منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة، تواجه المرأة الفلسطينية أ أقسى تبعات الجريمة وأكثرها إيلاماً، وبحسب تصريح للممثلة الخاصة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين؛ فإن نساء غزة يتحملن العبء الأكبر للحرب. ذلك أن معاناتهن ما تزال قائمة رغم "وقف" إطلاق النار الهشّ؛ إذ تعيش آلاف النساء دون مأوى في أوضاع غير إنسانية ويفتقرن إلى الأمان وأبسط مقومات الحياة الكريمة من طعام ومأوى، في ظل انهيار شامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والوقود. أما من أُصبن أو فقدن أطرافهن، فلا زلن محرومات من الحصول على رعاية طبية لائقة أو من الانخراط في برامج لإعادة التأهيل وتمكينهن من استعادة حياتهن السابقة. وفي المقابل، تعاني أخريات من فواجع الفقد في واقع قاسٍ يحرمهن فرصة التعافي، بينما يُطلب منهن في الوقت ذاته مواصلة دعم أسرهن والقيام بأدوارهن المنزلية ورعاية أفراد العائلة، فقد وجدت العديد من النساء أنفسهن أمام سيل من المسؤوليات الإضافية والجديدة، على هامش معركة يومية صعبة، بعد أن فقدن المعيل الوحيد وأُلقيت على عاتقهن مهام جسيمة بلا مصدر للدخل، وتضاعف عدد الأرامل والثكالى في القطاع المدمر والمحاصر.
في خضم المنازل المهدمة، والتهجير، والجوع، وأصداء القصف المستمر، تبرز النساء الفلسطينيات في قطاع غزة ليس فقط كناجيات، بل كفاعلات نشطات في المقاومة وإعادة البناء، حيث لعبن دوراً حيوياً خلال الهجمات المتكررة على غزة. بالنسبة للعديد منهن، أصبح التكيف ليس مجرد غريزة، بل استجابة مؤيدة للحياة أمام الانهيار، فصورة النساء الغزاويات لا تقتصر على الحداد أو الانتظار؛ بل هي صورة مقاومة هادئة وحازمة. وبينما يتحملن العبء النفسي العميق للعدوان، إلا أنهن بعيدات كل البعد عن أن يكن ضحايا سلبيات؛ حيث تتجلى فاعليتهن في كل جانب من جوانب البقاء اليومي واستراتيجيات إنقاذ الحياة التي صيغت رغم ندرة الموارد. وفي كثير من الحالات، تدخلت المبادرات الشعبية بقيادة النساء، حيث فشلت البنية التحتية المنهارة والمساعدات الدولية المسيّسة، في تلبية احتياجات النازحين من تنظيم مدارس ومطابخ مجتمعية مؤقتة إضافة إلى المساهمة في إدارة شبكات المساعدات المحلية. وعلى الرغم من القصف المستمر، واصلت بعض النساء تقديم خدمات أساسية مثل رعاية الأمهات، والزراعة، والخياطة، والتوثيق الإعلامي، كما استؤنفت جهود تعليم الأطفال في الخيام بفضل تحالفات غير رسمية من المعلمات، ما حافظ على إحساس هش بالروتين والأمل وسط الفوضى.
"مدرسة السلام والحرية" تشكل أحد المبادرات النسوية الفريدة التي أطلقتها، في مطلع العام 2024، طالبة ماجستير في الرابعة والعشرين من عمرها لتعليم الأطفال المشردين في خيام النزوح بمدينة دير البلح، لتمضي بها من مبادرة فردية في خيمة صغيرة تضم 40 طالباً، إلى مدرسة ذات 6 فصول دراسية ونحو 500 طالب. فتاة أخرى صارت منسقة مجتمعية لتوزيع المساعدات الغذائية في حيّها، مثل المئات من نساء غزة – اللواتي تحولن إلى قوة مجتمعية تقاوم الحصار والجوع وتبتكر حلولا لحماية أسرهن من الانهيار؛ حيث تم إطلاق "مطابخ المقاومة اليومية" على غرار "مطبخ الكرامة" الذي تطبخ فيه النساء، بموارد شحيحة ومواقد بدائية، لسد حاجات وعوز أكثر من 200 أسرة مستفيدة. فيما حصلت الصحافية الفلسطينية علا الزعنون على أرفع جائزة لحرية الصحافة تقديرًا لدورها في تغطية ما حدث في غزة.
في خيمة أخرى وسط غزة، وُلد مهرجان سينمائي نسائي وانطلق من وسط الركام في 26 تشرين الأول 2025؛ حيث عُقد مهرجان غزة الدولي الأول لسينما المرأة على مدار ستة أيام في مخيمات النزوح بمدينة دير البلح تحت شعار "نساء ماجدات في زمن الإبادة"، وهو أول حدث من نوعه وقد تم تنظيمه بالشراكة مع وزارة الثقافة الفلسطينية لدعم قضايا النساء في ظل المعاناة؛ إذ تم التكيف مع الواقع من خلال تثبيت شاشة صغيرة لعرض الأفلام للجمهور في ساحة مفتوحة وليس في قاعة سينما، وذلك لبث الأمل في نفوس الناس، حتى لو للحظات بسيطة بعد عامين كاملين من الإبادة. تخلل المهرجان عرض نحو 80 فيلماً من أكثر من عشرين دولة تشمل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، فيما كان الفيلم الافتتاحي بعنوان "صوت هند رجب" الذي يعيد سرد مقتل الطفلة هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات، وستة من أفراد عائلتها، على يد الجنود الإسرائيليين أثناء محاولتهم الهروب من مدينة غزة بالسيارة في كانون الثاني 2024.
وفي حين أن قصة هند رجب، التي قُتلت وهي تنادي طلباً للمساعدة التي لم تصل أبداً، قد تكون من بين القصص الأكثر تأثيراً، إلا أنها قصة واحدة تمثل ألم الكثيرين، وليست حدثاً عرضياً. إنها تعكس محاولة منهجية أوسع لترهيب المجتمع الفلسطيني من خلال استهداف من يُنظر إليهن كحاملات للحياة، والاستمرارية، والذاكرة. إو مما لا شك فيه أن تعاظم نسبة الضحايا بين فئتي النساء والأطفال يدل على وجود نوع من القتل الوحشي والاستهداف الممنهج والمتعمد. فخلال حرب الإبادة الجماعية، قُتلت النساء والفتيات في غزة بمعدل اثنتين تقريبًا كل ساعة - أي بواقع 7 من أصل 10 نساء قَضَين في الصراعات المختلفة حول العالم، الأمر الذي أسفر عن استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة منذ بدء العدوان، كما تم توثيق شهادات متعلقة بارتكاب عنف وتعذيب جنسي ممنهج بحق المعتقلات الفلسطينيات، حيث تم التناوب على اغتصابهن وهتك عرضهن بشكل متكرر من قبل الجنود الإسرائيليين في ظروف احتجاز غير إنسانية وممتهنة للكرامة.
في هذا السياق، يمكن القول إن الأزمة في غزة ليست مجرد نتيجة لأعمال عنف معزولة؛ إنها هيكلية، ومتعمدة، وذات بعد جندري. إذ يبدو أن الاستهداف المنهجي للنساء والأطفال جزء محسوب من جهود أوسع لمحو السكان؛ فممارسة الإبادة الجماعية من قبل القوة القائمة بالاحتلال، والضربات المتكررة على المناطق السكنية والملاجئ، أثرت بشكل غير متناسب على النساء في سن الإنجاب والأطفال. هذا النمط ليس مصادفة، بل يعكس تهديداً وجودياً متصوراً ينشأ عن نمو السكان الفلسطينيين، خصوصاً في قطاع غزة، ويهدف إلى تقويض النسيج الاجتماعي الضروري لأي تعافٍ مستقبلي. ورغم أنه كثيراً ما يتم تصويرهن فقط كضحايا للحرب، إلا أنهن - بما يمارسن من تنظيم ومقاومة وسعي لاستدامة الحياة بطرق مرئية، أو بأخرى ضمنية، لكنها متأصلة في نماذج حيواتهن المختلفة، قد أصبحن العمود الفقري لصمود المجتمع. كذلك حضورهن لم يعد هامشياً، بل صار حيوياً يشكل مساعي البقاء اليومية، ويدافع عن الهوية، ويعيد تصور الحياة تحت الحصار، فيما باتت قصصهن تشكل تحديا للرواية السائدة وتطالب بفهم أكثر شمولية لدور النساء أثناء الحرب وبعدها.
ومما لا شك فيه أن مساعي المحو الممنهج، والممارسات العنيفة والفظائع التي قام بها الجنود الإسرائيليون بحق النساء الفلسطينيات في غزة، من قتل وتعذيب واغتصاب، إضافة إلى الإذلال النفسي المتعمد، تشكل انتهاكَا صارحَا للقوانين والاتفاقيات الدولية التي تنص على حماية المدنيين أثناء الحروب؛ مثل القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، كما تخالف قرار مجلس الأمن رقم 1325 الذي يركز ضمن بنود عديدة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب، ولا سيما المتعلقة بالعنف ضد النساء والفتيات، ووضع حد للإفلات من العقاب. كذلك يؤكد القرار على أهمية المشاركة الكاملة للنساء في بناء السلام والتعافي؛ واتخاذ تدابير خاصة لدعم النساء والفتيات في مراحل ما بعد النزاع، لا سيما في مجالات الإغاثة وإعادة الإعمار، مع مراعاة احتياجاتهن الخاصة. وهذا يعني إعطاء الأولوية للمشاركة النسائية في إعادة البناء، وضمان المساءلة عن جرائم الحرب ذات الطابع الجندري، ودمج حقوق النساء في صميم أطر الحكم والتخطيط، وتكريس العدالة الجندرية.
وحيث أن نحو نصف سكان غزة من النساء، فلا يمكن أن تبقى تجاربهن وقدراتهن ومعارفهن هامشية؛ لا بد من تجاوز النظر إلى النساء كمجرد حزانى أو ضحايا بينما يستجيب العالم للكوارث الإنسانية في القطاع المنكوب. نساء غزة لا يكتفين بالبقاء على قيد الحياة في ظل الإبادة الكارثية؛ بل يقاومن المحو، ويحافظن على الأسر، ويُعِدن بناء شظايا الحياة اليومية من خلال الرعاية، والقيادة، والإصرار. حتى مع تحول المشهد إلى ما يشبه "السريالي" أو الغير معروف، تعبر العديد من النساء المهجرات عن رغبة ملحة في العودة – ليس فقط إلى المأوى، بل إلى أماكن مشحونة بالذاكرة، والهوية، والانتماء. فمنازلهن وأحياؤهن، مهما تضررت، ليست مواقع قابلة للاستبدال، بل أرشيف حي للمجتمع والحياة. لذلك فإن اختزالهن كرموز للمعاناة يعني تجاهل قوتهن – واستبعادهن من تصميم السياسات وتنفيذها يعني تكرار دورات التهميش؛ في حين أن مشاركتهن في إعادة الإعمار بعد الحرب، وعلى المدى الطويل، تشكل ضرورة سياسية وأخلاقية، وليست مسألة هامشية أو رمزية. الأمر الذي يستدعي تفكيك التسلسلات الهرمية التقليدية التي تعامل النساء كمستفيدات من المساعدات وليس كفاعلات في تشكيل عملية التعافي نفسها، وتوفير آليات مجتمعية، بقيادة النساء وإرشادهن، كبدائل للنماذج السائدة.
وإذا كنا جادين بشأن العدالة وإعادة الإعمار، فإن أي عملية، سواءً كانت قانونية، أو سياسية، أو إنسانية، يجب أن تبدأ بأسئلة حاسمة: أين النساء؟ هل تساهم أصواتهن في تشكيل الأجندة؟ هل تنعكس أولوياتهن في إعادة بناء غزة؟ ذلك أن التعافي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون الإدماج الكامل للنساء كمخططات، وصانعات قرار، ومالكات للحقوق. وصمودهن يجب أن يُقابل بتغيير هيكلي؛ يشمل إعادة توزيع القوة والموارد والاعتراف بوضعهن في مركز أي "غزة مستقبلية" – وليس مجرد الاستجابة الإنسانية أو الإغاثة قصيرة الأمد التي تنذر بإعادة إنتاج نفس أنماط الاستبعاد وعدم المساواة.
