لبنان برلين: الفتى والمرأة والمدينة

«لِمَن يجرؤ» لدانيال عربيد. معدلة.

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

في «يوماً ما ولد» لماري روز إسطا (الأسد الذهبي - أفضل فيلم قصير) يدخل الخيال من باب صغير، لكنه يفتح على عالم كامل. الفيلم يلتقط تلك اللحظة التي يصبح فيها الخيال آلية بقاء. المشهد في عكّار اللبنانية، بيت ريفي قاس، حجارة عارية وحديد يلمع ببرودة الفقر،

للكاتب/ة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

06/03/2026

تصوير: اسماء الغول

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

شفيق طبارة

ناقد سينمائي، يكتب في عدة صحف ومجلات عربية، يغطي سنويا عدداً من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية. عمل كمدير فني لمهرجان "نورينت" في سويسرا. ويعمل مستشاراً فنياً لعدد من شركات الإنتاج العربية والعالمية. أصبح هذا العام مصوت دولي لجوائز الغولدن غلوب.

ثلاثة أفلام لبنانية برزت هذا العام في مهرجان برلين، ذلك المهرجان الذي لم يعد مجرد تظاهرة سينمائية بل ساحة اشتباك مفتوحة، حيث السياسة تتخفّى في اللاسياسة، وحيث كل تفصيل، من البرمجة إلى التصريحات، يصبح مادة نزاع. وسط هذا الضجيج، جاءت الأفلام اللبنانية كأنها رسائل مُهرّبة من بلد يعيش على حافة أعصابه.

في الدورة السادسة والسبعين للمهرجان هذا العام، بدا واضحاً أن السينما اللبنانية لم تعد تلعب في هامش الخيال، بل عادت إلى قلب الواقع، إلى تلك المنطقة التي لا يمكن للكاميرا أن تمرّ فيها مرور الكرام. أفلام ثلاثة، تبدو متباعدة في موضوعاتها، لكنّها تتجاور تحت سقف واحد، الهمّ نفسه، الوجع نفسه، السؤال نفسه عن بلد يعيش في منطقة رمادية بين الذاكرة والاختفاء. كل فيلم منها يقدّم زاوية، لكنّها زوايا تتكامل: الفتى، المرأة، المدينة.

 

 

السماء ليست للآخرين

في «يوماً ما ولد» لماري روز إسطا (الأسد الذهبي - أفضل فيلم قصير) يدخل الخيال من باب صغير، لكنه يفتح على عالم كامل. الفيلم يلتقط تلك اللحظة التي يصبح فيها الخيال آلية بقاء. المشهد في عكّار اللبنانية، بيت ريفي قاس، حجارة عارية وحديد يلمع ببرودة الفقر، كأن المكان نفسه يرفض التجميل. هناك، يفتح الفيلم عينه على رجل بملامح حادة (أنطوان ضاهر)، وعلى صبية يتسلّقون السطح ليطلّوا برؤوسهم من فتحة ضيّقة نحو السماء. يتقدّمهم فتى بقدرات خارقة (خالد حسن)، لا خارقة بمعنى الأساطير، بل خارقة بمعنى أن الخيال هو الشيء الوحيد الذي لم تستطع الحرب مصادرته. لكن السماء فوق عكّار ليست سماء. هي طبقة من التوتر، من الضجيج المعدني، من الطائرات الحربية الإسرائيلية التي تحوم كظلّ لا يفارق رأس الطفل.

الفيلم بارد وحدّته تشبه حدّة الهواء في عكّار. وبرودته هذه ليست انعداماً للمشاعر، بل حميمية من نوع آخر، حميمية طفل يبحث عن أمّه في الأصوات، لكنه لا يجدها. وعند هذا الغياب، يولد الخيال كآلية دفاع، كطريقة فتاكة اخترعها الطفل ليعيد ترتيب العالم على مقاس خوفه. إسقاط الطائرات الإسرائيلية من السماء بمجرد التفكير، هذا ليس فعلاً عسكرياً، بل فعلاً خيالياً خالصاً، قوة غير طبيعية. كأن العقل الطفولي يرفض أن يسلّم بأن السماء ملك للآخرين.

امرأة، رجل، ومدينة تتداعى

«لِمَن يجرؤ» لدانيال عربيد ليس فيلماً عن علاقة عاطفية فقط، بل عن مجتمع يقف فوق كتف المرأة يراقب أنفاسها، وعن حبّ يُمنع عنه البراءة لأنه يحدث في بلد لا يسمح للحبّ أن يكون بسيطاً. عربيد تعود بفيلم صُوّر بالكامل بتقنية العرض الخلفي (كما تقول رسالة الافتتاح) لأن إسرائيل كانت تقصف لبنان في اللحظة نفسها التي كان يفترض أن يبدأ فيها التصوير.

سوزان (هيام عباس) امرأة تحمل تاريخاً فلسطينياً، وأبناء يراقبونها أكثر مما يحبّونها. عثمان (أمين بن رشيد)، الشاب السوداني غير الموثّق، يحاول أن يجد مكاناً في مدينة لا تعترف بوجوده. يلتقيان صدفة، يقعان في الحبّ رغم كل شيء، ويصنعان معاً صورة صغيرة للحياة العائلية، صورة هشّة لكنها حقيقية، في مقابل مدينة تتداعى، ومجتمع وسلطة يتدخلان في كل شيء.

عربيد كما دائماً تكسر المحظورات: علاقة امرأة أكبر سناً برجل أصغر، شخصيات مثلية، حبّ مختلط، كل ما يخشاه المجتمع اللبناني وكل ما يحاول دفنه تحت طبقات من الأخلاق المصطنعة. «لِمَن يجرؤ» قصة حبّ تتسلل إليها السياسة والضغوط الاجتماعية من الشقوق. الفيلم يخلق جواً حالماً، كأننا نشاهد فيلماً قديماً صُوّر في زمن آخر، لكنه في الوقت نفسه شديد الحداثة، شديد الالتصاق بالواقع، لأنه يتعامل مع عالم مضطرب في لحظته.

 

 

طرابلس الذاكرة

في «يوم الغضب: حكايات من طرابلس» لرانية رافعي، طرابلس هنا ليست مدينة، بل كائناً حيّاً، ذاكرة تمشي على قدمين، تتعثر بتاريخها الطويل، وتجرّ خلفها جروحاً، وتفاصيل يومية لا يراها إلا من عاشها. فيلم عن مدينة تقف دائماً على حافة الانفجار، لكنها، بعنادها القديم، تظلّ قادرة على إنتاج الحكايات، وعلى حماية خصوصيتها.

فيلم عن التواريخ التي مرّت فوق هذه المدينة: الاستعمار، الاستقلال، الوحدة العربية، الحرب، الهزيمة، صعود الإسلام السياسي، واحتجاجات 2019. فيلم عن الإنسان، عن الشهيد الذي نُسي، بينما صارت الرواية الرسمية ملكاً لـ«رجال الاستقلال» لا «شهدائه»، كما يقول أحد شخصيات الوثائقي. الفيلم غني بالتفاصيل، يفيض بدفء خفيف، بفكاهة تنبع من انسجام عميق مع ناس طرابلس. تلتقي برجال شهدوا الاستقلال، بمعلمة وطلابها، وبأطفال آخرين تسألهم عن التاريخ والحاضر ورؤيتهم للمدينة.

رافعي تبني فيلمها على أربع محطات زمنية، أربع طرابلسات تتجاور وتتداخل: «1943: نظرتُ إلى الفجر ملياً»، «1858: عندما رأيتُ ابتسامة أبي»، «1983: بقايا إحساس مضى»، «2019: عن الممكن». هذه ليست عناوين فصول، بل طبقات من الوعي. طرابلس تتغيّر. كل مرحلة تترك ندبة، وكل ندبة تخلق جيلاً جديداً من الأسئلة. انطلقت المخرجة من طرابلس إلى طرابلس، تلاحق ماضي العائلة، وتُسمعنا الحاضر بصيغة المضارع وهي تخاطب والدها الراحل كأنه يجلس إلى جانبها. هذا التداخل يمنح الفيلم نبرة حميمة، كأن المدينة نفسها تردّ على أسئلتها.

الكاتب: شفيق طبارة

هوامش

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع