حوار أجراه مايكل شابيرا مع إميل شابال، ونشر في "جاكوبين" في ١٥/١٠/٢٠٢٦.
بدأت حياة إريك هوبزباوم في الوقت الذي كان فيه "القرن التاسع عشر الطويل" يشارف على نهايته. وُلد في الإسكندرية بمصر، وتشكّل وعيه في شبابه في "فيينا الحمراء" وبرلين إبان جمهورية فايمار، قبل أن يبلغ نضجه الفكري في كامبريدج خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، وفي لندن بعد الحرب العالمية الثانية. وقد رسّخت رباعيته التاريخية "العصور" مكانته في المناهج الجامعية وعلى رفوف مكتبات أولئك الذين وصفهم في كتابه "عصر الثورة" بأنهم "المواطنون الأذكياء والمثقفون، الذين لا يكتفون بالفضول تجاه الماضي، بل يرغبون في فهم كيف ولماذا أصبح العالم على ما هو عليه اليوم، وإلى أين يتجه".
والمفارقة أن هوبزباوم، رغم بلوغه هذه المكانة الواسعة من الشعبية، ظل شيوعياً معتزاً بانتمائه، ربط نفسه، في السراء والضراء، بحسب وجهة نظر كل من يحكم عليه، بتصور محدد لمستقبل أفضل، فيما كان شاهداً على حقبة أطلق عليها اسم "عصر التطرفات".
ومع ذلك، ورغم أنه كان، على حد تعبير كاتب سيرته إميل شابال، "موسوعياً شيوعياً، يتمتع بإحاطة استثنائية بالمشهد النظري والتجريبي للتاريخ الحديث"، فإن هوبزباوم، خلافاً لكثير من نظرائه في أوروبا القارية، "نادراً ما يحضر ضمن المرجعيات الفكرية الأساسية لليسار أو الفكر الماركسي". ويشكّل البحث في أسباب ذلك أحد الأسئلة المحورية التي تحرّك كتاب شابال الجديد، المثير للاهتمام والواسع الأفق، في التاريخ الفكري، "عصر هوبزباوم" (The Age of Hobsbawm).
يشغل شابال منصب أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة إدنبرة، وقد قاده صدور كتابه إلى مدينة سانت أندروز في اسكتلندا، للمشاركة في لقاء مع القرّاء في مكتبتنا المحلية المستقلة. ولعلّ خير دليل على استمرار جاذبية هوبزباوم أن مدينة يطغى عليها عشّاق الغولف والطلاب المنتمون إلى الطبقات الميسورة، شهدت، حتى اليوم، حضور جمع من الماركسيين الذين ظلوا متمسكين بقناعاتهم منذ سبعينيات القرن الماضي، ومثقفين يساريين عصاميين، وطلاب دراسات عليا دفعهم الفضول إلى المشاركة في نقاش حيوي حول النظرية والسياسة لدى يسار القرن العشرين، وآفاقهما في الحاضر.
وما يلي هو امتداد للحوار الذي أجريناه في تلك الأمسية، ومدخل إلى عالم هوبزباوم وإرثه الفكري.
مايكل شابيرا: تذكر في مقدمة كتابك أنك كنت تخطط في البداية لـ"كتابة تاريخ للماركسية الفرنسية في مرحلة ما بعد الحرب، يعكس شيئاً من ثراء السياسة الراديكالية في فرنسا وتعقيداتها". لكنك سرعان ما أدركت أن بإمكانك "تحقيق الأهداف نفسها من خلال دراسة هوبزباوم عن كثب". كانت لهوبزباوم صلات وثيقة بالحياة الفكرية الفرنسية، وبالشيوعية الأوروبية عموماً، لكن كلاً منه والماركسية البريطانية يحمل طابعاً مختلفاً تماماً عن نظيريهما الفرنسيين. بأي معنى استطاع هوبزباوم أن يحقق تطلعاتك الأولى، وكيف أتاح لك تحويل تركيزك إليه استكشاف آفاق جديدة في دراسة السياسة الراديكالية في مرحلة ما بعد الحرب؟
إميل شابال: عندما بدأت العمل على هوبزباوم في أواخر عام 2012، كنت باحثاً حديث العهد بمرحلة ما بعد الدكتوراه. أمضيت السنوات الخمس السابقة في دراسة التاريخ الفرنسي المعاصر والسياسة الفرنسية، ولذلك ربما كان من الطبيعي أن تحتل مفاهيم فرنسية مثل "المثقف"، والفكرة السارترية عن "الالتزام" (engagement)، مكانة بارزة في تفكيري.
لكنك محق، فقد اتسمت الماركسية البريطانية في مرحلة ما بعد الحرب بطابع مختلف تماماً عن نظيرتها الفرنسية (أو الأوروبية القارية). كانت أقل تجريداً، وأقل أيديولوجية، وأقل انشغالاً صريحاً بالفلسفة. والمثير للاهتمام في هوبزباوم أنه جمع بين التقليدين الفكريين البريطاني والأوروبي القاري بدرجة أكبر بكثير من معاصريه الماركسيين البريطانيين الآخرين.
حين كان طالباً في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، تأثر هوبزباوم بعمق بالبيئة الخاصة التي ميّزت كامبريدج، لكنه كان يرى نفسه أيضاً جزءاً لا يتجزأ من حركة شيوعية عالمية تتخذ من باريس مركزاً لها. وبعد الحرب العالمية الثانية، حين سعى إلى ترسيخ اسمه مؤرخاً، واصل التنقل بين بريطانيا وأوروبا القارية، بحثاً عن محاورين وموجّهين فكريين يمكنه الاستفادة منهم.
كورنيـل ويست عن كيف أوصلتنا النيوليبرالية إلى نيوفاشية ترامب (ترجمة)
وكلما تعمّقت في معرفة تنقلات هوبزباوم المتواصلة بين المملكة المتحدة وأوروبا، شعرت بالامتنان لكوني قد تخصصت في دراسة فرنسا في سنواتي الأولى باحثاً؛ فقد منحني ذلك منظوراً فريداً لفهم تكوينه الفكري وهويته. وساعدني أيضاً على تجاوز الانقسام، العقيم إلى حد بعيد في كثير من الأحيان، بين التاريخ الفكري للسياسة الراديكالية في العالم الناطق بالإنكليزية ونظيره في أوروبا القارية.
مايكل شابيرا: في أواخر حياته، عاد هوبزباوم إلى سنوات تكوينه الأولى في فيينا وبرلين إبان جمهورية فايمار، مقدّماً تجربته بوصفها تجربة جيل كانت رؤيته للعالم آخذة في التلاشي. لكنه اكتسب أيضاً عادات في التفكير والسلوك تعكس بوضوح سنواته في كامبريدج، وأصبح بريطانياً بصورة جلية في جوانب كثيرة من كتاباته وأعماله.
ذكّرني ذلك بالمقالة الرائعة التي كتبها أوين هاثرلي عن المهاجرين من أوروبا الوسطى الذين وصلوا إلى بريطانيا في الفترة نفسها تقريباً التي وصل فيها هوبزباوم، والذين صُدموا، على حد تعبير فالتر غروبيوس، بذلك "العالم المشبع بالعاطفية والمفتقر إلى الحس الفني" الذي استقبلهم.
قد يكون في هذا التوصيف شيء من الاختزال المجحف، لكن هل احتفظ هوبزباوم فعلاً بذلك "الأثر الاغترابي"، بحسب تعبير هاثرلي، أم أن جوانب من سيرته الشخصية وطباعه جعلته مهيأً على نحو خاص للاندماج في الحياة الثقافية والسياسية البريطانية؟

إميل شابال: أعتقد أن من المهم التأكيد على أن هوبزباوم لم يكن مهاجراً أو لاجئاً من أوروبا الوسطى. صحيح أنه سلك مساراً مشابهاً لمسارات أولئك المهاجرين، إذ انتقل في حالته من فيينا إلى برلين ثم إلى لندن في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وأنه وجد لندن عام 1933 مملة إلى حد لا يُطاق مقارنة ببرلين. لكنه كان يحمل الجنسية البريطانية، وكانت الإنكليزية لغته الأم. وعندما وصل إلى لندن، كان قد عاد، على الورق، إلى "وطنه"، حتى وإن لم يسبق له أن عاش في المملكة المتحدة. ولذلك كان دخيلاً على المجتمع، لا أجنبياً عنه.
ومن الأدق، إذاً، النظر إلى هوبزباوم الشاب بوصفه منخرطاً في عملية سريعة جداً من التكيّف الثقافي والاندماج بعد وصوله إلى لندن. ولأنه لم يكن سوى مراهق، اكتشف أن النظام التعليمي يشكّل وسيلة فعالة للغاية لاكتساب الهوية البريطانية.
وكان من الطبيعي أن يعني ذلك أن بعضاً من أبرز سماته البريطانية، مثل مرونته الفكرية، وحرصه على الإيجاز، وبراعته في استخدام الخطاب الذي ينطوي على سخرية من الذات، ومهارته في النقاش والجدل، قد تشكّلت خلال سنواته الأخيرة في المدرسة الثانوية بلندن، ثم أثناء دراسته في كامبريدج. وظلت هذه السمات الفكرية واضحة في شخصيته طوال ما تبقى من حياته.
لكن من نواحٍ أخرى، لم يكن هوبزباوم بريطانياً إلى هذا الحد على الإطلاق. فمن اللافت، على سبيل المثال، مدى ضآلة الانزعاج الذي يبدو أنه شعر به إزاء المسألة الطبقية. فقد كان معظم المثقفين اليساريين البريطانيين من جيله، سواء كانوا شيوعيين أم لا، يشعرون بالاستياء، إن لم يكن بالغضب، من القيود الخانقة التي يفرضها النظام الطبقي البريطاني. أما هوبزباوم، فكانت مرجعيته الطبقية تكمن في مكان آخر، في العالم البرجوازي لأوروبا الوسطى. والأهم أنه لم يعش في بريطانيا المرحلة الحاسمة الممتدة من أواخر الطفولة إلى بدايات المراهقة، وهي المرحلة التي تُغرس فيها تراتبية النظام الطبقي البريطاني بأشد صورها، من خلال التعليم والمجتمع عموماً.
وحين وصل إلى بريطانيا، كان بوسعه ببساطة تجاوز الأحكام المسبقة الطبقية بفضل تفوقه الدراسي الاستثنائي في المدرسة، ولاحقاً في الجامعة. وقد جعله ذلك متسامحاً على نحو لافت مع مظاهر التحيز الطبقي في نظام التعليم العالي البريطاني. وإذا كان لا يحب الجلوس إلى "المائدة العليا" (High Table) في كامبريدج، حيث يجتمع كبار الأساتذة وأعضاء الهيئات الأكاديمية، فذلك لأنه كان يجد الجالسين إليها مملّين، لا لأنها كانت تعبيراً عن اللامساواة الطبقية!
مايكل شابيرا: يمثّل هوبزباوم حالة استثنائية في تمسكه بالشيوعية، ولا سيما بصيغتها اللينينية القائمة على قيادة الحزب. ففي حين اتخذ كثيرون من عام 1956 مناسبة للتخلي نهائياً عن القضية الشيوعية، أو لشق طريق جديد، ومن بينهم أولئك الذين أسسوا لاحقاً مجلات مؤثرة مثل "نيو ليفت ريفيو" (New Left Review)، واصل هوبزباوم السير في الطريق نفسه، متمسكاً به قدر استطاعته.
ويتجلى ذلك بأوضح صورة في مقابلته مع مايكل إغناتييف على هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 1994، حين دافع عما اعتبره إغناتييف موقفاً لا يمكن الدفاع عنه: التمسك بتطلعات الشيوعية بعد كل ما شهده القرن العشرون من أحداث.
مايكل شابيرا: هل تعتقد أن هذا يساعد في تفسير سبب عدم عثور هوبزباوم على مكانة راسخة ضمن المرجعيات الأساسية للفكر الماركسي؟ وكيف يمكن التوفيق بين ذلك وبين ارتقائه إلى مرتبة المثقف الشهير والمؤلف الذي تتصدر كتبه قوائم الأكثر مبيعاً؟
إميل شابال: استكمالاً للسؤال السابق، يمكن القول إن تمسك هوبزباوم بالشيوعية كان سمة أخرى من سمات شخصيته التي لا تنسجم إطلاقاً مع الطابع البريطاني. فبدلاً من تبنّي موقف براغماتي تجاه مستقبل اليسار، بالابتعاد عن الحزب الشيوعي بعد عام 1956، حافظ على ارتباطه بفكرة سياسية، وهو تحديداً ذلك النوع من "الدوغمائية" الذي رأى فيه كثيرون في بريطانيا، وما زالوا يرون، عِلّةً من علل السياسة في أوروبا القارية.
وهذا ما يفسّر، في اعتقادي، الطابع المحرج الذي اتسمت به كثير من مقابلاته خلال تسعينيات القرن الماضي، بما فيها مقابلته الشهيرة مع إغناتييف. فقد كان الاثنان يتحدثان من منطلقين مختلفين، من دون أن يلتقي أحدهما بالآخر: كان هوبزباوم يحاول تفسير التزامه العميق بمثال أعلى، وبمدينة فاضلة مستقبلية، وبقضية تتجاوز شخصه، في حين كان إغناتييف يصرّ على أن يصدر حكماً أخلاقياً على التجربة.
من المثير للاهتمام التأمل في الكيفية التي ربما أثّرت بها شيوعية هوبزباوم في تلقّي أعماله ونجاحه الواسع في سوق النشر. لكنني لا أعتقد، في الواقع، أن شيوعيته هي السبب وراء تهميشه النسبي ضمن "المرجعيات الأساسية" للفكر الماركسي. أرى أن الأمر يرتبط بدرجة أكبر بحقيقة أنه كان يقدّم نفسه دائماً بوصفه "مؤرخاً"، لا "منظّراً". أحاول في الكتاب أن أبيّن أن هوبزباوم كان مفكراً جاداً إلى حد بعيد، وأنه امتلك أساساً نظرياً متيناً. لكن البعض قد يختلف معي في ذلك، ببساطة لأنه بذل جهداً كبيراً للتقليل من شأن مؤهلاته النظرية وإبرازها بأقل قدر ممكن.
أما ما لا شك فيه، فهو أنه حقق نجاحاً استثنائياً في سوق النشر الجماهيري، وربما كان لشيوعيته دور في ذلك. لكن المفارقة أن هذا النجاح لم يكن، على الأرجح، ناجماً عن نظر القرّاء إلى كتاباته بوصفها شيوعية دوغمائية؛ فالقارئ الذي يطالع كتاب "عصر التطرفات" للمرة الأولى قد لا يدرك حتى أن مؤلفه ماركسي! بل لأن رؤيته الشيوعية للتاريخ وفّرت أساساً قوياً لأعماله. فقد انجذب كثيرون إلى كتابات هوبزباوم لأنهم يشعرون، أثناء قراءتها، بأن التاريخ في حالة حركة دائمة؛ وهذا الإحساس ينبع، إلى حد كبير، من فلسفته الكامنة للتاريخ.
مايكل شابيرا: خصصت فصولاً مطوّلة لعمل هوبزباوم ناقداً، ومن ذلك نقده لموسيقى الجاز التي كان يكتب عنها عموداً منتظماً، وكذلك لرحلاته حول العالم. وقد وسّع إدراج هذه الجوانب نطاق مشروعك البحثي بصورة هائلة، ليس فقط من خلال إجراء مقابلات مع شخصيات من مختلف أنحاء العالم، بل أيضاً عبر فتح أرشيف جديد بالكامل من الكتابات التي قد لا يعدّها كثيرون جزءاً محورياً من أعماله. متى أصبحت هذه الجوانب جزءاً مهماً من مشروعك؟
إميل شابال: نعم، أنا فخور بهذه الفصول من الكتاب! سواء في استكشافي لهوبزباوم بوصفه ناقداً ثقافياً، أو في القسم المخصص لرحلاته، أردت توسيع إطار التاريخ الفكري ليشمل أنماطاً مختلفة من الكتابة. وكان من المهم بالنسبة إليّ، على وجه الخصوص، أن أوضح أن هوبزباوم كان صحافياً بقدر ما كان أكاديمياً، وأن هاتين الهويتين كانتا تعزّز إحداهما الأخرى.
بالنظر إلى أنه أمضى حياته في العمل الأكاديمي، وكان بوضوح مؤرخاً محترفاً، قد يبدو من الغريب وضع كتاباته الصحافية وأعماله البحثية في مرتبة واحدة. لكن يكفي إلقاء نظرة على قائمة منشوراته: فقد نشر مئات ومئات من مقالات الرأي الصحافية، والمقالات الفكرية، والمراجعات النقدية. وقد شكّلت هذه الكتابات جزءاً ضخماً من مجمل أعماله المنشورة. ففي صفحات مجلات مثل "نيو ستيتسمان" (New Statesman)، و"ريناشيتا" (Rinascita)، و"تايمز ليتراري سابليمنت" (Times Literary Supplement)، يمكن أن نراه يعلّق على الشؤون الجارية ويطوّر أفكاراً جديدة، حول دور الثقافة في المجتمع مثلاً. وأعتقد أن العمل الذي أنجزته بين عامي 2019 و2020 لإعداد الببليوغرافيا الإلكترونية الكاملة لإريك هوبزباوم هو ما جعلني أدرك حقاً أهمية هذه الكتابات التي يُفترض أنها عابرة ومؤقتة.
مايكل شابيرا: في الفصول المخصصة لرحلاته، تصف استخدام هوبزباوم المكثف للمقابلات والحوارات، أحياناً بطرق قد تكون موضع تساؤل من الناحية المنهجية. وفي نهاية كتابك، ترد قائمة طويلة بالمقابلات التي أجريتها مع مؤرخين وناشطين وسياسيين وغيرهم، على امتداد سنوات عدة وفي أماكن مختلفة. ما الذي دفعك إلى تجاوز البحث الأرشيفي التقليدي وخوض هذا المشروع الطموح القائم على المقابلات؟
إميل شابال: أردت منذ البداية أن يكون الكتاب عالمياً في نطاقه، بحيث يعكس الطابع العالمي للشخصية التي يتناولها. لكن، كما كان هوبزباوم نفسه يدرك جيداً، فإن الطموحات العالمية لأي باحث تظل محكومة بحجم الموارد المالية المتاحة له. وهذا ما حدث معي أيضاً: فلم أتمكن من إجراء مقابلات في الهند والبرازيل والبيرو وتشيلي والأرجنتين والمكسيك والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، إلا بعدما حصلت على منحة بحثية كبيرة عام 2017.
أجريت هذه المقابلات أساساً مع أصدقاء هوبزباوم وطلابه وزملائه وأشخاص تأثروا بأعماله، وكانت بالغة الفائدة بالنسبة إليّ، إذ كنت أحاول وضع حياته ضمن سياق عالمي. لكنها أدّت أيضاً وظيفة أخرى: فقد ساعدتني على فهم الطريقة التي كان هوبزباوم يتعامل بها مع البلدان الأجنبية.
لقد اتبعنا، هو وأنا، أساليب متشابهة. كنا نصل إلى مدينة جديدة حاملين دفتر عناوين، ثم نبحث عن أشخاص مثيرين للاهتمام يمكننا التحاور معهم. وبهذه الطريقة، منحتني الفترة التي أمضيتها في إجراء مقابلات مع أفراد من النخبة المثقفة اليسارية في القرن الحادي والعشرين فهماً فريداً للكيفية التي كان هوبزباوم يفعل بها الأمر نفسه تقريباً قبل نصف قرن.
مايكل شابيرا: خلال حوارنا في مكتبة "توبينغ آند كومباني" في سانت أندروز، استعاد أحد الحاضرين ذكرياته عن كبار المفكرين الماركسيين الذين شكّلت أعمالهم جزءاً من المنهج الدراسي الذي تلقّاه في جامعة وارويك خلال سبعينيات القرن الماضي. ومن بين هؤلاء جميعاً، كان هوبزباوم صاحب التأثير الأطول أمداً.
كذلك فإن بيرني ساندرز وجيريمي كوربن، اللذين يمكن القول إنهما كانا وراء أكبر دفعة من الحيوية شهدتها السياسة الانتخابية اليسارية في السنوات الأخيرة، ينتميان أيضاً إلى حقبة من الفكر اليساري لم تعد رائجة كما كانت، وهي حقبة أقرب إلى عالم هوبزباوم الفكري. لماذا تعتقد أن الأمر كذلك؟ وهل يرتبط هذا بموضوع آخر تناقشه في كتابك، وهو تاريخ اليسار في التعامل مع خيبات الأمل والهزائم؟
إميل شابال: لا شك في أن الانتماء إلى اليسار، أياً يكن المعنى الذي نعطيه لهذا الانتماء، ينطوي على تقبّل الهزيمة ومحاولة تفسيرها وإضفاء معنى عقلاني عليها. وقد كتب إنزو ترافيرسو ببلاغة كبيرة عن "الميلانكوليا اليسارية"، أو السوداوية اليسارية، التي شكّلت جزءاً من تاريخ اليسار منذ هزيمة كومونة باريس عام 1871.
وقد جسّد هوبزباوم هذا التقليد؛ إذ كان يفهم تاريخ اليسار بوصفه تاريخاً من المحن والشدائد. وهذا أحد الأسباب التي جعلته لا يرى في "الإخفاقات" العديدة التي مُني بها اليسار خلال حياته، بدءاً من معاهدة عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي عام 1939، وصولاً إلى الهزائم الساحقة التي تعرّض لها حزب العمال البريطاني في ثمانينيات القرن الماضي، مؤشراً إلى ضرورة التخلي عن القضية أو مغادرة صفوفها.
ومع ذلك، أتفق مع ترافيرسو حين يقول إن انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 مثّل هزيمة أكثر جذرية وإرباكاً من أي هزيمة سبقته. ويمكن ملاحظة ذلك حتى في مراسلات هوبزباوم الخاصة خلال أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين وجد نفسه مضطراً إلى مواجهة الفشل الكامل لقضية سياسية كرّس لها حياته بأكملها. ومع ذلك، خرج من هذه التجربة مواصلاً النضال؛ فعلى المستوى العلني، على الأقل، دافع عن الشيوعية ورفض التراجع عن قناعاته.
أعتقد أن هذا النوع من الالتزام الراسخ بمثال سياسي أعلى يصعب جداً فهمه بالنسبة إلى الناشطين اليساريين الذين وُلدوا في عالم ما بعد الحرب الباردة. فهم ينظرون إلى هوبزباوم، أو إلى ساندرز وكوربن، ويرون لديهم يقيناً بشأن المستقبل يفتقرون هم أنفسهم إليه. ويُعجب بعضهم بهذا اليقين، ويرغبون في جعله أساساً ليسار متجدد، لكن من المهم أيضاً إدراك أنه كان نتاج مجموعة محددة جداً من الظروف التاريخية التي ميّزت منتصف القرن العشرين، والتي لم يعد أيّ منها قائماً اليوم.
مايكل شابيرا: ربما يمكننا أن نختتم بالعودة إلى الحاضر. فبحسب اعتراف هوبزباوم نفسه، لم يكن من أولئك الذين يمكن أن تجدهم كتفاً إلى كتف مع عمال المصانع أو المناجم في الخطوط الأمامية للصراع الطبقي. لكن أحد المجالات التي انخرط فيها بصورة مباشرة كان الجامعة، تلك المؤسسة التي احتضنته وشكّلت الأساس الذي استند إليه إنتاجه الأكاديمي.
في الوقت الراهن، مضت عدة أسابيع على بدء إضراب في جامعة إدنبرة، في وقت تواصل فيه أوضاع "قطاع التعليم العالي" تدهورها في مختلف أنحاء بريطانيا العظمى وأماكن أخرى. كيف أثّر عملك على هذا المشروع خلال العقد الماضي في فهمك لعناصر الاستمرارية والتغيير في مكانة الجامعة وطبيعتها على امتداد السنوات السبعين الماضية؟
إميل شابال: دخل هوبزباوم النظام الجامعي طالباً في كامبريدج عام 1936، وظل جزءاً منه حتى انتهاء عمله أستاذاً زائراً، بعد تقاعده، في الجامعة الجديدة (New School) في نيويورك، في منتصف تسعينيات القرن الماضي. ولم يحصل قط على إجازات تفرّغ أكاديمي طويلة تتجاوز المدة المعتادة المسموح بها، كما واصل التدريس، بشكل أو بآخر، طوال مسيرته المهنية. لقد كان مندمجاً في المؤسسة الجامعية إلى أقصى حد تتيحه هياكل التعليم العالي في ذلك الوقت.
وحقيقة أنه استطاع أن يكون منتجاً وناجحاً، رغم اعتماده على جامعته في توفير الدعم المالي والبنية اللوجستية، ينبغي أن تمنح شيئاً من الطمأنينة لأولئك منا الذين يعيشون اليوم ظروفاً مشابهة. فهوبزباوم أيضاً كان يشعر بالضجر من تصحيح مقالات الطلاب، وملاحقة المتعاونين معه، وإنجاز المعاملات الإدارية الجامعية!
ومع ذلك، ثمة ما يبدو مختلفاً في القرن الحادي والعشرين. وربما يعود ذلك إلى أن الجامعات في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية تشهد اليوم انكماشاً، في حين كانت تتوسع خلال خمسينيات القرن الماضي وستينياته وسبعينياته. وربما يعود أيضاً إلى تراجع القيمة الفعلية للأجور، الذي جعل التطلع إلى حياة مريحة من الطبقة الوسطى اعتماداً على راتب جامعي أمراً يزداد صعوبة.
لكن الاختلاف الحقيقي، في رأيي، يكمن في الدور المتعاظم بصورة هائلة الذي باتت تؤديه مؤسسات القطاع العام، مثل الجامعات، في أوروبا ما بعد الحرب. وهي نقطة ناقشها هوبزباوم نفسه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، في محاضرته الشهيرة "هل توقّف التقدّم إلى الأمام للحركة العمالية؟" (The Forward March of Labour Halted?).
فعندما بدأ هوبزباوم مسيرته الأكاديمية المهنية في أواخر أربعينيات القرن الماضي، كانت الجامعات مؤسسات صغيرة ونخبوية. لكن توسعها السريع جعلها، ولا سيما في أوروبا، مكوّنات أساسية للاقتصادات المحلية والإقليمية.
واليوم، أصبحت الجامعات تضاهي في أهميتها المصانعَ في أوائل القرن العشرين، وبات إغلاق جامعة أو إفلاسها ينطوي على خطر إحداث آثار كارثية مماثلة لتلك التي شهدتها بلدان أوروبية عديدة خلال عمليات تراجع التصنيع في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته.
ولهذا السبب، يبدو النضال الجاري اليوم دفاعاً عن التعليم العالي نضالاً وجودياً، على نحو لم يكن عليه الأمر بالنسبة إلى هوبزباوم وجيله.
