كتبها إدوارد سعيد ونشرتها لندن ريڤيو أوف بوكس في ١٣/١٢/٢٠٠١
إبراهيم أبو لغد، أستاذ سابق في العلوم السياسية في جامعة نورث ويسترن في الولايات المتحدة، عمل لاحقاً كنائب لرئيس جامعة بيرزيت في الضفة الغربية، توفي عن عمر يناهز الثانية والسبعين في 23 أيار في بيته الكائن في رام الله، بعد معاناة طويلة مع المرض. علمت بخبر وفاته بينما كنت أسير خارج المطار في طريقي لرؤيته. كان من أقدم وأعز أصدقائي، تميز بقدرته كمفكر تأملي، وكمعلم سياسي كاريزماتي أشعلت بصيرته فتيل صداقة استمرت لقرابة خمسين عاماً. في جنازته في يافا احتشد مئات المعزين، كما في بيت العزاء الذي أقيم في منزله وفي مؤسسة القطان في رام الله. تحدث العديد من أصدقائه في مراسم التأبين التي أقيمت في مسرح في رام الله بعد يوم من دفنه بجانب والده في مقبرة على جانب التل المطل على الشاطئ حيث كان يأخذ زواره للسباحة، لرفضه بالمقابل الذهاب إلى المقهى الإسرائيلي على الشاطئ المحاذي لأرضه بكل ما يتمتع من جاذبية. كان أحد المتحدثين في جنازته فيصل الحسيني، الذي وافته المنية بعد أسبوع من التأبين في غرفته بفندق الكويت.
عكست حياة إبراهيم الغنية بكل المقاييس، كما أظهرت طريقة موته، الاضطراب والمعاناة اللذين كانا في صميم التجربة الفلسطينية، جاعلة حياته مادة غنية للتأمل والتحليل. تجسد حياته في معظمها الوضع الفلسطيني بكل ما حملت من إرجاء وتأجيل. الشيء الوحيد الذي كان يلوح للجميع عند وفاته هو أن أبو لغد كان قد مارس حقه الخاص في العودة إلى يافا، وهو شيء يستحيل فعله إلا لشخص بإرادته الاستثنائية. لم يخفق أحد في التأكيد على جوهر عودته إلى فلسطين في عام 1992، بعد غياب استمر 44 عاماً، ولا على التعقيب على إنجازات العقد الذي قضاه هناك في تكريس حياته كمدرس ومفكر وطني ومنشئ للمؤسسات.
رغم هذه الخاتمة المسرحية المكللة بالعودة إلى الديار، استمرت مشاعر الاختلال لدى إبراهيم جارفة وغامرة. كان لا يزال يشعر بعدم التحقق والاستقرار. لم تغيره العودة، لكنه كان أقل سخطاً في موطنه مما كان عليه في المنفى. بالنسبة له، كانت فلسطين علامة استفهام لم تتضح أجوبتها، أو يتم التعبير عنها بشكل كافٍ. كل شيء في شخصيته كان يؤكد مشاعر التشتت وعدم الاستقرار، من مراوحته بين بناء العلاقات الاجتماعية والتواصل إلى عزلته التأملية، ومن حيويته واستبشاره إلى إحساس رازح بالعجز وهو الإحساس الذي أودى بالكثيرين منا. تختزل حياته في الحين ذاته الكثير من المشاعر المتضاربة بين الهزيمة والنصر، والإنجاز والإخفاق، والاستسلام والعزيمة. باختصار، كانت حياته تروي فلسطين، بكل تعقيداتها من قبل واحد من أجود أبناء عصرنا.
إبراهيم -وهو رجل واضح وفصيح- سيُذكر من خلال كتاباته، التي كانت قليلة ومتفرقة نسبيًا، بمستوى أقل مقارنة بقدرته على تنظيم الأفراد وإنشاء المؤسسات التي سمحت لهم بلعب دور أكثر فعالية مما كان بإمكانهم القيام به بمفردهم. في الولايات المتحدة، كان له دور فعال في تأسيس AAUG (رابطة خريجي الجامعات العرب الأمريكيين)، وصندوق الأرض المقدسة المتحدة، ومعهد الدراسات العربية، ومجلة الدراسات العربية. كان المحرك الأساسي في التخطيط لتأسيس الجامعة الفلسطينية المفتوحة، والتي كان من المقدر أن يكون مقرها الرئيسي في بيروت حتى بدأت حرب 1982 في لبنان مما دفع الفكرة بعيدًا عن التحقق. في الضفة الغربية، قام بتصميم مركز لتطوير المناهج الدراسية، ثم مركز القطان للأبحاث المتعلقة بالتعليم. ومع ذلك، كان أبو لغد يدرك أن النضال من أجل فلسطين لا يمكن تحقيقه فقط من خلال إنشاء مؤسسات من هذا النوع أو حتى تحقيق العودة. كان كل ذلك في النهاية يبدو كانعكاس لأنساق ذات مرجعية ذاتية، ستُهدم بنيتها مقابل مشاعر الحرمان والصراع والخسارة التي لا تنتهي. مثل بطل كونرادي، بدا إبراهيم دائمًا كمن يحاول إنقاذ المعنى والكبرياء من الملهاة المحاكة حول قضيته، وحول ضعفه الخاص.
إذا ما تأملنا الأحداث الدرامية التي أحاطت حياة أبو لغد وهو على فراش الموت، وانتفاضة مشتتة الهدف تتكشف أمام نافذته رغم بسالتها. في عام 1982، كان حصار بيروت، وكانت نتائجه مذابح صبرا وشاتيلا والخروج من لبنان (وكذلك خروج منظمة التحرير الفلسطينية)؛ في عام 1948، كان سقوط يافا، وتشرذم عائلته، وبداية نفيه الأمريكي الطويل، ونشاطه الصريح في الدفاع عن القضية الفلسطينية؛ وفي نهاية المطاف، في عام 1992، عودته المفاجئة إلى الضفة الغربية. غالبًا كل أمريكي عربي يقاتل ضد القوالب النمطية العنصرية الممارسة من خلال عنصرية الأيديولوجيا التي يعاني منها الفلسطينيون، والعداء الدائم للإسلام، يدين لإبراهيم بدين عظيم. فقد كان أول من بدأ هذا النضال، وبالنسبة لمعظمنا، هو من جعل هذا النضال ممكناً في المقام الأول.
بعد حوالي أربعين عامًا من العمل والكفاح في أمريكا الشمالية، بدأت تتاح سبل للعودة بالفعل، لكن بالنسبة لإبراهيم كانت العودة بمثابة بديل مشروخ: فهي عودة ليس لفلسطين المحررة ولكن إلى "منطقة أ"، ومع جواز سفره الأمريكي، إلى يافا تحت السيطرة الإسرائيلية إلى حد كبير. هو أول من أدرك أن عودة الفلسطينيين للبلاد هي عودة تحت هيمنة السلطة الإسرائيلية فحتى بعد وفاته (هدد أفراد مخابرات مجهولون بإلغاء جنازته)، كما كان أول من لاحظ أيضًا أنه في عام 1988 قام كل من المجلس الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية بتغيير مسارهما من حركة تحرير إلى حركة استقلال وطني، وهو انحدار كبير تتجلى صوره بما ستتكشف عنه اتفاقية أوسلو.
لم يكن لأحد أن يفوق إبراهيم في القدرة على تحويل الفوضى الناجمة عن الهزيمة ومشاعر الانكسار إلى شكل من أشكال العمل والإنجاز الفعلي. لم يكن يرضيه كذلك مطلق التسيد للجانب الأخلاقي البحت. فقد كان يبالغ في واقعيته في فهمه للقوة العسكرية المتواضعة التي استُعملت، على سبيل المثال، لإبقاء عرفات في أزمة كارثة بيروت عام 1982. كان يقول: "ليس لدينا دبابات، ليس لدينا قوة حقيقية. ولهذا كان من السهل على الإسرائيليين تدمير مؤسساتنا وقتل كل هذا العدد من الناس".
قابلت إبراهيم في جامعة برينستون عام 1954. لم يكن هناك طلاب أجانب في الجامعة في تلك الأيام، ولا حتى أمريكيين من أصل أفريقي، ولا نساء؛ فقط الرجال البيض الذين حصلوا على تعليم كلاسيكي نخبوي يمنحهم الأهلية لحكم العالم. في وقت لاحق، فعل الكثير منهم ذلك بالفعل. وقتها، منح أحد السكان الأثرياء في المدينة مالاً لقسم الموسيقى لتزويد طلاب الدراسات العليا بتذاكر لبرنامج برينستون للحفلات الموسيقية المرموق جداً. وقد طُلب مني وقتها صرف التذاكر. بعد ظهيرة أحد الأيام المثقلة بلهيب سبتمبر/أيلول، ظهر شاب يطلب بأسلوب رشيق، وعينين زرقاوين مائلتين إلى الخضرة، ونبرة ثقيلة، التذاكر، وأظهر لي بطاقة هويته بسرعة (لم يكن لدي أي فرصة لرؤية اسمه، فقط سجلت أنه طالب دراسات عليا)، وبعد ذلك، أثناء مغادرته، استدار وسألني ما كان اسمي. عندما أخبرته باسمي مرة أخرى تراجع وعاد إلى المكتب حيث كنت أقف وسألني من أين أنا. قلت شيئاً مثل: أنا من مصر الآن، لكني كنت من فلسطين سابقاً. أضاء وجهه وقال: أنا من فلسطين أيضاً، من يافا. كان إبراهيم يدرس مع فيليب حتّي، وهو مهاجر لبناني أنشأ قسماً رائداً في "الدراسات الشرقية"، وهو ما يعني بشكل أساسي التاريخ والثقافة العربية. قدمني لطلاب الدراسات العليا العرب الآخرين في الجامعة، وفي وقت قصير جداً صار لدي مجموعة صغيرة من الأصدقاء الأكبر سناً الذين يمكنني التحدث معهم باللغة العربية، وأستطيع معهم أن أندب الوجود الصهيوني في برينستون، والذي كان واضحاً بشكل خاص خلال أزمة السويس.
كلانا غادر برينستون عام 1957 -حصل هو على درجة الدكتوراه، وأنا على درجة البكالوريوس- وعدت إلى مصر لمدة عام. رأيت إبراهيم وزوجته جانيت بانتظام في القاهرة خلال ذلك العام، حيث كان يعمل في اليونسكو. في تلك الفترة بدأت ملامح الاهتمام بالنشاط السياسي تظهر فيما بيننا. وبعدها انتقلت إلى كلية الدراسات العليا في هارفارد ورأيت عائلة أبو لغد بشكل أقل تكرارًا، وكنت أعلم أنهم عادوا إلى الولايات المتحدة لبدء حياتهم المهنية في مجال التعليم. وعندما ضربتنا فاجعة حرب عام 1967، أرسل إليّ إبراهيم، بشكل غير متوقع، رسالة يسألني فيها عن إمكانية المشاركة في عدد خاص من جريدة العالم العربي، التابعة لجامعة الدول العربية والتي تنشر شهريًا في نيويورك، وكان فيها محررًا زائرًا، ويقوم بالبحث في مواضيع عن الحرب من منظور عربي. اغتنمت هذه الفرصة لألقي الضوء على صورة العرب في الإعلام والأدب الشعبي والتمثيلات الثقافية التي تعود إلى العصور الوسطى. كان هذا جوهر موضوع كتابي الاستشراق الذي أهديته لجانيت وإبراهيم عند نشره.
في السنوات التي تلت ذلك، وعلى الرغم من أن عائلة أبو لغد بقيت في شيكاغو وكنت أنا في نيويورك، قربت السياسة بين أوصالنا فأصبحنا في تماسّ أكبر لكل ما يحصل معنا، حيث شهدنا معاً في الكونجرس، والتقينا مع جورج شولتز في عام 1988، وأنشأنا معهد الدراسات العربية في بوسطن، وأنشأنا مجلة فصلية للدراسات العربية، وحضرنا معاً جلسات المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة وعمان والجزائر. خلال تلك السنوات من النشاط الهائل، أظهر إبراهيم عبقريته في اكتشاف أفراد ذوي قدرات مميزة في الولايات المتحدة والعالم العربي، وعمل على جمعهم ببعض ومساندتهم على العمل معاً. في حزيران عام 1982، بعد أن أمضى عاماً في باريس، انتقل إلى بيروت لتأسيس الجامعة الفلسطينية المفتوحة، التي عمل فيها مع اليونسكو ومنظمة التحرير الفلسطينية. بعد يومين من وصوله، اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان، وبعد ذلك مباشرة، دُمّرت شقته الجديدة بصاروخ إسرائيلي. وقد أمضى الشهرين اللاحقين محاصراً في بيروت، سكن في منزل والدتي مع صديقه المقرب سهيل مياري. تواصلنا مع بعضنا البعض خلال تلك الأسابيع الصعبة بشكل منتظم، معظم الوقت بناءً على طلب عرفات، الذي استخدم عدداً من الأشخاص، بمن فيهم أنا، كوسيط للتفاوض مع الإدارة الأمريكية.
كانت بيروت، على الأرجح، تجربة أكثر أهمية بالنسبة لإبراهيم من أي وقت من قبل أو حتى من بعد. فقد علمته بدايةً أنه حتى أفضل المؤسسات يمكن أن تتعرض للتقويض نتيجة الاضطرابات السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط. ثانيًا، علمته الديناميات الحقيقية للسلطة، من حيث تأثيرها على من يمتلكها ومن لا يمتلكها. ثالثًا، وربما الأكثر أهمية، أيقنته بمنالية العمل والاستمرار دائمًا، حتى لو لاح الفشل في الأفق. كان هذا هو إبراهيم الحقيقي: الرجل الذي فهم أن الشيء الأهم هو مواصلة العمل والاستمرار، واستطاع أن يبقى متفائلًا ومخلصًا لرفاقه (ودفع روح الدعابة إلى أقصى حد رغم هزالتها).
في كثير من الأحيان كان يقول لي: نحن بسطاء يا إدوارد، في النهاية قد تهزمهم هذه السمة فينا بكل ما يحملون من دهاء ضدنا. لكنه كان يضيف دائماً: نحن شعب صالح، وعنيد، حتى لو خانتنا البصيرة في بعض الأوقات. ما أغضبه كثيراً في أوسلو هو قدر الإذلال الذي طال الفلسطينيين جميعاً. أزعجنا موقف عرفات لما يعكسه من دناءة واستعراضية، وشعرنا بالخجل الشديد لامتثالنا إليه قبل أوسلو. أراد إبراهيم، على خلافي، أن يعود إلى فلسطين التي شكلتها أوسلو وجزأتها بمنأى عن الإسرائيليين - المنطقة أ - وهناك غرس نفسه من جديد وحث زملاءه وطلابه على العمل.
يؤمن إبراهيم بالمعايير الفكرية والعلمية سواء في الثقافة العربية أو في الغرب. كان يشعر ببهجة كبيرة عندما يقابل شخصًا يجد فيه مستقبلاً واعدًا أو موهبة حقيقية، ولا يتوانى عن أي مناسبة لاستخراج أي قدرات كامنة ودفعها للتألق. هناك الكثير من الأفراد -أنا واحد منهم- ممن تم اكتشافهم وتقديرهم ومن ثم تجنيدهم في صفوف العمل مع إبراهيم. كان من أروع من يشجعك ويحثك ويحرسك كأنه الجهة الراعية لوجودك. لا شيء يضاهي إطراءه ("لقد كنت رائعًا")، ولم يسبقه أحد في وصف أحدهم ("إنه أحمق"، "jerk" لافظاً حرف الجيم بلكنة أهل مدينة يافا). كمعلم، كان ممزقاً بين الرغبة في التأثير والإدارة، والرغبة في أن تسود المساواة. وبصفته أبًا لثلاث بنات متفردات وزوجًا لباحثة نابغة، كان أكثر رفقاً بالنساء مما هو مألوف بالنسبة لرجل من أصول عربية، أو حتى لرجل غربي. حتى عندما كان يتصرف بشكل من الأبوية، كان يتمتع بميزة ودية في إشرافه على مسار الأمور، وقلما كان يتجسد لديك أي إحساس بأنه مستبد، رغم انعكاس ذلك، عادةً، بدوافع نبيلة جدًا. كان وراء هدير يقينه الصاخب شيء من رقة القلب.
مثل الكثير منا، لم يتعافَ إبراهيم أبدًا من حقيقة خسارة فلسطين، وقد تركت فيه أيامه الأولى كلاجئ ندبة ثابتة لا تُمحى. كانت ذكريات ذلك الوقت، على الرغم من عدم بوحها صراحة، تبدو دائمًا جزءًا من غضبه على إسرائيل؛ حيث أدرك أن معركتنا ستكون طويلة ومعقدة ولن تكسبنا تقرير المصير في حياتنا الآنية. بطريقة أو بأخرى، "تحويل فلسطين، The Transformation of Palestine " -عنوان مجموعته الأكثر شهرة من المقالات- هي بمثابة تعبير ملطف عن حقيقة سرقة البلاد من قبل الصهيونية، حيث كان هذا العنوان الأكثر بروزًا ضمن كل كتاباته خلال حياته، لكنه لم يكن سفيه التشدد، بل كان مثقفاً مستقلاً، وناقداً حاداً بشدة. على الرغم من حقيقة أنه كان يعمل دائمًا مهنيًا وشخصيًا من أجل القضية، لم يكن بإمكانك وصفه بأنه تخصصي في مجال معين. كان هاويًا حقيقيًا، مدفوعًا بالحب والالتزام.
عرّفني إبراهيم على فلسطين كموضوع وكتجربة معاشة. كان يكبرني بسبع سنوات، ونشأته في الفترة الانتدابية لفلسطين راسخة في وجدانه بشكل أثار في نفسي وفي كثير ممن حوله الرغبة في استعادة ذكرياتنا المدفونة في أيامنا الأولى في فلسطين، قبل أن تغير النكبة كل شيء. كانت لديه معرفة هائلة ومتراكمة بشكل واضح ومفصلي لتاريخنا، بالإضافة إلى ذاكرة حية عن المكان وكل ما ينتمي إليه من أشخاص أو أشياء، أين ذهبوا، وأين يعيشون الآن أو أين اختفوا.
لا بد أن يافا كانت مكاناً أخاذاً وبهيجاً في الأربعينيات. حيث كانت مدرسة إبراهيم، العامرية، قد خرّجت مجموعة كبيرة من اليافعين، الذين واصلوا حياتهم كلاجئين وأسسوا لبراعة وتفرد ينشطون كخبراء ورجال أعمال ومراكز اجتماعية مختلفة. قدمني إبراهيم لهم وأصبحنا أصدقاء مقربين. من بينهم رفيق المغامرات المثيرة، حامي منظمة التحرير والمتحدث الشجاع باسمها شفيق الحوت، الذي لم يغادر عمله في بيروت، حتى أثناء الاحتلال الإسرائيلي للمدينة في خريف عام 1982، لكنه استقال من اللجنة التنفيذية نتيجة لخلاف عميق مع عرفات حول أوسلو. من ضمن هؤلاء أيضاً كان عبد المحسن القطان، وهو رجل أعمال ناجح، أنفق معظم ثروته في مساعدة الفلسطينيين على بناء المؤسسات، ومثل شفيق وإبراهيم، كان عبد المحسن كذلك ينتقد أوسلو صراحة.
حافظ إبراهيم بشكل دائم على الاطلاع عن كثب على حياة أصدقائه بحماس مؤرخ من العصور الوسطى. في اجتماعات المجلس الوطني، أو خلال التجمعات في جمعية التعاون، كان يعرّفني على دائرة دائمة التوسع من الفلسطينيين، الذين يمكن أن نكتسب من قصص حيواتهم، في ظل حرج طفيف لحضور الأفراد بأنفسهم، قدراً كبيراً من المعرفة والعظة المستفادة. حصل المعلمون والمحامون والباحثون وموظفو البنوك والمهندسون على تقدير عميق منه باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من قصة فلسطين. يمكنك أن تلمس تعزيزه لوجودهم كلما بدأ بالحديث، حيث تبرز سمته الكونرادية وتعطي عمقاً لكل ما كان يقوله.
يعود الفضل لإبراهيم في أنه قدّم للعرب المقيمين في أمريكا فرصة للتعرف على نضالات التحرر الوطني وسياسات ما بعد الاستعمار. بعيداً عن كونه قومياً فلسطينياً إقليمياً، كان لديه منظور واسع ينمّيه بطموح كبير لرؤية العالم. كان يتحدث بإدراك آسر عن الأماكن التي لم أفكر يوماً في الذهاب إليها، بما في ذلك بيرو والصين وروسيا. كان يحب أن يعيش في المدن الكبرى وغالباً ما يقضي بعض الوقت في باريس والقاهرة وشيكاغو. الأهم من ذلك، كان يقظاً لإمكانيات -وحدود- قدرة الناس على المساعدة في قضية فلسطين. وقد سبقني كثيراً في فهمه، على سبيل المثال، أن سي. إل. آر. جيمس يدرك هويته كغربي، ويشق عليه التماهي مع ماهية العرب. وكان، على نفس المنوال، بصفته مديراً لبرنامج الدراسات الأفريقية بجامعة نورث وسترن، لديه معرفة مذهلة بحركات التحرر في إفريقيا، التي عرف العديد من قادتها وقام بدعوتهم للحضور إلى جامعة نورث وسترن. كان الأكثر وعياً وبراعة في وقته في تقدير شخصيات مثل أميلكار كابرال وأوليفر تامبو، وفي تقييم حركاتهم ونوع الاستعمار أو نظام القمع الذي ناضلوا ضده، وفي الإضاءة على أوجه النضال بالتوازي مع الوضع في فلسطين. من خلاله أيضاً استطاع المرء أن يتعرف إلى شخصيات عظيمة في الخطاب القومي العربي، مثل محمد حسنين هيكل ومنيف الرزاز.
بفضل إبراهيم، التقيت في عام 1970 لأول مرة بإقبال أحمد، الرفيق الثاني في ميدان النضال، والذي تركني موته المفاجئ في حالة مضنية من العزلة والانكفاء على الذات. مثل إبراهيم، كان إقبال (وأستعير واحدة من أرقى كلمات إبراهيم في المديح)، رجلاً "أصيلاً"، يتمتع بذات القدر من البلاغة التي لا تنتهي ويستخدمها بلا كلل. كان الجلوس في وقت متأخر من الليل مع كليهما يتركني في حالة من الهدوء والسكينة، حيث كانا يمارسان مهاراتهما في تفكيك النصوص الطويلة وحتى المبهمة منها، وتبادل التحليلات الغنية، ولم يكن يخلو ذلك أيضاً من الاندفاع التنافسي. لم يقتصر سخاؤهما، وهما في مقام الملهم الروحي لي، على إتاحة الوقت بل كنت أجد تيسيراً في كل أمور الطباعة. كانا بمثابة المبتكر والمطور للكلمة المنطوقة، في تعدد لغاتهم، وغزارة أفكارهم، وقصصهم. وجدت رحابة كل ذلك أثناء مرضي، ويمنعني الحرج من التوسع في ذلك الكرم أكثر. أحزنني أنهما فارقا الحياة قبلي في وقت كانت أصواتهما ستقول الكثير وتنذر بأهمية الجانب الإنساني في كل ما نسعى إليه.
في الكتابة عن رحيل إقبال قبل عامين، والآن عن إبراهيم، أجد صعوبة في تقديم سرد كلي وشامل لمجمل إنجازاتهما. ترك كلا الرجلين انطباعًا راسخ الأثر في كل من التقيا به، ولا يمكن تخليد ذكراهما من خلال عمل واحد؛ ذلك أن أثرهما متناثر في العديد من المؤسسات والفئات والجمعيات والأسر، والتي تغيرت جميعها بشكل واضح وفي توارٍ تام في ظلهما.
عاد كلاهما إلى بلاده لقضاء ما تبقى من عمره: إقبال، الذي ينحدر من ولاية بيهار عاد ليستقر في إسلام آباد. أما إبراهيم فهو من مدينة يافا، لكنه عاد ليستقر في رام الله. ولم يستطيعا العودة إلى مسقطي رأسيهما. وفي محاولة لالتقاط الذاكرة التي تجمعني بهما، لا مهرب من حصروتجميد الذاكرة، وبهذا المعنى خيانتها: فما يمثله هذان الرجلان هو الإرادة والصمود وحب الاستكشاف والمغامرة. أعتقد أن إبراهيم سيظل في القصة لامتناهية السرد عن فلسطين نموذجًا لما تم تكريسه كفكرة لا تنحني، بل تحيا، وتُعاش باستمرار. ولفهم حقيقة إبراهيم بشكل سليم وصائب لا بد من البحث من جديد في أصل المأساة وسبل النضال وحيثياته، ليس من خلال استنساخ الماضي ولكن من خلال إعادة إحياء خبراته والاستلهام منها، وبذلك، جعلها ميدانًا مشرعًا للمراجعة المستقبلية والتفكير النقدي.
هوامش
