"فلسطين ٣٦": السينما الفلسطينية واستعادة اللحظة المؤسسة

من الفيلم، معدلة.

رولا شهوان

باحثة من فلسطين

كما يفتح حجم الإنتاج والدعم الذي حظي به الفيلم سؤالًا نقديًا حول بنية التمويل في السينما الفلسطينية، وإمكانية وصول مخرجين آخرين إلى فرص إنتاج مماثلة. فالتفاوت في الموارد لا يؤثر فقط على جودة الإنتاج، بل على تنوّع الأصوات السينمائية وقدرتها على التطوّر.

للكاتب/ة

يمكن قراءة هذا الخيار بوصفه موقفًا جماليًا متعمّدًا، ينتمي إلى سينما تفكيك السرد الكلاسيكي. غير أن هذا التوجّه، وإن كان مشروعًا نظريًا، يبقى إشكاليًا على مستوى التلقي، إذ يُنتج مسافة اغترابية قد تعيق اندماج المشاهد، خاصة ضمن سياق تاريخي كثيف.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

28/01/2026

تصوير: اسماء الغول

رولا شهوان

باحثة من فلسطين

رولا شهوان

في مجال الارشيف والسينما الفلسطينية

يُعدّ فيلم "فلسطين 36" للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر خطوة نوعية في مسار السينما الفلسطينية، ليس فقط من حيث اختياره مرحلة تاريخية نادرًا ما تناولتها السينما، بل من حيث مقاربته لهذه المرحلة بوصفها لحظة تأسيسية في تشكّل الوعي الوطني الفلسطيني. ففي مقابل التركيز السينمائي شبه الحصري على النكبة وما بعدها، يعيد الفيلم توجيه البوصلة نحو زمن الثورة الفلسطينية الكبرى، بوصفه فضاءً سياسيًا واجتماعيًا غنيًا، لا مجرد مقدّمة تاريخية لما سيأتي لاحقًا.

تكمن أهمية هذا الاختيار في كسره فراغًا تمثيليًا طويل الأمد داخل المتخيّل السينمائي الفلسطيني، وإعادة إدراج مرحلة ما قبل 1948 ضمن حقل السرد البصري، بما يفتح المجال لإعادة التفكير في تاريخ المقاومة خارج إطار الكارثة وحدها.

لا ينخرط الفيلم في إعادة إنتاج التاريخ بمنطق توثيقي مباشر او حقائق تاريخية ، بل يعالج المادة التاريخية بوصفها بناءً دلاليًا قابلًا لإعادة القراءة. فالزمن في «فلسطين 36» ليس إطارًا محايدًا، بل عنصرًا فاعلًا في تشكيل السرد، تُستثمر فيه اللحظة التاريخية لإبراز تشكّل الفعل السياسي، وبنية التنظيم الاجتماعي، والعلاقة بين الفرد والجماعة.بهذا المعنى، يتجاوز الفيلم ثنائية الماضي/الحاضر، ويقترح قراءة للتاريخ بوصفه مسارًا مفتوحًا، لا سلسلة من الوقائع المنتهية.

من أبرز مكاسب الفيلم حسب وجهة نظري تفكيكه التصوّر الاختزالي للمقاومة. فهي لا تُعرض كحدث عسكري معزول عن محيطة الاجتماعي ، بل كمنظومة ممارسات، تتجلّى في الحياة اليومية، وفي أنماط التضامن مع الثوار، وفي الصراع على الأرض والمعنى. هذا التحوّل في التمثيل يمنح المقاومة عمقًا بنيويًا، ويحرّرها من منطق البطولة الفردية التي أيضا كانت واضحة في الفيلم الذي لم يركز على البطولة الفردية داخل الفيلم بل البطولة تركزت في العمل الجماعي للثوار في الثورة نفسها.

عمل الفيلم على تقديم المجتمع الفلسطيني بوصفه بنية اجتماعية مركّبة، تتقاطع داخلها الانتماءات الدينية والثقافية ضمن مشروع نضالي مشترك، حيث تُقدَّم التعدديّة لا باعتبارها تباينًا هامشيًا، بل كأحد مصادر القوة التاريخية للحركة الوطنية. وفي هذا الإطار، يكتسب إبراز الدور النضالي للمسيحيين الفلسطينيين أهمية خاصة، من خلال شخصيات فاعلة لا رمزية؛ إذ يتجسّد ذلك في شخصية الراهب الذي تتحوّل الكنيسة على يده إلى فضاء دعم للمقاومة عبر إخفاء السلاح، وفي شخصية الصحفية خلود، المنتمية إلى النخبة الثقافية، التي تؤدي دورًا وطنيًا يتجاوز حدود العمل الإعلامي إلى الفعل السياسي. يساهم هذا التمثيل في إعادة الاعتبار لذاكرة تاريخية طالما جرى تهميشها أو اختزالها في السرديات السائدة، ويعيد تثبيت المسيحيين الفلسطينيين كجزء بنيوي من الفعل النضالي لا كاستثناء داخله. على المستوى الجمالي، يتميّز الفيلم بلغة بصرية مدروسة، وبإنتاج ضخم نسبيًا قياسًا بالسياق الفلسطيني. وفقت المخرجة باختيار الجزاء كفضاء تصوير للفيلم الذي كان مقررا تصويره في إحدى القرى الفلسطينية إلا أن أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من تداعيات حالت دون ذلك واضطرت طاقم الإنتاج للبحث عن خيارات بديلة .

ينجح الفيلم في تقديم تمثيل واضح ومتقدّم لدور النساء، عبر مختلف الفئات الاجتماعية المختلفة. فالنساء لسن مجرّد مرافقات للسرد، شريكات بالنضال واتخاذ القرار، وفاعلات في تشكيل المعنى الاجتماعي للمقاومة. مما يوسّع هذا الحضور مفهوم النضال، ويعيد إدراجه ضمن سياق اجتماعي–ثقافي شامل.

على الرغم من هذه المنجزات والبعد السينمائي للفيلم فلا بد من إبراز بعض النقاط التي أثارت انتباهي كمشاهدة ودراسة للسينما منها ما يتعلّق ببناء الحبكة الدرامية. فالسرد لا يتطوّر وفق منحنى تصاعدي واضح، إذ تجري معظم الأحداث على مستوى درامي واحد، دون ذُرى متراكمة. في أكثر من موضع، يُمهَّد لمشهد بوصفه نقطة تحوّل محتملة، قبل أن ينتقل الفيلم فجأة إلى مشهد آخر، ما يحدّ من تشكّل التوتر الدرامي.

يمكن قراءة هذا الخيار بوصفه موقفًا جماليًا متعمّدًا، ينتمي إلى سينما تفكيك السرد الكلاسيكي. غير أن هذا التوجّه، وإن كان مشروعًا نظريًا، يبقى إشكاليًا على مستوى التلقي، إذ يُنتج مسافة اغترابية قد تعيق اندماج المشاهد، خاصة ضمن سياق تاريخي كثيف.

كما يفتح حجم الإنتاج والدعم الذي حظي به الفيلم سؤالًا نقديًا حول بنية التمويل في السينما الفلسطينية، وإمكانية وصول مخرجين آخرين إلى فرص إنتاج مماثلة. فالتفاوت في الموارد لا يؤثر فقط على جودة الإنتاج، بل على تنوّع الأصوات السينمائية وقدرتها على التطوّر.

أما على مستوى الأداء التمثيلي، فيبقى حضور الممثل ظافر العابدين موضع نقاش. فرغم مكانته الفنية، يتّسم أداؤه في هذا الفيلم بقدر من البرود التعبيري، كما أن اللهجة المستخدمة لا تنجح في ترسيخ انتماء الشخصية إلى السياق الفلسطيني، إذ تميل أحيانًا إلى نبرات غير محلية، ما يُنتج مسافة بين الشخصية وبيئتها التاريخية.

في المحصلة، يمكن النظر إلى «فلسطين 36» بوصفه عملًا تأسيسيًا في إعادة إدراج مرحلة ما قبل النكبة في السرد السينمائي الفلسطيني. وهو، في الوقت ذاته، استمرار عضوي لمسيرة آن ماري جاسر السينمائية، وتكملة لمسار بدأته في أعمال سابقة، يتجلّى فيها حنين واضح إلى الثورة، وإلى الفعل الجماعي، وإلى أفق الحرية. وبين القيمة المعرفية والخيارات الجمالية الإشكالية، يظل الفيلم مساهمة سينمائية جادّة تفتح أسئلة أكثر مما تقدّم إجابات، وهو ما يمنحه، في النهاية، قيمته الفنية والنقدية.

الكاتب: رولا شهوان

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع