بين الإقصاء والسيطرة: التخطيط الاستيطاني والحوكمة الاستعمارية في القدس الشرقية

Khaled Hourani, Supplication, 2023

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

إن القدس الشرقية لم تعد اليوم مجرد فضاء سيادي متنازع عليه، بل صارت حقل اختبار لتقنيات الحكم الاستيطاني في المدن، إذ بتنا أمام نمط جديد يمكن وصفه بـ"التحكم الهجين المنظم"؛ والذي يجسد مزيجًا من الهيمنة القانونية، والإقصاء المكاني، والسماح المدروس بمساحات ضيقة من العمل الفلسطيني غير المُمأسس

للكاتب/ة

بسهولة، ومع كل عملية هدم، وكل أمر إخلاء، يتجدد الحضور الفلسطيني عبر أشكال مختلفة من الصمود والمقاومة اليومية، والدفاع القانوني، والمبادرات المجتمعية. 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

16/01/2026

تصوير: اسماء الغول

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

سليم أبو ظاهر

وأكاديمي.

يتناول هذا المقال كيفية حكم إسرائيل للقدس الشرقية عبر نموذج حوكمة يجمع بين التمييز والإهمال الإداري من جهة، والتسامح الانتقائي مع مؤسسات فلسطينية من جهة أخرى –إذ لا تسعى إسرائيل إلى دمج الفلسطينيين بالكامل، بل تُبقيهم في حالة "استثناء حضري" تخدم هدف السيطرة بأقل تكلفة. فمنذ ضم القدس الشرقية عام 1967، مارست إسرائيل أسلوب حكم "هجين"، ولم تقم بإدماج كامل للمدينة الفلسطينية، بل أبقت على حالة من "الاستثناء المديني" سمحت بفرض السيادة من جهة وتخفيف الأعباء الإدارية من جهة أخرى. ويشكل مفهوم النظام الهجين إطاراً يمكن من خلاله وصف النظام الذي تتعايش فيه أنظمة قانونية وإدارية متعددة دون أن تندمج. ففي القدس الشرقية، حافظت إسرائيل على الرمزية السيادية من خلال الضم الرسمي، لكنها أبقت على كثير من الخدمات –مثل التعليم والرعاية الصحية أو إدارة المرافق والمقدسات الدينية– تحت إدارة أردنية أو فلسطينية غير رسمية. على سبيل المثال، المسجد الأقصى والأوقاف لا زالت تتبع إداريا للأردن -كما عملت العديد من المدارس وفق المنهاج الأردني، وكانت شبكات النقل والخدمات تعمل بشكل غير رسمي نتيجة للإهمال المتعمد من قبل البلدية. 

هذا الترتيب الاستثنائي –القائم على التمييز والإهمال من جهة، والتسامح الاستراتيجي من جهة أخرى– مكّن إسرائيل من فرض سيطرتها مع تقليل التكاليف والمواجهات. فوجود مؤسسات فلسطينية "معارضة" تم تحمله لأنه ساهم في الحفاظ على الاستقرار اليومي، وإن كان ذلك ضمن حدود صارمة وغير رسمية. لكن في السنوات الأخيرة، وخصوصًا في ظل التغيرات السياسية الداخلية الإسرائيلية وتكثيف الاستيطان، أخذ هذا النموذج في التحول نحو نظام إقصائي قائم على التفتيت الإداري، والانكماش المؤسسي، والسيطرة المكانية المحكمة. وفي هذا السياق المتغير، لم تختف "السلطات الحكومية الاستثنائية" في القدس الشرقية، بل أعيد تشكيلها بطريقة أكثر مؤسسية واستبعادية. فبينما كانت إسرائيل سابقًا "تتسامح" مع المؤسسات الفلسطينية ضمن منطق الاستثناء والتثبيت، باتت اليوم تدير المشهد من خلال التذرّع بالقانون وتفكيك البنية المؤسسية الفلسطينية. 

من أبرز ملامح التحول في العقدين الأخيرين هو استهداف ومحاولة إلغاء ملامح المدينة الفلسطينية؛ فالعديد من المؤسسات المدنية التي كانت تعمل كرموز للهوية السياسية –مثل بيت الشرق– ما تزال مغلقة. أما المنظمات الأهلية والنقابات، فقد باتت تواجه قيودًا مشددة على التمويل، والملاحقة القانونية، والمنع الإداري. حتى المؤسسات الدينية، مثل دائرة الأوقاف، تتعرض لتضييق متزايد، لا سيما في ظل اقتحامات الشرطة الإسرائيلية للحرم القدسي وتكثيف الوجود الاستيطاني في محيط البلدة القديمة. هذا التآكل المؤسسي بالتأكيد لا يحدث بالصدفة، بل هو جزء من منطق حكم استعماري يهدف إلى محو أو تحويل الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة إلى وجود غير سياسي، خافت، بلا ذاكرة مؤسسية أو أدوات تمثيل. 

إلى جانب ذلك، تصاعدت الإجراءات الإسرائيلية بحق وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس، حيث سعت سلطات الاحتلال إلى تقويض عملها ووقف أنشطتها التعليمية والصحية باعتبارها تمثل مرجعية دولية للوجود الفلسطيني وحقوقه. فالأونروا تدير في القدس عشرات المدارس التي تضم نحو 9,000 طالب فلسطيني، وتشكل هذه المدارس في كثير من الأحيان البديل شبه الوحيد أمام العائلات المقدسية في ظل تقييد التعليم العربي الرسمي. كما توفر الوكالة خدمات الرعاية الصحية الأولية لما يزيد عن 120,000 مستفيد من سكان القدس ومحيطها، عبر عياداتها ومراكزها. وبالتالي، فإن محاولات إسرائيل إغلاق هذه المرافق أو التضييق على عملها، سواء عبر الملاحقات القانونية أو القيود على التمويل والأنشطة، ليست مجرد مسألة إدارية، بل تعكس منطق الحوكمة الاستعمارية الذي يسعى إلى إضعاف الركائز المؤسسية التي تمنح الفلسطينيين أدوات صمود واستمرارية، وتحويل مجتمعهم إلى جماعات معزولة بلا حماية أو مظلة دولية.

من ناحية أخرى، خسر كثير من المقدسيين إقاماتهم على مدى عقود نتيجة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، حيث تم سحب إقامات ما لا يقل عن 14,500 فلسطيني منذ عام 1967. بالإضافة إلى ذلك، يعيش حوالي 240,000 مستوطن إسرائيلي في القدس الشرقية، مما يشكل ضغطاً على الوجود الفلسطيني. وفي ذات الإطار، مثّلت الانتفاضة الثانية وبناء جدار الفصل العنصري بين عامي 2002 و2005 نقطة تحول حاسمة، إذ بدأت القوة القائمة بالاحتلال تتجه إلى سياسات العزل الأمني والحصار الإداري بدلًا من التسامح الانتقائي. فعلى سبيل المثال، تم توسيع استخدام سياسة سحب الإقامة –التي كان قد تم البدء بتنفيذها بوضوح مع بداية التسعينيات، حيث يمكن أن يفقد الفلسطينيون حقهم في السكن في المدينة إذا ما اعتُبر أنهم لم يحتفظوا بـ"مركز حياتهم" فيها. واليوم يتخوف نحو 140 ألف مقدسي يعيشون في الأحياء الواقعة خارج جدار الفصل العنصري من سحب إقاماتهم -في ظل الحديث المكثف مؤخراً عن إمكانية إخراج هذه الأحياء من حدود بلدية القدس، وتسليم صلاحيات العمل فيها لجيش الاحتلال. كذلك تصاعدت سياسة الهدم بشكل كبير، حيث تشير المعطيات الأممية إلى أن السلطات الإسرائيلية أقدمت، منذ مطلع سنة 2010 وحتى منعظف السنة الحالية، على هدم ما يزيد عن ألفي منشأة فلسطينية، معظمها بذريعة عدم الترخيص، علمًا أن الحصول على رخصة بناء أمر شبه مستحيل في المناطق المخصصة للفلسطينيين. 

ترتبط هذه السياسة بالمخططات الهيكلية الإسرائيلية التي تقيّد البناء الفلسطيني وتفتح المجال أمام توسع المستوطنات. وتُشير هذه التطورات إلى تحول النموذج الحاكم من استثناء مؤقت إلى إقصاء مؤسسي دائم، حيث أصبحت أدوات مثل القانون والتخطيط الحضري أدوات طرد ونفي مدني، وتحولت القدس الشرقية بحلول عام 2025 إلى فسيفساء حضرية مكونة من مجموعة من الأحياء الفلسطينية المفككة والمعزولة. إن تكوين هذه الجزر المفتتة لا يهدف فقط إلى الحصار الجغرافي، بل يخدم أهدافًا ديمغرافية وسياسية، منها احتواء الوجود الفلسطيني ضمن حدود ضيقة، وتفكيك تماسكه الاجتماعي، ومنع تشكّل أي مركز مقاوم أو تمثيلي حقيقي. فالتفتت المكاني يعكس تفتيتًا سياديًا يُبقي الفلسطينيين في حالة من "اللامكان السياسي". وهناك العديد من الأحياء مثل سلوان والعيسوية وشعفاط أصبحت محاطة بالحواجز، والطرق الالتفافية، والمستعمرات الاستيطانية. كذلك يؤدي جدار الفصل إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، حيث أصبح بعض السكان، كما في مناطق كفر عقب وعناتا والزعيّم، يعيشون خارج الجدار وهم يحملون بطاقات إقامة مقدسية، بينما تُمنع الخدمات الأساسية عنهم.

وفي هذا الإطار، يبرز مخطط E1 كترجمة عملية لمنطق الحوكمة الإقصائية التي تتشكل في القدس الشرقية، وكواحد من أخطر مظاهر سياسات التخطيط الاستبعادية. فهذا المشروع، الذي يهدف إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس الغربية، لا يمثل مجرد توسع استيطاني، بل هو جزء من البنية الكولونيالية الأوسع التي تحوّل الاستثناء إلى إقصاء مؤسسي دائم، وتستخدم التخطيط الحضري كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والديموغرافية. كما يندرج ضمن استراتيجية أشمل تهدف إلى تقويض الوجود الفلسطيني في المدينة وتحويل الأحياء المقدسية إلى مناطق غير مترابطة، إضافة إلى عزل القدس الشرقية عن محيطها الطبيعي في الضفة الغربية. فالمخطط يكرس الانقطاع الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ويحوّل القدس إلى مركز سيادي مغلق تحيط به الكتل الاستيطانية، الأمر الذي يعمّق الطابع "الهجين-الإقصائي" للحكم الإسرائيلي في المدينة.

تشير التحولات الحالية إلى أن القدس الشرقية لم تعد مجرد ساحة للتنازع على السيادة، بل أصبحت ميدانًا لتجريب أدوات الحكم الاستيطاني-المديني، حيث تتقاطع الهندسة القانونية مع التقطيع المكاني، وتتحوّل الاستثناءات إلى أعراف بيروقراطية تقنن الإقصاء بدلًا من "التعايش" الذي يروج له البعض. فقد أصبح الإلغاء الإداري للإقامة، والهدم الممنهج للمنازل، وخنق المجتمع المدني، وتفتيت المشهد الحضري الفلسطيني، وسائل مركزية في ممارسة السيطرة وإحكام الطوق على القدس الشرقية، وتكريسها كفضاء خاضع للسيطرة دون دمج. وبالتالي، فإن خطورة E1 لا تكمن فقط في نتائجه العمرانية والديموغرافية، بل في كونه يعكس تصعيدًا نوعيًا في آليات الحوكمة الاستيطانية، حيث يتداخل القانون مع التخطيط الحضري ليؤسس لواقع لا رجعة فيه من التفتيت والسيطرة، وتجسيداً لهذه السياسة بأوضح صورها، والتي تتمثل في إعادة إنتاج الوجود الفلسطيني كوجود مُحاصر، منزوع المركز، يفتقد الاتصال الجغرافي والاجتماعي بمحيطه، مقابل اندماج استيطاني متسارع يعيد رسم حدود المدينة بما يخدم منطق الإقصاء الكولونيالي وأولويات الاستعمار الاستيطاني.

ورغم كل هذه التحولات، لم تختفِ منطقية "الاستثناء" تمامًا، بل أُعيد تشكيلها وتم إعادة إنتاج الحوكمة الاستثنائية بصيغة جديدة؛ فبعض الشبكات الفلسطينية غير الرسمية –مثل خدمات الطوارئ أو التعليم الأهلي– ما زالت تعمل في القدس بشكل هامشي وغير رسمي، إلا أن هذه الهامشية مشروطة ومدارة ومراقبة بعناية ضمن منطق "السيطرة عبر التقنين"، حيث يُسمح بحدود دنيا من النشاط والأداء الخدمي لتفادي الانهيار الكامل، دون السماح بوجود تمثيل سياسي مستقل أو تعبير سيادي. كما لم تعد دولة الاحتلال "تتغاضى" عن هذه البنى، بل تديرها عبر ما يمكن تسميته "اللامركزية الخاضعة". وبذلك تحوّلت "السلطة الاستثنائية" من منطق تسامح عملي براغماتي إلى سياسة إقصاء بيروقراطي مؤسسي، إذ لم يعد الوجود الفلسطيني متروكًا أو مُدارًا بمرونة، بل أضحى هدفًا للتنظيم والتقنين والتجريد التدريجي من المكان والحق.

خلاصة القول، إن القدس الشرقية لم تعد اليوم مجرد فضاء سيادي متنازع عليه، بل صارت حقل اختبار لتقنيات الحكم الاستيطاني في المدن، إذ بتنا أمام نمط جديد يمكن وصفه بـ"التحكم الهجين المنظم"؛ والذي يجسد مزيجًا من الهيمنة القانونية، والإقصاء المكاني، والسماح المدروس بمساحات ضيقة من العمل الفلسطيني غير المُمأسس -بما يحقق هدف الإزاحة الصامتة ويتيح "السيطرة دون دمج". ومع ذلك، فإن هذا التآكل لا يعني نهاية الفعل السياسي، فرغم استمرار الاحتلال في محاولات محو الجغرافيا السياسية للفلسطينيين، إلا أن الجغرافيا والأماكن –مثل الذاكرة– لا تُمحى بسهولة، ومع كل عملية هدم، وكل أمر إخلاء، يتجدد الحضور الفلسطيني عبر أشكال مختلفة من الصمود والمقاومة اليومية، والدفاع القانوني، والمبادرات المجتمعية. 

الكاتب: سليم أبو ظاهر

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع