نشر هذا البيان من قبل مجموعة "فلسطين ستنقذ السينما"، في مدونة "ميديابارت"، في ٨/٦/٢٠٢٦.
المقاطعة الثقافية ليست رقابة، بل هي تعبير عن موقف سياسي رافض. فالرقابة تصدر عن سلطة تمنع، أما المقاطعة فتنبع من مجتمع مدني يرفض. المقاطعة لا تصادر حق الفنان في التعبير، ولا تدمر، ولا تُسكت أحداً؛ بل تعترض على الشروط المؤسساتية التي يُموَّل في ظلها هذا التعبير، أو يُروَّج له، أو يُستخدم ضمنها.
أُثير جدل واسع حول حضور المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد في الدورة المقبلة من مهرجان مارسيليا الدولي للسينما (FID)، وقد قُدِّم هذا الجدل في صفحات صحيفة "لوموند" على أنه مواجهة بين أنصار الحوار من جهة، وأنصار التهديد والرقابة من جهة أخرى. والأسوأ من ذلك أنه صُوِّر على أنه حملة تستهدف مخرجاً إسرائيلياً لمجرد جنسيته.
نرغب في هذا النص تصحيح عدد من الادعاءات الكاذبة، كما نرغب في تقديم قراءة سياسية لهذا الجدل. ذلك أن السردية التي تُقدَّم حتى الآن تتجاهل، مرة أخرى، السؤال الحقيقي المطروح: مسألة شرعية المقاطعة الثقافية بوصفها وسيلة للعمل السياسي.
العودة إلى الوقائع
قرر مهرجان مارسيليا الدولي للسينما هذا العام تنظيم برنامج يتمحور حول فلسطين والعالم العربي، في سياق يشهد اقتراب مرور ثلاثة أعوام على الإبادة الجماعية في غزة، واستمرار الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، وسياسة الأرض المحروقة في لبنان. وفي هذا الإطار جرى التواصل مع عدد من السينمائيين والمبرمجين. وفي الوقت نفسه، قرر المهرجان دعوة المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد.
وقبل المتابعة، لا بد من التذكير بالسياق: فمنذ ما يقارب ثلاث سنوات، يتحرك العاملون في الحقل الثقافي في فرنسا وفي أنحاء العالم من أجل توعية المؤسسات والمنظمات الثقافية بقضية المقاطعة الثقافية وسياسات التطبيع التي تسهم في بناء صورة إسرائيل بوصفها دولة ديمقراطية ومتعددة وحديثة، وتعمل على تبييض السياسات الإبادية والاستعمارية للدولة الإسرائيلية. وقد وقّع آلاف الأشخاص على نصوص وعرائض بهذا الخصوص، كما دعا مخرجون إسرائيليون أنفسهم إلى مقاطعة أفلامهم، واتسعت حركة النقاش والتبادل الفكري داخل الأوساط الثقافية حول هذه القضايا.
وكان مهرجان مارسيليا نفسه قد تلقى، بعد أن تواصل معه ائتلاف «فلسطين ستنقذ السينما» الذي يقود منذ أشهر حملة من أجل المقاطعة الثقافية، اقتراحاً في أبريل/نيسان 2026 يتعلق تحديداً بهذه المسألة، يتمثل في تنظيم ندوة بعنوان: «لماذا نقاطع الثقافة؟»، تُعدّ بالتعاون مع فريق المهرجان وتكون مفتوحة للمهنيين والجمهور على حد سواء. وتهدف مثل هذه اللقاءات إلى طرح النقاش على الملأ، وفتح فضاءات للحوار حول فكرة المقاطعة الثقافية، والسير معاً نحو فهم أعمق لتحدياتها ودلالاتها. وقد نُظمت لقاءات مماثلة في مناسبات مختلفة، مثل ملتقى لوساس العام للفيلم الوثائقي في صيف 2025، ومهرجان «سينما دو ريال» في مارس/آذار 2026، وكذلك في الجناح الفلسطيني ضمن مهرجان كان في مايو/أيار الماضي. غير أن مهرجان مارسيليا رفض توفير هذا الفضاء للنقاش.
في هذا السياق، وعندما علم عدد من السينمائيين والمبرمجين بالدعوة الموجهة إلى ناداف لابيد ليكون عضواً في لجنة التحكيم أو للمشاركة في تقديم درس سينمائي مفتوح أو جلسة توقيع (إذ إن طبيعة مشاركته لم يوضحها المهرجان بشكل كامل أبداً)، قرروا سحب أعمالهم من البرنامج، معتبرين أن شروط مشاركتهم لا تنسجم مع قناعاتهم السياسية ولا مع الفضاءات التي يرغبون في أن تُستقبل فيها أعمالهم. ومن حقهم الكامل اتخاذ هذا القرار.
وفي نهاية مايو/أيار، قرر مهرجان مارسيليا التخلي عن الأنشطة التي كانت مقررة مع ناداف لابيد، وأكد في الوقت نفسه الإبقاء على برمجة تلك الأفلام. بعد ذلك، ادعى مؤيدو ناداف لابيد أن هذه التعبئة تستند فقط إلى كونه إسرائيلياً، وأنها تمثل سياسة إقصاء وهويّة مفروضة عليه، وأنه ضحية للرقابة.
ما الذي جرى فعلياً في هذه المواقف؟ ولماذا أراد هؤلاء السينمائيون سحب أفلامهم؟
خلافاً لما يُروَّج له، فإن ناداف لابيد ليس موضع انتقاد بسبب جنسيته الإسرائيلية. ولنعُد إلى التأكيد بوضوح: إن المقاطعة الثقافية لا تستهدف الفنانين بسبب جنسياتهم أو آرائهم الشخصية. ما هو موضع النقاش هنا يتمثل في واقع انخراطه ضمن أجهزة ومؤسسات الدولة الإسرائيلية وآلياتها السياسية. إن اختزال هذه المسألة في هجوم على فرد بعينه يسمح، مرة أخرى، بالتهرب من القضية الحقيقية التي تتعلق بالمؤسسات، وآليات التمويل، وأجهزة التمثيل الثقافي المرتبطة بدولة ما، وكذلك بالعلاقات التي يقيمها السينمائيون مع هذه المؤسسات والدور الذي يؤدونه من خلالها.
ولنعد مرة أخرى إلى الوقائع: فقد حظي آخر أفلام ناداف لابيد، «نعم»، بدعم من صندوق الفيلم الإسرائيلي، وهو المؤسسة "المقابلة للمركز الوطني الفرنسي للسينما"، المموَّلة من الدولة الإسرائيلية. كما عُرض الفيلم في مهرجان كان عام 2025 بوصفه إنتاجاً مشتركاً إسرائيلياً، وشارك أيضاً في جوائز أوفير، وهي أبرز الجوائز السينمائية في إسرائيل. إضافة إلى ذلك، اختار ناداف لابيد المشاركة عدة مرات في مهرجان الفيلم الإسرائيلي في باريس، وهو تظاهرة تحظى بدعم السفارة الإسرائيلية، وقد افتُتحت دورة هذا العام أيضاً بخطاب ألقاه السفير الإسرائيلي في فرنسا.
لقد استثمرت الدول دائماً في السينما والأدب والفنون والمهرجانات بوصفها أدوات للإشعاع الثقافي واكتساب الشرعية. فالإنتاجات الثقافية لا تتحرك في فراغ سياسي، بل تسهم في تمثيل الدول، وصناعة صورتها الدولية، ونشر رواياتها. ولهذا السبب تحديداً وُجدت المقاطعة الثقافية. ليس لأن الفنانين مسؤولون عن الجرائم التي ترتكبها حكوماتهم، ولا لأن بعض الأعمال ينبغي حظرها، بل لأن المؤسسات الثقافية وأنظمة التمويل وسياسات التوزيع تؤدي دوراً فعلياً في استراتيجيات الدول الرامية إلى اكتساب الشرعية.
ومن خلال استمراره في التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية، رغم أنه ليس مضطراً إلى ذلك، يشارك ناداف لابيد في واجهة أساسية من استراتيجية التطبيع التي تنتهجها الدولة الإسرائيلية. فهذه الصورة التي تُقدَّم عن مجتمع ديمقراطي وتعددي وقادر على نقد ذاته تسهم في التخفيف من وقع الحقائق المرتبطة بالإبادة الجماعية والاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وهي حقائق بات عدد متزايد من الفاعلين الدوليين يندد بها منذ ما يقارب ثلاثة أعوام.
إن رفض النظر إلى قرار هؤلاء السينمائيين بسحب أفلامهم باعتباره موقفاً سياسياً، وتقديمه بدلاً من ذلك على أنه حملة ضغط أو اعتداء على حرية الإبداع أو حرية العرض، سواء في المقال المنشور في صحيفة "لوموند" بتاريخ 6 يونيو/حزيران 2026 أو في بيان مهرجان مارسيليا الدولي للسينما، هو كذب صريح وسوء نية واضح. فلم تُمارس أي ضغوط على ممولي المهرجان أو شركائه، ولم يُوجَّه أي نداء لمقاطعة المهرجان نفسه. وكل ما فعله هؤلاء السينمائيون أنهم مارسوا حقهم الكامل في حرية الضمير عندما أعلنوا أنهم سيسحبون أفلامهم إذا جرى إدراج ناداف لابيد ضمن برنامج المهرجان.
في الدفاع عن المقاطعة
تُعدّ المقاطعة منذ زمن طويل أداة سياسية للضغط السلمي تتيح للمجتمعات المدنية التحرك عندما ترفض الدول تحمل مسؤولياتها. إن شرعية هذا النضال، الذي يستجيب للنداء الذي أطلقه المجتمع المدني الفلسطيني عام 2005 في إطار حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، المستلهمة من النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، هي جانب جرى تجاهله بالكامل في مقال "لوموند"، الذي نقل في المقام الأول خطاب المخرج ناداف لابيد ووجهة نظره، وجعل منهما محور هذا النقاش.
إن الجدل الذي يعبر اليوم أوساط السينما الفرنسية لا ينبغي أن يتمحور حول الحق في الإبداع أو عرض الأفلام، لأن القضية ليست هذه. بل يتعلق بمسؤولية السينمائيين والمؤسسات الثقافية تجاه نداء المقاطعة الذي أطلقه المجتمع المدني الفلسطيني، وبقدرتنا الجماعية على مساءلة العلاقات القائمة بين الثقافة والتمويل والسلطة.
فالسؤال المطروح هو ما إذا كان بإمكان المؤسسات الثقافية والمستفيدين منها، أي السينمائيين في هذه الحالة، الاستمرار في العمل وكأن شيئاً لم يكن، في وقت تُوثَّق فيه يومياً إبادة جماعية وسياسات استعمارية تمارسها الدولة الإسرائيلية في ظل إفلات كامل من العقاب، وتتزايد فيه النداءات حول العالم إلى قطع الصلة بآليات التطبيع المرتبطة بهذه الدولة.
هذا هو السؤال الذي تجيب عنه المقاطعة الثقافية. فهي لا تقوم على الرقابة، بل على رفض التطبيع. وهي ليست موجهة ضد الفنانين بسبب جنسياتهم، بل ضد المؤسسات والآليات التي تسهم في جعل ما لا ينبغي قبوله أمراً مقبولاً.
وهذا هو النقاش السياسي الذي يرفض عالم السينما مواجهته عندما تُستبدل مسألة المؤسسات بمسألة الجنسية، في خضم جدل ينتشر كالنار في الهشيم. ومع ذلك، فهو النقاش الذي بات من الضروري خوضه اليوم في جميع الفضاءات الثقافية.
