هوامش

سيوف مثلومة

"The Intervention of the Sabine Women" (1799) by Jacques-Louis David

عدي الزعبي

كاتب من سوريا

وبمصادفة تعسة، بقي بيته الأشهر ملتصقاً به: خلّده وخلّد الخليفة. لا مضمون البيت يطابق شهرة الحوراني المبنية على البديع، ولا معناه يقترب من حياة الخليفة الأهوج اللاهية في سامراء، عاصمته الجديدة التي بناها ليسكن فيها جنوده الأتراك. 

للكاتب/ة

توفي أبو تمام قبل أن يبلغ الأربعين. لم يعش الحياة، أو يفهمها، أو يحبها، إلا من خلال ثورته الشعرية: لم يعشق، ولم يتفلسف، ولم يدخل السياسة، ولم يهتم بالماورائيات، ولا ببدايات الصوفية، ولا بالأوطان. لاحق الشعر وحده فقط. 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

08/08/2025

تصوير: اسماء الغول

عدي الزعبي

كاتب من سوريا

عدي الزعبي

السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ                في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في             مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ

البيت الشهير، الذي يقتبسه البعض في سياق المعارك، للرفع من السيف والعنف على حساب التأمل والتروّي، والتأكيد على أسبقية الفعل على الفكر، وعلى إعلاء القلم على الرمح، لا صلة له، لا من قريب ولا من بعيد، بمثل هذا الفخر الفروسي الأجوف! 

البيت يسخر من شيء آخر تماماً: التنبؤ، والمتنبئين، وأصحاب الخرافات. وفي الزمن الذي اختلط فيه الإيمان بالأبراج بعلم الفلك، تغدو صرخة أبي تمام علمية وعقلانية وتقدمية، وليست هوجاء مدفوعة لحروب لا تنتهي. 

يتابع أبو تمام قصيدته:

أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما                   صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ

تَخَرُّصاً وَأَحاديثاً مُلَفَّقَةً                              لَيسَت بِنَبعٍ إِذا عُدَّت وَلا غَرَبِ

عَجائِباً زَعَموا الأَيّامَ مُجفِلَةً                        عَنهُنَّ في صَفَرِ الأَصفارِ أَو رَجَبِ

وَخَوَّفوا الناسَ مِن دَهياءَ مُظلِمَةٍ                            إِذا بَدا الكَوكَبُ الغَربِيُّ ذو الذَنَبِ

وَصَيَّروا الأَبرُجَ العُليا مُرَتَّبَةً                             ما كانَ مُنقَلِباً أَو غَيرَ مُنقَلِبِ

يَقضونَ بِالأَمرِ عَنها وَهيَ غافِلَةٌ                         ما دارَ في فُلُكٍ مِنها وَفي قُطُبِ

لَو بَيَّنَت قَطُّ أَمراً قَبلَ مَوقِعِهِ                             لَم تُخفِ ما حَلَّ بِالأَوثانِ وَالصُلُبِ

قرأ الحوراني المبدع قصيدته على الخليفة، بعد أن ثبّط منجمو القصر الجيش، ونصحوه بالنكوص، لأن حسابات النجوم أكدت أن الخسارة ماحقة قادمة. لم يستمع الخليفة إلى المنجمين، ومضى في معركته ضد البيزنطيين، التي أحرز فيها نصراً حاسماً، مفقوداً منذ زمن، ولم يُبن عليه الكثير بعد ذلك. 

مع صعود القومية العربية، أصبح البيت الشهير يتردد باستمرار، لتجييش الناس في معاركهم وخلافاتهم. ولكن اختيار المعتصم، تحديداً، ليجسّد روح القوميين المجيدة، يبدو مخالفاً كلياً للتاريخ. في الحقيقة، كان الخليفة ألعوبةً بيد عسكره الأتراك، وهؤلاء من قادوا الحروب، مع تراجع الدور العربي والفارسي في الجيوش، الدور الذي لن يستعيدوه بعد ذلك. (جيوش الحمدانيين والفاطميين كانت تعتمد على الغلمان الأتراك وغيرهم من المرتزقة، في حين كانت جيوش السلاجقة والأيوبيين تعتمد على مقاتلين أحرار، من القبائل الكردية والتركية، مثلما كانت جيوش العرب في الفتوحات الأولى). سيبقى نظام المعتصم قائماً في الدفشرمة العثماني، آخر ممثل لهذا النظام، النظام القائم على خطف أطفال من أهاليهم، ليتحولوا إلى عماد الجيوش المحاربة. أكثر من ذلك، كان المعتصم سكيراً أهوج، تابع حماقات المأمون في اضطهاد أهل السنة من أجل فرض مذهب المعتزلة، ولم يكن مثقفاً كالمأمون ولا متديناً مثله. 

ارتبط اسم أبي تمام بالمعتصم، بسبب القصيدة العصماء هذه تحديداً. أيضاً، هذا الربط مخل بالحقائق، فقد كانت علاقة الرجلين قصيرة، سريعة، مخلخلة. لا الخلافة كانت قادرةً على الاحتفاظ بالشاعر الرحّالة، ولا الشاعر شعر بالراحة في دارها. فقد كانت بغداد (وسامراء) محطة مؤقتة، تابع بعدها شاعرنا سفره الدائم، القلق، في عالم لم يعرف كيف يجد فيه نفسه، وهو يغيّر صور الشعر العربي ومعانيه وألفاظه، بتصميم وتخطيط لا سابق لهما:

ما اليَومُ أَوَّلُ تَوديعٍ وَلا الثاني               البَينُ أَكثَرُ مِن شَوقي وَأَحزاني

دَعِ الفِراقَ فَإِنَّ الدَهرَ ساعَدَهُ                  فَصارَ أَملَكَ مِن روحي بِجُثماني

خَليفَةُ الخِضرِ مَن يَربَع عَلى وَطَنٍ                 في بَلدَةٍ فَظُهورُ العيسِ أَوطاني

وشاعرنا الحزين لم يبحث في خلافات الشيعة والسنة والمعتزلة، على العكس من أبي نواس، والمعري، والشاعر السني علي بن الجهم والشيعي دعبل الخزاعي. يبدو الحوراني هذا بعيداً عن السياسية، وعن الدين. أحياناً، يتبدّى لي قريباً من مذهب الفن للفن، المذهب الذي قد يكون أقرب إلى احتجاج على تحويل الأدب إلى بروباغندا اجتماعية أو سياسية منه إلى مذهب متكامل. وهذا المذهب اقترب منه النقاد العرب القدامى، كالجاحظ؛ فقد قالوا "أصدق الشعر أكذبه": ليتحوّل الشعر إلى تسلية للحكام والولاة والنقاد. على أن أبا تمام، الثائر في الأدب، جعل الصور البديعة لوحة ساحرة زاخرة بالتجارب للمعنى، ليغير حتى معنى مذهب الفن للفن.

لمع نجم أبي تمام من قرية مسيحية سورية، ونجهل تماماً بداياته. ولكن، لا بأس من تكرار ما قيل. كانت المنطقة ما تزال موزعة بين المسيحيين والمسلمين، وبين لغات السريانية والعربية واليونانية. ربما، أتقن أبو تمام أكثر من لغة. فهو في موطن الغساسنة، في قلب التداخل العربي/البيزنطي. عروبة قبيلته الشهيرة لا تتناقض مع هذا التداخل العجيب، في هذه المنطقة. واحتمال كونه غير عربي، بالأصل، قائم، بالطبع. 

على أن التشديد على مسيحيته، ويونانيته، واطلاعه على الشعر المختلف عن العربي السائد، لا تبدو لي كفرضيات مقنعةٍ. لا يوجد في الشعر البيزنطي ما يوحي بتعقد الصور، ولا تحمل البديع الساحر الذي نوّر به أبو تمام حياتنا. بل يبدو الافتراض مناقضاً للواقع: على العكس، عبقرية أبي تمام تنبع من داخله، من الشعر العربي، ممن سبقه من شعراء العربية، ومن القرآن الكريم. وسيقوم هو نفسه بالتدليل على ذلك في مختاراته الخالدة من الأشعار العربية القديمة: "الحماسة"، بصورها الباهرة. وسيلتقط تلك الفكرة، بشكل أوضح، ابن المعتز، الخليفة الشاعر الذي حكم ليوم واحد، قبل أن يُسحل وتفقأ عيناه: البديع، أي استخدام التشابيه والصور العجيبة، تقليدٌ عربي قديم موجودٌ منذ البدايات. 

شكّل أبو تمام طليعة المذهب الشامي، الذي رفض التبسيط والسهولة والخلاعة القادمة من العراق. ويبدو الانقسام بين الشوام والعراقيين معقداً، ولا يمكن تبسيطه. عرقياً، وبشكل مفهوم، يشكل الفرس وزناً في المذهب العراقي، والعرب في المذهب الشامي. ولكن لا يبدو أن هذا الأمر لعب دوراً محورياً، بل الحياة السهلة البغدادية، والتقشف الشامي، لعبا دوراً أوضح. مذهبياً، اختلط السنة والشيعة بين الفريقين: أبو تمام تجاهل الأمر برمته، ووقف مع السلطة، أية سلطة، في كل مكان وزمان. 

أشار ابن المعتز إلى وجود البديع قبل أبي تمام. ولكن يبقى أن ما قدمه أبو تمام فريدٌ تماماً في تاريخ الشعر العربي، وجديداً. عاد إلى بينة القصيدة التقليدية، بعد أن كسّرها العراقيون، ولكنه جدّد في المعاني بطريقة لا مثيل لها قبله أو بعده. يبدو الرجل مأخوذاً بالمعنى، على حساب الشكل. 

اشتُهرت المدرسة بأربعة أسماء: مسلم بن الوليد، وأبو تمام، والبحتري، والمتنبي. وربما، المعري. الأول عراقي المنشأ، والأربعة الآخرون شوام. وحده أبو تمام جعل المعنى شغله الشاغل، وتفوّق على كل أقطاب المدرسة في بديعه. يبدو المتنبي تلميذاً مملاً أمامه، والبحتري خان المدرسة بسهولته المحكمة، والمعري حوّر معناه إلى مبناه: كأنه فهم أنه سيتوّج الشعر العربي بخاتمة تليق به: رفض المذهب الشامي التقليدي في بنية القصيدة، واستعار منه العنفوان والتأمل والمعاني العميقة. 

سيجعل بدر شاكر السياب وأدونيس من أبي تمام بطلهما. وكلاهما محق. في واحدة من مقابلاته، يقارن أدونيس، بذكاء، بين أبي تمام وبودلير، ويحكامهما: الكثير مما قدماه لم ينجح، ولكن القليل يكفي ليجعلهما يشعان في سرمدية الكون. كما أنهما فتحا أبواباً على معنى الشعر، لن تُغلق بعد الآن. وخصص له طه حسين مكانةً مميزة، وفضّله على المتنبي. في حين وضعه الناقد العراقي فوزي كريم في زمرة المتنبي: شعر متعجرف معقد. 

توفي أبو تمام قبل أن يبلغ الأربعين. لم يعش الحياة، أو يفهمها، أو يحبها، إلا من خلال ثورته الشعرية: لم يعشق، ولم يتفلسف، ولم يدخل السياسة، ولم يهتم بالماورائيات، ولا ببدايات الصوفية، ولا بالأوطان. لاحق الشعر وحده فقط. 

وبمصادفة تعسة، بقي بيته الأشهر ملتصقاً به: خلّده وخلّد الخليفة. لا مضمون البيت يطابق شهرة الحوراني المبنية على البديع، ولا معناه يقترب من حياة الخليفة الأهوج اللاهية في سامراء، عاصمته الجديدة التي بناها ليسكن فيها جنوده الأتراك. 

استل أبو تمام حياته من الشعر- لا من الحياة. وغادر دنيانا مبكراً جداً، تاركاً الدهشة وراءه، ومجموعة معقدة من أبيات الشعر التي لا تلامس القلب إلا قليلا، أو تكسره بصورها المريعة:

مالي أَرى الحُجرَةَ الفَيحاءَ مُقفَلَةً               عَنّي، وَقَد طالَما اِستَفتَحتُ مُقفَلَها

كَأَنَّها جَنَّةُ الفِردَوسِ مُعرِضَةً                   وَلَيسَ لي عَمَلٌ زاكٍ، فَأَدخُلَها

الكاتب: عدي الزعبي

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع