التقيتُ صنع الله إبراهيم مرةً واحدة، في دمشق. للدقة، لم نلتق. سلّمت عليه، وتلعثمتُ وأنا أصف مشاعري المتدفقة، وألوّح بيديّ تعبيراً عما لا يمكن قوله، مردداً كلاماً مفككاً عن عظمته. لم يرتبك. نظر إلي بملل شديد. كنا مجموعة من الشبان، في بداية العشرينيات، نبحث عن أي شيء نتمسك به. وصنع الله قدّم لنا الكثير: القدرة على الرؤية، والكتابة، والصدق، في عالم ينهار حولنا.
لم نلتق، إذن. بل تقاطعت دروبنا لدقائق قصيرة، على صعيد شخصي؛ ولعقود طويلة، على الصعيد الأدبي.
اعتذر بصدق، عندما دعوناه لكأس شاي في أحد مقاهي دمشق. لم يكذب، لم يخترع قصة ليهرب منا. ببساطة، قال إنه يريد أن يرى دمشق، أن يتعرّف عليها، إذ لم يزرها من قبل. والطريقة الوحيدة ليفعل ذلك، هي أن يمشي في شوارعها، وحيداً، أن يضيع فيها.
انسحب سريعاً.
راقبتُه، وهو يختفي في الزحام: قصيراً، نحيلاً، تتقاذفه أكتاف الشباب، ولكنه يمشي بينهم بثقة لا تناسب حجمه الضئيل.
كان صنع الله مدرسة نفسه. متفرّد تماماً. في الكتابة، ابتعد عن خزعبلات التلاعب اللغوي، ومال إلى تقريرية مباشرة، تسجيل اللحظة، توثيقها، بلغة الجرائد اليومية: التوثيق الأدبي للواقع. وأضاف إليها، ما تقوله الجرائد والمجلات: التوثيق بمعناه الحرفي. تلك اللعبة البسيطة، أن يمزج الوثائق بالرواية، اقتضت مجهوداً هائلاً، في جمع آلاف الجرائد والمجلات، ومتابعتها: جعل منها ملحه اليومي، وعمود الروايات. فجأة، حقق صنع الله ما عجز عنه الآخرون: الدخول إلى صميم الواقع، من خلال تلك اللعبة. وتقتضي اللعبة الكثير من الحنكة، والخبث. كررها مرات، ونجح في معظم محاولاته. أصبح العالم يتفتّح بين يديه بسهولة مثيرة: بين ما تقوله الصحف، وما تعيشه الشخصيات؛ بين العام والخاص؛ بين السياسيات العامة والرسوم الاقتصادية البيانية والخطط الكبرى، والمشاكل اليومية والمنغصات والهزائم الصغرى. نجح صنع الله في اختراق الواقع، وكان نجاحه مبهراً، إلى درجة أنه لم يكن له تلاميذ يجرؤون على مقاربة أنموذجه الجاهز!
بقي يسارياً عنيداً. ربما، كانت حياته شاهداً نادراً على ما يمكن لليسار أن يحققه. أقصد المثقف اليساري. هل فكرتَ في أن تلك التجربة المذهلة في التوثيق الروائي، مترابطة بإحكام، مع قناعاته اليسارية؟ أجل، تماماً. الشكل يتبع الإيديولوجيا. وهذه المرة، لا يعني ذلك تشويهاً أو قسراً للشكل. على العكس تماماً: إخلاص صنع الله لقيمه اليسارية سهّل له تحويل الإيديولوجيا إلى نبع يستقي منه أشكاله الأدبية. وهذا، برأيي، قد يكون الدرس الأهم لحياة الراهب اليساري الطويلة. الإخلاص اليساري ينعكس على الشكل الأدبي ذاته. والموهبة، بالطبع. والعمل المستمر الطويل، بصمت. العمل كأنه عامل، لا متبطل مثقف برجوازي. العمل كراهب. بعيداً عن الأضواء، ببطء، بهدوء، بعزلة.
كانت تجربته الروائية محاولة حداثية، لفهم الكتابة، وفهم البلد. تابع تجربته الصحفية/الروائية/التوثيقية خارج مصر، في لبنان وعُمان. منطلقاً من يساريته أولاً، ومن حروب الآخرين التي لا تنتهي. ربط الحداثة الأدبية بالتجربة الشخصية، بالنضال الوطني. لم تكن الكتابة بالنسبة له بروباغندا مملة، أو دعوة مجردة إلى فلسفته؛ كما لم تكن مجرد تجريب أدبي فارغ. قرر أن يمزج التجربتين، النضال والكتابة: وبقيت لنا من محاولاته روائع واثقة.
قبل أن يهرب منا، أمسكتْ به مجموعة من الكتاب السوريين والمصريين واللبنانيين والعراقيين. كانت زيارته تلبية لدعوة من مؤسسة المدى للثقافة، في مهرجان صاخب، استضافت فيه نحبة من المثقفين. وقف صنع الله بينهم، غاضباً، نكداً، كمراهق ملول، ولكن بتهذيب.
كانوا يحلفون عليه أن يرافقهم إلى العشاء، وكان ملزماً به، لأنه قبل الدعوة إلى المهرجان. لا أذكر ما قاله في الندوة الأدبية، ولا أتذكر حتى موضوعها. ولكنني أتذكر جيداً إصراره على الهرب. المجموعة تضم وزراء، ومدراء، وكتّاب السلطة، ومعارضين لا يختلفون بشيء عن فقهاء السلطة، وضابط مخابرات، بالإضافة إلى كتاب حقيقيين موهوبين خلوقين. وصنع الله مذعورٌ بينهم. يكاد يختفي في الأرض، وهم يتنازعونه، ضاحكين، كشياطين حول بوذا. احتمى بنا، متذرعاً بأنه وعدنا بسهرة ثقافية؛ وسحبناه من بين أفواههم، قبل أن يغدر بنا، وينطلق وحيداً. كانت نهاية التسعينيات او بداية الألفية الجديدة. وعثرنا علينا لاحقاً، يمشي بعيون مفتوحة تبتلع المرئي والمخفي، كأنه شبح في خريف أصفر؛ ونحن نلعب الورق في مقهى شعبي في شارع 29 أيار. سلّم علينا بحرارة، وألقى نكتة عن العشاء الذي فاته، واختفى مجدداً.
أحياناً، أستذكره وأنا أكتب. تحديداً، عندما أكتب قصصاً أو نصوصاً، ويختفي فيها صوتي، لأترك المكان والشخصيات تعيش وحدها، كأنني كاميرا دون مصوّر خلفها، دون شخصية، دون أفكار. لم أستخدم التوثيق الصحفي، أو غير الصحفي، في كتاباتي. ولكن الحيلة الثانية، حيلة عين الكاميرا المتحركة- حيلة استخدمها صنع الله كثيراً- جذبتني، دون أن أفكر في أصلها. أحد الأصدقاء أشار إليها، سائلاً عن قصتي، "ليل ميسون". وفجأة، لمع في ذاكرتي صنع الله.
أدين له بأكثر مما كنتُ أتوقع.
ليس فقط الكاميرا. ولكن، أيضاً، شجاعة التجريب المستمر، والعناد غير المنطقي في التشبث بالأحلام اليسارية، ومحاولة أن أكتب أدباً ليس دعائياً، ولكنه ملتزم. وأخيراً، التحفظ اتجاه (أو احتقار؟) السلطات بكل أشكالها، والتهرب من الشخصيات الكبيرة، والاجتماعات، والعلاقات العامة: رهبنة شيوعية بسيطة.
وفي النهاية، بعد نجيب محفوظ، قلة من الكتّاب حققوا اكتفاءً يجاور عظمة محفوظ. فردانية موهوبة، تفرد ظلالها الرحيمة علينا، في سعير أوطان لا تني تلتهب تحت أقدامنا.
