كتبها غرانت مورغان ونشرتها "جاكوبين" في ٥/٧/٢٠٢٦.
منذ السابع من أكتوبر، مارست المؤسسات الأكاديمية ضغوطًا مباشرة وغير مباشرة لثني الباحثين المتخصصين في الهولوكوست والإبادة الجماعية عن انتقاد أفعال إسرائيل في غزة. ومع ذلك، يعمل العديد من الأكاديميين على تنظيم شبكات جديدة للدفاع عن حرية البحث والاستقصاء الأكاديمي.
منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاه من الحرب الإسرائيلية على غزة، لم يشهد سوى عدد قليل من الحقول الأكاديمية اضطرابًا داخليًا بحجم ما شهدته دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية. فالباحثون الذين كانوا يتشاركون سابقًا توافقًا مؤسساتيًا واسعًا باتوا اليوم منقسمين حول ما إذا كان ما يجري في غزة يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وما إذا كانت معاداة السامية وذاكرة الهولوكوست تُستخدمان كسلاح سياسي، وما إذا كان لا يزال بالإمكان القول إن الجامعات تسمح بنقاش حر حول القضايا الحساسة والمثيرة للجدل.
وقد بدأت آثار واسعة النطاق، غالبًا ما تكون خفية، تُحدث تحولًا بنيويًا في الكيفية التي يُنتج بها البحث العلمي، ويُمارس بها الانخراط الأكاديمي، وتُدار بها النقاشات الفكرية داخل هذين المجالين، وكذلك في كيفية إضفاء الشرعية عليها. فقد أصبحت الوظائف الأكاديمية أكثر هشاشة، وصار الحصول على تمويل للأبحاث أكثر صعوبة، بينما يواجه الأكاديميون رقابة دقيقة ومضايقات من جهات داخل المؤسسات الأكاديمية وخارجها على حد سواء. وتتقاطع هذه التوجهات العامة مع المناخ السياسي الراهن لتخلق أجواء مشبعة بالخوف والترقب داخل حقلي دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية.
وفي محاولة لفهم كيفية تعامل هذين الحقلين مع هذه المرحلة، أجرت مجلة "جاكوبين" مقابلات مع مجموعة متنوعة من الباحثين والخبراء. وعلى الرغم من تصاعد الضغوط، وجدت أن كثيرين منهم ينظرون إلى المستقبل بتفاؤل. فقد ظهرت منظمات جديدة تُعنى بالدفاع عن حرية النقاش والحرية الأكاديمية، كما بدأت تتبلور حوارات ومقاربات جديدة كان يُنظر إليها قبل سنوات قليلة على أنها غير واقعية أو إشكالية. صحيح أن اللحظة الراهنة قاتمة، لكنها تحمل أيضًا بوادر إمكانات جديدة لمن يرغب في النظر إلى ما وراء العناوين المثيرة.
البرودة الكبرى
في ظل أجواء الجدل الدائر اليوم حول غزة وإسرائيل، لاحظ كثيرون وجود أثرٍ رادع يجعل أي خروج عن التأييد الصريح لإسرائيل يُقابل بالاستنكار والعقوبات الرسمية. فمنذ عام 2023، تعرّض أساتذة جامعات وطلاب بصورة متكررة لحملات كشف بياناتهم الشخصية والتشهير بهم من قبل مجموعات مؤيدة لإسرائيل. كما فُصل أساتذة من وظائفهم، أو أُوقفوا عن العمل، أو خُفِّضت مناصبهم بسبب تصريحات أدلوا بها أو أعمال نشروها. وأُلغيَت دعوات متحدثين، أو تعرضوا لانتقادات حادة بسبب مواقفهم خلال خطابات التخرج أو الفعاليات المرتبطة بالمقررات الدراسية. بل إن "مؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير" (FIRE) خلصت إلى أنه خلال السنة التي تلت السابع من أكتوبر، «كان الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والمتحدثون المدعوون يتعرضون لإجراءات انتقامية بصورة تكاد تكون يومية بسبب تعبيرهم السياسي المتعلق بهذا الجدل». وبينما شملت أمثلة قليلة تعبيرات مؤيدة لإسرائيل، فإن الغالبية الساحقة من هذه الإجراءات استهدفت تعبيرات مؤيدة لفلسطين.
وقد حظيت هذه الظاهرة بتغطية واسعة. لكن ما لم يحظ بالقدر الكافي من الاهتمام هو الكيفية التي تطور بها هذا الأثر الرادع في السنوات التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر. فبعد المرحلة الأولى التي اتسمت بإلغاء الدعوات والفصل من الوظائف على نطاق واسع وبتغطية إعلامية بارزة، أصبحت ممارسات القمع أكثر خفاءً، إذ باتت تُنفذ من خلال الإجراءات البيروقراطية والعقبات المؤسسية المختلفة التي تميز البيئة الأكاديمية المعاصرة.
ويُعد الحصول على تمويل للأبحاث، وكذلك القدرة على نشر المقالات والفصول والكتب الكاملة، أمرًا بالغ الأهمية لضمان الاستقرار المهني. فالمناصب الأكاديمية المؤدية إلى التثبيت الوظيفي ليست بلا شروط، إذ تتطلب من الأساتذة إجراء أبحاث أصيلة تسهم في توسيع المعرفة في تخصصاتهم. وتحقيق هذه المتطلبات ليس أمرًا يستطيع الأكاديمي إنجازه بمعزل عن الآخرين، إذ تتداخل فيه أطراف عديدة، من الإداريين والناشرين إلى مجالس الإدارة واللجان المختلفة.
وتُهيئ هذه الإجراءات البيروقراطية المرهقة بيئةً خصبة لممارسة أشكال هادئة من القمع على مستوى التفاصيل اليومية. وتستذكر ساندرا بابكوك، الأستاذة السريرية التي تدرّس القانون الدولي لحقوق الإنسان في جامعة كورنيل، أنها أُجبرت على اجتياز سلسلة من العراقيل قبل إجراء مقابلة مباشرة بشأن تقرير يتناول الفصل العنصري في إسرائيل. وقبل المقابلة، طُلب منها أن توضح صراحة أن آراءها لا تمثل الجامعة. ثم منعتها الجامعة، بحسب روايتها، من استخدام الخلفية الرقمية المعتادة التي تُظهر منظرًا جويًا للحرم الجامعي، وهي الخلفية التي تظهر في معظم المقابلات المصورة داخل الاستوديو. وقالت إن مدير الاستوديو «اضطر إلى التقاط صور لشقته الخاصة لأنه لم يكن يملك أي خلفيات أخرى، إذ لم يسبق أن حدث شيء كهذا... واضطررنا إلى استخدام صور الستائر المعدنية في شقته».
كما أن أي عمل أكاديمي يتعلق بفلسطين أو إسرائيل أو القضايا المتصلة بهما ينطوي على احتمال خاص للتعرض للعقاب أو الضغوط، وهو ما يدفع كثيرًا من الأكاديميين إلى تجنب هذه الموضوعات تمامًا إذا لم تكن تقع في صلب تخصصهم. وخلال أحاديثهم مع مجلة "جاكوبين"، ذكر عدد من الباحثين أنهم اضطروا إلى تدريس بعض المقررات بدلًا من أساتذتها الأصليين، لأن هؤلاء كانوا مترددين في تناول الموضوعات المثيرة للجدل.
كما جعلت الخلافات السياسية الحصول على تمويل للأبحاث أكثر صعوبة وتعقيدًا. ويقول إريك كورلاندر، أستاذ التاريخ والدراسات اليهودية في جامعة ستيتسون: «تخيل أنك باحث شاب يدرس الإبادات الجماعية المقارنة. وتقول: سأبحث في الهولوكوست، والإبادة الجماعية للأرمن، والإبادة الجماعية في كمبوديا. ثم تكتشف فجأة أن القيام بهذا البحث في جامعة أو لدى جهة تمويل معينة قد يجعلك تُتهم بمعاداة السامية، لمجرد أنك تقارن الهولوكوست بإبادات جماعية أخرى».
وأضاف إريك كورلاندر أن هذه الاتهامات باتت تُوجَّه اليوم حتى إلى مجرد عرض وقائع أو طرح وجهات نظر يمكن الدفاع عنها علميًا ضمن إطار النقاش الأكاديمي. وقال: «لنفترض أنك باحث في شؤون الشرق الأوسط وتلقي محاضرات حول ما قد تكون إسرائيل قد مارسته من سياسات قمعية أو استعمارية تجاه الفلسطينيين، فإن ذلك يُنظر إليه اليوم على أنه معاداة للسامية». وأضاف: «في مثل هذه الحالات، ظهرت مشكلات، غالبًا من إدارات الجامعات، وأحيانًا من أقسام الدراسات اليهودية، في محاولة للحفاظ على رواية معينة».
ولم تقتصر الضغوط على الموضوعات المثيرة للجدل في المجال العام، بل امتدت أيضًا إلى الأسئلة البحثية، حتى تلك البعيدة نسبيًا عن ساحات السجال السياسي. وفي الوقت نفسه، وجد الأكاديميون أنفسهم مضطرين إلى التكيف مع الاتجاهات السياسية السائدة، بل ومع أوضاع تتناقض فيها السرديات التي تتبناها أقسامهم الجامعية مباشرة مع نتائج أبحاثهم.
هل تريد الحصول على التثبيت الوظيفي؟ إذًا احرص على مسايرة قسمك الأكاديمي. وهل تريد أن تكون فرصك في الحصول على تمويل بحثي أكبر؟ استخدم لغةً تلتف على بعض المصطلحات والأفكار الحساسة، وتجنب التعبيرات التي قد تُثير اعتراضات أو تُفسَّر على نحو غير مرغوب فيه.
وأصبح التقدم بطلبات للحصول على تمويل لقطاعات كاملة من الأبحاث يتطلب قدرًا أكبر بكثير من الحذر، كما غدا الانتباه إلى المصطلحات المثيرة للجدل والخلافات الدائرة حولها أمرًا لا بد من متابعته باستمرار. ففي عام 2025 وحده، حجبت إدارة ترامب مليارات الدولارات من التمويل عن عدد من الجامعات، بدعوى وجود مشكلات تتعلق بمعاداة السامية داخل الحرم الجامعي.
وأشار عدد ممن تحدثت إليهم إلى أن إجراء أبحاثهم أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، فيما أعرب عدد أكبر من الباحثين الذين أجريت معهم مقابلات عن قلقهم من تراجع النقاشات الحقيقية والصريحة داخل هذا الحقل الأكاديمي.
وفي معرض حديثها عن الانقسامات الأخيرة، قالت ديبوره دوورك، المؤرخة المتخصصة في تاريخ الهولوكوست والمديرة المؤسسة لمركز دراسة الهولوكوست والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في جامعة مدينة نيويورك:
«يشهد مجال تاريخ الهولوكوست انقسامًا، إذ ينكر بعض زملائي أن تكون إبادة جماعية قد وقعت أو ما تزال تقع في غزة. ويستندون في حججهم إلى الادعاء بأن الدولة التي خلفت الهولوكوست لا يمكن بأي حال أن تكون هي نفسها مرتكبةً للإبادة. وما أجده لافتًا هو أن أوشفيتز وتاريخ أوشفيتز يعملان لديهم كما لو كانا عدسة تشوه رؤيتهم. فهي ليست عدسة تمنحهم رؤية دقيقة أو متوازنة، بل على العكس، فعندما ينظرون إلى الواقع من خلال عدسة أوشفيتز، يصبح أشخاص عقلانيون تمامًا غير عقلانيين في تناولهم لهذه القضية.»
ووصف عدد من خبراء الهولوكوست الذين تحدثت إليهم تزايد الاحتكاكات مع زملائهم، ومع السرديات السائدة داخل أقسامهم الأكاديمية، وعلى نحو خاص مع مؤسسات لعبت لعقود دورًا محوريًا في البحث العلمي والنقاش الأكاديمي. ومن بين المؤسسات التي ذُكرت متحف ذاكرة الهولوكوست في الولايات المتحدة، ومركز التاريخ اليهودي، إلى جانب عدد من الأرشيفات والمتاحف الأصغر حجمًا.
لطالما وفّرت هذه المؤسسات دعمًا محوريًا للباحثين الشباب والأكاديميين المخضرمين، وساعدتهم على دراسة القضايا والإشكاليات المطروحة في مجالاتهم دراسة نقدية. غير أن بعض العاملين في هذا الحقل بدأوا يتخذون مواقف أكثر انتقادًا لما وصفوه بالسلوك المتزايد في ازدواجيته لدى هذه المؤسسات. فهم يتهمون هذه المنظمات وغيرها بالإخفاق في التعامل بصورة كافية مع الإبادة الجماعية في غزة، بل ومع أشكال التطهير العرقي والعنف التي سبقتها، والتي وقعت منذ النكبة.
وقالت الباحثة في دراسات الإبادة الجماعية ماريان هيرش، الأستاذة الفخرية في جامعة كولومبيا التي علّقت تدريسها احتجاجًا على تبني الجامعة تعريفًا واسعًا لمعاداة السامية يشمل الخطاب المناهض لإسرائيل، إن هذه القضية يمكن تلخيصها ببساطة. وقالت لمجلة "جاكوبين": «أعتقد أن جميع هذه المؤسسات قد خذلتنا في الأساس، لأنها تروج لكثير من الأكاذيب المنافقة. هناك قدر كبير من الإنكار، وهناك رفض واضح للنظر إلى حقيقة ما يحدث على الأرض».
وقد أدت هذه الخلافات مع المؤسسات والأقسام الجامعية وإدارات الجامعات إلى تآكل الثقة وولّدت أزمة في الشرعية. وأكد الباحثون أن تهمة معاداة السامية باتت تُستخدم بصورة متكررة كسلاح ضد المنتقدين لإسرائيل، ولا سيما الأساتذة الذين ينتمون إلى اليسار أو يتبنون مواقفه. كما أعرب كثيرون عن صدمتهم من سهولة توجيه اتهامات بمعاداة السامية حتى إلى أساتذة يهود.
ووصف من تحدثت إليهم كيف أن هذا القمع يؤثر مباشرة في الأقسام الأكاديمية وما تنتجه من معرفة. فقد دفعت الضغوط المتزايدة، سواء من الحكومة أو من جماعات خاصة، الجامعات إلى تقييد المناهج الدراسية وإخضاعها لمزيد من الرقابة والتنظيم. وأصبحت مصطلحات وموضوعات خلافية، مثل النكبة أو الحرب على غزة، تُعد، بموجب سياسات بعض الجامعات، غير مناسبة للتدريس بسبب قدرتها على إثارة الاحتجاجات أو استجلاب العقوبات. والأهم من ذلك أن التمويل والمنح الفيدرالية جرى تعليقها أو التهديد بتعليقها بوصفها أداة للرقابة، سواء كانت رقابة ناعمة أو، في بعض الأحيان، أقل نعومة بكثير.
ومع ترسخ هذا الواقع الجديد، تضررت العديد من العيادات القانونية والبرامج التعليمية المهمة بعد تقليص نطاق عملها وإخضاع أنشطتها للمراقبة. كما تعرضت ركائز أساسية في الحياة الأكاديمية لضربات كبيرة، من بينها مسارات التثبيت الوظيفي، وضمانات حرية التعبير، وآليات الحماية من المضايقات، وإمكانية الوصول إلى التمويل.
وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن الضغوط السياسية والحوافز المؤسسية قد تعيد، تدريجيًا، تشكيل أجندات البحث العلمي، في وقت تتنافس فيه الأجيال الجديدة من الباحثين على التمويل، والاستقرار الوظيفي، والسلامة الشخصية في عالم ما بعد السابع من أكتوبر.
شبكة أزمة دراسات الإبادة الجماعية والهولوكوست
كان أكثر ما أثار دهشتي، أثناء استكشاف واقع هذين الحقلين الأكاديميين، هو مقدار التفاؤل الذي ظل يتحلى به جميع من تحدثت إليهم، رغم كثرة الأسباب التي تدعو إلى الإحباط. فبدلًا من الاستسلام للأمر الواقع، عمدت أغلبية واضحة منهم إلى إنشاء منظمات، أو الانخراط فيها، تُعنى بتعزيز حرية التعبير، وحماية الأكاديميين، والحفاظ على شرعية المؤسسات الأكاديمية. وكان أبرز هذه المبادرات التي اطلعت عليها "شبكة أزمة دراسات الإبادة الجماعية والهولوكوست" (GHSCN)، التي تضم مئات الأكاديميين الساعين إلى إنقاذ تخصصاتهم من القمع والتدهور البنيوي.
وقد أعدّت الشبكة ووقّعت رسائل مفتوحة تعترض فيها على ممارسات جامعية ترى أنها تضر بحرية التعبير الأكاديمي والبحث العلمي. وكان من أبرز دوافع هذا التحرك التوسع المتزايد في اعتماد تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست" لمعاداة السامية، وهو التعريف الذي يساوي بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل، وهو التعريف نفسه الذي احتجت عليه ماريان هيرش في جامعة كولومبيا.
وقال بريت آشلي كابلان من جامعة إيلينويس أوربانا-شامياين لمجلة "جاكوبين": «كتبنا رسالة وقّعها ما يقارب 1200 باحث في دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية، أكدت أن هذا التعريف يُحدث أثرًا رادعًا على حرية التعبير، وأنه ينبغي السماح للناس بالتعبير عن آرائهم بحرية».
وتنخرط الشبكة أيضًا في معالجة الأسئلة الأكاديمية والأخلاقية الصعبة التي تواجه هذين الحقلين اليوم. وفي مجال دراسات الهولوكوست على وجه الخصوص، شدد أستاذان جامعيان تحدثت إليهما على الحاجة المتزايدة إلى التوفيق بين فظائع الهولوكوست وبين حقيقة أن الضحية قد تتحول إلى جلاد، وأن هذا يستدعي نقاشًا أوسع حول ذاكرة الهولوكوست، وما الذي يعنيه شعار «لن يتكرر ذلك أبدًا» في سياق غزة.
وسلط آخرون الضوء على توظيف ليس فقط تهمة معاداة السامية، بل أيضًا الذاكرة الخاصة بالهولوكوست، كسلاح سياسي. وأكدوا ضرورة استحضار فظائع الهولوكوست والدروس المستفادة منها من دون استخدامها في الوقت نفسه لتبرير أو التقليل من خطورة العنف القومي الإثني، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية في الحاضر. وكان جوهر هذه الانتقادات يتمثل في الدعوة المتزايدة إلى إعادة النظر في موقع الهولوكوست في التاريخ، بوصفه ليس مجرد قصة عن حدث بعينه، بل باعتباره تجسيدًا للمسارات السياسية التي ما تزال تؤثر في عالم اليوم. وقد لخّصت ديبوره دوورك هذه الانتقادات بقولها لمجلة "جاكوبين":
«هناك آخرون، وكثيرون جدًا، ينظرون إلى الهولوكوست كما لو أنه لا يتعلق إلا بقتل يهود أوروبا. ولو كان حدثًا فريدًا لا يشبهه شيء، فما جدوى دراسته؟ عندئذ لن تكون له أي صلة بأي شيء آخر، ولذلك أرى أن هذه حجة تؤدي إلى طريق مسدود».
وبدأ بعض الباحثين في بلورة رؤى جديدة لتخصصاتهم الأكاديمية. فعلى سبيل المثال، لفت باري تراتشتنبيرغ الأستاذ في جامعة ويك فورست، انتباهي إلى "شبكة الدراسات اليهودية التحررية"، التي تضم طلابًا وأساتذة شرعوا في تخيل ما يمكن أن تكون عليه دراسات اليهودية خارج إطار الصهيونية وغيرها من النماذج الفكرية الراسخة منذ زمن طويل.
ومن المهم الإشارة إلى أنه، خلال جميع المقابلات التي أجريتها، لم يصف أحد الافتراضات والتوجهات التي هيمنت طويلًا على دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية بأنها شريرة، ولم يستخدموا أوصافًا مبالغًا فيها. بل دعا هؤلاء الباحثون إلى إفساح المجال لظهور مقاربات فكرية أخرى وإتاحة النقاش حولها. وقد تكررت مصطلحات مثل «غير صهيوني»، و«ما بعد الصهيونية»، و«مناهض للصهيونية»، إلى جانب دعوات إلى إيلاء اهتمام أكبر لإبادات جماعية سابقة، ولنظم القمع التي غالبًا ما يُساء فهمها أو لا تُناقش أصلًا. وهكذا تتشكل اليوم مسارات جديدة للبحث والنقاش والتركيز، بينما تحاول هذه الشبكات المعارضة بناء حصن مؤسسي متين في مواجهة تراجع الممارسة الديمقراطية وتآكل الشرعية الأكاديمية.
وقد أجمع جميع من تحدثت إليهم على أن الأثر الرادع أصبح عميقًا، وأنه ألحق ضررًا كبيرًا بزملائهم، وخلق عقبات بنيوية هائلة أمام الباحثين الشباب الراغبين في تحدي الأرثوذكسية الفكرية السائدة. لكنهم، في الوقت نفسه، أبدوا قدرًا واضحًا من التفاؤل بشأن مستقبل هذا الحقل وآفاق النقاش الحر. فقد شددوا على ضرورة حماية حق جميع الباحثين، بصرف النظر عن توجهاتهم السياسية، في متابعة موضوعات أبحاثهم من دون ضغوط أو رقابة، وعلى الحاجة المتزايدة إلى دراسة القضايا الشائكة من دون خوف من الانتقام أو العقاب. وكانت رسالتهم دعوة إلى مقاومة ديمقراطية تستند إلى الصرامة الأكاديمية وحرية البحث، بوصفهما السبيل الذي يمكن لهذا الحقل من خلاله أن يصمد ويزدهر.
