عمر الزعني: بيروت تستعيد إرث "شاعر الشعب"

معدلة.

تالا حلاوة

كاتبة من فلسطين

يكشف البحث في أرشيف عمر الزعني عن حقائق فنية غُيبت طويلاً، حيث تفاجأ الجمهور بأن عدداً من الأغنيات الشهيرة تعود له دون أن ينال التقدير الكافي عنها، وأبرزها أغنية "بدنا بحرية" التي غناها الفنان وديع الصافي، حيث تم التلاعب بكلماتها وتحويلها من مطالبة بـ "الحرية" والمساحات العامة إلى "عندنا بحرية".

للكاتب/ة

كما برزت أعمال أخرى عكست جرأته الاجتماعية والسياسية مثل "القاضي لابس روب" التي سخر فيها من القضاء، وأغنية "ما في شيء ماشي إلا السينما" التي رصدت انبهار الناس بالشاشة الكبيرة آنذاك. 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

27/12/2025

تصوير: اسماء الغول

تالا حلاوة

كاتبة من فلسطين

تالا حلاوة

صحفية ومدرّبة إعلامية بخبرة تزيد عن ١٥ عاماً في القيادة التحريرية وإنتاج المحتوى متعدد المنصات (رقمي، صوتي، مرئي). شغلت منصب مديرة الإنتاج سابقاً في "صوت بودكاستس"، حيث صممت وأشرفت على عشرات البرامج. عملت مع مؤسسات دولية كـ بي بي سي والجزيرة، وتكتب حالياً لـ العربي الجديد وضفة ثالثة، بالإضافة إلى مساهماتها البحثية مع جامعتي شيفيلد وبيرزيت.

في أمسية حميمة نظّمتها جمعية "نادي لكل الناس" في بيروت ليلة ٢٠ كانون أول، اجتمع العشرات من الحضور للاحتفاء بإصدار الأرشيف الكامل لتاريخ الموسيقار اللبناني عمر الزعنّي (1895 - 1961)، الملقب بـ "شاعر الشعب" و"موليير الشرق"، كونه أحد أبرز الوجوه الثقافية والفنية الاستثنائية في تاريخ لبنان والعالم العربي وباعتباره صوتاً ناقداً سياسياً واجتماعياً طليعياً خلال تلك السنوات من حياة اللبنانيين. 

انشغل "نادي لكل الناس" على مدار ١٥ عاماً بإرث الزعنّي الفني والسياسي والاجتماعي، فعمل على توثيق وأرشفة تاريخ الفنان وكلل مراحل المشروع المختلفة بإنتاج ٤ أسطوانات، بالإضافة إلى إصدار كتاب "القصائد الممنوعة" العام الماضي، و"القصائد المغناة" عام ٢٠١٠. فتضمنت الاحتفالية عرضاً لأرشيف الزعني المكتوب والمسموع، مع قراءة لقصائده وعرض فيلم وثائقي يستعرض مسيرة حياته. كما شهدت الأمسية أداءً غنائياً للفنان زياد الأحمدية، واختُتمت بمشاركة مميزة للفنان اللبناني القدير أحمد قعبور، الشريك الأساسي للجمعية في المشروع. 

في حديثه لـ"رمان" يقول مدير "نادي لكل الناس"، الفنان والباحث اللبناني، نجا الأشقر، إن النادي يعتبر إحياء الذاكرة الثقافية والتراث غير الموثق أحد أهم مهامه في مجتمع الثقافة اللبناني، مشيراً إلى أن تنظيم فعالية فنية وثقافية شاملة ينبع من الموقف الجذري للنادي المتمثل في تسليط الضوء على الشخصيات الإبداعية المهمشة التي لم تنل حقها في التوثيق الرسمي. وأوضح الأشقر أن العمل على إرث الزعني مرّ بمراحل عدة لتعويض الفقد الحاصل في أرشيفه، بدأت بحفظ القصائد المغناة وصولاً إلى إصدار مجموعات القصائد ضمن مسعى النادي المستمر لنبش التاريخ الفني غير المدوّن وحماية الهوية الموسيقية في لبنان والمنطقة العربية. 

ويأتي اهتمام "نادي لكل الناس" بأرشفة إرث عمر الزعني كاستجابة لغياب التوثيق البصري والمسموع لهذه القامة الفنية التي رحلت عام 1961، مما أدى لاندثار قصائده وتشتتها وضياع حقوق ألحانه. فوفقاً للأشقر يُعد الزعني ظاهرة نقدية استثنائية ظهرت مطلع القرن العشرين، متزامنةً مع مدرسة سيد درويش في مصر، حيث حمل هموم المنطقة وقضاياها، ومنها فلسطين التي درّس في مدينتها حيفا. كما اعتمد النادي في عملية التوثيق البصري على ما نُشر في الصحف والمجلات التاريخية مثل مجلة "الحوادث"، مع الاستعانة بشهادات أصدقائه المعاصرين لتثبيت صحة القصائد وتفاصيل الحفلات، ومنها لقاؤه الشهير بالفنان محمد عبد الوهاب الذي كتب له الزعني قصيدة تمزج بين الإعجاب والنقد الساخر. 

اتسم الزعني بجرأة سياسية جعلته يوقع بعض قصائده بأسماء مستعارة مثل "حْنَيْن" و"الرجل المحجب" لمواجهة الانتداب الفرنسي والاستعمار البريطاني، ورصد التحولات العميقة في بيروت بوعي طليعي مسلطاً الضوء على واقع المرأة العربية، ومنتقداً غياب المساحات العامة كما في أغنيته الرمزية "بدنا بحرية". وبمزيج فريد بين التأثر بالفن الفرنسي (موليير الشرق) والمدرسة المصرية وسخريته اليسارية الحادة، استطاع الزعني صياغة موسيقى تجاوزت الترفيه لتصبح وثيقة سياسية واجتماعية رصدت هواجس الهوية والحداثة في لبنان والمنطقة العربية.

يكشف البحث في أرشيف عمر الزعني عن حقائق فنية غُيبت طويلاً، حيث تفاجأ الجمهور بأن عدداً من الأغنيات الشهيرة تعود له دون أن ينال التقدير الكافي عنها، وأبرزها أغنية "بدنا بحرية" التي غناها الفنان وديع الصافي، حيث تم التلاعب بكلماتها وتحويلها من مطالبة بـ "الحرية" والمساحات العامة إلى "عندنا بحرية". كما برزت أعمال أخرى عكست جرأته الاجتماعية والسياسية مثل "القاضي لابس روب" التي سخر فيها من القضاء، وأغنية "ما في شيء ماشي إلا السينما" التي رصدت انبهار الناس بالشاشة الكبيرة آنذاك. 

وفي سياق التعاونات الفنية، برزت أغنية "يا ريت في تلفونات بين الأرض والسموات" التي أداها أحمد قعبور، والتي تتناول مفهوم التواصل الروحاني الديني بأسلوب منفتح وغير متزمت. أما المفاجأة الأبرز في هذا الأرشيف، فهي اكتشاف أغنية عاطفية نادرة بعنوان "روح بسبيلك وودّع"، وهي عمل شخصي جداً كُتب لحبيبة لم يتمكن الزعني من الزواج بها، وتكمن أهمية هذه الأغنية في خروجها عن نمطه السياسي المعتاد وتقديمها بصياغة لحنية وموسيقية لافتة.

أما عن تأثير عملية توثيق إرث الزعني، فيؤكد الأشقر أن لها تأثيراً مباشراً على الحراك الفني المعاصر، فمنذ إطلاق المرحلة الأولى عام 2010، استلهم العديد من الفنانين من أعمال الزعني، حيث أعادت الفنانة ياسمين حمدان تقديم أغنيات مثل "شبان شيك" و"بيروت زهرة"، كما استعارت فرقة "مشروع ليلى" ثلاث أغنيات، وقام عازف البيانو العالمي طارق يمني بتوزيع أغنية "بيروت"، وشاركت تانية صالح بغناء ثلاث أغنيات أخرى. ويبرز الفنان أحمد قعبور كأكثر من غنى للزعني ووزع أعماله برؤية حديثة، مدفوعاً برابط عائلي تاريخي حيث كان والد قعبور يعزف على الكمان ضمن فرقة الزعني.

وعلى صعيد الانتشار الدولي، تعاونت الجمعية مع المكتبة الوطنية في فرنسا، مما أسفر عن ترميم ورقمنة 50 أسطوانة وإصدارها ضمن مجموعة كاملة تتضمن أسطوانات "فينيل"، ما سمح بإدراج بصمة الزعني الفنية ضمن النظام الثقافي الفرنسي وتصحيح اللبس لدى من كانوا يظنونه مجرد تابع للموجة المصرية وسيد درويش. ومع التوجه نحو إنشاء منصة رقمية متخصصة، يتوقع الأشقر رواجاً عربياً واسعاً. 

الكاتب: تالا حلاوة

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع