لم يكن إطلاق هذه المجلة، قبل عشرة أعوام بالتمام، بطموح أن تشهد يوماً مقالة لختام عامها العاشر، أو، أفضل القول، دخولها عامها الحادي عشر، أو، الأفضل: عقدَها الثاني.
الانطلاق كان واعياً لإمكانية أن يطرأ ظرف أو تغيُّر ينتج عنه توقف المجلة، فلا اشتراكات لقراء تضمن لها استمراريتها ولا إعلانات تجارية، وفعلاً توقفت لأشهر عام ٢٠١٩. أما التحدي التالي لإمكانية الاستمرارية فكان في الاستقلالية، وهو ما يكفي لكشفه، مسارُ المجلة وخطها التحريري المنسجم مع مقالات انطلاقتها، مع تعريفها عن نفسها والمقالات الأولى التي كتبتُها في التعريف بالمجلة. هذا الاختبار في الاستقلالية حاضر دوماً خلال العمل في المجلة، بشكل شهري أو يومي، على طول ١٠ أعوام. اختبار لا يقل في أساسيته عن الاستمرارية، فالعلاقة الجدلية بين استمرارية المجلة واستقلاليتها، أي المواصلة في النشر فيما يتعلق بحريات الشعوب والمجتمعات والأفراد في البلدان العربية، في المشرق العربي تحديداً، وأنه مستقل عن أن أي انحرافات يمكن أن تبعد المجلة عن انحيازاتها الأصلية، الثقافية الملتحمة بالسياسي، في الحق بالمقاومة لأي طغيان، أجنبي أو محلي، كما أوضحتُ في مقالات نشرتها مراراً لمناسبات إطلاق المجلة على طول العقد الماضي، وصولاً وامتداداً إلى العقد المقبل، فلا استمرارية من دون استقلالية، ولا استمرارية واستقلالية من دون هذه الانحيازات.
في العامين الأخيرين أجرت المجلة ما أسميته إعادة إطلاق، وهو تجديد جذريّ في الشكل وحيويّ في المضمون، ومن حينها لوحظ تقدماً شاسعاً في عمل المجلة، في التفاعل معها، على وسائل التواصل كما في أعداد القراءات في الموقع، وأعتقد أن المجلة استحقت مكانة المرجع في الخبر والتعليق الثقافيين الفلسطينيين. هذا كله كذلك مكشوف ويمكن الاستدلال عليه مباشرة من صفحتنا على فيسبوك. وكان التجديد الذي شهد شهوراً من التحضير، قد وصل إلى مرحلة سرّعت من هذا النضج، في الأشهر الأولى من الحرب الإبادية، إذ كان بالتضييق الخوارزميّاتي المفروض على صفحتنا على فيسبوك في الأشهر الـ ١٢ الأولى من بعد الحرب الإبادية. كان التجديد استجابة مباشرة لهذا التضييق، فحاولنا فتح منافذ جديدة، صفحتنا في انستغرام لا تزال جديدة وتتقدم، كما أننا أنشأنا مجموع واتساب ونشرة بريدية. النتيجة هي ما نراه اليوم، في القفزة العالية التي حققتها المجلة في العامين الأخيرين.
ولأن أحدنا لا يمكن إلا أن ينظر إلى الخلف، والفحص في ما يمكن تعلّمه من تجربة ١٠ أعوام، فلا بد من الحديث ولو قليلاً عن الفترة المقبلة من المجلة، وإن كان التغيير الجذري قد أجريناه في الذكرى الأولى للحرب الإبادية، في ٢٠٢٤، وقد أعلينا من التحام الثقافي بالسياسي في مضاميننا، فلا كثير تغير هنا، بعدها بعامين، سوى الاعتقاد بصحة ما فعلناه في تعزيز هذا الالتحام، ومحاولة تطويره للعقد المقبل. إضافة إلى ذلك، فإن خطة تحريرية متجددة ستبدأ مع الأول من الشهر المقبل.
ستواصل المجلة نشر ما كان الجسم الأساسي لها على طول ٩ أعوام، أي المقالات، تتناول أفكاراً وأحداثاً وإنتاجات، وهي المواد الجواهر التي تحويها المجلة، بعضها يصل عبر الإيميل من دون ترتيب مسبق، هدايا لامعة من كاتباتها وكتّابها، وبعضها ما يكون ضمن خطة النشر للمجلة يكتبها مساهمات ومساهمون يرسمون الهوية الفعلية للمجلة. لكن، بالمواصلة في ذلك، وإن ستكون بتركيز أكثر على النوعية مقابل الكمية، فإن ما استنتجتُه في العام الأخير، وكان بتجريب التوسع بشكل خاص في الأخبار الثقافية، هو أهمية الخبر لدى القرّاء، ونسبة جيدة منها كان حصرياً بالمجلة باللغة العربية، ترجمناها عن صحف ووكالات أجنبية، وبعضها نال انتشاراً عربياً من بعد نشرها بالمجلة، وبعضها يكون منشوراً بمضامين سياسية تصيغها الصحافة الأجنبية مصدرَ الخبر، تعيد المجلة صياغته لنشر الخبر صحيحاً وموضوعياً من موقع أصحاب الحق، الفلسطينيين. هذا كله كان تجريبياً في الفترة الأخيرة، وهو ما أظهر لنا أهمية المادة الخبرية إلى جانب المقالة، فإن كانت المقالة تعمّر اسم المجلة وتجعل له حيزاً متميزاً ومحترماً، ضمن خارطة الصحافة العربية، ومكانةً متقدمة ضمن خارطة الصحافة الثقافية العربية، فإن الخبر يتعلق، أكثر، بمسؤولية المجلة في نشر أخبار عُتّم عليها أو دُفعت إلى الخلف أو قُدّمت بصياغة استعمارية.
تغييران إذن مرتقبان في الفترة المقبلة، وإن لم يكونا انتقاليين فعلاً، فكما ذكرتُ كان العام الأخير تجريبياً في ذلك، وشهدتُ اهتماماً كبيراً من قبل القراء، إضافة إلى الإحساس بالمسؤولية من قبل المجلة، فكانت الأخبار الثقافية لا في الصدارة بل لصيقة خلف المادة المقالية. ستركز المجلة أكثر في ذلك، أما التغيير المرتقَب الآخر فهو توسعة هذا النوع الصحافي.
المادة الخبرية الثقافية الفلسطينية ستتوسع لتصير مادة خبرية ثقافية مشرقية كحال المقالة عندنا، لبنانية وسورية وأردنية، وهذا ما يسمح لتوسعة في جمهور المجلة وقرائها. وستكون هذه الأخبار انعكاساً للأخبار الفلسطينية السابقة في المجلة، بمعنى أن الخبر سيكون ما يتعلق بالحالة السياسية في كل من هذه البلدان الثلاثة، بل في انحيازاتٍ تحرّرية ضمن هذه البلدان، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وذلك لأن المجلة، من يومها الأول، عرّفت الصحافة الثقافية بوصفها سياسية، وهي إن كانت كذلك في طبيعتها بغض النظر عن السياق، فإنها كذلك لضرورتها في سياقات فلسطينية، و، الآن، لبنانية وسورية للظرف السياسي.
لا أعرف إن كانت المجلة ستستمر لعشرة أعوام إضافية، لكني أكيد أنها من نوع المجلات التي يمكن أن تواصل بميزانية صفر، بتغييرات طفيفة يمكن أن تسمح بذلك. أعرف، رغم ذلك، أن وضعها مستقر على المدى المنظور، وأن هذه الاستمرارية وهذا الاستقرار مرفقان بثالثهما وهي الاستقلالية التحريرية. ندخل عقدنا الجديد مطمئنّين في استقرار استمراريتنا واستقلاليتنا. أعرف، فوق كل ذلك، أن الحالة السياسية اليوم، فلسطينياً ولبنانياً وسورياً تحديداً، تفرض على المجلة مسؤولية ثقافية وصحافية ليست "رمان" في ترف أن تتخلى عنها أو تساوم عليها، ولن تفعل لأن هذه المسؤولية جوهرية في هوية المجلة، كحال اسمها ولونها.
