سبعة أفلام أولى، من سبع جغرافيات مختلفة، تتنافس هذا العام على جائزة أفضل فيلم غير عربي في مهرجان عمّان السينمائي - أوّل فيلم، أمام لجنة تحكيم تضم الممثل الفلسطيني صالح بكري، والمؤلفة الموسيقية سعاد بشناق، والمخرج الفلبيني بريانتي مندوزا. ورغم تباعد الجغرافيا، من الحي الصيني في نيويورك إلى لاغوس، ومن بيلو هوريزونتي إلى مخيمات الغجر على أطراف مدريد، وصولاً إلى جنوب أفريقيا زمن الفصل العنصري وقاعات المحاكم البلجيكية وبيوت ألمانيا الهادئة، إلا أن خيطاً واحداً يشدّ هذه الأفلام إلى بعضها: إنها سينما مَن يقفون على هامش القرار، ويقاومون أنظمة أكبر منهم: نظام هجرة، نظام عنصري، نظام قانوني، أو ببساطة نظام النسيان الذي يفرضه المرض.
في كل هذه الأفلام، العائلة هي الملجأ الأخير والساحة الأولى للمواجهة: أب يحاول حماية أطفاله من عالم لا يرحم، أم تقاتل من أجل حضانتها، جدّ يرفض التخلي عن أرضه، ابن يرث عبء حلم ليس حلمه. والعنصرية، حين تحضر، لا تُعرض كحادثة تاريخية منتهية، بل كبنية ما زالت تعيد إنتاج نفسها. سبعة مخرجين، في باكورة تجربتهم الروائية، يقدّمون هنا رؤيةً جديدة لسينمائيي الغد.

في «لو المحظوظ»، يرسم لويد لي تشوي صورة مكثّفة لانهيار حياة مهاجرٍ خلال يومين في نيويورك: لو، سائق توصيل صيني يحلم بمطعمه الخاص، تغدو حياته ركضاً بين الديون والوعود المكسورة، سعياً لإنقاذ ما تبقّى من حلمه، في استعادة معاصرة لـ«سارقو الدراجة» لفيتوريو دي سيكا داخل الحيّ الصيني. لا أثر هنا لنيويورك السياحية، بل مدينة مظلمة تُغرقها أضواء نيون، حيث ينزاح الواقع الاجتماعي نحو خيار جمالي صريح يليق بـ48 ساعة من اليأس المطل..
من نيويورك إلى لاغوس، ينتقل الغياب من ثقل الحاضر إلى ثقل الذاكرة، في «ظل أبي»، يبني أكينولا ديفيز جونيور فيلمه الروائي الأول حول الأب كما يراه الطفل، كائن يصعب الإمساك به. نيجيريا، يونيو 1993: فولارين يستعد للسفر إلى لاغوس مطالباً بأجوره المتأخرة، فيُصرّ ابناه الصغيران على مرافقته، فيما تتسلل السياسة كالهواء إلى يومهما، وسط أمل هشّ بنهاية حكم العسكر بعد رفض الجيش تسليم السلطة لمن فاز بها. «ظل أبي» يرفض الشرح، ويروي كل شيء من خلال حواس طفلين لا يفهمان العالم بعد لكنهما يحفظانه كاملاً، أحد أروع الأفلام الروائية الأولى في السينما الأفريقية أخيراً.
وإذا كان الغياب هناك سياسياً، فهو في «سرّنا» غياب يتركه الموت. في بيلو هوريزونتي، تعيش عائلة برازيلية تحت وطأة خسارة أليمة تركت البيت معلّقاً بين الذكريات والكوابيس، فيما يحمل الطفل الأصغر سرّاً يعرف أنه وحده قادر على فتح باب المواجهة، لكن أحداً لا يسمعه. تقدّم المخرجة غريس باسو فكرتها المحورية، أن الحزن عبءٌ لا يحدده وقوعه بل طريقة حمله، عبر شبكة قصص متشابكة واستعارات جريئة لتجليات الحزن الصامتة، من انقطاع الكهرباء إلى تعفن خفيّ ينمو عبر الجدران.

من بيوت الفقد إلى بيوت مهددة بالزوال، يأخذنا «مدينة بلا نوم» إلى أطراف مدريد، حيث يعيش توني، الفتى الغجري ذو الخمسة عشر عاماً، مع عائلته في أكبر مخيم عشوائي في أوروبا، عالمٌ هامشي نادراً ما تمنحه السينما الأوروبية مساحة للنظر أو الإصغاء. فخور بجذوره وبمهنة جمع الخردة، يلازم جدّه المُصرّ على البقاء رغم اقتراب الجرافات، ليجد نفسه أمام خيار مؤلم: ماذا يترك خلفه، وما الذي يستحق أن يُقاتَل من أجله. يركّز غييرمو غالوي على الفجوة بين الأجيال أكثر من المواجهة المباشرة مع القانون، تاركاً الكاميرا تتأمل عالماً له ديناميكياته وجمالياته وقواعده الخاصة، على حافة الزوال.
ومن مقاومة الإخلاء إلى مقاومة من نوع آخر، تنتقل الحكاية إلى قاعة محكمة. في «نُصدّقكِ»، تقف أليس أمام القاضي مدركة أن أي تردّد قد يكلّفها أطفالها، فتواجه الأب الذي يحاول انتزاع حضانتها فيما تُحاكَم هي على خوفها وصمتها. يروي شارلوت ديفيلير وأرنو دوفي تفاصيل جلسة المحكمة بشكل شبه فوري، في سردٍ بسيط ظاهرياً لكنه مشوّق ومتعدد الطبقات، يتناول العنف الأسري بحدّةٍ نادراً ما بلغتها السينما الفرنسية البلجيكية.
وإذا كانت أليس تقاتل أمام القاضي، فإينوش في «مغسلة» يقاتل أمام نظام بأكمله. في جنوب أفريقيا عام 1968، يتحايل على قوانين الفصل العنصري لإبقاء مغسلة عائلته قيد التشغيل، وحين يُعتقل تقع المسؤولية على عاتق ابنه كوثالا الذي لا يريد شيئاً من هذا الإرث، وقلبه ينبض بالجاز بدلاً من ذلك. يطرح الفيلم سؤالاً، كيف يجرؤ المرء على الحلم في مجتمع يُحرم فيه من حقه في تقرير مصيره؟ في زمن تسعى فيه حركات الظلم إلى تحريف التاريخ، يصبح تحدي المخرجة الجنوب أفريقية زوما مخوانازي للرواية التحريفية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وفي مقابل عبء التاريخ والنظام، يختم «رجل يتلاشى» المجموعة بخفّة أخرى: هانه وبيرند، زوجان تآكل بريق حياتهما مع السنين، حتى يطرق كورت، زوج هانه السابق، بابهما فجأة وقد محا الخرف ذكرى طلاق مضى عليه ثلاثون عاماً. وجوده يعيد إلى البيت خفّة وحميمية ظنّا أنهما تجاوزاهما، لكنه يفتح أيضاً سؤالاً بلا إجابة سهلة، ماذا يبقى من الحبّ حين تخونه الذاكرة؟ يقدّم ولف راينهارت، في باكورته الروائية، حكاية رقيقة وساخرة نادراً ما تلتفت السينما إلى أبطالها في الستينيات من العمر، معوّضاً عن مجازفاته السردية برقة تجاه الشخصيات ونظرة حزينة إلى التعاطف.
