ننشر هنا مقالة مطوّلة بجزأين، كتبها بيتر وولن عن غودار على شكل فصل من كتابه المنشور عام ٢٠٠٢ بعنوان Paris Hollywood. الكتاب من إصدار منشورات فيرسو والمقالة الأصلية ترجمناها عن موقع فيرسو، نشرت في 14 سبتمبر/أيلول 2022.
هنا الجزء الثاني:
حتى هذه المرحلة، ورغم أن مسيرة غودار كانت مسيرة من التغير والحركة المتواصلين، فإنها انتهت بطريقة ما إلى بنية تكاد تكون بلورية. غادر سويسرا إلى باريس، وباريس إلى غرونوبل، ثم غرونوبل ليعود من جديد إلى سويسرا. حلّت السينماتيك و«عصابة» Cahiers محل العائلة، ثم حلّت كارينا وكوتار محل جماعة Cahiers، ثم حلّت فيازمسكي وغوران محل كارينا وكوتار، ثم حلّت آن-ماري مييفيل، السويسرية مثله وصاحبة العائلة، محل فيازمسكي وغوران، وأعادته إلى الأماكن التي عرفها في طفولته على ضفاف بحيرة جنيف. وحلّت المجلات السينمائية محل نوادي السينما، ثم حلّ صنع الأفلام محل الصحافة، ثم حلّت الأفلام الطويلة محلها أعمال التلفزيون، ثم حلّ الفيديو محل التلفزيون، إلى أن انتهى به الأمر وهو يقوم بالمونتاج والمزج داخل ورشة حرفية ذات طابع صحافي واضح وروح نوادي السينما، حيث شيّد نسخته الخاصة بالفيديو من السينماتيك المثالية، أي «شارع ميسين» تلفزيوني.
وعبر كل هذه المراحل، ظلت شخصية غودار الخاصة وانشغالاته ممتدة باستمرار: غريبة الأطوار ومتقلبة، لكنها صارمة ومبتكرة دائمًا. كانت أفلامه تُظهر دائمًا افتتانًا بالأحداث الراهنة وبالكلاسيكيات الكبرى من الماضي في آن واحد، كما أظهرت ذائقة تجاه الفن الرفيع بقدر ما هو تجاه الأدب الشعبي الرخيص والإباحية، وحملت آثار الارتجال، لكنها احتوت أيضًا على تركيبات شكلية شديدة الإحكام. كان يبجل أفلام هوليوود القديمة من الزمن الذي كانت فيه الاستوديوهات استوديوهات فعلًا وكان الجميع يأكلون في المقصف نفسه، لكنه كان يعبّر في الوقت نفسه عن نفور متزايد العمق من نمط الإنتاج الهوليوودي الجديد.
وفي السبعينيات، طوّر مفهوم «سيناريو الفيديو»، وهو نوع من النموذج الأولي للفيلم يمكن إنجازه بنفسك، يُصوَّر بالفيديو بكاميرا محمولة، وكان يشبّهه بدفتر اسكتشات الرسام. نثر اقتباسات من أفلام الآخرين في مختلف أنحاء أفلامه، لكنه ظل في الوقت نفسه أصيلًا بجرأة. وكان يركز على القضايا الحاسمة في عصره، مثل انهيار الشيوعية وإعادة توحيد ألمانيا وحصار سراييفو، فيما كان، من دون أي خجل، يلاحق مسارات مضللة ويهدر انتباهه في قضايا جانبية.
حتى وقت قريب، ظل معظم ما كُتب بجدية باللغة الإنجليزية عن غودار يعود إلى الستينيات، من ريتشارد رود وماني فاربر وسوزان سونتاغ وروبن وود وريموند دورنيات وغيرهم، ومن بينهم أنا نفسي. وكان ذلك يعكس المكانة الثقافية المركزية الأكبر بكثير التي تمتع بها غودار خلال تلك المرحلة، وموقعه الذي بدا راسخًا داخل منظومة المهرجانات وسينما الفن. لكن حين انحرف عن هذا المسار مع جماعة دزيغا فيرتوف، لم يكتفِ بإرباك وإحباط كثير من معجبيه السابقين، بل انتقل أيضًا إلى نمط إنتاج فريد من نوعه تركه في ما يشبه منطقة حرام سينمائية.
لم ينسجم قط مع عالم السينما التجريبية، أي المجال الذي شغلته «السينما السرية»، والسينما البنيوية، والحركة الدولية لتعاونيات الأفلام، وهي تيارات كانت تشترك مع غودار في موقعها الهامشي، لكنها امتلكت تاريخها وثقافتها وقيمها المختلفة تمامًا. ومن جهة أخرى، لم يجد أبدًا ملاذًا آمنًا داخل عالم مهرجانات السينما، ذلك القطاع المرموق من الصناعة الذي احتضن سيلًا من المخرجين الشباب الطموحين، وكان كثير منهم متأثرين مباشرة بغودار، مثل برتولوتشي وفندرز وأكرمان، لكنهم لم يتخلوا عن جماهيرهم على نحو لا رجعة فيه كما فعل هو. وجد فندرز وأكرمان مكانهما وتمسكا به، أما برتولوتشي فتراجع بعد عام 1968 وفيلم Partner، لينتهي به المطاف أسيرًا لمدير تصويره ستورارو.
وفي فرنسا، بطبيعة الحال، ظل غودار يحتفظ بجمهور نقدي وفيّ، خصوصًا على صفحات Cahiers du Cinéma بعد تجديدها، لكن في العالم الناطق بالإنجليزية وقع العبء على عدد قليل من أنصاره الأوفياء، مثل جوناثان روزنباوم وكولن ماككيب، إلى جانب جيل جديد من المعجبين، مثل مايكل تمبل ومايكل ويت.
لحسن الحظ، يبدو أن السنوات القليلة الماضية شهدت انتعاشًا متزايدًا في الاهتمام بغودار، ربما لأنه بات الآن يتمتع بالمكانة الملتبسة لـ«نصب تاريخي» أو «شيخ كبير»، وربما بسبب التحالف الجديد الذي أخذ يتشكل بين السينما التجريبية وتجهيزات الفيديو في عالم الفن الأوسع، وربما حتى بسبب المكانة الطقوسية التي منحها إياه كوينتن تارانتينو، الذي كان مشهورًا ذات يوم، من بين جميع الناس. ويبرز كتابان حديثان على نحو خاص. يقدم كتاب ويلر وينستون ديكسون رؤية كلية لمسيرة غودار بأكملها حتى ذلك الوقت، متناولًا كل فيلم أو عمل فيديو أنجزه. وينقسم إلى خمسة فصول تتوافق، إلى حد ما، مع مراحل صناعة الأفلام الخمس في المخطط البيوغرافي لماكيب، باستثناء أن ديكسون يقسم مرحلة الموجة الجديدة إلى قسمين عند Le Mépris، تلك المرثية لنظام الاستوديو القديم في صناعة السينما الكلاسيكية، كما يتجسد في شخصية فريتز لانغ. ويرى ويلر ديكسون في هذا الفيلم نقطة التحول التي أدرك عندها غودار أن هوليوود دخلت في طور انحدار لا رجعة فيه، وهو انحدار ترمز إليه شخصية المنتج بروكوش، الذي يؤدي دوره جاك بالانس، والمصوَّر بوصفه «قاسيًا، مغرورًا، طفوليًا، متعجرفًا، غبيًا، جشعًا وواهمًا في الوقت نفسه». وبعد Le Mépris، بدا Le Gai Savoir وأعمال جماعة دزيغا فيرتوف نتيجة حتمية لرفض السينما التجارية. ويفسر ديكسون، عن حق، King Lear بوصفه نوعًا من Le Mépris ثانٍ، ملاحظًا أنه «يمكن القول إنه يمثل وداع غودار الأخير لإنتاج الأفلام الروائية الطويلة»، ما قاده إلى مرحلة ثانية من خيبة الأمل. كما يغدق ديكسون المديح على Sauve Qui Peut La Vie وPassion، أول فيلمين روائيين سويسريين لغودار ومييفيل. ويصف Passion بأنه «فهرس للصعوبات ولإمكانات التعالي الكامنة التي يتيحها الحلم اليقظ للعملية السينماتوغرافية»، أي نوع من الاعتراف الكاشف عن حالة من التردد والتناقض.
أما كايا سيلفرمان وهارون فاروكي، فيتبنيان، على النقيض من ذلك، مقاربة مجهرية في كتابهما Speaking About Godard، إذ يكتبان عن ثمانية أفلام مختارة في تمرين على ما يصفانه بـ«القراءة الدقيقة»، مركزين على مشاهد ولقطات محددة داخل كل عمل.[6] والكتاب نفسه تجريبي بجرأة في شكله، إذ كُتب في فقرات حوارية متناوبة، كما لو أن محادثة متواصلة تدور بين المؤلفين وهما يشاهدان الأفلام. وكما في أعمال غودار نفسها، ثمة توتر بين الارتجال والتحكم، وهو توتر استفزازي وملائم على نحو يثير الدهشة في الوقت ذاته. وفاروكي نفسه مخرج بارز لما يمكن أن نسميه «الأفلام المقالية»، ومعظمها أُنجز للتلفزيون الألماني، وتضيء خبرته المهنية فهمه لاختيارات غودار بوصفه مخرجًا ومونتيرًا. أما سيلفرمان فهي منظّرة بارزة وباحثة نسوية، تظهر أخيرًا إلى العلن سينيفيليتها التي ظلت مكبوتة طويلًا، وهي تصف، باهتمام تفصيلي ومحب، جاذبية لقطات وحركات كاميرا بعينها، لذاتها، لا بوصفها أدلة على شيء آخر.
ويختار الاثنان ثمانية أفلام من إنتاج غودار الهائل بوصفها أعمالًا أساسية: خمسة منها من الستينيات، هي Vivre Sa Vie وLe Mépris وAlphaville وWeekend وLe Gai Savoir، وفيلم واحد من كل من السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، هي على التوالي Numéro Deux وPassion وNouvelle Vague. وهكذا يميل اهتمامهما نحو أفلام النصف الثاني من الستينيات، متجاوزين تمامًا، على سبيل المثال، Breathless. وتبدو قراءتهما ثاقبة على نحو خاص في مناقشتهما لـLe Gai Savoir، وهو فيلم معروف بصعوبته، إذ يلخصانه في النهاية، بكلمات غودار نفسه، بأنه «444,000 صورة تتحدث عن نفسها». وبينما يتجاوزان أفلام جماعة دزيغا فيرتوف، فإنهما يتناولان المراحل الثلاث كلها من سنوات مييفيل، ويختتمان بمديح محكم الحجة لفيلم Nouvelle Vague، قصة امرأة صناعية وعشيقها يُنقذان من الموت بمعجزة، ينقذهما الحب، وهو ما تشير إليه عبارة مقتبسة من "الجحيم" لدانتي: «وهكذا، فيما كانت روحي لا تزال تهرب، استطعت / أن أستدير وأحدّق مرة أخرى في ذلك الممر المروّع / الذي لم يخرج منه إنسان قط حيًا».
لاحظ فريدريك جيمسون ذات مرة أن غودار بدأ في الستينيات بوصفه «ما بعد حداثي قبل ظهور المصطلح»، لكنه انتهى بعد عقدين بوصفه «الناجي الأخير من الحداثة بوصفها كذلك»، سابحًا دائمًا عكس تيار عصره.[7] وهكذا تحوّل صاحب الرؤية المستقبلية والمتمرد، في نهاية المطاف، إلى مؤرخ خائب الأمل يبحث عن التعالي. وتقوم هذه الرؤية لغودار بوصفه ما بعد حداثي سابقًا لأوانه على الجمع بين اثنتين من خصاله: ميله المستمر طوال حياته إلى الاقتباس وإعادة التدوير، ورؤيته أن صناعة الأفلام ينبغي أن تكون شكلًا من أشكال الصحافة، أو ربما نوعًا من الإثنوغرافيا الفورية، تسعى إلى الإمساك بما يجري في المجتمع المعاصر لحظة الإنتاج وتقديمه في شكل من أشكال الفسيفساء البصرية.
والواقع أن المخرج الفرنسي المعاصر الذي كان غودار يستشهد به أكثر من سواه خلال سنوات عمله ناقدًا في Cahiers du Cinéma هو جان روش، الذي كان لأفلامه الاستثنائية Moi, un Noir وJaguar، اللذين تدور أحداثهما في أفريقيا، وChronicle of a Summer، الذي أُنجز في باريس نفسها وأخرجه بالاشتراك مع عالم الاجتماع إدغار موران، تأثير هائل عليه بوضوح. وقد كتب غودار عام 1958 عن Moi, un Noir: «إنه حجر رصف في مستنقع السينما الفرنسية، مثلما كان Rome, Open City لروسيليني في السينما العالمية».
أما فيلم روش وموران، الذي صدر عام 1961، فقد تضمن مقابلات مرتجلة في الشارع مع المارة، ونقاشًا حول الحرب الجزائرية مع طلاب يجلسون حول مائدة عشاء، من بينهم ريجيس دوبريه الشاب، واعترافًا شخصيًا مؤلمًا ومباشرًا أمام الكاميرا من موظفة في Cahiers du Cinéma تكشف فيه أعماق روحها، وفي واحد من أعظم مشاهد السينما، رواية ناجية لتجربتها في أحد معسكرات الاعتقال، تتحدث إلى جهاز تسجيل ناغرا الذي تحمله وهي تسير عبر سوق "ليآل" القديم، فيما تصوّرها كاميرا إكلير محمولة باليد، بأسلوب «سينما الحقيقة» الكلاسيكي.
يتحدث جيمسون، عن حق تمامًا، عن «جمالية الاقتباس» لدى غودار، لكنني أعتقد أنه من المهم التشديد على أنه لم يكن هناك أي شيء ساخر أو انتقائي بشكل فارغ في طريقته في أخذ العينات وإعادة تدوير الفن الرفيع. كان الأمر أعمق بكثير من مجرد المحاكاة الأسلوبية. فقد نبع من إدراك أن المجتمع الفرنسي المعاصر كان يُظهر، من جهة، علامات مستقبل يدمر ذاته، وفي الوقت نفسه كان قد احتفظ في داخله بآثار لأنواع أخرى ومختلفة تمامًا من القيم، لا تزال تهدد باختراق قشرة الاغتراب والتشيؤ في انفجار بركاني من الحرية الرومانسية. وتتشبث شخصيات غودار بيأس بالآمال التي تمثلها هذه الشظايا.
وأفلامه المنتمية إلى الموجة الجديدة أبعد ما تكون عن الاحتفالية. فهي تنتهي جميعها تقريبًا نهايات مأساوية: يُقتل ميشيل بواكار برصاص الشرطة؛ وتُقتل نانا كلاينفرانكنهايم ــ نعم! ــ برصاص القوادين، وهم دائمًا الأشرار لدى غودار، أي المنتجون؛ ويغادر بول جافال موقع تصوير" الأوديسة" لفريتز لانغ وقد تحطمت حياته؛ ويفجّر فردينان نفسه إلى أشلاء بأصابع الديناميت الجيلاتيني زاهية الألوان.
وحدهما ليمي كوشن وناتاشا فون براون يتمكنان من بلوغ غايتهما، والهروب إلى الحرية من مدينة ألفافيل الديستوبية، مع أننا لا نراهما فعليًا يصلان إلى الحدود. وكما تشير سيلفرمان، فإن الحاجز نفسي أكثر منه جغرافي. وينجحان لأن ناتاشا تتمكن من القول: «أنا أحبك». وكما يقول فاروكي:
لا تجد ناتاشا هذه الكلمات الحاسمة على الفور. فهي تزعم أنها لا تعرف ماذا تقول، بل إنها، مرتين، مثل أورفيوس مع يوريديس، تبدأ حتى بالالتفات إلى الوراء لترى ما الذي تتركه هي وليمي خلفهما. لكن المرأة التي تحمل اسمًا من الماضي تنطق في النهاية بذلك التصريح البسيط الذي، مهما تكرر، يجلب النور إلى من يسمعه، والإنسانية إلى من يقوله. ومع أن أمام ليمي وناتاشا أميالًا كثيرة لا يزال عليهما قطعها بالسيارة، فإنهما قد بلغا بالفعل وجهتهما.[8]
وتخلص سيلفرمان إلى أن الالتزام السريالي بـ«الحب المجنون» يقع في صميم الفيلم. فـAlphaville هو إعادة صياغة لكتاب إيلوار Capitale de la douleur أو لرواية بريتون Nadja، لكن بنهاية سعيدة.
في أفلام غودار، يبدو الجميع تائهين وسط تشابك من الالتباسات والخدع والمغامرات العبثية، ومع ذلك فإن المفتاح الذي يفتح باب الحرية يكون في العادة بسيطًا للغاية. ففي النهاية، كل ما تحتاج إليه هو أن تظل وفيًا للقيم الإنسانية الجوهرية، قيم مثل الجمال والحب والحقيقة. وإلى هذه القيم تحديدًا تبدو اقتباسات غودار دائمًا وكأنها تشير. فمن جهة، تعكس المجتمع المذكور آنفًا، المزدحم بملصقات وبطاقات بريدية للوحات عظيمة، وتسجيلات لموسيقى عظيمة، ورفوف من الكلاسيكيات ذات الأغلفة الورقية، ومقاطع من أفلام عظيمة، وأشخاص يتبادلون أبياتًا من الشعر العظيم؛ ذلك المجتمع الذي غادر فيه الفن محرابه ليصبح سمة عامة من سمات «الحياة اليومية». ومن جهة أخرى، تشبه هذه الاقتباسات المواد المجمعة في دفتر خاص للمختارات، أي دليل غودار الشخصي الموجز لصوره وأصواته واقتباساته المفضلة. وقد لاحظ غودار مرة أن «على الناس الذين يتحدثون أن يجدوا أشياء جميلة ليقولوها، أن يرددوا شكسبير مثلًا، وإلا فلا يستحق الكلام كل هذا العناء. من الأفضل أن تصمت». وهذا الإصرار على قيمة الجمال هو ما يوجّه غودار نحو فن الماضي الباقي. فالاقتباسات التي تنجو، مهما جرى تحويلها إلى سلع، تظل صورًا رمزية للجمال والحب والحقيقة، تحمل رغم كل شيء القيم الدائمة التي وحدها تستطيع أن تمنحنا الأمل. وفي Nouvelle Vague، كما تلاحظ كايا سيلفرمان، «تكاد كل جملة تكون اقتباسًا، من مصادر متنوعة إلى حد بعيد مثل دانتي، وبروست، وتشاندلر، وشيلر، ودو روجمون، في حديثه عن الحب الفروسي، وماركس، وهمنغواي، ولاكان، ورامبو».[9] لكن، كما يلاحظ ويلر ديكسون أيضًا، يبدو جمال المنظر الطبيعي في Nouvelle Vague أكثر أهمية، على نحو ما، من أفعال الشخصيات، التي، كما يقول، «لا تكون قيمة الجمال بالنسبة إليها إلا إذا كان من الممكن امتلاكه، أو نقله إلى شخص آخر مقابل ثمن».[10]
ومع مرور الوقت، أخذ غودار يزداد ارتيابًا من الفرجة، لكنه فعل ذلك من دون أن يتخلى قط عن سينيفيليته الأساسية، وعن شغفه الدائم بالسينما. وقد نبع إحباطه من عجز السينما عن الاستجابة لعصرها، وعن العمل كنوع من منظومة إنذار مبكر سيزموجرافية، تسجل الهزات الأولى الدالة على الاضطرابات الاجتماعية والثقافية، كما كان هو نفسه يحاول أن يفعل في أعماله. وكما لاحظ مايكل ويت مؤخرًا، اقتنع غودار في النهاية بأن السينما فن محكوم عليه بالفعل بالزوال، وأنها فقدت إرادة الحياة، حين خلص إلى أنها تخلت عن عظمتها السينمائية السابقة كي تتملق جمهورًا تشكلت ذاتيته من خلال خبرته بالتلفزيون والفيديو.[11]
وبالنسبة إلى غودار، وببصيرته الغريبة المعهودة، كانت السينما تتعلق بالإسقاط: شعاع من الضوء يُسقط في الظلام، كما في أسطورة كهف أفلاطون. وقد تنبأ غودار بأن «السينما ستختفي عندما لا تعود تُعرض بالإسقاط»، حين يختفي شعاع الضوء.[12] إن دخول قاعة السينما، أي دخول العتمة من أجل العثور على الضوء، يتيح لنا أن نخرج من ذواتنا، وأن نعيش لبعض الوقت في مكان آخر وزمن آخر، زمن يلقي ضوءًا نبوئيًا على المجتمع الحقيقي والتاريخ الموجودين في الخارج. أما التلفزيون، فعلى العكس، فيعيش في العابر والمؤقت. فضاؤه داخل المنزل، وهو «شأن عائلي»، منزلي ومعزول. وكان غودار دائمًا في طليعة التغيير والتجريب التقنيين، بدءًا من الإضاءة المرتدة وكاميرا آتون، التي عمل بتعاون وثيق مع مخترعها، وصولًا إلى تقنيات مونتاج الفيديو والتحسين الرقمي، لكن ينبغي النظر إلى أعماله الحديثة للتلفزيون بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة في مواجهة احتلال رمزي لكنه حقيقي، وطريقة للتسلل إلى أرض يسيطر عليها العدو من أجل الحفاظ على ذاكرة السينما، والإبقاء، بطريقة ما، على رغبة في السينما الحقيقية متقدة بخفوت حتى الألفية التالية.
وكانت عودة غودار إلى النزعة الجمالية، وبالتالي إلى شكل من أشكال الحداثة القصوى، نتيجة رفضه الخضوع لمعايير مجتمعنا الذي تشكل بعد أزمة النفط، بنظامه العالمي للاتصالات، وابتذاله للحياة العامة، واندفاعه المتواصل نحو استهلاك السلع، وهو اندفاع قاده، بطبيعة الحال، التلفزيون أولًا، ثم الشبكة العالمية. وإلى جانب ذلك، ظل غودار دائمًا متمسكًا بفكرة رفيعة عن الدور الذي ينبغي للفن أن يؤديه، وهي فكرة جاءته من مرشدين فكريين مبكرين مثل إيلي فور وأندريه مالرو. ومنذ البداية، أظهر غودار تعلقًا عميقًا ومفارِقًا بتقاليد الفن الأوروبي، سواء بوصفها إرثًا من الأعمال العظيمة، أو في الوقت نفسه بوصفها مشروعًا فوضويًا يهدد حتمًا كل أشكال التقليد والمعايير. وقد قال مرة إن جميع الفنانين، حتى سيلين، كانوا على اليسار، متمردين بالفطرة. وينطبق هذا على الفنون الأقدم كما على فن السينما الذي كان يومًا فتيًا ثم صار الآن عليلًا.
وكما أشير سابقًا، تجمع أفلام غودار بين تبجيل متناقض لفن الماضي ورفض للامتثال لأي من قواعده. وقد ظلت أفلامه دائمًا مليئة بالإحالات إلى الأرشيف السينمائي؛ فـLe Mépris فعل ممتد من التكريم لسينما كلاسيكية، سينما هوميرية، كانت قد أصبحت بالفعل من الماضي. ومع أن أفلام غودار نفسها قطعت مع جميع تقاليد السينما الكلاسيكية التي كان يعجب بها، فإنها شكّلت خاتمة واعية لها.
أمضى غودار سنوات عدة يعمل على مشروعه الضخم بالفيديو Histoire(s) du Cinéma. لكن، كما ذكّرنا مايكل تمبل في ورقة مؤتمر بعنوان «البروفيسور المجنون: جان-لوك غودار، مؤرخًا للسينما؟»،[13] وجد غودار نفسه بذلك يواجه مرة أخرى مشكلة السرد. ففي روايته لتاريخ السينما نفسها، وجد نفسه يحكي قصة كان اندثارها، وموتها، منقوشين فيها سلفًا. وكانت الشخصية التي اختار أن يتقمصها هي شخصية المعلّم، وهو دور كان قد أبدى ميلًا إليه من قبل. والواقع أن سيرج دانيه كان قد انتقده في أواخر السبعينيات على صفحات Cahiers du Cinéma نفسها بسبب أسلوبه التربوي الشبيه بأسلوب مدرب عسكري، وبسبب وضعه اقتباسًا في مواجهة اقتباس مع تهربه من المسؤولية عن كليهما، ونزعه المصادر من سياقاتها، واستخدامه الإرهابي للنظرية.
وردّ غودار بتقمص شخصية الرائي المختل، الذي هو في الوقت نفسه أحمق كامل و«شاعر ملعون»، مقدّمًا نفسه بوصفه «البروفيسور المجنون»، فنان تبديل سريع للهيئات يقدّم حقائقه المأساوية كما لو كانت تهريجًا. لكن القصة التي كان عليه الآن أن يرويها كانت قاسية وكئيبة: كيف أن السينما، رغم لحظات مجدها، خانتنا في النهاية وكان محكومًا عليها بالموت. لقد أفسد ظهور الصوت السينما الصامتة. وبعد انهيار نظام الاستوديوهات القديم، استسلمت السينما للتلفزيون وقبلت بإفساده الخفي للصورة. والأشد إدانة أن هوليوود تهربت على نحو قاتل من مسؤوليتها التاريخية في تسجيل الزلازل الكبرى للتاريخ حين فشلت في الاستجابة لتهديد المحرقة أو لواقعها. وربما كانت كوميديا لوبيتش المجنونة المناهضة للنازية To Be or Not to Be، الصادرة عام 1942، الاستثناء الوحيد غير المباشر من اتهام غودار. أما Schindler's List المتأخر لسبيلبرغ فقد سخر منه بوصفه «إعادة بناء أوشفيتز». لقد نظرت السينما في الاتجاه الآخر. وكان موتها قد تأخر أكثر مما ينبغي.
وكان غودار قادرًا على رواية هذه القصة بالذات عن اقتناع، لأنه كان يعرف أنها حقيقية، ولأنه، مع أنه ربما اعتُبر دجالًا ومستفزًا ومضللًا للجماهير، كان يعرف أنه لم يكن قط، مثل كثير من متهميه، متعاونًا مع العدو. لقد ظل دائمًا شجاعًا لا يلين في مقاومته.
يمكن للمقاومة أن تتخذ أشكالًا كثيرة. وبالنسبة إلى غودار، في اعتقادي، كانت لا تنفصل عن هوسه بإعادة توظيف الروائع الكبرى التي كان يعجب بها، وإعادة إدماجها في أعماله الخاصة. وكما قال في حديثه عن Breathless، كان يريد «أن يأخذ قصة تقليدية ويعيد، ولكن بشكل مختلف، كل ما فعلته السينما».[14] ولم يكتفِ بالإشارة إلى بريمنغر واستحضار بوغارت من مرجعيات الفيلم الأسود، بل اقتبس أو ألمح إلى The Tiger of Eschnapur للانغ، وMan of the West لمان، وOctober لأيزنشتاين، وMoi, un Noir لروش، وهو الفيلم الذي استقى منه أكثر من غيره؛ فيلم وثائقي عن مجموعة من الشخصيات في ساحل العاج تعيد، بمحبة وبأسلوبها الخاص، تدوير كلمات وإيماءات أبطالها السينمائيين.
وفي الواقع، اعتمدت أصالة Breathless على مكانته بوصفه أخذًا خلّاقًا للعينات، وإعادة مزج لشظايا مقتبسة من أفلام أخرى، أو من أعمال شعرية وموسيقية وفنية كان غودار يجلها؛ إعادة صنع، لكنها مختلفة ومشخصنة. كان Breathless في آن واحد استحواذًا محبًا على الفيلم السردي وتدنيسًا له باسم الشباب والتمرد المرتجل، بحيث أُلقيت جانبًا جميع القواعد التقليدية للمونتاج والإضاءة وكتابة السيناريو والإخراج، وتم تجاهل جميع الأعراف الراسخة. ولم يكن ذلك سوى بداية. فقد جمعت مسيرة غودار بين مقاومة لا تفتر لمطالب الصناعة وبين التزام متجدد بالسينما بوصفها فنًا، كلاسيكيًا وشخصيًا في آن واحد.
الهوامش
