إريك فروم وثورة الأمل (ترجمة)

Erich Fromm in 1974. Wikimedia Commons / Müller-May / Rainer Funk. Modified.

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

في كثير من النواحي، يُعد فروم المفكر الأكثر ملاءمة لعصرنا من بين مفكري مدرسة فرانكفورت. فقد كان رؤيته واعية للعلاقات المتشابكة بين الاقتصاد والثقافة والعاطفة الإنسانية، وتجنّب فخاخ الاستسلام الحزين أو الحتميات الجامدة. وضع النزعات الرجعية في قلب تحليله، وسعى مع ذلك إلى تحديد طرق ملموسة للتقدم.

للكاتب/ة

في سياق سياسي ينزلق سريعًا نحو مخاطر، مع ركود يهدد بأن يكون بعمق الكساد الكبير، سيكون من غير المسؤول لخطاب اشتراكي أن يتجاهل خطر السلطوية، بقدر ما سيكون من غير المسؤول تصويرها كمصير محتوم. هنا، كما في انخراطه مع إنسانية ماركس، لا يزال لدى إريك فروم دروس ثمينة يقدمها لنا.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

02/10/2025

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

كتبها كيران دوركين ونشرت في مجلة "جاكوبين" في ١٨/٨/٢٠٢٠.

المفكر الاشتراكي الألماني إريك فروم طوّر نقدًا قويًا للثقافة السلطوية ردًا على صعود النازية. اليسار المعاصر لديه الكثير ليتعلمه من هذا النقد، ومن تفاؤله السياسي العنيد في مواجهة الأوقات الحالكة.

يُعد إريك فروم شخصية أُهملت ظلمًا، خاصة إذا قورن بزملائه السابقين في مدرسة فرانكفورت مثل ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو. يقدم تحليل فروم للثقافة السلطوية بديلًا أكثر واقعية في جوانب كثيرة عن النظريات المؤثرة لهوركهايمر وأدورنو، ويكشف أيضًا عن رؤية أكثر تفاؤلًا وأملًا في التعاطي مع مسألة التغيير الاجتماعي الجذري.

لقد همّش البحث الأكاديمي حول مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية مساهمة فروم، استمرارًا لاتجاه بدأه هوركهايمر نفسه بعد مغادرة فروم للمعهد عام 1939. وقد ترك ذلك صورة للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت تفتقر إلى التوازن، وخالية من تناول جدي لفكر فروم ونقده المؤثر للسلطوية.

تُظهر قصة فروم أن نقد الثقافة السلطوية — الذي يحدد الميل القوي نحو السلبية ورد الفعل في أوساط الناس — يمكن أن يحتفظ بجوهره، مع الحفاظ على بعض من تفاؤل النقد الماركسي الأصلي للرأسمالية، وتوجهه نحو الفعل السياسي هنا والآن.

السنوات المبكرة

وُلد فروم عام 1900 في أسرة يهودية أرثوذكسية من الطبقة الوسطى في فرانكفورت أم-ماين. كان مخططه الأول بعد ترك المدرسة أن يصبح باحثًا في التلمود، لكن والده أقنعه بدراسة القانون في جامعة فرانكفورت، حيث لم يستمر أكثر من عام قبل أن ينتقل إلى جامعة هايدلبرغ لدراسة الاقتصاد القومي.

في هايدلبرغ، درس على يد ألفريد فيبر (شقيق ماكس) وكارل ياسبرز وهانز دريش وهاينز ريكرت. حضر محاضرات في تاريخ الفلسفة وعلم النفس والحركات الاجتماعية والسياسية ونظرية الماركسية. في هذه الفترة واصل دراسته التلمودية إلى جانب عمله الأكاديمي، وكان للاشتراكية الرومانسية لمعلمه سلمان رابينكوف تأثير بالغ.

مثل هوركهايمر، امتنع فروم في تلك السنوات عن الانخراط المباشر في السياسة الاشتراكية؛ فلم ينضم لا للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني ولا للحزب الشيوعي. وظل اهتمامه الأكبر منصبًا على الدراسات اليهودية.

شارك في تأسيس معهد تدريس يهودي مؤثر (Freies Jüdisches Lehrhaus)، حاضر فيه مع شخصيات مثل فرانز روزنتسفاينغ، مارتن بوبر، غيرشوم شولم، ليو بايك، وزيغفريد كراكاور. كما أسس مصحًا في هايدلبرغ مع زوجته المستقبلية فريدا فروم-رايشمان، خصص للعلاج النفسي التحليلي للمرضى اليهود.

بدأ اهتمام فروم بالماركسية في منتصف العشرينيات، في الفترة التي وصفها كارل كورش بـ"أزمة الماركسية"، أثناء دراسته في معهد التحليل النفسي ببرلين. وكان، بعد أن تخلّى عن اليهودية، ضمن مجموعة من المفكرين الاشتراكيين المنشقين، منهم فيلهلم رايش وأوتو فينيخل، سعوا لتطبيق التحليل النفسي على القضايا الاجتماعية.

كان هدفهم، مثل كثيرين في ألمانيا حينها، فهم سبب إخفاق الاشتراكية في التحقق في بلد يملك طبقة عاملة ضخمة وحركة عمالية منظمة. متأثرين بنقد "الماركسية الميكانيكية" الذي بدأه لوكاش وكورش، حاولوا تحديد العوائق "الذاتية" أمام الاشتراكية، ورأوا أن التحليل النفسي أداة أساسية لتوضيحها.

الانضمام إلى مدرسة فرانكفورت

في هذه الفترة، تعرّف فروم إلى ماكس هوركهايمر، الذي كان مهتمًا أيضًا بإمكانات التحليل النفسي لفهم إخفاق الاشتراكية. كان هوركهايمر مرتبطًا بمعهد فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية، الذي أسسه فليكس فايل عام 1923.

بعد أن أصبح هوركهايمر مديرًا للمعهد عام 1930، تحولت وجهته من الدراسات الماركسية الأرثوذكسية إلى المزج بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية التجريبية، وخصوصًا المزج بين السوسيولوجيا والتحليل النفسي. وبمبادرة من هوركهايمر، التحق فروم بالمعهد، حيث شكّل معه القوة الفكرية المركزية في سنواته الأولى، في المزج بين الماركسية والتحليل النفسي قبل دخول أدورنو المشهد.

تولى فروم في المعهد قيادة دراسة ميدانية مبتكرة لعمّال ألمانيا. ووزع استبيانًا على نحو 3300 عامل لتحليل العلاقة بين تكوينهم النفسي وآرائهم السياسية. خلص إلى أن 10% سلطويون، 15% ديمقراطيون/إنسانيون، و75% بين الاثنين. وتوقع أن السلطويين سيدعمون الفاشية، بينما يقف الديمقراطيون ضدهم، لكن قوتهم قد لا تكفي إذا لم يكن الوسط مستعدًا نفسيًا للمقاومة.

رغم أن الدراسة لم تُنشر إلا في الثمانينيات بعنوان "الطبقة العاملة في ألمانيا الفيمارية"، إلا أنها أضاءت بوضوح على ما حدث لاحقًا مع النازية. وكانت من الأمثلة النادرة على البحث التجريبي في حياة العمال داخل تقاليد مدرسة فرانكفورت.

ظل فروم جزءًا مهمًا من المعهد في الثلاثينيات، وساهم في نقله إلى الولايات المتحدة بعد صعود النازيين، وأدار اتصالاته مع جامعة كولومبيا. كما شارك في تقرير "دراسات حول السلطة والأسرة" عام 1936، الذي مهّد لأعمال لاحقة حول "الشخصية السلطوية".

لكن تعديله لفرويد بدأ يباعد بينه وبين هوركهايمر. إذ رأى فروم أن المشكلة الأساسية في علم النفس هي علاقة الفرد بالمجتمع، لا المراحل الغريزية المحددة سلفًا كما عند فرويد. وزادت علاقة هوركهايمر الفكرية المتنامية بأدورنو من عزلته، فغادر المعهد عام 1939.

الخوف من الحرية

بعد فترة قصيرة من مغادرته المعهد، برز فروم على الساحة الفكرية الأميركية بعمله "الهروب من الحرية" (1941). كان الموضوع المركزي للكتاب أن أوروبا قد ضحّت بتقدمها عبر القرون نحو أشكال أعظم من الحرية السياسية — بل وحتى نحو الاشتراكية — باستسلامها للفاشية. أراد فروم أن يفسر كيف تمكنت النازية من السيطرة على ألمانيا، ولماذا دعم كثير من الأفراد أدولف هتلر.

طرح مفهوم "الشخصية السادية-المازوشية" أو "السلطوية"، التي تجمع بين نزوع إلى الخضوع وآخر إلى السيطرة، لتشكّل الأساس الإنساني للحكم السلطوي. سعى فروم إلى تجاوز التفسيرات التبسيطية للنازية، التي اعتبرتها مجرد ظاهرة سياسية أو اقتصادية، دون السقوط في التفسيرات النفسية البحتة (القول إن هتلر كان مجنونًا وأتباعه كذلك). لقد أراد أن يفهم النازية كمشكلة نفسية واجتماعية-اقتصادية في آن.

مثل معظم التحليلات الماركسية في ذلك الوقت، ركّز فروم على دور الطبقات الوسطى الدنيا. فقد رأى أن التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قد تركت أثرًا نفسيًا عميقًا، إذ جُرّد أفرادها من الدعائم التقليدية لكرامتهم الذاتية. شملت هذه التغييرات تراجع مكانة هذه الطبقة أمام الرأسمالية الاحتكارية والتضخم المفرط، إلى جانب الهزيمة في الحرب العالمية الأولى.

رصد فروم مشاعر عميقة من القلق والعجز استغلها هتلر. كانت رسالته السادية-المازوشية، المتمثلة في حب الأقوياء وكراهية الضعفاء، إلى جانب برنامجه العنصري الذي رفع "الألمان الأصليين" إلى قمة السلم التطوري، وسيلة للهروب من الأعباء النفسية غير المحتملة التي عاشها الناس جماعيًا.

لم يكن "الهروب من الحرية" تحليلًا للنازية فحسب؛ بل كان في جوهره أطروحة أن الرأسمالية، خصوصًا في مرحلتها الاحتكارية، تولّد "شخصية تشعر بالعجز والوحدة والقلق وانعدام الأمان"، ما يدفعها للتخلي عن حريتها لقادة سلطويين.

أشار فروم صراحة إلى أن شروط الفاشية موجودة أيضًا في الولايات المتحدة: آثار الكساد الكبير، وأشكال العمل الصناعي الآلية المتزايدة، وانتشار الدعاية السياسية والإعلانات شبه التنويمية، مقترنةً بنزعة نفسية واسعة لدى شريحة كبيرة من السكان نحو "التوافق الآلي".

التوجه التسويقي

عاد فروم إلى موضوع التوافق الاجتماعي بعد أربعة عشر عامًا في كتابه "المجتمع السليم" (1955)، حيث حدد "مرضية معيارية" واسعة الانتشار تحكم المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. انتقد فروم المجتمع الأميركي في منتصف القرن العشرين، واعتبره شكلًا بيروقراطيًا من الرأسمالية الاستهلاكية الجماهيرية.

استعمل فروم مفهوم "التوجه التسويقي" لوصف الشخصية المهيمنة الجديدة في المجتمع الأميركي. كان هذا المفهوم انعكاسًا اجتماعيًا-نفسيًا لمفهوم الاغتراب الماركسي: أن الإنسان مغترب عن ذاته وقدراته. فـ"التوجه التسويقي" يعني أن يعيش الفرد نفسه والآخرين كسلع، حرفيًا كأشياء معروضة للتسويق.

أظهر "المجتمع السليم" بعض التقاطع مع تركيز منظري مدرسة فرانكفورت الآخرين على اندماج الطبقة العاملة في الرأسمالية، لكنه اتسم بإحساس أكبر بإمكانات التغيير، رغم أن فروم لم يحدد فاعلًا اجتماعيًا بعينه يقود هذا التغيير. وقد خصص مساحة واسعة لبدائل عملية، منها دراسة نموذجية لممارسات عمل جماعية مثل مصنع علب الساعات لمارسيل باربو في بويمنادو.

كما انتقد فروم بعض جوانب المشروع الماركسي التقليدي، خاصة مفهوم الثورة. فقد اعتبر أن هناك خطأ نفسيًا عميقًا في العبارة الشهيرة التي تختم "البيان الشيوعي": "ليس للعمال ما يخسرونه سوى قيودهم". فالعمال يخسرون أيضًا "كل الحاجات غير العقلانية والإشباعات التي نشأت أثناء ارتدائهم لتلك القيود".

جادل فروم بأننا بحاجة إلى مفهوم موسّع للثورة: لا يقتصر على الحواجز الخارجية بل يشمل الحواجز الذاتية الداخلية أيضًا. بحيث يتناول جذور الشهوات السادية-المازوشية مثل التمييز الجنسي والعنصرية والقومية وغيرها من تشوهات الشخصية الفردية والاجتماعية، التي لا تختفي بالضرورة بسرعة في ظل مجتمع جديد.

الرأسمالية والحب

واصل فروم تحليله للعوائق الذاتية أمام الاشتراكية الإنسانية الحقيقية في كتابه الأشهر "فن الحب" (1956). وكان مصرًّا على أن هناك تعارضًا جوهريًا بين "المبدأ الذي تقوم عليه الرأسمالية" و"مبدأ الحب".

فالنقد الموجه للحب — الذي لا يقتصر عند فروم على مظاهره العاطفية الرومانسية — كان نقدًا للرأسمالية أيضًا، وللطرق التي تعيق بها الأشكال الأصيلة للحب التي لا تتحقق إلا في مجتمع أكثر إنسانية. دعا فروم إلى تحليل شروط إمكان تحقيق الحب والنزاهة في المجتمع الراهن والعمل على تقويتها.

في الخمسينيات انضم فروم إلى الحزب الاشتراكي الأميركي–اتحاد الديمقراطيين الاجتماعيين، وسعى للتأثير في برنامجه. ونشر وثيقة بعنوان "ليَسُد الإنسان" (1958)، صاغ فيها شكلًا مميزًا من الماركسية أسماه "الإنسانية الراديكالية". كانت النص مليئًا بانتقاد الاتحاد السوفييتي بوصفه "اشتراكية مبتذلة ومشوّهة".

طرح فروم بديلاً: اشتراكية ديمقراطية إنسانية تضع الإنسان في المركز. وأنهى الوثيقة بمجموعة أهداف قصيرة ومتوسطة المدى، مثل تعزيز المشاركة الشعبية في الاقتصاد والتعليم والسياسة. في الوقت الذي كان فيه هوركهايمر وأدورنو يبتعدان أكثر عن السياسة بعد أوشفيتز، كان فروم — الأكثر يهودية بين مفكري مدرسة فرانكفورت — يقترب منها أكثر.

العودة إلى ماركس

في كتابه "مفهوم الإنسان عند ماركس" (1961)، عاد فروم إلى ماركس. تضمن الكتاب أول ترجمة إنجليزية كاملة لمخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية، التي أصبحت مرجعًا أساسيًا للماركسية الإنسانية، مع مقدمات قصيرة كتبها فروم نفسه. سعى إلى استعادة الماركسية إلى أصلها كـ"إنسانية جديدة" منزّهة عن تحريفات الشيوعية السوفييتية والصينية.

ساهم الكتاب في نشر ماركس في الولايات المتحدة وتحدي الصور المشوهة عنه في العالم الناطق بالإنجليزية. ومع أنه لم يخلُ من مشكلات — فقد اعترف فروم في رسالة إلى رايا دنايِفسكايا بأن عرضه "مجردي أكثر مما ينبغي" — فإنه ركّز على مجمل عمل ماركس، ورفض فكرة القطيعة بين "ماركس المبكر" و"ماركس المتأخر" التي روّج لها لويس ألتوسير.

واصل فروم انخراطه مع ماركس بكتابه "ما وراء قيود الوهم" (1962)، حيث طوّر نظريته الاجتماعية-التحليلية للشخصية الاجتماعية، وأشاد بالحدس النفسي الضمني في فكر ماركس. وأكد أن ماركس مفكر "أعمق وأوسع بكثير من فرويد".

كما لعب دورًا رئيسيًا في إصدار "الإنسانية الاشتراكية: ندوة دولية" (1965)، جامعًا مساهمات من إنسانيين ماركسيين من أوروبا الشرقية (خصوصًا مدرسة البراكسيس اليوغوسلافية) وأفريقيا والهند، إلى جانب أسماء مثل ماركيوز، إرنست بلوخ، ليوبولد سنغور، وكارل كوسيك.

التعامل مع السياسة

ظل فروم شخصية بارزة في اليسار الأميركي، رغم إقامته الطويلة في المكسيك. وعلى عكس هوركهايمر وأدورنو اللذين رفضا انتقاد حرب فيتنام، كان فروم صريحًا في معارضته للحرب، وألقى خطبًا في الجامعات، وكتب خطبًا للسيناتور يوجين مكارثي في حملته ضد ليندون جونسون 1967–1968.

في هذا السياق صاغ مذكرة مطولة بعنوان "مذكرة حول البدائل السياسية"، اقترح فيها حركات ديمقراطية قاعدية يمكن أن تشكّل أساسًا لحركة جماهيرية. وبعد فشل حملة مكارثي الرئاسية، نُشرت المذكرة بعنوان "ثورة الأمل" (1968).

دافع فروم عن نفسه ضد من اتهموه بالإصلاحية الاجتماعية-الديمقراطية، ومنهم صديقه القديم هربرت ماركيوز. وردًا على تشاؤم ماركيوز في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد" (1964)، قال فروم: "إذا لم يكن المرء معنيًا بالخطوات بين الحاضر والمستقبل، فهو لا يتعامل مع السياسة، راديكالية كانت أم غير ذلك".

بعد أواخر الستينيات وبسبب أزمات قلبية متكررة، تراجع نشاط فروم السياسي، وركز أكثر على الأكاديميا. لكنّه لم يقطع صلته بالقضايا اليسارية. في كتابه "تشريح التدميرية الإنسانية" (1973) ناقش طبيعة الإنسان ورفض التصورات التي تراه عدوانيًا وجشعًا بالفطرة، والتي شكّلت لاحقًا أساس الفكر النيوليبرالي.

أما آخر كتبه السياسية والاجتماعية، "الوجود أم التملك؟" (1976)، فقد صدر بعد عودته إلى أوروبا. تناول فيه من جديد مخطوطات ماركس لعام 1844، ودمجها مع نقد للرأسمالية من زاوية تدميرها البيئي، مما ألهم الحركة الخضراء الأوروبية. وجدد دعوته لإصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية عملية، مقتربًا أكثر من ماركس بإعلانه "بداية الانحدار — المتسارع — للرأسمالية".

مفكر لعصرنا

في واحدة من قلة تعليقاته على هوركهايمر ومدرسة فرانكفورت، كتب فروم في أواخر حياته:

"على حد علمي، الأمر كله خدعة، لأن هوركهايمر كان خائفًا... من التحدث عن نظرية ماركس. استخدم لغة عامة غامضة وتحدث عن 'النظرية النقدية' كي لا يقول 'نظرية ماركس'. أعتقد أن هذا هو كل ما وراء اكتشاف هوركهايمر وأدورنو لـ'النظرية النقدية'."

ورغم أن كتابات فروم لم تولِ اهتمامًا كافيًا لموجات الاضطراب العمالي في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، فإنه، خلافًا لهوركهايمر، لم يعتبر صعود الفاشية نهاية المشروع الاشتراكي. بل دفعه هذا الصعود نحو انخراط أعمق في السياسة اليسارية، بطابع من الأمل الراديكالي والتفاؤل، وعودة إلى ماركس لإحياء اليسار جماهيريًا.

في كثير من النواحي، يُعد فروم المفكر الأكثر ملاءمة لعصرنا من بين مفكري مدرسة فرانكفورت. فقد كان رؤيته واعية للعلاقات المتشابكة بين الاقتصاد والثقافة والعاطفة الإنسانية، وتجنّب فخاخ الاستسلام الحزين أو الحتميات الجامدة. وضع النزعات الرجعية في قلب تحليله، وسعى مع ذلك إلى تحديد طرق ملموسة للتقدم.

في سياق سياسي ينزلق سريعًا نحو مخاطر، مع ركود يهدد بأن يكون بعمق الكساد الكبير، سيكون من غير المسؤول لخطاب اشتراكي أن يتجاهل خطر السلطوية، بقدر ما سيكون من غير المسؤول تصويرها كمصير محتوم. هنا، كما في انخراطه مع إنسانية ماركس، لا يزال لدى إريك فروم دروس ثمينة يقدمها لنا.

 

إسرائيل في عيون مدرسة فرانكفورت: قراءة في موقف المنظرين النقديين من الدولة اليهودية

هوامش

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع