"صوت هند رجب" وسؤال السينما والسياسة

La Biennale di Venezia

رولا شهوان

باحثة من فلسطين

لقد قدمت لنا كوثر بن هنيه بخطابها على المسرح تأكيدا على قوة العلاقة بين السينما والسياسة وأن السينما كما الادب والثقافة لا يمكن أن تكون محايدة، فلا يمكن للكلمة أن تكون محايدة ، ولا الصمت نفسه محايدا ، وحتى الحياد هو شكل من أشكال الاصطفاف.

للكاتب/ة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

24/02/2026

تصوير: اسماء الغول

رولا شهوان

باحثة من فلسطين

رولا شهوان

في مجال الارشيف والسينما الفلسطينية

ثمة صور لا تُشاهَد بسهولة.

لا لأنها صادمة فحسب، بل لأنها تتجاوز قدرتنا على التلقي والتحمّل والتعامل معها بوصفها مجرد “فيلم”. فيلم هند رجب لكوثر هنية نستمع لصوت الطفلة وهي تتحدث مع طاقم الإسعاف وتناشدهم طلبًا للنجدة ليس مجرد لحظة درامية؛ إنه لحظة تكسر المسافة الآمنة بين الشاشة والجسد. عندها لا يعود السؤال فنيًا: هل الصورة جيدة؟ هل السرد محكم؟ بل يصبح السؤال أخلاقيًا: ماذا يعني أن أرى؟ ماذا يعني أن أواصل المشاهدة؟ وماذا عليّ أن أفعل بعد ذلك؟

من هنا يبدأ النقاش الحقيقي حول العلاقة بين السينما والسياسة، فلطالما تكرّر في بعض الخطابات الثقافية أن الفن يجب ألا يكون سياسيًا، وكأن بالإمكان فصل الصورة عن العالم الذي أنتجها. لكن هذا الادعاء نفسه موقف سياسي؛ إذ يفترض أن الجمال يمكن أن يكون محايدًا، وأن المأساة يمكن احتواؤها داخل إطار احتفالي من دون أن تُربك شروط الاحتفال. هذا السؤال عاد إلى الواجهة مع تصريح رئيس لجنة تحكيم مهرجان برلين لعام 2026، المخرج الألماني ويم فيندرز، الذي رأى أن السينما ينبغي أن تبقى “خارج السياسة”، لأن السينما – بحسب تعبيره – نقيض السياسة. أثار هذا التصريح جدلًا واسعًا، وأعاد طرح السؤال القديم: هل يمكن فعلًا فصل الفن عن الواقع، وبالتالي عن السياسة؟

لكن الرد على هذا السؤال لم يتأخر، فقد وقّع أكثر من ثمانين فنانًا بيانًا ينتقد سياسات المهرجان، مؤكدين أن العلاقة بين السينما والسياسة ليست علاقة طارئة، بل علاقة بنيوية ومتداخلة ، هذا الجدل لا يخص السينما وحدها. فقد طُرح السؤال ذاته في الأدب. جان-بول سارتر، في كتابه ما الأدب؟، رفض فكرة الأدب المنعزل عن العالم، ورأى أن الكتابة فعل التزام. الكاتب، في نظره، لا يكتب في فراغ، بل داخل شبكة من العلاقات التاريخية والاجتماعية، وكل اختيار لغوي هو اختيار أخلاقي.

بهذا المعنى، جسّدت كوثر هنية في فيلمها صوت هند رجب فهمًا للسينما بوصفها ممارسة سياسية، يعيد إلى الأذهان طرح جان-لوك غودار الذي أصرّ على أن نصنع “أفلامًا سياسية” لا مجرد أفلام “عن السياسة”. الفرق جوهري: الفيلم السياسي لا يكتفي بعرض قضية، بل يغيّر موقع المشاهد ويضعه في موضع المساءلة.

في هذا السياق، يمكن استدعاء جيل دولوز الذي رأى أن السينما قادرة على إنتاج ما سماه “الصورة-الحدث”؛ صورة لا تمثل الواقع فقط، بل تعيد توزيع ما يُرى وما يُسمع، وتكسر أنماط الإدراك المألوفة. أما سيرج داني فاعتبر أن غياب صورة معقّدة للواقع الفلسطيني ليس خللًا جماليًا فحسب، بل مشكلة سياسية، لأن اختزال الواقع في سردية واحدة يفرغه من تاريخه وكثافته. وذهب والتر بنيامين إلى أن الفن، في عصر إعادة الإنتاج التقني، يفقد “هالته” الطقسية المرتبطة بالتقديس، لكنه يكتسب في المقابل قدرة سياسية جديدة، إذ يصبح قابلًا للانتشار الجماهيري وللاستخدام النقدي. حين يُنتزع الفن من طقوسه الاحتفالية ويُعاد توجيهه نحو مساءلة الواقع، يتحول إلى أداة تفكيك لا إلى زينة للسلطة.

ضمن هذا الإطار يمكن قراءة ما جرى في برلين هذا العام. فقد حصد فيلم المخرجة التونسية كوثر بن هنية جائزة “أكثر فيلم قيمةً” في فعالية “السينما من أجل السلام”، التي تُقام سنويًا على هامش مهرجان برلين السينمائي. غير أن لحظة التكريم لم تنتهِ كما جرت العادة؛ إذ اختارت بن هنية ألّا تحمل الجائزة معها، بل تركتها في المكان الذي تسلّمتها فيه، بعد أن ألقت خطابًا ربطت فيه بين السلام والعدالة والمساءلة.

بهذا التصرف، تحوّلت لحظة الاحتفاء إلى لحظة مساءلة. لم تعد الجائزة مجرد رمز اعتراف ثقافي، بل صارت علامة استفهام. المنصّة، التصفيق، الصمت، والجائزة المتروكة خلفها ، جميعها شكّلت مشهدًا مكثفًا يمكن وصفه بـ“الصورة-الحدث”: صورة تجاوزت الفيلم نفسه وأعادت توزيع المعنى داخل فضاء المهرجان.

لم تعد السياسة هنا محصورة في موضوع العمل السينمائي، بل ظهرت في علاقة الفيلم بالمؤسسة التي تمنحه الشرعية، وفي الطريقة التي أُعيد بها تعريف معنى التكريم ذاته. في تلك اللحظة تحقق ما أصرّ عليه غودار: أن السينما تكون سياسية ليس فقط بما ترويه، بل بكيفية ظهورها، وبالفضاء الذي تُعرض فيه، وبالموقف الذي تتخذه داخل هذا الفضاء.

لقد قدمت لنا كوثر بن هنيه بخطابها على المسرح تأكيدا على قوة العلاقة بين السينما والسياسة وأن السينما كما الادب والثقافة لا يمكن أن تكون محايدة، فلا يمكن للكلمة أن تكون محايدة ، ولا الصمت نفسه محايدا ، وحتى الحياد هو شكل من أشكال الاصطفاف.

الكاتب: رولا شهوان

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع