شذرات تتطاير مع أمثالها من "شذرات سطحية جداً" و"شذرات سطحية جديدة".
(1)
كتب يانيس ريتسوس العديد من القصائد الشذرية، خصوصاً في شيخوخته. ويفكر المرء أيضاً في أحلام محفوظ، وفي حواراته الحكيمة مع الشيخ عبد ربه التائه.
في كلا الحالتين، لا ينبع النجاح المذهل من أسلوب الشذرة، بل من خلل البناء الهائل الذي استند إليه الشيخان، وأتت الشذرات، في آخر العمر، لتنشر عبقه: كعطر الزهر، بعد النضج.
الشذرة، بذاتها ولذاتها، عاجزةٌ عن البناء، وعن القول.
(2)
بعد انقشاع الضباب-
الجبال
على بعد عشر خطوات
الشاعر الياباني شيكي. هايكو
مات شيكي في سن الخامسة والثلاثين، بعد أن أعاد تعريف الشعر الياباني التقليدي بشقيه، الهايكو والتانكا، محاولاً أن يحافظ بشكل متزمت على الشكل، ولكن بتثوير المواضيع التي جعلها تتشعب وتتجذر.
في بعض قصائده، ينجح في عملية الاختزال التي اشتُهر بها اليابانيون، وكان الهايكو ممثلها الأبرز: القبض على المعنى في أكثر الأشكال حسيةً، وبشكل بسيط للغاية، ومباشر، وواقعي.
على الرغم من كل تلك البساطة، فتح الاختزال باباً للتأويل: ما الذي تقوله القصيدة؟
يرفض شيكي ذلك: القصيدة هي الواقع مباشرةً، كان يتجول، وانقشع الضباب.
لا أصدّق شيكي.
القصيدة، على الأغلب، تحكي عن الوهم، أو الذعر، أو الأمل!
...
في المشهد الأخير من فيلم "خرج ولم يعد"، يتجوّل البطل والبطلة، بهدوء، في الريف، على وقع أصوات خوار وزقزقة. ثم يمسك البطل بالحبل الذي يجر البقرة، وليس بيد الفتاة البريئة.
في الفيلم دعوة جادة إلى التراخي، وهي دعوة فلسفية أصيلة، نشرها برتراند راسل بحكمة، في مقاله الشهير "في مدح الكسل".
اقتُبس الفيلم عن رواية إنجليزية، ونجح خان (الباكستاني الأصل) في جعلها محلية تماماً؛ كأن الهموم نفسها، في كل مكان: همومٌ لا بد منها، ولا يد لنا فيها، ولا مخرج منها، إلا بالتكاسل والتسكين والشراهة!
...
في ألبوم "إسلام بلوز"، نجد توزيعاً مذهلاً لقصيدة "بانت سعاد"، في محاولة صادقة لمزج الشرق مع الغرب، واستعادة القصيدة التي تحوّلت إلى أسطورة عند العرب، واستثنى طه حسين أقطابها من شكه، تقريباً: زهير بن أبي سلمى، وتلامذته، الذين كتبوا شعراً بقي قريباً من العقل والقلب؛ ومعلقة زهير قد تكون الوحيدة التي تستحق شهرة المعلقات الخيالية.
كتب الخطاطون العثمانيون القصيدة مراراً، وتداولوها في مرقعاتهم، وعلقوها في بيوتهم، وترنم بها مطربوهم. ومحاولة الصوفي التركي قدسي إرجونير، في ألبومه هذا، مثيرةٌ جداً، في تصوير كعب يلاحق سعاد: الرتم السريع في النهاية، بعد المقدمة الطللية الهادئة، ينجح في تقديم روح القصيدة، وروح العمود العربي بأكمله. أما الصلة بين الاثنين، بين التشبيب بسعاد، ومدح الرسول، فهو أمرٌ لم أفهمه يوماً.
في القصيدة شيءٌ خالد، لا يتضح تماماً فيها، ولا بما تبعها: عفو الرسول عن الشاعر الذي أساء إليه. ربما، الخلود والعفو، كلاهما، يفيضان من الوقوف على الأطلال، بما هو شعور إنساني عام، ينعي الماضي: من الرسول محمد إلى البلوز الأمريكي. أميل إلى هذا، إلى أن الحزن الذي ينضح من الأطلال، يُكمل الكون والوجود؛ يسمح للشاعر بالتعبير عن أسف دفين، غير أصيل في معظم الأحيان-أقصد أنه لا يوجد ظعائن، بل مجرد حجة كي يحكي حزنه... ولكن، أليس الأدب، كله، حجة كي نحكي أنفسنا؟
...
ليلة إعلان رفع العقوبات، كنتُ اتمشى في "باب شرقي".
فرح الناس، الهيستيري، لم يظهر تماماً في هذا الشارع العجيب، أقدم شارع في سوريا: الشارع المستقيم الذي أعاد بناءه الرومان، موازياً لشارع الحميدية، وبقي الشارعان قائمان، كأنهما يشهدان على البلد التي لا تستطيع التخلص من الماضي، ولا تريد.
وصلتْ سعادتي إلى مستويات قياسية، كأنني لا أصدّق، أن ذلك الرجل الذي لا نثق به، سيغير تاريخ البلد- نحو الأفضل. حاولتُ ضبط مشاعري. كيف؟
دخلتُ أقرب بار، وشربتُ بيرة محلية، لا نعلم إن كان الإسلاميون، حكام سوريا الجدد، سيتركون مصنعها قائماً داخل البلد.
أدردش مع صاحب البار، وأصدقائه.
يتذمرون من تكرار الأخطاء، من تجاوزات، وجرائم، مما يحصل مع أهلهم وأصدقائهم.
أدخن سيجارة، وقد أقلعت عنها منذ عشر سنين.
أحدق إلى المسجد على الزاوية: جامع العريشة، أقدم من كل الكنائس: أي أن كل الكنائس اندثرت، وأعيد بناؤها، فغدا هذا المسجد، في قلب الحي المسيحي التاريخي، أقدم منها كلها! يتناوب الأبيض والأسود فيه، بطريقة كاملة، ساحرة، هندسية.
الست تتذمر، بدلال، وأسى:
"واسأل عنك، والقلب كان غضبان منك
واحمل همّك وانا اللي طول بعدي ما همّك".
يعرض علي بيرة ثانية. أعتذر، وأغادر، بعد أن أدفع نفس المبلغ الذي أدفعه في برلين: دمشق غالية جداً، وتترنح بسبب العقوبات.
نسيم الشارع يوقظني، والفرحة، بعد ساعتين، ستملأ ساحات البلد بأبرياء عانوا من حصار خانقٍ، محتفلين بنصرٍ حققوه دون ...
...
"ميدان المستشفى بالعباسية شاهد أول لقاء لي مع الآنسة «ر». واشتعل الحوار بين الحب واليأس حتى حسمتُه بقولي: الحب وحده لا يكفي. وكان اللقاء الثاني في جزيرة الشاي، ولكنه كان مع الأرملة «ر» التي قصدتني لخدمة تتعلَّق بوظيفتها. وأيقظ اللقاء العواطف الكامنة، فتطرَّق الكلام إلى حوار بين الحب من ناحيتي واليأس من ناحيتها، حيث كانت ترعى أربعة أبناء، وحسمَت الحوار بقولها: إن الحب وحده لا يكفي!"
نجيب محفوظ. أحلام فترة النقاهة.
...
الفلسفة الهندوسية تؤمن بالعود الأبدي: فكرة أن الزمن يتكون من دورات متكررة، لا-نهائية. هذه الفكرة تتناقض مع الأديان الابراهيمية، التي تؤمن بخط زمني بسيط: بداية خلق فيها الله الكون، ونهاية صاخبة يهدم فيها الصانع ذلك البناء كله. مع الثورة العلمية، سيتحطم الكون الذي آمن به أتباع الديانات السماوية: بدلاً من كون صغير محدود الحجم تماماً، وخلف كرة النجوم الثابتة يعيش الله وملائكته، وزمنه مخطط بتأن ووضوح من طرفي البداية والنهاية، سيصبح الكون لا-نهائياً: في الزمان والمكان. بل إن إمانويل كنط سيثبت بشكل قاطع أنه لا يمكن أن نعرف هل للكون بداية أم لا.
كان الهنود، إذن، أكثر حكمة عندما جعلوا الزمن والمكان لا-نهائيين: لا يوجد نهاية للعالم. يوجد نهايات، كلها صاخبة جداً، تندلع مع ظهور أحد الآلهة، فيشنو على الأغلب، في واحدة من تجسداته الكثيرة، ليموت مع الكون، ثم يُخلق معه مرة ثانية، ونحن جميعاً، الحيوانات والإنسان والنباتات، نعود إلى حياة جديدة، وهكذا.
فجأة، في القرن العشرين، وبطريقة مثيرة جداً، قرر العلماء أن للكون بداية: الانفجار العظيم- حتى كنط (تصوّر يا رعالك الله) أخطأ في رفضه لفكرة البداية؛ وحكمة الهنود، بدورها، تبدو مستبعدة تماماً.
النهاية التي تقترب اليوم، نهايةٌ بالتغير المناخي، لا تشبه الخاتمة التي بشرت بها الأديان: سواء الابراهيمية أو الهندوسية. النهاية هذه تبدو بليدة، مملة، بطيئة، وغير جديرة بكل ذلك العمل الطويل لملايين السنين. النهايات السوداوية الصاخبة، التي تمتلئ بها الأديان، الإبراهيمية والهندوسية على حد سواء، أجمل وأرقى وأسمى، لكونٍ لم يتخلّ عنه آلهته.
...
البحر والإنسان
"لن تروّض هذا البحر
لا بالاتضاع ولا بالنشوة
ولكن يمكنك الضحك
في وجهه.
الضحك
اختُرع عبر من
عاشوا حياة مختصرة
كانبجاس الضحك.
البحر الأزلي
لن يتعلم أبداً الضحك."
آنا سوير. شاعرة بولندية.
...
جوناثان كبلر، الفلكي الثوري الفقير، الذي عاش حياته في صراعات طائفية بين البروتستانت والكاثوليك، الذي تجاهله غاليليو بنذالة، الذي أمضى سنوات عصيبة في خاتمة حياته مدافعاً عن أمه نصف المجنونة أمام محاكم اتهمتها بالشعوذة كي ينقذها من الحرق؛ كبلر هذا، كان يؤمن حرفياً بضجيج الأكوان: موسيقا خالدة تصدر عن حركات الكواكب، وكان يتوق لفهمها وشرحها وسماعها؛ موسيقا الأكوان، التي تصدر عن المهندس الأعظم، الله جل جلاله، الموسيقي المهندس السمح المتعالي. الفكرة نفسها فيثاغورية، استخدمها كبلر، بعد ان عمل على تنصير فيثاغورث، من جهة، وعلى عقلنة المسيحية، من جهة أخرى، ليخرج بفكر مشتت عميق قروسطي، سيحمل بذور الثورة العلمية.
قد تكون موسيقا الأكوان أقرب إلى الأرض مما اعتقد كبلر؛ قد تكفي سوناتا الكمان الأولى لباخ كي نسمع الله يحدّثنا بكل اللغات.
...
مرةً كل أسبوعين، أتصفح جميع إيميلات "الجانك"، قارئاً إياها واحداً واحداً، بدقة وتأنّ، علّني أجد فيها أية رسالة حقيقية تخرجني من مآزقي وإحباطي ووحدتي:
السيدة عائشة القذافي، أعانها الله، أرسلت لي عشرات الإيميلات كي أساعدها في تحصيل مبلغ 2 مليون دولار أمريكي فقط لا غير من سويسرا؛ مهندسون وأطباء ورجال أعمال آسيويون وأفارقة يكتبون لي باستمرار، طالبين مساعدة صغيرة: أن أعطيهم كامل معلوماتي البنكية مع كلمات السر وأرقام الحسابات، لنحصل على مبلغ عالق في أمريكا، يتراوح بين مئات الآلاف إلى عدة ملايين من الدولارات، مناصفة؛ فتيات من روسيا يبحثن عن حب حقيقي مع رجل ناضج خبير (متى أصبحت ناضجاً؟ وكيف عرفن بأنني، مذعوراً محبطاً، أتوغل في الأربعينيات، بدون فهم للعمر الذي مضى؟)؛ عروض لمقويات جنسية، وعشرات الطرود شديدة الأهمية، التي تنتظرني كي أستلمها، في مدن مختلفة تركتها منذ سنين؛ حكومات أمريكا وفرنسا وبريطانيا يريدون أن يعطوني ما أستحقه من عائدات الضرائب: مئات آلاف اليوروهات؛ رسالة أو اثنتان من معجبين ومعجبات: بعد كلام عجيب عن عظمتي وقدراتي الخارقة في الكتابة، التي، بالمناسبة، لم يكتشفها أي ناقد بعد، يرسلون أعمالا وقصصاً وأشعاراً، لا أقرؤها؛ عشرات العروض من أكبر محلات الالبسة: مانجو وإتش أند أم، ومن بائع زهور إيراني، ومحل مجوهرات نمساوي.
الإيميلات الحقيقية، للأسف الشديد، لا تحوي إلا عملاً مملاً ونفاقاً اجتماعياً ضرورياً وابتسامات غير صادقة و"عزيزي / عزيزتي" و"تحياتي الحارة" و"أطيب التمنيات"، و"أتمنى أن يعثر عليك/ن/م هذا الإيميل بصحة جيدة"، وغيرها من تعابير مكررة لا تعني شيئاً.
حياتنا تجري بين الحقيقي والوهمي: الأول ممل ممض شديد الوطأة غث كئيب؛ والثاني عجيب غريب مثير، غير أخلاقي، كاذب ذكوري عنصري يميني.
وعلى العكس من معظم أدب وفلسفة القرن العشرين، وقرننا الحادي والعشرين الحار الصفيق، أعتقد أن التمييز بين الحقيقي والوهمي واضح بسيط مباشر، وأنه لا يلتبس الأمر أبداً بينهما: الخلط بين إيميل السيدة القذافي وإيميل حكومة السويد التي تطالب بمبلغ 20 دولار مستحيل تماماً.
ولكنني، مرةً كل أسبوعين، أتصفح جميع إيميلات "الجانك"، قارئاً إياها واحداً واحداً، بدقة وتأن، لأغوص في الأوهام، كالسندباد البحري، حالماً بالعثور على إرم ذات العماد!
...
"لقد نما جناحاه كثيراً.
ينبغي أن يقصهما
في ذلك الدكان الصغير
لحلاق المحلة
متجنّباً النظر
في المرآة."
يانيس ريتسوس. 82 ثانية.
...
كان الرواقيون يفضلون إلهاً يشبه إله المتصوفة: موجود في كل مكان ويتدخل في حياة الناس ويرسل لهم رسائل وإشارات، في كل زاوية وزقاق وعطفة وطيران عصفور، ما فتح الباب واسعاً لكل أنواع الخرافات والنذور وقراءات الطالع. نيوتن -أيضاً- كان يفضّل هذا النوع من الآلهة. وبالطبع، أولئك الذين -على عكس نيوتن- لم يرتاحوا في العالم الحديث وعلومه، من الرومانسيين كويليام بليك، إلى دوستويفسكي، وكيركيجارد، وكل المتدينين المتشددين، وأقرانهم من أصحاب الطب البديل وخرافاته العجيبة.
على النقيض من هؤلاء، لايبنتز وديكارت كانا أقرب إلى الحنابلة وشيخ الإسلام ابن تيمية في هذه القضية، وكذلك آرسطو، وأبيقور، وكونفوشيوس: أي تداخل مع الله في العالم المخلوق كان مرفوضاً عندهم تماماً، وبالتالي، كل انواع المقامات والأولياء والقديسين لا معنى لها.
لا أعلم أي نوع يمكن للمرء أن يتعلّق به، بجدية يستحقها تعبُ العالم وأساه الذي لا ينتهي: الإله المنطقي، بتقشفه في التواصل؛ أم الإله الشعبي، ببذخه في الرسائل؟
...
"صدر البنية نعش
والنعش حاملني
يا حاملين النعش
إمشو شوية شوية"
من إغواءات صباح فخري، ممثلاً لإيروتيكية مهذبة، شاعرية، متشائمة جداً- يضيفها إلى واحدة من أشهر الأغاني الشعبية الشامية، وألطفها، وأدقها حكمةً: "ميلي ما مال الهوى".
في هذه الحفلة الاستثنائية، التي تطول أكثر من 4 ساعات (موجودة على اليوتيوب)، يغني الرجل بعضاً من الروائع التي يخفيها عن جمهوره عادةً- ربما، لأنه كان مرتاحاً مع ابن مدينته وصديقه القديم الحلبي، المخرج مصطفى العقاد، الذي دعاه إلى الولايات المتحدة ليغني له في ذكرى زواجه.
يختتم صباح فخري الحفلة بما يشبه المارش العسكري، على لحن "طلع البدر علينا"، في تحية آسرة للعقاد، الذي أخرج "الرسالة"، الفيلم العربي الوحيد الذي يعرض سيرة الرسول.
ولكن الفيلم لم يشفع للحلبي/الأمريكي، الذي سيختم حياته قتيلاً، بالصدفة، في تفجير إرهابي في عمّان، مع ابنته المدللة: تفجير لم يكن يستهدفه بالأصل، ليكون موته مجانياً وعبثياً، أكثر حتى من عبثية الموت العادي.
مع وفاة صباح فخري، فقد السوريون أيقونة أخرى تجمعهم، وبقي التشاؤم وحده قائماً، في عالم مليء بتفجيرات مجانية ونعوش في كل مكان.
ولكن، يبقى لشاعرية الكلمات، وجدّيتها الإيروتيكية المدهشة، وأصوات صباح فخري، معنى قد يحيا خلف كل ما يجري.
...
يعتقد الكثير من الغربيين بأن الكلمنيتنا/اليوسف أفندي مرتبطة بالشتاءات الطويلة، والثلوج، وموسم عيد الميلاد. أخبرتني صبية مقربة، بأن رائحته تنعنش روحها، تجعلها تشرئب إلى المستقبل، وفي نفس الوقت، تجرّ كل ذكريات عيد الميلاد من طفولتها، مع أبيها الدمث، الحنون، المكتئب. منذ طلاقه عن أمها، زادت دماثته، ورقته، واكتئابه.
أقشّر واحدة، وأراقب الشرايين البيضاء، تخيط قشرة الكون إلى قلب الله، ثم تتمزق، وتتلاشى، وتتشتت: قدرها المكتوب في اللوح المحفوظ.
الحمضيات تنمو في سواحل الأبيض المتوسط، بكثرة ووفرة، ولا تعنيها مشاعر الأوروبيين وأحزانهم وأشجانهم. تنمو هنا، وتزين المدن والأرياف، بلونها البرتقالي أو الأصفر أو تدرجاتهما الكثيرة، كقبلة صباحية شهوانية.
أقشّر واحدة أخرى، وأنا جالسٌ في حديقة الجاحظ، في دمشق المنهكة، في مساء شتوي دافئ، في سفح قاسيون الإلهي- مقر الأنبياء والأولياء، في ذاكرتي المترددة بين الماضي البعيد السوري والماضي القريب الأوروبي، في قشرة الأمل، في ابتسامة أمي غير المصدّقة بعد لعودتي من الشمال البارد، في تعب الريفيين القادمين إلى العاصمة، في قلب الله، في برتقالة الشمس تغيب في أفقٍ لا يتعب من التهامها يومياً بمرح!
