كتبتها جويل وايتبوك ونشرت في "جاكوبين" في 21 نيسان 2026.
«لا ينبغي للمرء أن يتحدث بسوء عن الموتى»، هكذا يقول المثل. لكن الفلاسفة غير ملزمين بالحكمة التقليدية، وعندما يكون المتوفى فيلسوفاً جاداً من الطراز الأول، فإن التأمل الصادق في إرثه ليس مناسباً فحسب، بل مطلوب. وعندما يكون الفيلسوف هو يورغن هابرماس، الذي توفي في الرابع عشر من آذار، يبرز قلق خاص، يتمثل في أن إعجابنا به كإنسان وبمداخلاته التي كانت أحياناً شجاعة في المجال العام قد يثبط استعدادنا لإثارة أسئلة أساسية حول مشروعه. ينبغي أن نأخذ هذا الالتزام على محمل الجد، لأنه عندما نفحص نظريته نصادف حقيقة مدهشة، وهي أن قائد الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت لم يكن لديه الكثير مما يقوله بشكل مفيد عن اثنتين من أكثر القضايا إلحاحاً التي تواجهنا، اندفاع البشرية المتسارع نحو هاوية بيئية، والانتشار العالمي المتسارع للحركات الفاشية الجديدة. إن صمت هابرماس النسبي يبدو لافتاً بشكل خاص في ضوء أن هيمنة الإنسان على الطبيعة كانت موضوعاً محدداً للجيل الأول عندما خلص ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو إلى أنه من الضروري استيعاب انحدار البشرية «إلى شكل جديد من البربرية».
لقد أشارت العديد من المقالات التي ظهرت منذ وفاة هابرماس في الرابع عشر من آذار إلى الانتقادات الواضحة، وهي أنه بسبب تقليله من تدميرية الرأسمالية اعتقد أنه يمكن احتواؤها؛ وأنه منح ثقة مفرطة للإمكانات التحررية للتواصل وفشل في إعطاء وزن كافٍ لآليات عمل السلطة الفعلية؛ وأن صورته المثالية للدستورية والديمقراطية الأميركية قادته إلى أخطاء جسيمة في تنظيره وحكمه السياسي؛ وأن توجهه الأوروبي المركزي جعله يتجاهل إلى حد كبير الجنوب العالمي ويفشل في تقدير أهمية نضالات ما بعد الاستعمار. هذه الانتقادات وما يشبهها في محلها ولها عواقب سياسية مهمة. ومع ذلك، لم أجد في أي من هذه المقالات التي اطلعت عليها تركيزاً على الانتقادات التي تشير إلى صعوبات أعمق في موقف هابرماس.
كما ناقشت هذه المقالات مسألة «الدائمية» (perennial) المتعلقة بالاستمرارية أو الانقطاع بين الجيلين الأول والثاني من مدرسة فرانكفورت، أو بشكل أكثر تحديداً بين نظريتي ثيودور أدورنو ويورغن هابرماس. هناك من، بدافع الرغبة في الدفاع عن إرث هابرماس في وقت يبدو فيه أن أهميته تتراجع بينما يبدو أن أهمية أدورنو تعود للظهور، يشددون على درجة الاستمرارية بين الفيلسوفين. لكن النقاط التي ألفت الانتباه إليها تشير إلى أن هذا غير دقيق، وهو أمر يمكن رؤيته بوضوح عندما ننظر في مفهوم أدورنو المميز عن هيمنة الإنسان على الطبيعة. فبينما رأى أدورنو أن مصالحة البشرية مع الطبيعة شرط ضروري للخروج من جدلية التنوير، بل إن هذه المصالحة تشكل شكلاً علمانياً من أشكال الخلاص، رفض هابرماس هذه الفكرة باستمرار طوال مسيرته. بل إنه في أول مناقشة له لأدورنو في كتاب «ملامح فلسفية سياسية» رفض بسهولة فكرة المصالحة مع الطبيعة باعتبارها نوعاً من التصوف الطبيعي الذي يتراجع إلى ما دون منظور العلم الحديث. ومن خلال ذلك، أعفى نفسه بشكل مريح من المهمة الهائلة ولكن الضرورية المتمثلة في تصور علاقة جديدة غير أداتية ومرغوبة بيئياً مع العالم الطبيعي.
وبما أن هابرماس كان مشاركاً رئيسياً في الجدل الشهير حول الوضعية في ستينيات القرن العشرين، فإن هناك أمراً غالباً ما يُغفل في موقفه. ففي الوقت الذي كان فيه مناهضاً قوياً للوضعية عندما يتعلق الأمر بالعلوم الإنسانية، كان مستعداً للتخلي عن مجال الطبيعة الخارجية لصالح العلوم الطبيعية الوضعية، مما دفع أحد النقاد إلى وصفه بأنه «وضعي خفي». وبما أنه كان يرى أن العلوم الطبيعية تتأسس على «مصلحة في السيطرة الأداتية»، فإن هذا يعني أنه كان مستعداً أيضاً لقبول أن علاقة الهيمنة تشكل الطريقة المعرفية والعملية الوحيدة الممكنة التي يمكن للبشرية أن ترتبط بها ببيئتها الطبيعية.
ومن المؤسف أن هابرماس لم يتابع أعمال «فلاسفة العلم ما بعد التجريبيين» الذين، على عكس التجريبيين المنطقيين، لم يسعوا إلى صياغة نظرية معيارية لصلاحية العلم، بل درسوا الممارسات الفعلية لمختلف العلوم. فلو أنه فعل ذلك، لربما أدرك أن دعوة الوضعيين إلى وحدة العلم، التي اتخذت من الفيزياء الرياضية نموذجاً للمعرفة الصحيحة، لم يتم تجاوزها فحسب بما يسميه جوزيف راوز «تفكيك وحدة العلم»، بل إن هذه التطورات التعددية توفر موارد وفيرة لإعادة التفكير في علاقتنا بالطبيعة. بل وربما ذهب إلى أبعد من ذلك فوافق زميله وصديقه ريتشارد بيرنستين على أن ابتكارات ما بعد التجريبيين جعلت من الممكن إعادة فتح سؤال «ماهية الطبيعة»، وهو السؤال الذي كانت هيمنة فلسفة العلم في الأوساط الأكاديمية قد أغلقته.
هذه الصعوبات ليست سمات عرضية في نظرية هابرماس، بل تنبع من التزاماته المعيارية الأساسية ومن المكونات الجوهرية لبنائه النظري. وعلى الرغم من وجود بعد هيغلي مهم في تفكيره، فإنه في جانب أساسي كان كانطياً. فعلى الصعيدين السياسي والأخلاقي، كانت أولويته القصوى هي الدفاع عن «كرامة» الذات الإنسانية في مواجهة تعددية الأخطار التي تهددها في عالم اليوم. ولتحقيق هذا الهدف، بنى، على غرار إيمانويل كانط، نظرية ظلت، رغم خضوعها لتعديلات عديدة على مدار مسيرته، ثنائية في جوهرها. ففي صيغها المختلفة، كانت النظرية تفترض دائماً وجود مجال إنساني (بين) ذاتي مكوَّن لغوياً يقف في مواجهة مجال مُشيَّأ ومنزوع السحر يعمل وفق قوانين السببية الطبيعية أو العقلانية الوظيفية. ومن خلال وضع كل القيمة في جانب الذات الإنسانية، حرم هذا البناء المجال الكامل للوجود غير الإنساني، بما في ذلك الحيوانات، من المعيارية والمعنى، وجعله «ميدان صيد سعيداً» للاستغلال. وباختصار، فإن رفع الذات الإنسانية فوق بقية الطبيعة واختزال هذه الأخيرة إلى مجال بلا معنى ولا قيمة كان هو الثمن الذي كان هابرماس مستعداً لدفعه من أجل شراء «كرامة» الذات. وهذا يوضح أن التزاماته المعيارية وموقفه النظري هما ما جعله عاجزاً عن معالجة الأزمة البيئية معالجة قوية.
وبصيغة أخرى، فإن نظرية هابرماس متمركزة حول الإنسان بصورة لا يمكن اختزالها. وبذلك، فهي تنتمي إلى التيار الرئيسي في التقليد الديني والفلسفي الأوروبي الذي، كما يشير ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، «تم التعبير فيه عن فكرة الإنسان في مقابل الحيوان»، الذي يُعد «افتقاره إلى العقل» دليلاً على كرامة الإنسان. وتشكل مواقفهما المتعارضة من التمركز حول الإنسان، المرتبطة بمواقفهما المتباينة من فلسفة كانط المتعالية، أحد الفروق الأساسية بين المقاربتين الفلسفيتين لهابرماس وأدورنو. ولا شك أن أدورنو، المحب للحيوانات والذي كان مستشاراً لمدير حديقة حيوانات فرانكفورت، كان يعتقد أن تجاوز التمركز حول الإنسان شرط لا غنى عنه للخروج من جدلية التنوير، ونضيف اليوم أنه شرط أيضاً للتخفيف من الأزمة البيئية.
في تسعينيات القرن العشرين، اقترح هابرماس، في محاولة غير مكتملة لمعالجة النزعات المناهضة للطبيعة في تفكيره، برنامجاً لـ«طبيعية لينة» يقوم على تركيب بين كانط وتشارلز داروين. ويمكن القول إن وصفها بأنها «لينة» يشير إلى تردده المستمر في القبول الكامل بانغراسنا في الطبيعة. وكان الافتراض يبدو أن «الطبيعية الصلبة» لدى الاختزاليين هي البديل الوحيد الممكن، وهو ما أظهر فلاسفة ما بعد التجريبية أنه ليس صحيحاً. وعلاوة على ذلك، ورغم أن الدعوة إلى تركيب كانط وداروين كانت واعدة، فإن هابرماس، في حدود متابعته لهذا البرنامج، أبقى كانط في الموقع المهيمن، بينما منح داروين دوراً ثانوياً.
وبقدر ما احتفظ هابرماس بالتزاماته الأساسية وأعاد تفسيرها في إطار فلسفة اللغة بدلاً من فلسفة الوعي، ظل ارتباطه بالتقليد الكانطي مباشراً وإيجابياً. أما أدورنو، فقد رأى في كانط عملاقاً فلسفياً وخصماً لا غنى عنه، كان إسهامه الأساسي يتمثل في إبراز صعوبات ونواقص المثالية بحدة جعلت من الممكن تجاوز هذا التقليد. وإذا لم يكن أدورنو «عدواً لدوداً للمثالية مثل كارل ماركس»، فإنه كان مع ذلك من أشد نقادها. وعلى النقيض من هابرماس، كانت انتقاداته للأخلاق الكانطية، المتعلقة بهيمنة الإنسان على الطبيعة، عميقة وحادة. فبدلاً من النظر إلى «الكرامة» باعتبارها أعلى قيمة أخلاقية، اعتبرها أدورنو «مريبة» لأنها لا «تستبعد الإنسان من الطبيعة» فحسب، بل تُستخدم أيضاً «بشكل خفي لتبرير الهيمنة، الهيمنة على الطبيعة». بل إنه يجادل بأن «لا شيء أكثر إثارة للاشمئزاز لدى الكانطي من تذكير الإنسان بتشابهه مع الحيوان». وأخيراً، «إن شتم الإنسان بوصفه حيواناً هو المثالية الحقيقية». ويمكن القول أيضاً إن تضخيم هذا التقليد لمفهوم «الكرامة» يمثل في الواقع تجلياً لقدرة الإنسان المطلقة التي تعوق تصالحنا مع مكاننا الصحيح «كمساهمين صادقين على هذه الأرض» كما قال سيغموند فرويد.
وبالمثل، لم ير أدورنو في الإسهام الشهير لكانط، أي الأمر المطلق، صيغة تحررية توفر وسيلة لتحديد استقلالية الإنسان. بل جادل بأنه «قمعي» بسبب عدائه للطبيعة الداخلية. وهذا يقودنا، إلى جانب طرح مسألة دور التحليل النفسي في النظرية النقدية، إلى مسألة مرتبطة بها، وهي فشل هابرماس في معالجة صعود الحركات الفاشية الجديدة بشكل كافٍ. وعلى عكس هابرماس، لم يكتفِ أدورنو بالتفكير في التحليل النفسي، بل كان يفكر تحليلياً نفسياً. فقد لعبت مفاهيم التحليل النفسي دوراً أساسياً ومكوِّناً في الطريقة التي طور بها العديد من أفكاره الفلسفية الأساسية، مثل الذات الاستبدادية، والجذور الافتراسية للمثالية، والمحاكاة، والملحق، والإسقاط الزائف، والأهم من ذلك تذكر الطبيعة في الذات.
في بداية مسيرته، وتحت تأثير الجيل الأول، خاض هابرماس مواجهة تحليلية عميقة مع فرويد في كتاب «المعرفة والمصلحة الإنسانية». غير أن الفيلسوف الشاب لم يكن مهتماً أساساً بالمفاهيم التحليلية النفسية، بل كان مهتماً باستخدام التحليل النفسي لمتابعة الأسئلة المنهجية المتعلقة بنظريته المميزة في التواصل التي كانت في طور التبلور آنذاك. والأهم من ذلك أنه، من خلال إنكاره القاطع للتمييز الفرويدي الكلاسيكي بين اللاوعي غير اللغوي والوعي المتوسَّط لغوياً، أي من خلال إلغاء بُعد الآخرية الداخلية الجذرية والذات المتنازعة أساساً، قدّم نسخة مسطحة ومروَّضة إلى حد كبير، أي مفرطة في العقلانية، من التحليل النفسي. وكان هذا، إضافة إلى ذلك، موقفاً كرره في مناقشاته لكل من إميل دوركايم وكورنيليوس كاستورياديس، حيث أنكر، في ادعاء لافت، أننا مواطنون في عالمين، عالم نهاري من واقع بين ذاتي مُعترف به، وعالم ليلي من الأحلام والتخيلات الخاصة.
في نص «تشابك الأسطورة والتنوير»، استخدم هابرماس حجة شخصية لرفض موقف هوركهايمر وأدورنو في «جدلية التنوير». فقد أشار إلى أن «مزاجهما»، أي حالتهما الصادمة كفيلسوفين ألمانيين يهوديين أُجبرا على المنفى، هو ما أنتج المبالغات الشمولية المفرطة في عملهما الرئيسي. فالصدمات، كما هو معروف، تؤدي إلى المبالغة. ويجادل أيضاً بأنه، بما أننا «لم نعد نتشارك هذا المزاج»، فإننا لسنا مضطرين للعمل بهذه الطريقة المشوهة المفرطة، أي أننا أحرار في الارتقاء من أعماق التاريخ البدئي للذاتية والتنظير بطريقة أكثر تقليدية. لكن يمكن أن نتساءل عما إذا كان «مزاج» هابرماس نفسه، الناتج عن صدمة كونه فيلسوفاً ألمانياً من الجيل التالي نشأ في ظل النازية، يفسر بعض أوجه القصور في تنظيره. وعلاوة على ذلك، يمكن أن نذكّره، على خطى أدورنو، بأن الشظية في العين قد تكون أحياناً أفضل عدسة مكبرة.
بعبارة أخرى، ما أقترحه هو أن الجوانب الصادمة في التاريخ الشخصي لهابرماس تفسر جزئياً أوجه القصور والتشوهات المهمة في تفكيره، وعلى وجه الخصوص نزوعه التقدمي شبه القهري، وخوفه من الانهيار الذي لا يستطيع تصور إمكانية التراجعات التاريخية الكبرى، وعجزه الرهابي عن التعامل مع «محتوى الحقيقة» في اللاعقلاني أو مع مفكري مناهضة التنوير. ومن الجدير بالذكر أنه، على عكس أدورنو الذي يخبرنا بشكل مفاجئ أن فريدريش نيتشه كان أكثر أهمية بالنسبة له من هيغل، كان هابرماس ينظر إلى مؤلف «العلم المرح» بوصفه مجرد لا عقلاني خطير يجب إسكاته في أسرع وقت ممكن. وبدلاً من السعي إلى هزيمة اللاعقلاني، وهو ما سماه أدورنو «اللامتطابق»، رأى أن السعي إليه ودمج مضمونه في تصور موسع ومُثرى للتنوير هو المهمة الأساسية للفلسفة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أعلن بشكل شهير أن «كل الحجج الرجعية ضد الثقافة الغربية» ينبغي أن توضع «في خدمة التنوير التقدمي». لكن كما يظهر من قراءة «الخطاب الفلسفي للحداثة»، حيث واجه هابرماس خصومه «اللاعقلانيين»، فإنه بدلاً من توظيف حجج مناهضة التنوير لإثراء القضية التقدمية، سعى إلى دحضها واستئصالها فوراً. أما الدرس المستفاد من «الدكتور فاوستوس» لـ توماس مان، الذي تعاون أدورنو في العمل عليه، فكان ضرورة الابتعاد عن اللاعقلاني والشيطاني.
وبطريقة مشابهة، فإن الطريقة التي استجاب بها الفيلسوفان لمعسكر أوشفيتز، الذي اعتبره أدورنو حدثاً ذا أهمية تاريخية عالمية مماثلة لزلزال لشبونة، قادتهما في اتجاهين متعاكسين. فقد كان أدورنو مقتنعاً بأنه لمنع كوارث مستقبلية شبيهة بأوشفيتز، ينبغي التفكير في أسباب الانحدار إلى البربرية والعمل على معالجتها. أما هابرماس، فقد اعتقد أن بناء نظام ديمقراطي من أنقاض «غروب الآلهة» النازية والدفاع الصارم عنه هو الوسيلة الأكثر فعالية لمنع تكرارها. ولذلك، باستثناء الجدل التاريخي الألماني، لم يكن يميل إلى النظر إلى الماضي بل ركز نظره على المستقبل. ومن باب الإنصاف، ربما كان من المستحيل الجمع بين فهم الأبعاد الأنثروبولوجية للهولوكوست وبين مهمة بناء مجتمع ديمقراطي في ألمانيا ما بعد الحرب.
في ضوء هذه الاعتبارات، ليس من المستغرب أنه بعد «المعرفة والمصلحة الإنسانية» تخلى هابرماس بسرعة عن المقاربة النفسية العميقة للتحليل النفسي، وتبنى علم النفس المعرفي لدى جان بياجيه ولورنس كولبرغ. فقد وفرت له نظريات التعلم لديهما الهيكل الذي احتاجه لبناء مخططه التقدمي لتطور الفرد والمجتمع. ومن خلال نظريته في عمليات التعلم، منح هابرماس نسباً علمياً اجتماعياً لفكرة «مكر العقل» الهيغلية. لكن هذا لا يعني أن نظريته التقدمية استبعدت إمكانية التراجع، بل إن التراجعات المحدودة ضرورية أحياناً للتطور. غير أن ما تستبعده هو التراجعات الكبرى والكوارث التي تعطل المسار برمته.
أما أدورنو، فقد رأى الأمور بشكل مختلف. فالتراجع ليس ظاهرة عرضية، والهولوكوست ليس حادثة شاذة، بل نتيجة لاتجاهات داخلية في الحداثة الرأسمالية. وقد أكد في عام 1967 أن «الشروط الأساسية التي ساعدت على هذا التراجع الكارثي ما زالت قائمة». وأضاف، مستلهماً من فرويد، أن «الحضارة تنتج نقيضها وتعززه». واعتبر أن أعمال فرويد مثل «الحضارة وسخطها» و«سيكولوجية الجماهير وتحليل الأنا» تستحق انتشاراً واسعاً، خاصة بالاقتران مع أوشفيتز.
المشكلة ليست فقط أن نظرية هابرماس لا تتسع لمثل هذه التراجعات التاريخية الكبرى، بل إنه حتى لو فعل، فإن رفضه للتحليل النفسي حرمه من الأدوات اللازمة لفهمها. فكما كتب أدورنو لهوركهايمر مع انكشاف برنامج هتلر، فإن النظرية التقليدية لا تكفي، بل هناك حاجة إلى نظرية «لاعقلانية» من نوع ما. وعندما تشكلت هذه النظرية، اعتمدت بشكل واسع على التحليل النفسي لأنه كان النظرية الوحيدة القادرة على تفسير اللاعقلانية التدميرية للعداء للسامية. ولا شيء أقل من موارد التحليل النفسي يمكن أن يمكننا اليوم من فهم لا عقلانية حركات مثل MAGA (الحملة الداعمة لدونالد ترامب) وQAnon (نظرية مؤامرة من ابتداع اليمين الأمريكي المتطرّف) ومعارضي اللقاحات. وكما أشار أليكس روس في مجلة نيويوركر، فإن الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت «كان يعلم أن ترامب قادم». أما هابرماس فلم يكن كذلك.
