كتبتها إيلين جونز ونشرتها "جاكوبين" في ١٣/٤/٢٠٢٦.
مع تهديد الرئيس دونالد ترامب أخيراً بتدمير الحضارة الإيرانية نفسها، يواصل صانعو الأفلام في البلاد تقاليدهم الطويلة في صناعة سينما متحدية وعميقة الإنسانية، تشكّلت تحت وطأة الرقابة والسجن والحرب.
ومع استهداف الشعب الإيراني اليوم من قبل القوى المتسلطة التي تدير الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يزد تهديد دونالد ترامب الصريح مؤخرًا بتدمير “حضارتهم” إلا من حجم المأساة. تستحضر هذه الكلمة احتمال فقدان إرث عظيم يمتد لخمسة آلاف عام في العمارة والرسم والنحت والشعر. أشعر بألم خاص تجاه السينما الإيرانية، التي كانت أصلًا مثقلة بقيود الديكتاتورية القمعية للجمهورية الإسلامية، حيث سُجن العديد من صانعي الأفلام أو أُجبروا على المنفى.
ومع ذلك، تستمر الأفلام المهمة في الظهور، غالبًا على يد مخرجين في المنفى. على سبيل المثال، مُنع جعفر بناهي من صناعة الأفلام في إيران طوال العشرين عامًا الماضية، وسُجن عدة مرات. لكنه يواصل العمل في فرنسا ويختبر سلطة رجال الدين من خلال رحلات عودة دورية إلى إيران. وقد فاز فيلمه الأخير، "حادث بسيط"، بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، كما رُشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي في الدورة الثامنة والتسعين لجوائز الأكاديمية.
وقد صرّح بناهي بأنه، بعد حملة الجوائز، يعتزم العودة إلى إيران، رغم أنه يواجه حكمًا بالسجن لمدة عام. قال في فبراير: “إذا أرادوا إعادتي إلى السجن، فسأذهب. سأدخل السجن، وسأخرج بنص جديد.” وأُفيد مؤخرًا بأنه دخل البلاد في 31 مارس “برًا عبر تركيا بسبب قيود الطيران”.
هذا يعكس قدرًا استثنائيًا من الشجاعة. وقد أدلى بناهي بالعديد من التصريحات الحادة حول المخاطر التي واجهها هو وزملاؤه من صانعي الأفلام الإيرانيين على مدى سنوات طويلة: “لقد قاومنا القيود؛ صنعنا الفن رغم الصعوبات والعوائق. وكلما ازداد الضغط، ازددنا صمودًا. وبطريقة أو بأخرى، واصلنا النضال لصناعة الأفلام.”
لكن مع الدمار الهائل الناتج عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يبرز سؤال ملح: هل يمكن لهذه السينما الفريدة والمتألقة أن تستمر في الصمود وسط حالة دائمة من الكارثة؟
لا توجد سينما وطنية تستحق الحفظ بقدر السينما الإيرانية. كنت أدرّس قسمًا قصيرًا عن الموجة الجديدة الإيرانية في مساقي التمهيدي لتاريخ السينما في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكان من الممتع دائمًا رؤية دهشة الطلاب وإعجابهم بهذا المزج بين الواقعية العاطفية والتعقيد الماوراء السينمائي.
يُعد فيلم "المرآة"، ١٩٧٩، لبناهي مثالًا بارزًا على الابتكار في أفلام الموجة الجديدة الإيرانية. وهو واحد من أفلام “الأطفال” الإيرانية العديدة، ويتتبع رحلة فتاة صغيرة ضائعة تُدعى مينا عبر مدينة طهران في محاولة للعودة إلى منزلها بعد أن فشلت والدتها في اصطحابها من المدرسة. وفي لحظة مؤثرة في منتصف الفيلم، تستقل مينا حافلة وتحاول دفع الأجرة للسائق، لكنها فجأة تلتفت نحو الكاميرا، كاسرة الجدار الرابع، وتلقي بحقيبتها وتبدأ بالصراخ. تدور الكاميرا لتكشف طاقم التصوير داخل الحافلة. يتضح أن الطفلة الممثلة سئمت التمثيل، خصوصًا من البكاء المستمر في أفلام الأطفال، وتقرر العودة إلى منزلها.
وحين يلاحظ المخرج أن الطفلة نسيت إزالة الميكروفون، يقرر تحويل الفيلم من عمل روائي إلى وثائقي، ويتبعها في رحلتها الحقيقية إلى منزلها. يصبح الفيلم بذلك تجربة ترفيهية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية، إذ يفحص المجتمع الإيراني كما يفحص نوع فيلم الأطفال نفسه، الذي أتاح للمخرجين التحايل على رقابة الدولة الصارمة، خاصة فيما يتعلق بالجنس وتمثيل النساء.
لقد وفّر فيلم الأطفال موضوعًا يبدو آمنًا، لكنه أتاح في الوقت نفسه نقدًا عميقًا للمجتمع “من خلال عيون طفل”، كما أن بنيته الرحلية سمحت بمواجهة طبقات اجتماعية متعددة بطريقة غير مباشرة.
سنوات ازدهار السينما الإيرانية
تكوّنت الموجة الجديدة الإيرانية من عدة موجات منذ الستينيات وحتى الألفية الجديدة، ما يدل على تأثيرها الممتد. وقد جمع هذا التيار بين الواقعية السينمائية ونزعة إنسانية عميقة، متميزة عن الأساليب الشكلية السائدة في السينما الأميركية في الثمانينيات والتسعينيات.
من أبرز صانعي هذه الموجة: عباس كيارستامي ومحسن مخملباف وفروغ فرخزاد، وبالطبع بناهي.
يُجسد فيلم "البيت أسود"، ١٩٦٣، لفروغ فرخزاد أهمية التواصل الإنساني في السينما الإيرانية. وهو فيلم وثائقي قصير عن مستعمرة لمرضى الجذام، يكشف قسوة العزلة والفقر، لكنه في الوقت نفسه يبرز جمال إنسانيتهم. يمزج الفيلم بين صوت علمي عقلاني وصوت شعري حميمي لفرخزاد، مستلهمًا نصوصًا دينية ليخلق مرثية إنسانية عميقة.
هذا المزج بين التعاطف والواقعية ألهم العديد من المخرجين لاحقًا، الذين استخدموا السينما وسيلة لفهم العلاقات الإنسانية المعقدة داخل أنظمة اجتماعية قاسية.
كيف تمزج السينما الإيرانية بين الواقع والخيال
في فيلم "لحظة براءة"، ١٩٩٦، يعيد مخملباف تمثيل حادثة من شبابه حين طعن شرطيًا. بعد سنوات، يلتقي بالشرطي الحقيقي ويشاركه إعادة تمثيل الحدث، في تجربة تجمع بين الندم والتأمل الإنساني.
أما فيلم "كلوز-أب"، ١٩٩٠، لكيارستامي، فيحكي قصة رجل فقير انتحل شخصية مخملباف بدافع حبه للسينما. يمزج الفيلم بين الوثائقي والروائي، ويكشف كيف يمكن للشغف بالفن أن يتحول إلى فعل يتجاوز الحدود الاجتماعية.
في واحدة من أكثر لحظات الفيلم تأثيرًا، يعانق مخملباف الرجل بعد أن يؤكد له أنه لا يحمل له أي ضغينة، معتبرًا إياه “صانع أفلام مثله”. عندها ينهار الرجل باكيًا.
تكشف هذه الأمثلة القليلة عن مدى إنسانية وعمق هذه السينما التي نشأت في ثقافة مهددة اليوم بالحرب. قلوبنا مع صانعي الأفلام الإيرانيين الذين يكافحون للحفاظ على فنهم، ونترقب أخبارًا تؤكد أن جعفر بناهي لا يزال حيًا وبخير وحرًا في مكان ما داخل إيران.
