«الجانب الآخر من الشمس»: الألم وحده لا يكفي

من الفيلم، معدلة.

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

لا شيء في هذا يقلل من قيمة الفيلم كوثيقة، ولا يشكك في نوايا صاحبه، الذي وضع نفسه شخصياً في مواجهة أقسى ذكرياته. لكن الواجب هو التمييز بين التأثر بموضوع لا يمكن لأي إنسان أن يبقى بارداً أمامه، وبين انبهار بصنعة سينمائية قائمة بذاتها،

للكاتب/ة

في المقابل، يقترب «الجانب الآخر من الشمس» أكثر من منطق الشرح. الرجال الخمسة يبقون، رغم كل قربهم الجسدي من الكادر، أقرب إلى رموز للناجي منهم إلى أفراد نتعرف إليهم خارج لحظة الشهادة.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

26/08/2026

تصوير: اسماء الغول

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

شفيق طبارة

ناقد سينمائي، يكتب في عدة صحف ومجلات عربية، يغطي سنويا عدداً من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية. عمل كمدير فني لمهرجان "نورينت" في سويسرا. ويعمل مستشاراً فنياً لعدد من شركات الإنتاج العربية والعالمية. أصبح هذا العام مصوت دولي لجوائز الغولدن غلوب.

هناك فرق في السينما الوثائقية بين اللحظة التي تسجّلها واللحظة التي تصنعها الكاميرا. الانفعال أمام الشاشة قد يكون انفعالاً بما بنته الصورة فعلاً، أو انفعالاً بواقع تختصره الصورة من دون أن تُعيد بناءه فنياً. هذا الفرق يحدد جوهر ما يجعل فيلماً وثائقياً عملاً سينمائياً ناجحاً، لا مجرد وثيقة مؤثرة تستمد قوتها من هول موضوعها. ثمة تعريف للسينما الوثائقية بأنها «معالجة إبداعية للواقع»، وهذا التعريف ما زال يذكّرنا بأن مادة الوثائقي الخام تمر دائماً عبر طريقة تحولها الفنّية. بمعنى آخر، الوثائقي السينمائي لا يكتفي بنقل حدث واقعي مؤثر، بل يبني حوله لغة بصرية وسردية مستقلة، قادرة على أن تكون فناً حتى لو جُرّد الحدث من صدمته الأولى.

«الجانب الآخر من الشمس» (2026)، للمخرج السوري البلجيكي توفيق صابوني، عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي، وحصد ثلاث جوائز -جائزة لجنة التحكيم، وجائزة فيبريسي، وجائزة الجمهور- في أول عرض عربي له بمهرجان عمّان السينمائي. يحمل في صلبه واحدة من أثقل الحكايات التي أنتجتها المنطقة في العقد الأخير. خمسة رجال ناجون من سجن صيدنايا، ذلك المكان الذي عُرف في الذاكرة الجماعية السورية باسم «ورا الشمس»، يعودون إليه بعد سقوط نظام الأسد ليعيدوا بناء ما حاول ذلك المكان محوه منهم: أجسادهم، وأصواتهم، وإنسانيتهم. كلما اقتربوا من البوابات، صار الخوف يتسرب إلى أصواتهم، حتى وهم يعرفون أن لا حرّاس هناك، ولا جنود، ولا أي سلطة تحرسهم اليوم. يتردد بعضهم على العتبة، يرتجف، يبكي، رغم أن المبنى أُفرغ من كل من كان يحرسه طوال أكثر من نصف قرن. لم يبقَ من ذلك الزمن سوى الجدران، وذاكرة الرجال أنفسهم، وحضور من لم يخرجوا من هناك أحياء.

هذا موجع، وضروري أن يُروى. يستحق الفيلم أن يُشاهد بلا تردد، ولو فقط للمشهد الذي يقف فيه الرجال الخمسة أمام دمية هزيلة صنعها صابوني ليجسّد هزال أجسادهم في الأسر، فيعلّق أحدهم بجملة واحدة قاسية أن كل من مات معهم كان يشبهها. أو لمشهد إعادة تمثيلهم مشيتهم المنحنية، أيديهم المتشابكة، أعينهم المثبّتة على الأرض تفادياً لأي تواصل بصري مع حارس، وهو الحذر الذي يروي أحدهم كيف تحوّل مع الوقت إلى ظنّ بأن الحراس عمالقة، قبل أن يكتشف صدفة أن أحدهم مجرد رجل صغير الحجم. هذه اللحظات هي ما يبقى في الذاكرة بعد خروج الصالة، وهي أيضاً ما يجعلنا نسأل: هل ما يحرّك المُشاهد هنا صناعة سينمائية، أم أن الموضوع نفسه، بثقله التاريخي والسياسي، كاف وحده لتحريك أي إنسان بمعزل عن المعالجة على الشاشة؟ 

هذا التناقض بالذات هو ما يستحق النقاش، لأن الفيلم، رغم كل ما يحمله من إرث ووجع، لا يترك الأثر السينمائي المتوقَّع من مادة بهذه الكثافة. اختيار صابوني الاعتماد على إعادة التمثيل داخل الموقع الفعلي، بدل الأرشيف أو الشهادات المباشرة أمام الكاميرا، قرار جريء وذكي. فهو يحوّل المكان من مسرح جريمة صامت، إلى مساحة استعادة فعلية. لكن هذا الأسلوب، في تنفيذه، يبقى في الغالب حرفياً أكثر مما هو مبتكر. المشاهد تُخبرنا بما حدث أكثر مما تجعلنا نكتشفه، والكاميرا تكتفي غالباً بمرافقة الرجال بدل أن تبني معهم لغة بصرية خاصة بها. التعليق الصوتي والدمية الرمزية التي تجسّد هزال الأجساد أدوات تفسيرية بامتياز، تشرح المعنى بدل أن تتركه يتشكّل داخل الصورة نفسها.

المقارنة مع تجارب أخرى في السينما الوثائقية العالمية تكشف حجم الفارق بين موضوع ثقيل ومعالجة سينمائية مستقلة عنه. المخرج الصيني وانغ بينغ، الذي بنى مسيرته على توثيق المهمّشين والناجين من محطات قاسية في تاريخ الصين الحديث، يقدّم في فيلمه الطويل جداً (تسع ساعات تقريباً) «أرواح ميتة» (2018، «Dead Souls») شهادات ناجين من معسكر جيابيانغو، أحد معسكرات العمل القسري التي ابتلعت الآلاف في خمسينيات القرن الماضي، موضوع لا يقل قسوة عن صيدنايا. لكن وانغ بينغ لا يلجأ إلى إعادة التمثيل ولا إلى تعليق صوتي شارح، بل يترك كاميرته تجلس في بيوت الناجين، بلقطات طويلة تمتد أحياناً لساعات، تاركاً للصمت والتلعثم واللحظة التي يبحث فيها أحدهم عن كلمة نسيها أن تتشكل أمام المشاهد بلا تدخل. القوة هناك فنّية بقدر ما هي أخلاقية، نتاج قرار جمالي واعٍ بالمكوث والصبر، لا نتاج الموضوع بحد ذاته. المخرج الإيطالي جانفرانكو روسّي يخدم الفكرة ذاتها من زاوية معاكسة، في «نار في البحر» (2016، «Fire at Sea»)، وهو يتناول أزمة الهجرة عبر المتوسط من جزيرة لامبيدوزا، يقضي عاماً كاملاً يعيش على الجزيرة قبل أن يرفع الكاميرا، ثم يبني فيلمه حول طفل محلي لا علاقة مباشرة له بالمهاجرين، تاركاً مأساة العبور تتسرب إلى الفيلم من الأطراف، بلا تعليق صوتي ولا مقابلات تقليدية توضّح الموقف السياسي. هذا الإصرار على المقاربة غير المباشرة، على ترك الفراغ يتكلم بدل ملئه بالشرح، هو ما يمنح أفلام روسّي وزناً فنياً مستقلاً عن جسامة موضوعها، ويحول قصة إخبارية معروفة إلى تجربة سينمائية لا يمكن اختصارها بنشرة أخبار.

في المقابل، يقترب «الجانب الآخر من الشمس» أكثر من منطق الشرح. الرجال الخمسة يبقون، رغم كل قربهم الجسدي من الكادر، أقرب إلى رموز للناجي منهم إلى أفراد نتعرف إليهم خارج لحظة الشهادة. لا نعرف كيف كانت ردة فعلهم حين طُلب منهم المشاركة، ولا شكوكهم، ولا حياتهم الحالية، وظائفهم، عائلاتهم. غياب هذا البعد الشخصي، مقارنة بصبر وانغ بينغ في الجلوس مع ناجيه لساعات، أو بمراوغة روسي وابتعاده عن المباشرة، يجعل التعاطف مع الفيلم أقرب إلى تعاطف تلقائي، شبه مضمون سلفاً، مع أي إنسان نجا من صيدنايا بحكم كون الاسم نفسه كافياً لاستدعاء الفظاعة، لا تعاطفاً بُني تدريجياً عبر مسار درامي صنعته السينما نفسها.

لا شيء في هذا يقلل من قيمة الفيلم كوثيقة، ولا يشكك في نوايا صاحبه، الذي وضع نفسه شخصياً في مواجهة أقسى ذكرياته. لكن الواجب هو التمييز بين التأثر بموضوع لا يمكن لأي إنسان أن يبقى بارداً أمامه، وبين انبهار بصنعة سينمائية قائمة بذاتها، قادرة على الوقوف حتى لو جُرّد موضوعها من ثقله التاريخي. «الجانب الآخر من الشمس»، ينجح في الأول أكثر بكثير مما ينجح في الثاني.

الكاتب: شفيق طبارة

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع