في الصباحات الباكرة، حين تلمع الشمس الخفيفة فوق تلالها السبعة، تبدو عمّان كما لو كانت مدينة تطفو بين زمنين؛ زمن الصحراء وزمن الإسمنت. مدينة تتنفس على حافة الانكشاف، كلما مرّت يد التغيير على جلدها، اكتسبت نسيجًا جديدًا وفقدت نسيجًا آخر، طوال ألفيات تسع يعود لها تاريخ المدينة الذي يرجع إلى الألف السابع قبل الميلاد لتكون بذلك من ضمن أقدم المدن المأهولة بالسكان. عمّان "العاصمة"، التي وُلدت حديثًا نسبياً مقارنةً بشقيقاتها العتيقات كالقاهرة ودمشق، باتت اليوم تسابق الزمن لتثبت حضورها وتلحق بموكب التطور وعجلة الحداثة، غير أن هذه العجلة التي تدفع باتجاه التغيير والتسليع لم تكن يومًا بريئة.
لقد كانت عمان مقتصرة على الشركس في نهايات القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن العشرين، ولكن بعد إعلانها عاصمة لإمارة شرق الأردن شهدت توسعا عمرانيا مضطرداً ووفد إليها الناس من مختلف المناطق، وبدأت المدينة الحديثة بالظهور في الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث أخذت أحياء جديدة بالظهور فيما عرف بعمان الغربية. ويمكن للسائر المتبصر في شوارع عمان اليوم إدراك أن المجتمعات أو الفضاءات العمرانية فيها تقف على مفترق طرق وعلى حافة تغيير جذري، لكن لم تكتمل عملية التحول بعد، فهي ليست مدينة قديمة تمامًا وليست حديثة تمامًا، ليست ماضية تمامًا ولا مستقبلية بالكامل، هي "بين بين"، في لحظة انتقال حرجة.
كانت عمّان قرية صغيرة تنام بين الجبال، تمر بها القبائل والشعوب كما تمر الريح عبر السهول، لم تكن تعرف الطموحات الكبرى، ولا كانت تحلم بالتحول إلى عاصمة. لكن تغيرات السياسة والاستعمار والهجرات الكبرى، بدءًا من المهاجرين الشركس نهاية القرن التاسع عشر وانتهاءً باللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة 1948، رمت بالمدينة إلى قلب المعادلة، إذ أصبحت عمّان فجأة بحاجة إلى أن تكون حضنًا للاجئين، ومركزًا للدولة، ورمزًا للحداثة. ومنذ ذلك الحين، وهي تمضي في بناء ذاتها طبقة فوق طبقة، دون أن تسأل عن الثمن. عمّان اليوم تمر بنوع من تحولات العتبة (Threshold Transformations)، وتقف على حافة المشهد، فهي ليست المدينة الصغيرة التي اختبرت ظهور نواتها في أوائل القرن العشرين، ولا البلدة البسيطة المرتبطة بجغرافيا القبائل واللجوء، لكنها أيضًا لم تتحول كليًا إلى مدينة عالمية حداثية مكتملة الأركان مثل دبي أو إسطنبول الحديثة. عمّان تعيش حالة من التحول العالق، وتستوطن منطقة الغموض وعدم الاستقرار حيث تراوغ الهويات القديمة والجديدة، وتتداخل الفضاءات الشعبية والأسواق التقليدية مع المولات والمشاريع الاستثمارية، دون حسم نهائي لهويتها المدينية.
مع منعطف الألفية الثالثة، أخذت عمّان تتغير بوتيرة محمومة؛ المشاريع العقارية الضخمة، الأبراج، المولات، المجمعات السكنية المغلقة، جميعها صارت وجهها الجديد. أصبحت المدينة تُعرض للبيع كسوق حرة للأثرياء العرب، وللمستثمرين الأجانب، وللطبقات الصاعدة. في كل توسع جديد لعمّان، يُطرد الفقراء من "الأطراف إلى الأطراف"، ويُمنح المركز لمن يستطيع أن يشتريه، حتى صارت المدينة تتوسع أفقياً كما تتوسع السرطانات في الأنسجة الرخوة. من جبل القلعة، حيث يمكن للعين أن تتبع انسياب التلال إلى الأفق، تبدو المدينة ككولاجٍ مفتوح؛ أحياء حجرية بيضاء تحتضن بعضها بعضًا، وأبراج زجاجية تناطح السماء في قلب المدينة الجديدة؛ غير أن هذه الصورة السطحية تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا. عمّان مدينة متصدعة بالطبقات الاجتماعية؛ غربٌ ميسور شرع في بناء مدينته الخاصة المصفّحة، وشرقٌ مكتظ باللاجئين والطبقات العاملة والمهمشة. الهامش والمركز هنا لا يتقابلان فقط جغرافيًا، بل يتحاربان وجوديًا. "جبل التاج" ليس كـ"عبدون"، و"الوحدات" لا تشبه "دير غبار"، كما لو أن المدينة قد قُسمت دون إعلان حرب، وبنيت فوق خطوط التصدع هذه مشاريع التطوير العقاري الكبرى.
ومما لا شك فيه أن المدن المتشكلة تحت ضغوط الاستجابة السريعة للأزمات السياسية واللجوء المرافق، تفتقر إلى "هوية عمرانية صلبة"، مما يجعلها قابلة للتكيف أو التشوه تبعًا للأولويات المتغيرة. ذلك أن العمران في المدن العربية، ومنها عمّان، يُستخدم كأداة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية وتثبيتها، لا مجرد تغليفها. فتخصيص الفضاءات العامة والخاصة، ومشاريع "التحديث"، تُدار دائمًا وفق منطق الربح والسلطة أكثر مما تُدار وفق منطق العدالة المدينية. ويبدو أن عمان اليوم، تشكل مثالا حيا لنمط العمران الانتقالي الطارئ الذي يؤدي إلى نمو هشّ في البنى التحتية والهوية المدينية؛ وهي ملاحظة تتجسد بوضوح في تناقضات الطرق الواسعة والأزقة، وانتشار الأحياء العشوائية، والأنماط الإسكانية المتفاوتة التي رسمت وجه المدينة وأثارت جدلية الهامش والمركز على حواف التماس ونقاط العيش اليومي المتموضع على جانبي الخط الذي يفصل شرق عمان عن غربها، مؤسسا لنواة مدينية مزدوجة متمفصلة بين المدن التقليدية والعواصم الإقليمية، التي تعاد هيكلتها وفق احتياجات المستثمرين ورأس المال العابر للحدود، لتكون مدينة مطواعة للأسواق أكثر من كونها مدينة للناس وللسكان العاديين.
مع كل عملية تطوير عمراني جديدة، تفقد عمّان جزءًا من ذاكرتها، لم تعد المدينة تتذكر بيوتها الحجرية البسيطة، ولا مقاهيها القديمة، ولا حكايات الأسواق الشعبية وروائحها. حتى "وسط البلد" -قلب عمّان النابض- صار مهددًا بالتحول إلى نسخة مصقولة لا تشبه تاريخه، تخدم السائح أكثر مما تخدم ساكن المدينة، ولم يعد سؤال "كيف يعيش أهل عمّان" مهمًا بقدر سؤال "كيف نستقطب الاستثمارات"، والنتيجة: أن الفضاء العام تقلص. المقاهي الصغيرة والمتنزهات والحدائق تراجعت لصالح مراكز التسوق الفارهة، وأصبح المشي في بعض مناطق عمان، كالعبدلي الذي كان مكتظا بمواقف السيارات والأسواق الشعبية، يحتاج إلى دفع مسبق أو تذكرة دخول، حتى صار ممكنا القول إن ما يحدث لعمّان هو أشبه بعملية "تنظيف طبقي" للذاكرة؛ إذ يُمحى الفضاء الذي يحمل ذكريات الجماعات الأقل حظًا، ويُستبدل بفضاءات عقارية نظيفة تليق بصورة المدينة "العصرية". وهكذا، تحوّلت المدينة إلى مشهد سينمائي ضخم ومعولم؛ واجهات لامعة، وشوارع أنيقة، لكن دون روح تُقاوم أو تحكي.
تتراقص عمّان بين تحولات عمرانية واجتماعية متسارعة، فيما تخوض معركة مستترة حول ذاكرتها وهويتها في وجه طوفان المشاريع الاستثمارية والضغوط النيوليبرالية. رغم كل شيء، لم تستسلم المدينة تمامًا للعولمة؛ في زواياها المهملة، في أحيائها الشعبية، في جلسات الأرصفة، وفي الأسواق القديمة، لا تزال هناك مقاومات حضرية صغيرة تبرز كاستثناء يحتفظ بذاكرة الجيل الأول من سكان المدينة؛ بائع متجول يحافظ على مكانه رغم سياسات الإزالة، مقهى شعبي يرفض التحول إلى "كوفي شوب"، حفلات موسيقية تحت الأرض تحاكي وجع المدينة وفرحها. هذه المقاومات الحضرية، وإن بدت هامشية، إلا أنها تؤسس لشبكة حياة بديلة، ترفض أن تذوب كليًا في مشروع المدينة الربحي. إلا أنه يمكن القول إن بعضًا من هذه الجيوب الحضرية المقاومة، كـ"اللويبدة" و"الرينبو"، باتت تشهد ما يمكن تسميته "التطهير الناعم" الذي يهدف إلى إعادة تدوير المكان بما يناسب الاستهلاك السياحي والثقافي، إذ لم تعد فضاءً للحياة اليومية العفوية، بل صارت منصة لعرض أنماط حياة مستوردة، مخصصة للطبقات القادرة على الدفع مقابل "تجربة عمّانية أصيلة"، يتآكل فيها حق الوجود العفوي للفقراء والمهمشين.
لقد صارت عمّان مدينة "تخترع نفسها يوميًا"، لكنها تفعل ذلك بلا مشروع واضح، وهذا التردد بين أن تكون مدينة عربية تقليدية أو مدينة عالمية حديثة، بين أن تحافظ على خصوصيتها أو أن تتبنى العولمة بلا قيد، جعلها عالقة بين الأزمنة؛ تنمو مثل نبات اصطناعي بلا طعم أو رائحة. مع ذلك، ورغم كل هذه التحولات والترددات، تظل عمّان مدينة تراوغ الجميع؛ المستثمرين، المخططين، وحتى ساكنيها، معلنة رفضها أن تُختصر في سردية واحدة. مدينة لا تستسلم بسهولة، لكنها أيضًا لا تُظهر وجهها الحقيقي إلا لمن عاشوا تفاصيلها الصغيرة؛ مقهى في الهاشمي، سوق في العبدلي، شطيرة فلافل وكأس شاي على الناصية، أو جلسة صامتة فوق درج الكلحة. هذه المراوغة هي التي تمنح عمّان ذاكرة حياتها، وإن كانت حياة تُعاش على الهامش، في الظل، بعيدًا عن أنظار المستثمرين وخطط التطوير. لكن استمرارية هذا الهامش تبقى معلقًة ومرهونة بقدرة العمّانيين على تذكّر مدينتهم، لا كما يراد لها أن تكون، بل كما عاشوها وأحبوها، بكل تناقضاتها وعيوبها وجمالها العميق.
