فضا

الفلسطينيون في بيروت: ذاكرة سياسية في مدينة متغيرة

Ayman Baalbaki, Sans titre, Acrylique sur toile, encadré, 2016

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

لكن التجربة التاريخية لبيروت، الممتدة بين الحرب والسلم، بين الطرد والاحتلال الرمزي، وبين القمع والمقاومة، تشير إلى أن المعركة لم تُحسم بعد. والفلسطيني في بيروت –رغم لجوئه- ليس منفيًا بالكامل، بل متجذرٌ في التفاصيل الصغيرة: في ملصق، في كتاب، في بائعة على الرصيف، في طالب يرفع صوته ضد النسيان.

للكاتب/ة

وتبقى بيروت، رغم كل التغييرات، مدينة تسكنها الذاكرة، وتقاوم فيها الأصوات من أجل الحق في الحياة، والعدالة، والمدينة. ذلك بعد أن أُعيد رسم الخريطة المكانية وبلورة تراتبيات وهويات جديدة،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

19/12/2025

تصوير: اسماء الغول

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

سليم أبو ظاهر

وأكاديمي.

مقدمة: حين تبتلع المدينة نفسها

لطالما كانت بيروت فضاءً مدينياً نابضاً بالحياة؛ مدينة تتقاطع فيها الأزمنة وتتداخل فيها الطبقات، تنبض بأسواقها، وأرصفتها، ومقاهيها، وساحاتها العامة التي نشأت وتطورت عبر عقود طويلة من التفاعل الاجتماعي والثقافي والسياسي. كانت المدينة -في لحظةٍ ما- تحتضن التعدد والتنوع في نسيجها المعماري والاجتماعي، لتتحول تدريجيًا إلى كيان حضري يبتلع نفسه، حيث تُختزل الحياة المدينية في واجهات لامعة تحجب خلفها تآكلاً عميقاً في مفهوم المجال العام. إنها المدينة التي أعادت الحرب رسم ملامحها، وجعلت من الإعمار معركة جديدة، لا تقل ضراوة عن القصف، ولكنها أكثر خبثًا، معركة تُخاض عبر قوانين السوق، وخرائط الاستثمار، ومفردات "التطوير الحضري" التي كثيرًا ما تتخذ من الحداثة قناعًا لتبرير طرد السكان، ومصادرة المساحات المشتركة، وتحويل المدينة من مجال للعيش والتفاعل إلى سلعة تُباع وتُشترى. ذلك أن مشاريع إعادة الإعمار في بيروت، وعلى رأسها مشروع "سوليدير"، لم تكن يوما مجرد جهود عمرانية، بل شكلت جزءًا من مسار سياسي واقتصادي أعاد ترسيم الخريطة المكانية وفق مصالح رأس المال المحلي والعابر للحدود، وأعاد إنتاج ديناميكيات مجتمعية جديدة أقل اتساعاً في استقبال الآخر. ووسط هذه التحولات، تراجع حضور فئات اجتماعية عديدة عن قلب المدينة، ومن بينها اللاجئون الفلسطينيون الذين لطالما وجدوا في بيروت امتدادًا رمزيًا وفعليًا لفلسطين.

منذ نكبة 1948، تماهت المخيمات الفلسطينية في محيط بيروت مع لحظة المدينة ذاتها. لم يكن الفلسطيني فيها غريبًا، بل شريكًا في الفضاء والنضال. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ساهم الفلسطينيون في الحراك الطلابي والنقابي والثقافي، وشكّلوا مع القوى اليسارية اللبنانية أفقًا سياسيًا واسعًا، كانت بيروت فيه حاضنة خطابٍ تحرري مشترك. لكن هذا الزخم تراجع تدريجياً، لا نتيجة إقصاء مباشر دائم، بل بفعل تحولات المدينة نفسها، واتساع المسافة بين المخيم والحي، بين الذاكرة واليومي. وإن كانت بعض السياسات قد حدّت من إمكانيات الحضور الفلسطيني في الحيز المدني، فإن المخيم ظلّ يمدّ بيروت بصداها السياسي، وذاكرتها التي لا تغيب. الفلسطيني في بيروت لم يكن طيفًا، بل صدى لصوت آخر لم يغب. في الشوارع، في الساحات، في الجداريات، يترك الفلسطيني أثره، في مدينة تتغير، لكنه لا ينفصل عنها.

بيروت كمجال عام: المدينة التي كانت

في الذاكرة الجمعية لسكان بيروت، تتجسد صورة مدينة لا تشبه تلك التي نراها اليوم. لم تكن بيروت مدينة الأبراج الزجاجية، ولا "المولات" المغلقة، ولا الكافيهات ذات الأصناف "العالمية" المُسعّرة بالدولار. بل كانت مدينة الأرصفة المتعرجة، والأسواق التي لا تُغلق أبوابها، والمقاهي التي يتقاسمها الشعراء والطلاب والباعة الجوالون، ويلتقي فيها الناس على اختلاف انتماءاتهم. كانت ساحة الشهداء، التي لطالما شكلت نقطة التقاء اجتماعية وسياسية، مساحة للوجدان الجمعي، والشاطئ العام في الرملة البيضاء ملتقى لأجساد تعرّت من الفروقات الطبقية تحت شمس واحدة. 

في بيروت "السابقة"، لم تكن المدينة مقسّمة إلى مناطق استهلاكية وأخرى مهمّشة، بل كانت تتنفس بتوازن هش، يحفظ مساحةً للجميع، وفي ذلك التوازن كان يكمن معنى المدينة. لكن هذا التوازن تراجع مع الزمن، تحت ضغط التحولات الاقتصادية والعمرانية، دون أن تغيب عنه مظاهر المقاومة، لا سيما في المساحات التي ما زالت تحوي حياة يومية حقيقية.

تحوّلت الواجهة البحرية من فضاء مشترك إلى حيز مُستحوَذ ورمز لهندسة اجتماعية جديدة. وقد كانت الرملة البيضاء، آخر الشواطئ العامة، رمزًا للمقاومة اليومية في وجه الاستئثار. وفي خلفية هذا المشهد، يطل المخيم الفلسطيني كذاكرة حيّة، حيث يُمارس الفلسطيني يومياته في مساحات صغيرة لكنها مليئة بالمعنى. على هوامش الصورة الرسمية للمدينة، تتشكّل مقاومات ناعمة، عبر مبادرات ثقافية، وأسواق شعبية، ومشاريع تعليمية. هذه الفضاءات لا تُلغي الفجوة، لكنها تعيد التأكيد على الحق في أن يكون للفلسطيني مكان في المدينة، ولو من موقع الهامش الذي لا ينفصل عن القلب.

وقد أظهرت الاحتجاجات التي اختبرتها بيروت في السنوات الأخيرة، أن هناك وعياً متزايداً بضرورة استعادة المجال العام، وأن المدينة لما تزل تشهد لحظات فارقة تعيد التذكير بأنها لا تزال تمتلك صوتاً مضاداً، وذاكرة ترفض الطمس. الحراك الشعبي، كان ذلك بمثابة محاولة رمزية لاستعادة المدينة من قبضة الاستثمار الخاص، فاستعادت الجماهير الفضاءات المصادرة وحولتها إلى مسارح احتجاج تؤكد أن الفضاء العام، حين يحتله الناس، يصبح أكثر من مجرد شارع، يصبح فضاء للذاكرة، وللمطالبة، ولإعادة الكتابة. وما جرى في بيروت يؤكد أن المدينة لا تُستعاد فقط عبر السياسات، بل أيضًا عبر الجسد الجماعي الذي ينزل إلى الشارع والساحة ليس فقط كي يحتج، إنما ليُعلن: نحن هنا. في ثورتهم، لم يكن الناس يطالبون فقط بإصلاح سياسي، بل كانوا يعيدون تعريف المدينة، من خلال إعادة احتلال ساحاتها، وتطهيرها رمزيا من سلطة رأس المال.

الانتفاضة اللبنانية 2019 والفعل الفلسطيني: هوية مشتركة في مدينة منتفضة

حين انطلقت الانتفاضة اللبنانية في تشرين 2019، لم يكن الفلسطيني متفرجًا. شارك من موقعه، وبصوته، حاملاً قضاياه ومعاناته، ومندمجًا في الإيقاع العام للغضب الشعبي. ظهرت أصوات فلسطينية في الساحات، وأطلقت مبادرات تتقاطع مع المطالب الاجتماعية في لبنان. كانت تلك لحظة بلورة جديدة لهوية فلسطينية-لبنانية هجينة، تتقاطع فيها الهموم وتتشكل أطر جديدة للمواطنة الفعلية، لا بالوثائق بل بالفعل الميداني. فلبنان، الذي شكّل في لحظة من تاريخه ساحة مركزية للنضال الفلسطيني، لم ينفصل تمامًا عن هذه الوظيفة الرمزية. وحتى في أصعب ظروف التقييد، ظلّ الفلسطيني يحمل صدى بيروت في وعيه، كما حملت بيروت صدى فلسطين في حاراتها وشوارعها وساحاتها. وفي زمن تتوسع فيه الإبادة في غزة، تصبح الذاكرة أكثر إلحاحًا، ويصبح الوجود الفلسطيني في بيروت، وإن من موقع الهامش، امتدادًا صوتيًا لذلك الصراع المفتوح.

إن بيروت، في معناها العميق، ليست فقط العاصمة أو المركز الجغرافي، بل هي كائن سياسي واجتماعي، تُعيد تشكيله القوى الفاعلة كل يوم -والحيز المديني، كما يقول ديفيد هارفي، ما هو إلا نتاج الصراع الاجتماعي. ومما لا شك فيه أن بيروت تقف اليوم عند مفترق طرق؛ هل تبقى مدينة مفتوحة للجميع، حيث يستطيع سكانها العيش والتفاعل بحرية؟ أم أنها ستواصل طريقها نحو أن تصبح مدينة مغلقة، لا يسكنها إلا رأس المال، بينما يتم إقصاء بقية السكان إلى الهوامش؟ ولعل من بين أكثر الأسئلة إلحاحاً لم يعد فقط "من يملك المدينة؟"، بل "لمن تُصمّم؟"، و"من يُقصى منها؟"، و"ما الذي يعنيه أن تكون مواطنًا أو لاجئا في مدينة تُعيد طردك كل يوم؟" والإجابات في واقع الأمر ليست سهلة، ولا تتوقف فقط على السياسات الحكومية أو القرارات الاقتصادية، بل على قدرة الناس أنفسهم على المطالبة بحقهم في المدينة. 

لكن التجربة التاريخية لبيروت، الممتدة بين الحرب والسلم، بين الطرد والاحتلال الرمزي، وبين القمع والمقاومة، تشير إلى أن المعركة لم تُحسم بعد. والفلسطيني في بيروت –رغم لجوئه- ليس منفيًا بالكامل، بل متجذرٌ في التفاصيل الصغيرة: في ملصق، في كتاب، في بائعة على الرصيف، في طالب يرفع صوته ضد النسيان. وتبقى بيروت، رغم كل التغييرات، مدينة تسكنها الذاكرة، وتقاوم فيها الأصوات من أجل الحق في الحياة، والعدالة، والمدينة. ذلك بعد أن أُعيد رسم الخريطة المكانية وبلورة تراتبيات وهويات جديدة، لا وفقاً لاحتياجات السكان، بل وفقاً لخطط استثمارية ضخمة جعلت من مركز المدينة مسرحًا لا يسكنه أحد، ومن أطرافها مقابر لحياة اجتماعية أُقصيت قسراً. وما بين الخصخصة والاستعادة، تقف المدينة كجسد معرّض، يعيد طرح الأسئلة حول المواطنة والانتماء: من له الحق في الحيز؟ من يُرى؟ ومن يُستثنى؟ وما معنى أن تكون فلسطينيًا في مدينة تتغير دون أن تنكرك؟ وما معنى أن تُعيد إنتاج نفسك من صدى المدينة لا من نفيها؟

الكاتب: سليم أبو ظاهر

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع