هوامش

مغامرة محسوبة (مراجعة قلوب مكبولة)

The Combat of the Giaour and Hassan. 1826. Eugène Delacroix

عدي الزعبي

كاتب من سوريا

وهذا يقودنا إلى استخدام القرآن. تفتتح الكتاب بآية قرآنية مؤثرة، وتقرأ في قصة أبي العتاهية عدة آيات. وتظهر التأويلات الدينية في قصص بشار وأبي نواس. ولكنك تتهرّب منه في أحيان أخرى، حيث أجده مناسباً (في قصة كعب بن زهير، على سبيل المثال). مرة أخرى، يبدو لي أنك لم تلتزم بالانضباط الشكلي، في مجموعة قائمة على مفهوم الانضباط. 

للكاتب/ة

في النهاية، استمتعتُ بقراءة المجموعة، ودفعتني إلى التفكير في مواضيع كثيرة، ثقافية وأدبية وتاريخية. وربما، لم أجد فيها ما كنتُ أتوقعه. 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

25/07/2025

تصوير: اسماء الغول

عدي الزعبي

كاتب من سوريا

عدي الزعبي

فيما يلي رسالة أرسلها لي أحد الأصدقاء، وتتضمن ملاحظاته عن كتابي "قلوب مكبولة". صديقي روائي، رفض ذكر اسمه، لأسباب شخصية، وسأدعوه البهلول (البهلول في اللغة: السيد الجامع لصفات الخير)، وقد اقترحتُ عليه أن ننشر رسالته كمراجعة، بسبب قلة المراجعات (أو انعدامها)، فوافق بعد لأي، كما وافق على اسمه المستعار البريء، بل وفرح به جداً.

حذفتُ من الرسالة (بموافقته)، المقارنات بيني وبين كتّاب آخرين، وانتقاداته الهادئة لبعض الأصدقاء وكتبهم، كما أسقطتُ بعض الملاحظات الشخصية عني وعنه. 

...

العزيز عدي،

قرأتُ مجموعتك القصصية الأخيرة، قلوب مكبولة، قبل أيام. بصراحة، تردّدتُ قبل أن أكتب إليك. عندي بعض الملاحظات القاسية، ولكن أعجبني الطرح والموضوع والطريقة. على أية حال، أتمنى أن تقبل هذه الملاحظات بقلب مفتوح، وأن تقرأها بجدية. أعرف جيداً كم تخشى النقد، وكم يهزّك التشكيك بما تكتب. ربما، حان الوقت كي تنصت. لذلك، كتبتُ لك هذه الرسالة، بهدوء وروية، بدلاً من الكلام. حاولتُ فيها جاهداً أن أركز على النقاط الرئيسة والعامة، مع القليل من التفاصيل. 

أولاً، الكتاب ككل. أقصد الموضوع، وطريقة تناوله. يعالج الكتاب الشعر العربي، منذ بداياته، إلى قمته (أو ما تعتبره أنت البداية: كعب؛ والقمة: أبو العلاء)، من خلال 12 قصة قصيرة، تتناول كل منها شاعراً، بطرق متعددة. يبدو لي الاختيار مناسبٌ تماماً للحاضر، ولما نعيشه. الماضي حاضرٌ، والحاضر ماضينا. هذا، بالطبع، ينطبق على كل الأمم، والشعوب. لا نستطيع فهم أنفسنا إلا بفهم ما مضى. وفي هذا الاختيار تمرد على ما هو سائد في الأدب المعاصر، السوري تحديداً، من التركيز على الحاضر وسياساته. 

ويبدو لي أنك قررت ألا تكرر ما يفعله أدباء هذه الأيام، من محاولة تغيير رؤيتنا إلى الماضي، من خلال انتشال أشخاص أقل شهرة، للكلام عنهم كأنهم الأكثر أهمية؛ ومن خلال هذه العملية، الادعاء بأنهم يقومون بعمل مميز ومتمرد، وبأن كامل الثقافة العربية كانت مخطئة في تناولها وتقديسها لأشخاص معينين مكرّسين، وأن ما حركها دوماً إيديولوجيا محددة، والكاتب الثوري سيقوم بتغيير ذلك. (حذف عُدي الأمثلة، عندما قرر نشر رسالتي). 

دعني أؤكد، إذن، على هذه الملاحظة الثانية، وهي أنك ابتعدت عن هذه الطريقة في التعاطي، طريقة "تمرد الغائبين". على العكس تماماً، كل أبطال المجموعة مكرسون تماماً. لا يوجد أية شخصية هامشية، أو غائبة، أو مغيّبة. كأنك تريد القول إن تكريسهم لم يكن خاطئاً، بل محقاً. كأنك تريد القول إن الإضاءة على شخصيات هامشية ليس تثويراً، وأن ما هو مكرّس يستحق الدراسة، أكثر، لأنه يكشف أكثر. تابعتُ بعض مقالاتك عن الموضوع، كما في "عسكر الحب" عن أبي نواس، و"هوامش على دفاتر دمشقية" عن نزار قباني. 

وأنا شخصياً متردد في هذا الأمر. أعتقد أن قراءة، وإعادة قراءة، المكرسين، مفتاح لفهم الثقافة. ولكنني لا أرفض فكرة "تمرد الغائبين"، كما يبدو لي أنك ترفضها. كتابك، في اختياراته للشعراء، محافظٌ تماماً. 

الملاحظة الثالثة العامة، قبل الدخول في التفاصيل، عن شكل القصص. القصة قصيرة، لا تتجاوز الألف والثلاثمائة كلمة. كأنك حصرتَ نفسك في هذا السجن، في لزوم لا يلزم. وبهذا، يكون الكتاب مغامرة شكلية، مسلية جداً، ولكنها محفوفة بالمخاطر؛ إذ تتحوّل القصة إلى تدريب، وتجريب، وتكثيف. وكل كلمة يجب أن تكون محسوبة، ومناسبة. هذه مغامرة لطيفة، لم تنجح فيها دوماً.

إذن، لألخّص الملاحظات العامة الثلاث: الموضوع جديد (الشعراء العرب القدامى)؛ الاختيار محافظ (شعراء مكرسون، ذكور، مشاهير)؛ الأسلوب تجريبي جداً، حداثي بشكل مبالغ به (حجم القصة محسوب كأنك في درس رياضيات).

 

 

ننتقل الآن إلى التفاصيل.

هل نجحت القصص، المضبوطة في حجمها، في إعادة قراءة الشعر العربي القديم، أو في تقديمه بشكل مختلف؟

أنا شخصياً أعجبتُ بثلاث قصص: أبو تمام، والفرزدق، وديك الجن. 

المغامرة الشكلية تتجلى هنا بنجاح، وتحقق الاختراق الذي تدّعيه. العلاقة بين الشعر والشاعر، تتبدّى من خلال الثلج- في الأولى، والذئب- في الثانية، والجني- في الثالثة. القبض على الشكل، بإحكام، ممتع ومهذب وصارم. 

على العكس، تكاد تغيب العلاقة المباشرة مع الشعر، في قصتي المتنبي والعري. وهذا مما يؤسف له. بل تخلو القصتان كلياً من أي بيت شعري، لأشهر شاعرين! اعذرني: هذا غريب، وغير مقنع. 

غريب، حين يفكر المرء في القصيدة الطويلة جداً التي دبّجتها، كاملة تقريباً، في قصة أبي العتاهية. وهذا يجعل القارئ يحس بالارتباك، وبعدم الاتزان. يبدو لي أنك لم تستخدم الشعر بشكل متوازن، وتركت القصص تقودك. على أن المغامرات الشكلية، كهذه بالتحديد، يجب أن تخضع للمزيد من القيود، طالما أنها بالأصل مغامرة شكلية، وليس للانفلات الأمني. 

وهذا يقودنا إلى استخدام القرآن. تفتتح الكتاب بآية قرآنية مؤثرة، وتقرأ في قصة أبي العتاهية عدة آيات. وتظهر التأويلات الدينية في قصص بشار وأبي نواس. ولكنك تتهرّب منه في أحيان أخرى، حيث أجده مناسباً (في قصة كعب بن زهير، على سبيل المثال). مرة أخرى، يبدو لي أنك لم تلتزم بالانضباط الشكلي، في مجموعة قائمة على مفهوم الانضباط. 

بقي عندي تعليقان. الأول عن استخدام التاريخ، والثاني عن البطولة والأنسنة. 

إلى درجة كبيرة، تلتزم بالدقة التاريخية. هكذا، تصبح القصص منضبطة بما كانه هؤلاء الشعراء، وليس بما تتخيله عنهم. وهذه نقطة مفزعة، أقصد أن تكبح الخيال لمصلحة الحقيقة. ولقد فكرت مراراً بالسبب الذي يجعلك خاضعاً لثقل التاريخ، بدلاً من تحريره، خصوصاً أنها الفرصة المثالية للانطلاق، لإعادة الكتابة، للخلق. من الغرابة بمكان أن تلتزم بما لستَ مضطراً للالتزام به. أم أنك لا تكترث بالإبداع، بالتحرر من الماضي، بتسطير بدايات أخرى؟ هل تريد للتاريخ أن يُفهم، كما هو، وليس كما يمكن له أن يكون؟ 

الأمر الأخير، يتعلق بالشخصيات التاريخية العادية. يتبدّى معظم الشعراء كبشر مثلنا، بدون مبالغات رومانسية (أي الحركة الرومانسية التي جعلت الفنان ناطقاً باسم الحق والعدالة والقوى الماورائية، وحده، كأنه نبي)، أو بطولية. يرتبط هذا الأمر بالدقة التاريخية. لاحظ معي، أنه حتى في كتب التراث (راجع الأغاني)، للشعراء شخصية مميزة، خاصة، خلّاقة. نزوعك لأن تنزع عنهم كل هذا، لتجعلهم بشراً، عاديين، مثير للتفكير وللنقاش، ولكن غير مقنع تماماً. وأنا أتردد في هذه النقطة: هل انحيازاتك الإيديولوجية، ضد الرومانسية والبطولة، دفعتك إلى إحباط الشخصيات؛ أم أن الشخصيات، تاريخياً، كانت محبطة، ومتوترة، وقلقة-على عكس ما يدّعي أبو الفرج الأصبهاني وأمثاله؟ أم الأمران معاً؟ 

في النهاية، استمتعتُ بقراءة المجموعة، ودفعتني إلى التفكير في مواضيع كثيرة، ثقافية وأدبية وتاريخية. وربما، لم أجد فيها ما كنتُ أتوقعه. 

وقد يكون هذا جيداً، في الحقيقة. 

محبتي وصداقتي

البهلول

الكاتب: عدي الزعبي

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع