بالنسبة لبرتولت بريشت الحرب ليست مصير البشرية الأبدي (ترجمة)

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

كتب بريشت عام 1945 في قصيدة ساخرة أن الحرب "فقدت مصداقيتها لبعض الوقت على الأقل." ويبدو أن هذا الوقت ينتهي، حيث يُعاد فرض العسكرة على الأوروبيين كعبء لا مفر منه. بالنسبة لبريشت، قد تبدو الحرب كذلك، لكنها ليست سوى نتاج اختيارات بشرية كثيرة. وحتى ذلك الحين، يمكن تجنبها.

للكاتب/ة

الصراع قوي في "الأم شجاعة"، لكنّه لا يزال نتيجة قرارات فردية وعلاقات اجتماعية، وليس مصيرًا مقدرًا. الحرب ليست طاعونًا أزليًا. كان بريشت يريد أن يواجه جمهوره بالتباين بين واقع الفعل الفردي والقوى الأكبر التي تنتهكه وتُفسده. إنه مأساوي، ولكن ليس بالمفهوم المُخفف للكلمة كما يُستخدم اليوم.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

04/08/2025

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

كتبها هاريسون ستيتلر ونشرت في "جاكوبين" في ١/٨/٢٠٢٥.

في عام 1945، وبينما كانت أوروبا في حالة خراب، كتب برتولت بريشت أن الحرب "فقدت مصداقيتها لبعض الوقت على الأقل." ويبدو أن تلك الفترة تقترب من نهايتها، مع دفع الدول الأوروبية نحو عصر جديد من إعادة التسلح.

في عرض المخرجة ليزابوا هوبريختس الجديد لمسرحية بريشت "الأم شجاعة وأبناؤها"، والذي قُدم في باريس في يونيو ضمن جولة أوروبية، كان القرار الحاسم هو استبدال العربة الشهيرة في المسرحية بكرة وسلسلة ضخمتين. في تحفة بريشت، كانت العربة في الأصل عبئًا عبثيًا، وشخصية بحد ذاتها في هذه الحكاية التحذيرية عن أخطار الحرب.

هرب بريشت من ألمانيا بعد وصول النازيين إلى السلطة عام 1933، وكتب المسرحية في المنفى عام 1939 بالتعاون مع رفيقته المتكررة مارجريتا شتيفين. كان حينها في أوج قوته الشعرية والسياسية، ينسج أعمالًا تدين الفاشية الزاحفة والعسكرة القمعية. لم يُعرض العمل لأول مرة إلا عام 1941 في سويسرا، بعد أن تحول الزحف نحو الحرب إلى صراع عالمي جديد.

من المبالغة وصف بريشت بالمسالم. فقد كان وعيه المباشر بخطر الفاشية في عصره حادًا للغاية. كانت أعماله التاريخية والسياسية، مثل "حياة غاليليو" و"الخوف والبؤس في الرايخ الثالث"، أقرب إلى أفلام وثائقية، تحمل طابعًا سياسيًا وتعليميًا واضحًا. لكنه كان يعلم أيضًا أن الحروب غالبًا ما تكتسب منطقها الخاص، وتتجاوز دوافع أطرافها، حتى تصبح غاية في حد ذاتها.

لهذا السبب، تبدو "الأم شجاعة وأبناؤها" مسرحية ملحة اليوم. فآنا فيرلينغ، المعروفة باسم "الأم شجاعة"، تاجرة صغيرة تجوب وسط أوروبا المدمرة خلال حرب الثلاثين عامًا في القرن السابع عشر، بعربتها المليئة بالبضائع، بحثًا عن الربح في صراع ينتهي بتحطيم كل ما هو إنساني لديها، أي أولادها الثلاثة: إيلِف، وشفايتسر كاز ("الجبن السويسري")، وكاترين. جميعهم يموتون فداءً لجشع أمهم واستغلالها للحرب. فيرلينغ تمثل الإنسان الصغير الذي يظن أنه قد ينجو من دراما الحرب، بل وقد يحقق ربحًا منها.

لكن العربة كانت شيئًا ملموسًا، أداة اجتماعية فعلية تحمل علاقات القوى. إنها وسيلة بقاء فيرلينغ، لكنها أيضًا أداة اغترابها، تدفعها إلى الأمام بينما يُجرف أطفالها. يُعدم إيلف، ابنها الأكبر، بعد قتله فلاحًا خلال هدنة. يُقبض على شفايتسر كاز وتُعدمه القوات الكاثوليكية، بحثًا عن صندوق نقود تركه جنود بروتستانت منهزمون. كاترين، وهي صمّاء، تضحي بنفسها: بينما تغيب الأم لجمع الإمدادات أثناء هدنة أخرى، تدق كاترين الطبل لتحذير المدينة البروتستانتية من اقتراب القوات الكاثوليكية، فتُقتل.

ورغم كل ذلك، تظل الأم شجاعة مقتنعة بأنها تتحكم في مصيرها:
"آمل أن أستطيع سحب العربة وحدي. ستكون بخير، ليس فيها الكثير. يجب أن أعود إلى العمل"، تقول قبل الستار الأخير، بعد أن تترك جثة كاترين خلفها وتتابع طريقها: "خذوني معكم!"

أما كرة السلسلة في عرض هوبريختس، فهي تضعنا في موضع وجودي أعمق. يمكن للمرء أن يأسف على الحرب، لكن هذا العرض يبدو وكأنه يقول إنها قدر الإنسان المأساوي. يضيف جرعة زائدة من العبثية أقرب لعوالم صموئيل بيكيت من نظيره الألماني الماركسي. هذا القرار ليس تفصيلًا عارضًا، بل جزء من خيار أوسع لـ "نزع الطابع التاريخي" عن العمل، وهو ليس كـ"تحديث" للمسرحية. إن اعتبار الحرب عنصرًا لا مفر منه في الطبيعة البشرية هو بالضبط ما لا يجب استخلاصه من مسرحية بريشت.

الصراع قوي في "الأم شجاعة"، لكنّه لا يزال نتيجة قرارات فردية وعلاقات اجتماعية، وليس مصيرًا مقدرًا. الحرب ليست طاعونًا أزليًا. كان بريشت يريد أن يواجه جمهوره بالتباين بين واقع الفعل الفردي والقوى الأكبر التي تنتهكه وتُفسده. إنه مأساوي، ولكن ليس بالمفهوم المُخفف للكلمة كما يُستخدم اليوم.

وسط تصاعد الدعوات لإعادة التسلح اليوم، يبدو أن الأوروبيين باتوا معتادين على هذا النوع من الخطاب. ومن المفارقات أن بريشت، إذا أُفرط في تأويله، قد يتحول إلى رمز لثقافة كان يحذر منها. نسمع كثيرًا الآن أن أوروبا "استيقظت" على واقع عالم عنيف. قال جوزيب بوريل، مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، عام 2022 إن أوروبا نسيت أنها في "غابة" ويجب أن تقاتل للحفاظ على "الحديقة". أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فأصبح يأسف بأن "الطابع المأساوي للتاريخ" عاد مجددًا.

كتب بريشت عام 1945 في قصيدة ساخرة أن الحرب "فقدت مصداقيتها لبعض الوقت على الأقل." ويبدو أن هذا الوقت ينتهي، حيث يُعاد فرض العسكرة على الأوروبيين كعبء لا مفر منه. بالنسبة لبريشت، قد تبدو الحرب كذلك، لكنها ليست سوى نتاج اختيارات بشرية كثيرة. وحتى ذلك الحين، يمكن تجنبها.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع