الأساسي،"هل أُدرج قتل المدنيين عن معرفة مسبقة ضمن الحسابات العسكرية؟"، سؤالٌ آخر: هل يُسمح للمواطن الإسرائيلي بكشف هذه الحسابات من دون أن يفقد حقه في الانتماء؟ عندئذ تُعاد صياغة المواطنة، فلا تعود حقًا سياسيًّا أصيلًا، بل تتحول إلى مكافأة مشروطة بالطاعة والصمت. وينطوي هذا الخطاب كذلك على انقلاب أخلاقي مقلق: يُتَّهم مَن يوثّقون جرائم محتملة بالخيانة، بينما توضع المؤسسات التي يوثّقون أفعالها خارج نطاق المساءلة المشروعة. وتزداد المفارقة فداحةً حين يصدر هذا التهديد عن وزير للثقافة؛ فالمسؤول المفترض أن يحمي حرية التعبير الثقافي يحوّل الثقافة إلى أداة للضبط والعقاب، ويعرّف الفن المقبول بأنه الفن الذي يؤكد الصورة التي تفضّل الدولة أن ترى نفسها من خلالها. لذلك لا يقتصر تهديد زوهر على مهاجمة مخرجَيْن، بل يؤكد، من حيث لا يريد، الحجة المركزية للفيلم: إنه يكشف عن نظام سياسي يرتعب من الشهادة الفنية إلى درجة أنه يواجه الصورة بالعقاب، والدليل باتهام أصحابه بانعدام الولاء، والسؤال الأخلاقي بالتهديد بالمحو المدني. في تلك اللحظة، لا تدحض السياسةُ الفنَّ؛ بل تعترف بخوفها منه.
صرخة صامتة
"نازا" ليس فيلمًا عن غزة وحدها، بل عن اللغة التي تجعل غزة ممكنة؛ عن المسافة التي تفصل الضغط على زر عن الجسد الذي يتمزق؛ وعن قدرة التكنولوجيا على تحديث أدوات القتل من دون أن تطوّر الضمير الذي يتحكم بها. إنه فيلم عن الخطر الكامن حين يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر دقة، بينما يصبح الإنسان أقل إحساسًا بمسؤوليته.
وفي مواجهة جعجعة الأحزاب وتصريحات الوزراء واستعراضات القوة، يقف الفن بلا جيش وبلا جهاز إعلامي رسمي. يقف بالصورة البطيئة، وبالصمت، وبصوت شاهد لا نرى وجهه، وبسؤال يظل معلقًا بعد انطفاء الشاشة.
قد تربح السياسة المعركة لأنها تمتلك القنبلة، لكن الفن يستطيع أن يمنعها من امتلاك معنى ما فعلته. يستطيع أن ينتزع الضحية من خانة "الضرر الجانبي"، وأن يعيد إليها اسمها ووجهها ومكانها في الذاكرة. وحين تفشل السلطة في محو ضحاياها من الوعي، تكون قد خسرت شيئًا لا تعوّضه كل انتصاراتها المؤقتة.
هكذا يصرخ "نازا" بصمت. لا ينافس ضجيج السياسة، بل يكشف فراغه؛ لا يرفع صوته فوق صوتها، بل يتركها تتكلم حتى تفضح نفسها. وتلك، ربما، هي أشد صور الفن إيلامًا للسلطة: أن يحوّل لغتها هي إلى شهادة ضدها، وأن يجعل ما أرادته رقمًا عابرًا أثرًا إنسانيًا لا يزول.
وزير الثقافة الإسرائيلي يهدد بسحب الجنسية من صانعي فيلم "نازا"
