فضا

"بالفست" : مدن تفصلها الحواجز وتجمعها الكتابة

01/11/2026

تصوير: اسماء الغول

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

سليم أبو ظاهر

وأكاديمي.

ليس العمل الثقافي في فلسطين ترفًا من ترف الصالونات الأدبية، ولا مناسبة عابرة تُضاف إلى تقويم الفعاليات، بل هو محاولة لانتزاع مساحة للحياة في واقع يعمل باستمرار على تضييقها، وشهادة على ما يجري حين يصبح محو المكان والذاكرة جزءًا من الحياة اليومية. وحين تتعذر الحركة بين المدن والبلدات بفعل الحصار والحواجز والطرق المقطعة، لا تعود المسافة مجرد بُعد أو مدى يفصل بين مكانين؛ بل إنها تتحول إلى واقع يعيد تشكيل علاقتنا بأماكننا وببعضنا، ويجعل من اجتماع الناس حول نص أو فكرة فعلًا يتجاوز المناسبة التي جمعتهم. من هنا، تأتي عودة احتفالية فلسطين للأدب "بالفست" إلى رام الله في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2026 كمحاولة شجاعة، لكنها محدودة، لإبقاء الصلة ممكنة بين أجزاء جغرافيا يجري تفكيكها، ومدن يراد لها أن تعيش كل واحدة منها في عزلة عن الأخرى. فهل تستطيع الكتابة أن تكون جسرًا فوق حقول الركام والحصار، أم أنها تكتفي بتذكيرنا بما لم نعد قادرين على الوصول إليه؟

احتضن مركز خليل السكاكيني الثقافي فعاليات رام الله، فكان المكان جزءًا من المشهد لا مجرد قاعة تستضيفه. وفي برنامج الاحتفالية، تداخلت الحوارات مع القراءات الشعرية والموسيقى، وتجاورت أسئلة فلسطين لتلتقي مع تجارب وأسئلة أخرى، تراوحت بين معالجة أطروحات التحرر وجغرافيا الفقد ونقد البنى الاستعمارية وأشكال الاضطهاد. لم تكن هذه الموضوعات منفصلة عن الواقع الذي تجري فيه، لكنها لم تختزله أيضًا في تفسير واحد؛ فالأدب لا يكتفي بأن يروي ما يحدث، بل يتيح النظر إليه من زوايا مختلفة، ويربط التجربة المحلية بأسئلة أوسع من دون أن يفقدها خصوصيتها. وفي لحظة يصبح فيها المكان نفسه موضع نزاع، لا تكون إقامة لقاء ثقافي أمرًا منفصلًا عن الحياة العامة، وإن لم يكن في اللقاء وحده ما يكفي لتغيير شروطها.

"٧٠ ألف قصيدة" للكتب المسروقة عام النكبة

في أمسية رام الله الختامية، "تأملات وموسيقى وشعر"، اتسعت المساحة لأشكال مختلفة من التعبير والالتقاء الفكري، ولتجارب لا تتطابق بالضرورة في طرق مقاربة العالم. فالموسيقى والشعر لا يقدمان تفسيرًا نهائيًا لما يجري، ولا يوقفان الدمار أو يفتحان الطرق المغلقة، لكنهما يتيحان الاقتراب من التجربة الإنسانية بما لا تستوعبه الأرقام والتقارير وحدها. وما يتركه النص أو اللحن ليس دائمًا إجابة يمكن صياغتها في جملة، بل أثرًا يعيد ترتيب علاقتنا بما نراه ونسمعه، ويمنع الخبر من أن يكون الصورة الوحيدة التي نعرف من خلالها حياة الناس. غير أن الاعتراف بهذه القدرة لا يعني أن الثقافة تقف خارج شروط الواقع، أو أن حضورها الرمزي يعادل ما يحتاجه الناس من حرية وحماية وسبل للعيش. فالكتابة ليست بديلًا من الفعل، كما أن الاعتراف بحدودها لا ينتقص من ضرورتها، ولا من أهمية النظر إلى الثقافة بوصفها إحدى أدوات إنتاج السردية الفلسطينية، بعيدًا عن اختزالات بعض منصات الإعلام الغربي وانحيازاتها في تناول الجريمة وتوصيفها.

ولعل السؤال عن جمهور الاحتفالية لا ينفصل عن هذه المسافة بين ما تتيحه الثقافة وما تسمح به الحياة اليومية. فقد أعلن المنظمون أن الفعاليات مجانية ومفتوحة للجمهور، مع توفير الترجمة الفورية بين العربية والإنجليزية، وهي خطوات مهمة في إزالة بعض الحواجز أمام المشاركة. لكن المجانية لا تعني بالضرورة أن الجمهور متنوع اجتماعيًا، ولا أن هذه المساحة تصل إلى أولئك الذين لا يعتادون ارتياد المراكز الثقافية أو يجدون أنفسهم بعيدين عن لغتها وفضاءاتها. فهناك فرق بين فتح أبواب المكان وإمكان الوصول إليه، وبين أن تكون الثقافة متاحة من حيث المبدأ وأن تصبح جزءًا من حياة الناس الذين تتشكل تجربتهم اليومية تحت ضغط الحواجز والحصار والنزوح. ولا يعني ذلك أن على الأدب أن يتخلى عن استقلاله أو أن يجعل من كل نص بيانًا عن الواقع، وإنما أن يظل واعيًا للمسافة بين القاعة التي تتيح اللقاء والتفكير، والعالم الذي يقع خارجها.

روائية وليست إرهابية: نجوم يساندون سالي روني في قضية "فلسطين أكشن"

في هذا العالم، قد يتحول حاجز قلنديا إلى عائق أمام طالب يريد الوصول إلى جامعته أو عامل يسعى إلى عمله، فيما يبحث طفل في غزة عن كتاب مدرسي وسط الركام. لا تحتاج هذه الصور إلى أن تتحول إلى موضوعات إلزامية في كل أمسية شعرية، ولا إلى أن يُقاس صدق الأدب بقدرته على محاكاة المأساة مباشرة؛ لكن لا يمكن أيضًا فصل الكتابة عن العالم الذي تنشأ فيه، أو التعامل مع حرية الحركة والقراءة واللقاء كما لو أنها حقوق متاحة للجميع بالقدر نفسه. ليست المسألة أن على القصيدة أن تنافس صور الدمار، بل أن يبقى المجال الثقافي قادرًا على رؤية الشروط التي يعيش الناس في ظلها، وألا تتحول القاعة، مهما كانت قيمة ما يجري فيها، إلى عالم مكتفٍ بنفسه. فالثقافة التي لا تنظر إلى المسافة بينها وبين الناس قد تنجح في تنظيم لقاءات مهمة، لكنها تظل مطالبة بأن تسأل من يستطيع الحضور، ومن يبقى خارج أبوابها، ولماذا.

ولا تقتصر المسافة بين الثقافة وحياة الناس على ما يجري داخل المراكز الثقافية؛ فثمة مساحات أخرى تتجلى فيها الحياة العامة بتفاصيلها اليومية، وتتيح لنا النظر إلى هذه العلاقة من زاوية أخرى. ففي رام الله، كان سوق مهرجان الزيتون حاضرًا من خلال الفعالية التي استضافها بيت جغب، حيث يلتقي المزارعون والمنتجون والحرفيون والجمهور حول موسم يتجاوز كونه مناسبة للبيع والشراء. لا يحتاج الزيتون إلى أن يتحول في كل مرة إلى استعارة عن الصمود، ولا إلى أن يُستدعى بوصفه رمزًا فلسطينيًا مألوفًا؛ فدلالته أعمق حين ننظر إليه باعتباره جزءًا من حياة الناس، بما يتصل به من عمل وذاكرة عائلية واقتصاد محلي وعلاقة بالأرض. وبين السوق والاحتفالية الثقافية لا تقوم الصلة على التشابه بين شجرة الزيتون والكتاب، بل على أن كليهما ينتمي إلى حياة عامة تتشكل من تفاصيل المكان وأهله. ففلسطين ليست فقط ما يُناقش عنها في القاعات، وإنما أيضًا ما يزرعه الناس ويحفظونه ويروونه، وما يحاولون مواصلة عيشه رغم العوائق التي تقطع صلاتهم بأرضهم ومدنهم.

لكن هذه الحياة التي تظهر في تفاصيل الموسم والمهرجان واللقاء الثقافي تبدو أكثر هشاشة حين نصل إلى غزة، حيث لا يكون الحديث عن المدينة مجرد حديث عن المكان والذاكرة، بل عن إمكان البقاء فيه أو العودة إليه. وفي هذا السياق، تأتي محطة "بالفست" المقررة في مركز القطان الثقافي، في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، لإطلاق المجموعة الشعرية "هناك مدينة"، التي أعدّها شعراء من غزة وآخرون اضطروا إلى النزوح والعيش في المنفى القسري. يحمل العنوان شيئًا من الإصرار على تسمية المكان في وقت يتعرض فيه للتدمير، وعلى تذكير القارئ بأن المدينة ليست أبنية وشوارع فحسب، بل حياة تتكون من العلاقات والأسماء والذكريات وطرائق العيش. وحين يكتب أهلها عنها، فإنهم لا يوثقون ما فُقد فقط، بل يحفظون صلتهم بمكان لا يزال حاضرًا في حياتهم، حتى حين يصبح الوصول إليه متعذرًا. ولا نعرف بعد كيف ستُعقد هذه الفعالية في ظل الظروف التي تحيط بغزة؛ فموعدها المعلن لا يلغي أن انعقادها وتفاصيلها يظلان رهينين بواقع لا يمكن التعامل معه كما لو كان مجرد ظرف تنظيمي.

حركات متجذرة: الشعرية الراديكالية للفضاء الفلسطيني

ليس في الأدب ما يعوّض البيت المهدّم أو يفتح طريقًا مغلقًا، ولا يصح أن نضع الكتابة في مواجهة الخيمة أو المستشفى الميداني، كأن على الثقافة أن تثبت جدواها بالمقارنة مع ضرورات البقاء. لكن الحياة لا تتوقف عند النجاة الجسدية، حتى حين تفرض النجاة نفسها على كل شيء؛ فالناس يحتاجون أيضًا إلى أن يرووا ما حدث، وأن يحفظوا أسماء من غابوا، وأن يتخيلوا ما يمكن أن يأتي بعد الخراب. وفي هذا المعنى، لا تكون الكتابة بديلًا من الفعل، بل إحدى الطرق التي يقاوم بها الناس اختزالهم إلى ضحايا بلا أصوات، أو إلى أرقام تتراكم في نشرات الأخبار. وهي لا تكتسب قيمتها من ادعاء البطولة، بل من قدرتها على البقاء قريبة من التجربة، بكل ما فيها من تناقض وخسارة ورغبة في الحياة.

وحين انطفأت أنوار مركز خليل السكاكيني مساء الخميس، كانت فعاليات رام الله قد وصلت إلى نهايتها، لكن الحكاية لم تكن قد اكتملت. ظلت محطة غزة موعدًا منتظرًا، يحمل معنى يتجاوز الانتقال من مدينة إلى أخرى، ومحاولة لإبقاء الكتابة حاضرة في مكان تُحاصر فيه الحياة من جهات عدة. وبين المدينتين لا يمتد جسر مكتمل، ولا تكفي احتفالية أدبية لردم المسافة أو إعادة ما فُقد. ومع ذلك، فإن المدن التي تُدمّر لا ينبغي أن تُترك وحدها في رواية الخراب، وأهلها ليسوا مجرد شهود على ما حدث لهم، بل أصحاب حق في رواية مدنهم وتحديد ما تعنيه لهم. نكتب لأن الصمت لا يترك التاريخ فارغًا، بل يتركه لمن يملك القوة على روايته؛ ونكتب لأن ما يفصل مدينة عن أخرى لا ينبغي أن يصبح نهاية الصلة بينهما. وربما لا تستطيع الكتابة أن تعبر الحواجز كما يعبر الناس الطرق، لكنها تستطيع أن ترفض أن تكون هذه الحواجز آخر ما يُقال عن فلسطين.

من باريس إلى مدن العالم: يوم محمود درويش الشعري

الكاتب: سليم أبو ظاهر

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع