في الوقت الذي تتعرض فيه الثقافة الفلسطينية لمحاولات ممنهجة للاستهداف والمحو، تستضيف العاصمة الإسبانية مدريد يومي 15 و16 تموز/يوليو المؤتمر الوزاري الدولي للثقافة الفلسطينية، بمشاركة نحو ثلاثين وفدًا وزاريًا من مختلف أنحاء العالم. ولا تكمن أهمية المؤتمر في عدد المشاركين أو مكان انعقاده، بل في كونه يأتي في لحظة سياسية وثقافية استثنائية، تعيد الاعتبار للثقافة باعتبارها إحدى أدوات حماية الهوية الفلسطينية، لا ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب.
لقد اختارت الحكومة الإسبانية أن تجعل من الثقافة الفلسطينية قضية دولية، لا مجرد ملف ثقافي. وكان تصريح وزير الثقافة الإسباني، إرنست أورتاسون، معبرًا عن هذا التوجه عندما قال: "لا يمكننا أن نتعامل مع انعقاد المؤتمر الأول للثقافة الفلسطينية في مدريد وكأنه أمر طبيعي، إذ كان ينبغي أن يُعقد على الأرض الفلسطينية." ولم يكن هذا التصريح مجرد تعبير عن التضامن، بل إعلانًا عن رؤية تعتبر الفعل التضامني الذي تقوم به اسبانيا على مختلف الأصعدة.
ولا يمكن قراءة هذا المؤتمر بمعزل عن التحول الذي شهدته إسبانيا خلال العامين الماضيين. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، برزت إسبانيا باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية جرأة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، سواء من خلال الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، أو عبر مواقفها في المحافل الدولية، أو من خلال الحراك الشعبي والثقافي الواسع الذي شهدته المدن الإسبانية، حيث شاركت الجامعات، والنقابات، والمتاحف، والمؤسسات الثقافية، والفنانون، والكتاب، في فعاليات ومبادرات تضامن غير مسبوقة.
ولا يقتصر هذا التضامن على الموقف الرسمي بل يمتد ليشمل مئات آلاف المتضامنين الذين لا يكتفون بالمشاركة في المظاهرات، بل أن بعضهم يزورون فلسطين على نفقتهم الخاصة، ويحرص كثير منهم على الإقامة لدى العائلات الفلسطينية بدلًا من الفنادق، رغبة في التعرف إلى المجتمع الفلسطيني وبناء علاقات إنسانية وثقافية مباشرة. هذه الروح الشعبية تمثل رأسمالًا مهمًا كان ينبغي التعامل معه بوصفه فرصة استراتيجية لبناء شراكات ثقافية طويلة الأمد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو كيف سنشارك؟ وكيف سنمثل فلسطين والفلسطينيين كما يرانا الاسبان انفسهم؟
المؤتمرات الدولية لا تُقاس بعدد الأوراق التي تُقدَّم أو الخطابات التي تُلقى، بل بجودة الرسائل التي تُطرح، وبقدرتها على التأثير في جمهور يعرف فلسطين ويتفاعل مع قضاياها، وربما يكون في بعض الأحيان أكثر اطلاعًا عليها من كثير من الفلسطينيين أنفسهم. ومن هنا، فإن مؤتمرًا بهذا المستوى ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه فرصة لإحياء الدبلوماسية الثقافية الفلسطينية، التي لعبت تاريخيًا دورًا محوريًا في النضال الوطني، وفي بناء جسور التواصل مع حركات التضامن العالمية التي تبنت الرواية الفلسطينية ودافعت عنها في المحافل الدولية.
كما أن نجاح المشاركة لا يُقاس بمجرد الحضور الرسمي الذي يتمثل في وزارة الثقافة الفلسطينية وسفير فلسطين في اسبانيا، وإنما بما تفضي إليه من شراكات، وبرامج تعاون، وشبكات مهنية، وأثر مستدام يعكس جودة التمثيل الفلسطيني وقدرته على تحويل التضامن إلى مبادرات عملية. ولذلك، كان من الطبيعي أن يتحول مؤتمر بهذا الحجم إلى مشروع وطني تشارك في الإعداد له وزارة الثقافة، ووزارة الخارجية، ووزارة السياحة والآثار، والجامعات، والمتاحف، والمكتبات، والأرشيفات، والمؤسسات الثقافية، ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث تدخل فلسطين إلى المؤتمر برؤية فلسطينية موحدة، لا بمشاركة مؤسسية ضيقة.
في أهم متاحف العاصمة: إسبانيا تعقد مؤتمرا دوليا للثقافة الفلسطينية
ومن هنا، فإن الملاحظة الأساسية لا تتعلق بالأشخاص الذين سيشاركون في الوفد الرسمي، ولا بكفاءاتهم المهنية، وإنما بالفلسفة التي حكمت تشكيله. فالمؤتمر ليس اجتماعًا إداريًا داخليًا بين الوزارات ، بل منصة دولية تناقش السياسات الثقافية، والتراث، والذاكرة، والدبلوماسية الثقافية. وكان من الطبيعي أن يعكس الوفد هذا التنوع، وأن يضم بصورة أوسع باحثين في التراث، ومديري متاحف، وخبراء أرشيف، سينمائيين، وفنانين، وكتابًا، وممثلين عن الجامعات والمؤسسات الثقافية المستقلة، إلى جانب التمثيل الحكومي.
إن قوة أي وفد لا تُقاس بعدد أعضائه، ولا بمجرد تمثيل الإدارات المختلفة داخل الوزارة. فالوفد الفلسطيني، الذي ضم اثني عشر عضوًا من وزارة الثقافة يمثلون معظم الإدارات في الوزارة ، بما في ذلك الإدارة العامة، وتكنولوجيا المعلومات، والعلاقات العامة، والصناعات الثقافية، والسينما وغيرها، يعكس في المقام الأول البنية الإدارية للوزارة أكثر مما يعكس تنوع المشهد الثقافي الفلسطيني بالإضافة الى بعض المؤسسات الثقافية التي لها علاقة مباشرة مع المؤسسات الاسبانية وتم دعوتها مباشرة الى حضور هذه الفعالية مثل مسرح الحرية وسيرك فلسطين والمتحف الفلسطيني. ولا يتعلق النقد هنا بالسؤال الجوهري عن التمثيل الذي يجب أن يتناسب مع مؤتمر دولي يناقش مستقبل الثقافة الفلسطينية وحماية تراثها؟ وايضا مدى التنسيق بين الوزارة والمؤسسات المشاركة. فالدبلوماسية الثقافية لا تُبنى بمنطق التمثيل الإداري، وإنما بمنطق التخصص والخبرة والقدرة على بناء الشراكات. وكان من الطبيعي أن يضم الوفد، إلى جانب التمثيل الرسمي، أفراداً مستقلين ومؤسسات غير حكومية، بما يعكس ثراء الحقل الثقافي الفلسطيني وتنوعه. إن المؤتمرات الدولية ليست مناسبة لتمثيل الهيكل التنظيمي للوزارة، بل فرصة لتمثيل الثقافة الفلسطينية بكل روافدها، وتحويل اللقاءات إلى شراكات ومبادرات تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء المؤتمر.
وأكتب هذه الملاحظات من واقع تجربة مهنية داخل وزارة الثقافة الفلسطينية في سنواتها الأولى، حين كانت المشاركات الدولية تُدار بمنطق مختلف. فقد كان يجري تشكيل لجان تضم المديرين العامين، وممثلين عن الوزارات ذات العلاقة، إلى جانب فنانين وأكاديميين ومؤسسات مجتمع مدني، وكان السؤال الأول دائمًا: ماذا نريد أن تحقق فلسطين من هذه المشاركة؟ أما السؤال المتعلق بمن يسافر، فكان يأتي في نهاية عملية التخطيط، لا في بدايتها.
إن ما تحتاجه فلسطين اليوم ليس مجرد حضور في المؤتمرات، بل سياسة للدبلوماسية الثقافية. فالثقافة أصبحت إحدى أدوات السياسة الخارجية، وأحد أهم عناصر القوة الناعمة للدول. وإذا كانت إسبانيا قد اختارت أن تجعل من مؤتمر مدريد بداية لتحالف دولي لحماية الثقافة الفلسطينية، فإن مسؤولية المؤسسات الفلسطينية هي تحويل هذا التضامن إلى برامج عمل طويلة الأمد، وشراكات مع المجتمع المدني الفلسطيني والاسباني وتعاون على مستوى الأفراد من الفنانين وصناع الثقافة.
ومهما كانت نتائج المؤتمر، فإنه يكشف حاجة ملحة إلى مراجعة الطريقة التي تُدار بها المشاركات الثقافية الدولية. فهذه المشاركات يجب أن تقوم على الشراكة، لا على الاحتكار المؤسسي، وعلى التخطيط المشترك، لا على الترتيبات الإدارية.
ولعل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تتمثل في زيادة التنسيق بين الوزارات ذات العلاقة مع مؤسسات المجتمع المدني تتولى التخطيط للمشاركات الدولية، وتطوير استراتيجية فلسطينية للدبلوماسية الثقافية، تضمن أن تتحول كل مشاركة خارجية إلى فرصة لبناء شراكات، وتعزيز الحضور الفلسطيني، وحماية الهوية الوطنية في الفضاء الدولي.
إن مؤتمر مدريد قد يستمر يومين فقط، لكن أثره يمكن أن يمتد لسنوات، إذا أحسنت فلسطين قراءة اللحظة، وتعاملت مع الثقافة بوصفها جزءًا من مشروعها الوطني، لا مجرد نشاط بروتوكولي.
