منقذو فالتر بنيامين المحتملون (ترجمة)

Image: The New European. Modified.

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

وطوال ثلاثينيات القرن العشرين، حاول شولِم إقناع بنيامين بالهجرة، بل حصل له على وظيفة في الجامعة العبرية. لكن بنيامين لم يكن صهيونيًا، ولم يكن متحمسًا للانتقال إلى فلسطين.

للكاتب/ة

«فقط ذلك المؤرخ الذي يمتلك موهبة إذكاء شرارة الأمل في الماضي، هو من يقتنع اقتناعًا راسخًا بأن حتى الموتى لن يكونوا في أمان من العدو إذا انتصر. والعدو لم يتوقف عن الانتصار.»

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

01/06/2026

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

كتبها إيلي زاريتسكي ونشرت في "لندن ريفيو أوف بوكس" في ١ أيار ٢٠٢٦.

لفهم حياة فالتر بنيامين، من الأفضل البدء بموته. أثناء محاولته الفرار من فرنسا، المحتلة من قبل النازيين، انتحر في 26 سبتمبر/أيلول 1940، في قرية بورتبو في كاتالونيا. وُلد عام 1892 في عائلة ثرية في برلين، وكان خلال سنوات دراسته قوة فكرية استثنائية، وناشطًا مناهضًا للحرب وصحافيًا. لكن بعد وصول هتلر إلى السلطة عام 1933، أصبح منفيًا فقيرًا ومعزولًا في باريس، يكتب ويجري أبحاثه في المكتبة الوطنية الفرنسية. وقد كتب صديقه غيرشوم شولِم عنه لاحقًا:

«لم يكن فيه شيء من طابع البوهيمي. في تلك الأيام كان له بطن صغير بارز قليلًا… لا أعتقد أنني رأيته يومًا من دون ربطة عنق… أحيانًا كان يبدو خلف نظارته المستديرة ذا تعبير بومي عميق، وكان يحتاج المرء إلى بعض الوقت ليقرر إن كان يسخر مما قاله للتو بصوت عال.»

عندما غزا الألمان فرنسا، توجه بنيامين جنوبًا إلى لورد مع مجموعة من اللاجئين ضمّت صديقته الأخرى حنّا آرنت. وفي مخيم اللاجئين رأى حلمًا تنبأ بنهايته:

«وجدنا أنفسنا في حفرة. رأيت في أسفلها تقريبًا أسرّة غريبة. كانت تشبه التوابيت في الشكل والطول، كما بدت وكأنها مصنوعة من الحجر. لكن عندما جثوت في منتصف الطريق رأيت أن المرء يمكن أن يغوص فيها برفق كما لو أنه يدخل إلى سرير. كانت مغطاة بالطحالب واللبلاب.»

ورغم أنه لم يكن قد تجاوز الثامنة والأربعين، فقد بدا كرجل عجوز. وقد أضعفه فشل قلبي، لكنه مع ذلك أثبت صلابته لمرشديه عبر تسلقه الشاق لمسار جبلي باتجاه الحدود الإسبانية. وتتذكر ليزا فيتكو، وهي عضو في المجموعة التي عبرت معه وآخر شخص رآه حيًا:

«لقد خطط لعبوره بعناية، وكان يتوقف على فترات منتظمة، أظن كل عشر دقائق تقريبًا، ليستريح ربما دقيقة واحدة.»

وقال لها:

«بهذه الطريقة سأتمكن من الوصول حتى النهاية. أستريح على فترات منتظمة قبل أن أُستنزف. لا تستنفد نفسك بالكامل أبدًا.»

فكرت: «يا له من رجل غريب. عقل شديد الصفاء، وقوة داخلية لا تلين، ومع ذلك أخرق على نحو يبعث على اليأس.»

وفي اللحظة التي بدا فيها الخلاص قريبًا، أعلنت السلطات الإسبانية أنها لن تستقبل لاجئين جددًا. عندها تناول بنيامين الجرعة الوحيدة من المورفين التي كان يحملها. وكان قد احتفظ بحقيبة أوراق معه، لكنها وُجدت فارغة. ماذا كان بداخلها؟ ربما، بحسب المحلل النفسي جورج مكاري، «الأصوات الهادرة للاجئين والمنفيين عبر التاريخ، كل مراثيهم وضحكاتهم وقصصهم، وكل اتهاماتهم واعترافاتهم، جميعها محررة من النسيان». وفي اليوم التالي، أعادت السلطات، وربما بسبب انتحاره، فتح الحدود.

في وقت وفاة بنيامين، كان ثلاثة أصدقاء يحاولون إنقاذه. الأول كان شولِم، الذي جاء من الوسط البرليني اليهودي الألماني المندمج نفسه الذي جاء منه بنيامين. كان شولِم أصغر من بنيامين بست سنوات، وقد جمعتهما صداقة مراهقة عميقة، درسا خلالها الكتاب المقدس العبري والقبّالة والنظريات الصوفية للغة. وما سماه بنيامين، في رسالة إلى الفيلسوف مارتن بوبر، «مشكلة الروح اليهودية» يظهر كثيرًا في أفكاره اللاحقة. هاجر شولِم من ألمانيا إلى فلسطين عام 1923، وهناك حافظ على أرشيف كتابات بنيامين، وأهدى عمله الكبير الأول «الاتجاهات الكبرى في التصوف اليهودي» الصادر عام 1941 إلى صديقه. وطوال ثلاثينيات القرن العشرين، حاول شولِم إقناع بنيامين بالهجرة، بل حصل له على وظيفة في الجامعة العبرية. لكن بنيامين لم يكن صهيونيًا، ولم يكن متحمسًا للانتقال إلى فلسطين.

أما الصديق الثاني الذي حاول إنقاذ بنيامين فكان برتولت بريشت، الذي شاركه استكشاف العلاقة بين التكنولوجيا والفن والمجتمع الجماهيري في عصر الفاشية الصاعدة. أصبح الاثنان صديقين بعد أن اضطر بنيامين إلى مغادرة الوسط الأكاديمي عام 1925، حين رُفضت أطروحته التأهيلية لنيل أعلى درجة جامعية. وبعد أن انغمس في التيارات الطليعية الموجهة نحو كل من الاتحاد السوفييتي، حيث عاش بنيامين شهرين، والولايات المتحدة، التقى بريشت عام 1929. وكان بريشت، الماركسي الملتزم، يرى المسرح السائد نوعًا من التطهير للمجتمع البرجوازي، يعزز الامتثال والرضا عن الذات. ورفض فكرة أن يتماهى المتفرجون عاطفيًا مع الشخصيات، وسعى بدلًا من ذلك إلى تجريد الحدث المسرحي من «صفته البديهية والمألوفة والواضحة». وكان هدفه خلق الدهشة والفضول والوعي السياسي بدلًا من التطهير العاطفي.

كان لدى بريشت منزل في الدنمارك، وكان بنيامين يزوره كثيرًا. وقد كتب أحد أفراد دائرة بريشت: «كلما اجتمع بنيامين وبريشت في الدنمارك، كانا يلعبان الشطرنج بصمت، وعندما كانا ينهضان، يكونان قد أجريا محادثة كاملة.»

وكما فعل شولِم، حاول بريشت مساعدة بنيامين، فدعاه إلى الدنمارك لسنوات قبل الغزو النازي، لكن بنيامين لم يشأ مغادرة باريس. وعندما سمع بريشت بخبر موت بنيامين، كتب قصيدة بعنوان: «إلى فالتر بنيامين الذي قتل نفسه أثناء فراره من هتلر»:

«تكتيكات الاستنزاف كانت ما تستمتع به
وأنت جالس إلى رقعة الشطرنج تحت ظل شجرة الكمثرى.
ثم طردك العدو من كتبك؛
أما أمثالنا؟ فقد سُحقوا وخُدعوا في اللعبة.»

أما ثالث أصدقاء بنيامين الذين حاولوا إنقاذه فكان تيودور أدورنو، الذي مثّل، مع ماكس هوركهايمر، معهد البحوث الاجتماعية التابع لمدرسة فرانكفورت في منفاه بنيويورك.

كانت علاقة بنيامين بمدرسة فرانكفورت معقدة. فقد كان أدورنو، الذي درس الموسيقى والأدب الطليعيين وكان أصغر من بنيامين بأحد عشر عامًا، يعتبر بنيامين «معلمه الوحيد». لكن من جهة أخرى، كان بنيامين يعتمد اقتصاديًا على أدورنو، الذي كان يحاول تأمين منصب تدريسي له في كوبا. وكان بنيامين في طريقه إلى نيويورك عبر إسبانيا ليقبل عرض أدورنو عندما توفي.

يمثل هؤلاء الأصدقاء الثلاثة الأقطاب الثلاثة لمسار بنيامين الفكري: فقد جسّد شولِم الإرث الخلاصي لليهودية، وجسّد بريشت الإمكانات الراديكالية للطليعيات الفنية، بينما مثّل أدورنو محاولة تحويل الماركسية إلى نظرية للثقافة ولما سماه بنيامين «بنية التجربة». وكان الثلاثة جميعًا يسعون إلى إبقاء التقليد النقدي الثوري حيًا في مواجهة الفاشية. وقد صاغ كل واحد منهم بدائل غير تقليدية لكل من الليبرالية والشيوعية. كما ساهم كل منهم في التحول الذي أنتج اليسار المعاصر: اليهودية الخلاصية، وفنون الأداء الطليعية، والنظرية النقدية الفرويدية الماركسية. أما بنيامين، الذي كان يحاول تفسير الكيفية التي «يعبّر» بها الاقتصاد الرأسمالي عن نفسه، فقد استند إليهم جميعًا واختلف عنهم في الوقت نفسه.

ومن الأدلة على الألفة الفكرية بين أصدقائه الثلاثة لوحة بول كلي «أنجيلوس نوفوس»، وهي طباعة مونوغرافية بالألوان المائية والزيت المنقول، اشتراها بنيامين بألف مارك، أي ما يعادل نحو ثلاثين دولارًا بقيمة اليوم، في ميونيخ عام 1921. وقد تذكر أحد أصدقائه كيف أن هذا «الرجل الخجول والمكبوت» تصرف كما لو أن شيئًا مدهشًا قد مُنح له. وكان بنيامين يعلق الرسم في كل شقة عاش فيها، وسمّى مجلته الأدبية باسمه، واستخدمه ليربط بين الطليعة الفنية في تلك المرحلة وأسطورة تلمودية عن ملائكة تُخلق وتُدمَّر باستمرار. وكتب: «هكذا يتخيل المرء ملاك التاريخ.»

عندما فرّ بنيامين من ألمانيا عام 1933، ترك اللوحة خلفه: «الملاك… يشبه كل ما اضطررت إلى مفارقته: الأشخاص، وفوق كل شيء، الأشياء.» لكنها احتلت مكانة أساسية في مقالته الأخيرة «أطروحات حول فلسفة التاريخ»، وهي مخطوطة حملها معه إلى بورتبو، وكتب فيها عن الملاك:

«وجهه متجه نحو الماضي. حيث ندرك نحن سلسلة من الأحداث، يرى هو كارثة واحدة متواصلة تكدّس الحطام فوق الحطام وتقذفه أمام قدميه. يودّ الملاك أن يبقى، أن يوقظ الموتى، وأن يصلح ما تحطم. لكن عاصفة تهبّ من الفردوس، وقد علقت بجناحيه بعنف إلى درجة أنه لم يعد قادرًا على إغلاقهما. وتدفعه العاصفة بلا مقاومة نحو المستقبل الذي يدير له ظهره، بينما ترتفع كومة الأنقاض أمامه نحو السماء. هذه العاصفة هي ما نسميه التقدم.»

بعد وفاة بنيامين، استعادت حنّا آرنت المخطوطة، وتولت نشر «الأطروحات». أما اللوحة فقد أُودعت لدى جورج باتاي، ثم انتقلت إلى أدورنو، وأخيرًا إلى شولِم، الذي أهداها إلى متحف إسرائيل عام 1987.

ثلاث شخصيات كبرى، شولِم وبريشت وأدورنو، حاولت إنقاذ بنيامين، وفشلوا جميعًا. لقد فهم بنيامين عصرنا من خلال الخرائب والبقايا والجمر الذي ما يزال دافئًا، لا من خلال المصطلحات التي يفرضها المنتصرون. وقد كتب مرة:

«فقط ذلك المؤرخ الذي يمتلك موهبة إذكاء شرارة الأمل في الماضي، هو من يقتنع اقتناعًا راسخًا بأن حتى الموتى لن يكونوا في أمان من العدو إذا انتصر. والعدو لم يتوقف عن الانتصار.»

وربما ما يمكننا فعله اليوم هو أن نُذكي الشرارات التي تركها خلفه.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع