عاد المخرج اللبناني كريستيان غازي (1934–2013) إلى الواجهة من باريس، في الدورة الثامنة والأربعين من مهرجان «سينما الواقع» (21–28 مارس). هناك، داخل برنامج خاص حمل عنوان «فلسطين: طرق الرفض»، عُرض فيلمان من أعماله الناجية (تولى «نادي لكُل النّاس» ترميم الفيلمين)، تلك التي أفلتت من الحرق والضياع، إلى جانب طيف واسع من الأفلام الفلسطينية أو تلك التي تُقارب فلسطين من زوايا سياسية وجمالية متعدّدة.

ليس من السهل القبض على كريستيان غازي في تعريف واحد. الرجل الذي تنقّل بين أنطاكيا وسوريا قبل أن يستقر في لبنان لم يكن مجرّد مخرج، بل مشروعاً فكرياً وسياسياً وجمالياً متكاملاً. ثوريٌّ لينيني، شاعر وموسيقي ومسرحي وصحافي، لكنه قبل كل شيء صانع صور تُقاتل. من «الفدائيون» (1967) إلى «الحياة في المخيمات»، «الوجه الآخر للاجئين»، وصولاً إلى «نعش الذاكرة» (2001)، رسم غازي خطاً سينمائياً لا يشبه أحداً. خطّ يزاوج بين الالتزام السياسي الصريح (التحرير، المقاومة، نقد البنية الطبقية) وبين نظرة نقدية حادّة إلى اللحظة التاريخية التي عاشها.
بين 1964 و1988 صنع 41 فيلماً وثائقياً. لم ينجُ منها الكثير. أُحرقت أفلامه الأولى بأمر من وزارة السياحة لأنها «تخريبية»، ثم أُتلفت بقيتها حين اقتحمت الميليشيات منزله عام 1988 وأحرقت النيغاتيفات لتتدفأ بها. ومع ذلك، بقي أثره.
غازي مخرج راديكالي تجريبي، أفلامه لا تشبه أي شيء آخر في السينما اللبنانية أو العربية وقتها. مزج فيها الوثائقي بالروائي بالتجريبي، وكان من أوائل من دفعوا بالصوت والصورة إلى مناطق غير مأهولة. شريط صوت أفلامه وحده بتقطيعاته، طبقاته، وجرأته، كان كافياً ليعلن أن غازي يعمل خارج كل القوالب، وأنه يبتكر لغة سينمائية تخصّه وحده.
«لماذا المقاومة» (1971)
عام 1970، انطلق غازي برفقة نور الدين شتي في رحلة ميدانية للقاء شخصيات عربية وفلسطينية مقيمة في لبنان. من تلك اللقاءات خرج فيلم «لماذا المقاومة» العمل الذي يمكن اعتباره البيان الفكري الأكثر صفاءً في مسيرة غازي، والنافذة التي تكشف جوهر رؤيته السياسية والسينمائية في آن واحد.
في ساعة واحدة فقط، يفتح الفيلم أرشيفاً حيّاً من الذاكرة الفلسطينية. غسان كنفاني، صادق جلال العظم، نبيل شعث وغيرهم، يتحدثون عن بدايات النضال، عن الإضرابات الأولى، عن التظاهرات الشعبية التي سبقت النكبة، وعن ضرورة حمل السلاح دفاعاً عن فلسطين. لا يقدّم غازي مقابلات بقدر ما يقدّم خريطة وعي تمتد من الاحتلال العثماني إلى الانتداب البريطاني وصولاً إلى النكبة، كأن الفيلم يعيد تركيب التاريخ ليكشف منطق المقاومة لا سرديتها فقط.
"فلسطين: أشكال الرفض": احتفاء من مهرجان "سينما الواقع" بباريس
يستخدم غازي لغة سينمائية هادئة، شبه متقشّفة، لكنها مشحونة بغضب سياسي لا يهدأ. يضعنا أمام خريطة فلسطين، أمام المخيمات، أمام الطرق التي طُرد منها الفلسطينيون براً وبحراً. يلتقط صوراً من قلب المخيمات، ويحوّلها إلى وثيقة تُظهر كيف تحوّل الجرح الفردي إلى وعي جماعي. الفيلم غنيّ بأرشيف بصري نادر، ومن خلال عنوانه، يطرح غازي سؤالاً يبدو بسيطاً لكنه يفتح أبواباً واسعة: لماذا المقاومة؟ يسأل عن تاريخها، عن أهدافها، عن ضرورتها، وعن معنى أن تكون فلسطين محرّرة وديمقراطية. جميع من يظهرون أمام الكاميرا يؤكدون أن الدفاع عن فلسطين ليس خياراً سياسياً بل ضرورة وجودية. وفي ختام الفيلم، يترك غازي جملة: «حين تفقد العلاقة بين العرب وفلسطين اتجاهها، تصبح المقاومة مطالبة بإعادة تعريف نفسها، لأن العدالة وحدها قادرة على فتح باب السلام.» بهذا المعنى، لا يكتفي «لماذا المقاومة؟» بتوثيق لحظة سياسية، بل يقدّم بوصلة فكرية للسينما البديلة في لبنان، ويؤسس لما سيُعرف لاحقاً بتقاليد «السينما المسلحة» أو «السينما الثالثة» في المنطقة.

«مئة وجه ليوم واحد» (1969)
في ذروة اليسار اللبناني، وفي لحظة كانت فيها القضية الفلسطينية قلب الحركة السياسية، قدّم كريستيان غازي واحداً من أكثر أفلامه راديكالية وجرأة: «مئة وجه ليوم واحد». فيلم يخلط الروائي بالوثائقي بالتجريبي، ويغوص في تناقضات المجتمع اللبناني. الطبقية، الاستهلاك، اللامبالاة، المثقف الحائر، الفنان الممزّق، والفدائي الذي يحمل أكثر من وجه. الفيلم ليس سرداً تقليدياً، بل كولاج بصري وصوتي يضع الغني والفقير جنباً إلى جنب، العمل والترفيه، الفلاح والمقاتل، المرأة الفدائية، البرجوازي الصغير والماركسي المتأنّق الذي يقرأ ماو. لا يقسّم غازي العالم إلى خير وشر، بل يكشف تشابك الطبقات والوجوه، ويُظهر كيف يمكن لشخص واحد أن يحمل تناقضات مجتمع كامل. عمل هجائي، سياسي، طبقي، يهاجم البرجوازية البيروتية في زمن «العصر الذهبي»، ويكشف هشاشة هذا الازدهار المصطنع. يخلط الخيال بالوثائقي، ويستخدم صوتاً متعدد الطبقات ومونتاجاً متقطعاً، ليصنع عملاً أقرب إلى مقالة سينمائية، منشوراً سياسياً، قصيدة غاضبة.
من العامل الذي يبدأ نهاره في الورشة وينهيه فدائياً عند المساء، ينتقل غازي بين وجوه المجتمع اللبناني. يلتقط كل وجه كأنه طبقة من تاريخ كامل. الأمّي الذي يطالب بالمعرفة، المثقف الذي يحاور نفسه، الفنان الممزّق بين الرغبة في التغيير والخوف من العجز. يصنع غازي من هذه الوجوه فسيفساء حية عن لبنان تلك المرحلة.
الفيلم رحلة متعددة الأوجه والأبعاد، تُروى بأسلوب غير سردي، تجريبي، غامر، يرفض الخط المستقيم ويستبدله بحركة دائرية، متكسّرة، تُشبه ارتباك اللحظة نفسها. كتب غازي السينما من خلال الصور والأصوات والكلمات، لا من خلال الحكاية. جعلنا نرى السحر في الصورة الخام، في الوجوه التي لا تمثّل، في الأصوات التي تُفجّر المعنى. لوحة واسعة تُرمى فيها المسارات في كل الاتجاهات، تتقاطع فيها الانعكاسات، وتُبنى جسور غير متوقعة بين المواضيع والأماكن. إنه لغز جميل يضعنا في حالة عدم استقرار مقصودة: لا نعرف أين يبدأ الخط الروائي ولا أين ينتهي الوثائقي، ولا نعرف إن كنا نشاهد الواقع أم انعكاسه. لكن هذا الارتباك هو جوهر التجربة.
