حمل فيلم «شكراً لأنك تحلم معنا» توقيع المخرجة الفلسطينية ليلى عباس، ويُعدّ فيلمها الروائي الطويل الأول، وهو ما يمنحه أهمية خاصة ضمن مسيرتها السينمائية. ورغم أن الفيلم ليس إنتاجاً مستقلاً، إلا أن طبيعة موضوعه الاجتماعي الحسّاس أتاحت للمخرجة مساحة تعبيرية واضحة، تجلّت في طريقة المعالجة، وبناء الشخصيات، والاشتغال على العلاقات العائلية بوصفها بؤرة أساسية للصراع الدرامي، برز في الإخراج، بوصفه تجربة أولى لعباس في العمل الروائي، وعيٌ ملحوظ بأدوات السينما، سواء في إدارة الممثلين، أو في التحكم بالإيقاع، أو في توظيف المساحات المغلقة كامتداد للضغط النفسي والاجتماعي الذي تعيشه الشخصيات. ويساهم هذا النضج المهني والفكري في تقديم فيلم يعبّر عن رؤية إخراجية متماسكة وواضحة.
في هذا السياق، يقدّم فيلم «شكراً لأنك تحلم معنا» تجربة سينمائية لافتة، تفتح واحداً من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية في المجتمع الفلسطيني، وهو قضية الميراث، من خلال سرد درامي يتقاطع فيه الاجتماعي بالإنساني، والنسوي بالسينمائي. لا يكتفي الفيلم بطرح القضية بوصفها إشكالية قانونية أو عائلية، بل يعالجها كأزمة بنيوية تعكس علاقات القوة داخل الأسرة والمجتمع، واضعاً المشاهد أمام أسئلة أخلاقية وثقافية تتجاوز حدود الحكاية نفسها. يمكن اعتبار الفيلم نسوياً بامتياز، ليس فقط لأن النساء يشكّلن مركز السرد، بل لأن الرؤية التي تحكم الموضوع، والإخراج، وطريقة الحكي، تنطلق من منظور نسوي ناقد للبنى الاجتماعية التي تهمّش المرأة وتقيّد حقوقها، خصوصاً في ما يتعلق بالإرث. يبتعد الفيلم عن الخطاب المباشر أو الشعاراتي، ويعتمد بدلاً من ذلك على الموقف الدرامي، وعلى التفاصيل اليومية، لتفكيك هذه البنى بهدوء وذكاء.
ورغم أن الفيلم لا يعكس قصة شخصية مباشرة، إلا أن هناك تقاطعاً واضحاً بين العمل وروح المخرجة، وربما حضرت ليلى عباس بشكل غير مباشر عبر كتابتها للسيناريو الذي كان ينوي في بدايته أن يعكس قصة شخصية، وهو ما ساهم بشكل كبير في تطوّر السياق الدرامي وتماسكه. هذا التداخل بين الكتابة والإخراج منح الفيلم نبرة خاصة، تجمع بين الحسّ الشخصي والبعد العام، دون أن يتحوّل العمل إلى سيرة ذاتية.
قد يرى بعض المتلقين أن الفيلم بالغ في طرح بعض التفاصيل، وخصوصاً في مشهد ترك الأب المتوفّى ليوم كامل من أجل سحب أمواله من البنك، وهو تصرّف اعتبره البعض خارج العادات والتقاليد الفلسطينية. إلا أن هذه المبالغة لا يمكن فصلها عن وظيفة السينما نفسها؛ فالفيلم لا يسعى إلى محاكاة الواقع حرفياً، بل إلى تكثيفه وتضخيمه من أجل تسليط الضوء على جوهر المشكلة. في هذا السياق، تخدم المبالغة هدف الفيلم، وتدفع المشاهد إلى التفكير في عمق القضية لا في حرفية الحدث.
من الجوانب اللافتة أيضاً نجاح المخرجة في إدخال حسّ الفكاهة في عمل يتناول موضوعاً ثقيلاً وحسّاساً، ما خفف من حدّة الطرح وخلق توازناً بين الجدية والسخرية. هذا الاختيار لم يكن تزييناً شكلياً، بل أداة سردية ساعدت على جعل الفيلم أكثر قرباً من المتلقي، وأكثر قدرة على تمرير نقده الاجتماعي دون نفور.
على مستوى التلقّي، شكّل توقيت عرض الفيلم تحدّياً إضافياً؛ إذ كان جاهزاً قبل السابع من أكتوبر، وتأجّلت انطلاقته بسبب الأحداث، ما جعل موضوعه يبدو، للبعض، بعيداً عن السياق العام أو خارج الإطار الذي كان يهيمن في ظل حرب الإبادة. ففي خضمّ المجازر الجارية في فلسطين، تراجع حضور القضايا الاجتماعية العميقة في الخطاب العام، مما يجعل الفيلم أكثر قربا من الأفلام الفلسطينية التي تصاعدت وتيرتها بعد أوسلو والتي ركزت على الجانب الإنساني والقضايا الحياتية للمجتمع الفلسطيني، متجنبه التركيز على البعد السياسي المباشر. ومن جهة أخرى لعب توقيت الفيلم دورا ايجابيا لصالح الفيلم، حيث يمكن القول إن التعاطف الدولي الواسع مع الفلسطينيين بعد حرب الإبادة قد خدم الفيلم على الساحة العالمية؛ فالفيلم، كونه بعيداً عن الخطاب السياسي المباشر، ويعالج قضية اجتماعية وإنسانية ذات طابع عالمي، بدا أكثر قابلية للتلقي ضمن الخطاب الدولي، بل وأكثر قرباً من اهتمامات كثير من الجهات الداعمة والمهرجانات، التي تميل إلى هذا النوع من السرديات الإنسانية العابرة للسياقات المحلي.
في المحصلة، يقدّم «شكراً لأنك تحلم معنا» تجربة سينمائية جريئة وهادئة في آن واحد، تنجح في فتح نقاش مسكوت عنه داخل المجتمع الفلسطيني، وتؤكد حضور ليلى عباس كمخرجة تمتلك رؤية سينمائية واعية، وقدرة على التعامل مع قضايا اجتماعية معقّدة ضمن إطار فني متزن.
