في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر2023؛ ندَّدت أصواتٌ غربيةٌ كثيرة من ساسة ومثقفين ومفكرين وأدباء وإعلاميين بهجوم المقاومة الفلسطينية على غلاف غزة، ووصفته بالعمل الإرهابي، وأعطت إسرائيل حق الدفاع عن نفسها.
ساهم هذا التنديد في منح إسرائيل غطاءً دوليًّا لما فعلته منذ اليوم التالي للهجوم إلى الآن من قصف يومي على قطاع غزة أسفر عن انعدام الحياة في القطاع وتجويع سكانه وقتل وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين بدعوى القضاء على حماس واستعادة الرهائن، فيما بات يُعرف اليوم بحرب الإبادة.
كان من أبرز الأصوات المنددة بهجوم السابع من أكتوبر؛ المفكر والفيلسوف الألماني «يورجن هابرماس Jürgen Habermas» أحد أبرز المنظرين النقديين ورائد الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت؛ حيث أصدر في الثالث عشر من نوفمبر 2023، مع ثلاثة فلاسفة ألمان آخرين، على منصة «نورماتيف أوردرز normativeorders» بيانًا حول ما يجري في قطاع غزة، أدان فيه ما وصفه بـ«المجزرة التي ارتكبتها حماس ضد إسرائيل بنية إبادة الحياة اليهودية بشكل عام».
يقودنا هذا الموقف لهابرماس إلى السؤال عن موقف الجيل الأول من مؤسسي المدرسة من وجود الدولة اليهودية في حد ذاتها ومن سياسات إسرائيل؛ بخاصة أن هذا الجيل، وهم من اليهود الألمان، عاصروا الحقبة النازية وعانوا من ويلات العنصرية، كما عاصروا تأسيس الدولة اليهودية وشهدوا الحروب التي خاضتها مع العرب في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
يبحث هذا المقال في مواقف الجيل الأول من خلال استعراضه وتحليله لآراء ومواقف وبيانات عددٍ منهم. لكن قبل أن نتطرق إلى ذلك؛ نُلقي نظرة عامة على النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت، ونتعرف على قيمتها الفكرية في الغرب في القرن العشرين، لنقف على قيمة مواقف روادها في قضية حيوية ومهمة كالقضية الفلسطينية، وحجم تأثيرها في النظر إلى القضية في المجتمع الغربي.
نظرة على مدرسة فرانكفورت
في عام 1923، أسَّس مجموعةٌ من المفكرين وعلماء الاجتماع اليساريين الألمان من أصول يهودية في مدينة فرانكفورت معهدًا للبحوث الاجتماعية؛ بغرض إحياء الجانب النقدي في الفلسفة الماركسية، واستطاعوا أن يُؤسِّسوا مشروعًا فلسفيًّا أحدث تأثيرًا كبيرًا في فلسفة القرن العشرين، عُرف بـ«النظرية النقدية» وعُرف فلاسفته بفلاسفة «مدرسة فرانكفورت» لوجود المعهد في مدينة فرانكفورت الألمانية.
استقى فلاسفة هذه المدرسة أفكارهم من تراث الفلسفة المثالية الألمانية، وفي مقدمته تراث هيجل Hegel، ومن كتابات كارل ماركس Karl Marx، ومن الفلسفات الاجتماعية الألمانية بخاصة فلسفة ماكس فيبر Max Weber ، ومن فلسفة التحليل النفسي عند سيجموند فرويد Sigmund Freud.
اشتبكت مدرسة فرانكفورت مع الفلسفة الأوروبية الحديثة، ومع الأسئلة الجوهرية حول الحرية والهيمنة والعقلانية والتحرُّر، وكشفت عن التناقضات العميقة في المشروع الحداثي، وانتقدت «ثقافة عصر التنوير»، لاعتمادها على العقل الأداتي البراجماتي الذي يختزل الإنسان في بُعدٍ واحد وينظر إليه باعتباره وجودًا ماديًّا صِرفًا، فضلًا عن تحوُّل العقلانية إلى أيديولوجيا شمولية، وكذلك بروز الفاشية والنازية.
وجَّهت مدرسة فرانكفورت سهام نقدها أيضًا إلى المجتمع الصناعي والنظام الرأسمالي وغلبة النزعة المادية واستغلال الطبقة العاملة؛ حيث أدى هذا المجتمع الصناعي المتقدِّم إلى اغتراب الإنسان وتشيُّئه، وتحوُّله إلى عنصر ضئيل في جهاز الإنتاج الهائل الذي تحدِّده «الميكنة»، حتى صار عجلة صغيرة مجهولة قابلة لاستبدالها بغيرها داخل «العالم التقني» الضخم.
تمتاز النظرية النقدية بالطابع الثوري، حيث تسعى إلى تغيير المجتمع تغييرًا ثوريًّا، لا يقتصر على أشكاله وتنظيماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فحسب، وإنما يمتدُّ إلى بنية التفكير والمواقف والحاجات واللغة التي يستخدمها الناس في ذلك المجتمع.
يرجع الفضل إلى مدرسة فرانكفورت في تخليص الفلسفة من طابعها التجريدي وربطها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية واقترابها من الحياة الواقعية، مما جعل لأفكارها تأثيرًا كبيرًا في كثير من الحركات الاجتماعية في أوروبا في القرن العشرين.
تألَّفت مدرسة فرانكفورت، كما ذكرنا سابقًا، من مجموعة من المفكرين اليساريين اليهود الألمان في عشرينيات القرن العشرين مثل: ماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1895-1973)، وتيودور أدورنوTheodor Adorno (1903-1969)، وهربرت ماركوزه Herbert Marcuse (1898-1979)، وليو لوفينثالLeo Löwenthal (1900-1993)، وإريك فروم Erich Fromm (1900-1980)، وغيرهم. ونظرًا للخلفية اليهودية لهؤلاء المفكرين فقد تأثروا بمعاداة السامية المنتشرة في أوروبا بخاصة في ألمانيا آنذاك، حيث تفاقمت مع تولِّي أدولف هتلر الحكم وسيطرة النزعة النازية وشن حرب الإبادة ضد عددٍ من القوميات من بينها اليهود.
أدى اعتلاء هتلر عرش ألمانيا، إلى هجرة الكثير من اليهود الألمان، ومن بينهم المنظِّرون النقديون، هربًا من الهولوكست، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية وجهة كثير منهم؛ حيث انتقل إليها كل من ماكس هوركهايمر وهربرت ماركوزه وتيودور أدورنو وإريك فروم، وواصلوا مشاريعهم الفكرية ودرَّسوا في الجامعات الأمريكية، ونال عددٌ منهم الجنسية الأمريكية.
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ومُني هتلر بهزيمة ساحقة، عاد عددٌ من هؤلاء الفلاسفة إلى ألمانيا مرة أخرى، بينما فضَّل آخرون البقاء في منفاهم الاختياري، لكنهم واصلوا نشاطهم الفكري والنقدي وتأليف مجموعة كبيرة من الكتب المهمة الشارحة لأفكارهم ورؤاهم ونظرياتهم الفلسفية، والتي تُعد من أهم الإنجازات الفلسفية في القرن العشرين، ومنطلقًا لأكثر النظريات والتصورات التي انتقدت مفهوم التقنية في مختلف تجلياتها.
المنظِّرون النقديون والدولة اليهودية
طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، حيث كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين في أوج نشاطها في أوروبا؛ لم يُقدِم أحدٌ من المنظرين النقديين على الهجرة إليها، أو تعاطف مع الصهيونية كحركة تسعى إلى تجميع اليهود في فلسطين. وفي أثناء الحقبة النازية واضطرارهم إلى الهروب من أفران هتلر، لم يُفكروا في السفر إلى فلسطين، وإنما آثروا الإقامة في دول أوروبية أخرى وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لم تكن فلسطين وجهة أي منهم. فضلًا عن أن فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لم تستحوذ على اهتمامهم آنذاك.
لكن بعد قيام دولة إسرائيل بالفعل عام 1948م؛ بدأت مواقف المنظرين النقديين تجاه هذه الدولة الوليدة تتشكل، وأخذت بُعدًا عاطفيًّا لدى الكثير منهم متأثرين بما عايشوه في الحقبة النازية، وبمعاداة السامية المنتشرة في أوروبا، وبخلفياتهم اليهودية وتعمقهم في الديانة اليهودية. وللتعرُّف على مواقف المنظِّرين النقديين الأوائل، نستعرض فيما يلي آراء وتصريحات اثنين منهم هما: هربرت ماركوزه وإريك فروم؛ حيث يُعدان من أبرز ممن اشتبكوا مع الدولة اليهودية وتأسيسها في فلسطين بالتحديد، ويعبران عن الرأيين الرئيسيين في المدرسة تجاه هذه القضية.
هربرت ماركوزه: مفكر يساري يدعم حق المواطنة على أساس الدين
يُعد هربرت ماركوزه من أبرز رواد الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، وصاحب بصمة واضحة في تشكيلها، ويُعد كتابه «الإنسان ذو البُعد الواحد» الذي نقد فيه الرأسمالية والمجتمع الصناعي والهيمنة التقنية نقدًا حادًّا، من الكتب التأسيسية في النظرية النقدية. وهو رائد تيار «اليسار الجديد» في أوروبا وأمريكا، وله تأثير كبير في الحركات الطلابية في الستينيات.
لذا، فإن أي موقف يتخذه مفكر بقيمة ماركوزه وتأثيره، سيكون له تأثيرٌ كبير في العقل الغربي، ومن هنا تأتي أهمية وخطورة موقفه تجاه القضية الفلسطينية، لأنه ساهم في تشكيل الوعي الغربي بالقضية، ومن ثمَّ أثَّر على حضورها عالميًّا.
كان ماركوزه من أكثر المنظرين النقديين تأييدًا لإسرائيل؛ حيث دعَّم "حقها" في الوجود وفي الدفاع عن نفسها وحق اليهود في مكان يأمنون فيه على أنفسهم من الاضطهاد الذي عانوا منه في أوروبا، وصرَّح بذلك في مناسبات كثيرة؛ ففي أثناء زيارته إلى برلين بدعوة من حزب SDS الألماني، في صيف 1967م وبعد وقت قصير من احتلال إسرئيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان وسيناء، قال:
«لا أستطيع نسيان أن اليهود كانوا على مدى قرون مضطهدين، وأنه منذ وقت قريب قُضي على ستة ملايين منهم، وعندما يُنشأ مكان لهؤلاء الناس، حيث لا يخشون الاضطهاد والقمع، فهذا هو الهدف الذي يجب أن أعلن تعاطفي معه وأنا أتفق مع جان بول سارتر، الذي قال إنه في جميع الظروف يجب منع حرب إبادة جديدة ضد إسرائيل … وفي ظل هذه الظروف يجب فهم وتقييم الحرب الوقائية [1967].»
يُفهم من هذا التصريح، أن تأييد ماركوزه لإسرائيل هو تأييد للفكرة والغاية، أيًّا كانت الوسيلة، ولو كانت على حساب أصحاب الأرض الأصليين، بل اعتبر حرب 1967 حربًا وقائية لحماية إسرائيل من جيرانها العرب، وكانت معارضته لبعض السياسات الإسرائيلية اللاحقة انطلاقًا من حرصه على بقاء هذا الدولة وعيشها في سلام، لذا فإن نقده كان من باب النُصح لا الرفض، وهو ما يتجلى في تصريحات لاحقة، وخاصة تلك التي أدلى بها في مقابلة أجراها عام 1970م مع صحيفة ستريت جورنال الأمريكية، حيث قال:
«لقد دافعت دائمًا عن إسرائيل، لأنني لا أستطيع نسيان حقيقة أن ستة ملايين يهودي أُبيدوا، وأنه لا ينبغي حدوث ذلك مرة أخرى. وهذا يعني ضرورة حماية اليهود من تكرار مثل هذه المذبحة. لكن يبدو لي الآن أن السياسة الإسرائيلية، إذا لم تتغير تجاه العرب بشكل جذري، قد تؤدي إلى تكرارها.»
وقد أشار ماركوزه في أثناء هذا اللقاء إلى ثلاثة حوادث تُدين إسرائيل وهي: مذبحة بحر البقر عام 1970م التي قٌتل فيها ثلاثون طفلًا مصريًّا، وتقرير يتهم إسرائيل بتعذيب السجناء العرب، ورفض الحكومة الإسرائيلية زيارة «ناحوم جولدمان Nahum Goldmann» رئيس المنظمة الصهيونية العالمية بسبب تشجيعه للإسرائيليين على تقديم تنازلات للفلسطيينين لتحقيق السلام. وعقَّب ماركوزه على هذه التقارير قائلًا: «كوني يهودي وعضو في اليسار الجديد، لم يعد بإمكاني الدفاع عن السياسات الإسرائيلية، ويجب أن أتفق مع أولئك الذين ينتقدون إسرائيل بشكل جذري».
وعندما طرحت عليه الصحيفة سؤالًا أخيرًا: «هل ترون مذبحة قادمة لليهود؟» أجاب: «ما لم تحسم إسرائيل أمرها وتُقيم علاقات إنسانية مع العرب وتعاملهم كبشر، فإنني أخشى تكرار مثل هذا الوضع عاجلًا أم آجلًا.»
عند النظر إلى هذه التصريحات في ضوء حرب الاستنزاف، واستمرار المقاومة الفلسطينية المسلحة، واكتشاف ماركوزه أن حرب 1967م لم تكن وقائية كما رُوِّج لها، ودخول إسرائيل في حرب واسعة تُكبِّدها خسائر يومية، فإننا يمكن اعتبارها نذيرًا لما ستواجهه إسرائيل في المستقبل، وهو ما حدث في حرب 1973م.
لم يقف ماركوزه في نقده عند السياسات الإسرائيلية، بل نقد أيضًا الأنظمة العسكرية العربية؛ حيث كتب في مقدمته للطبعة العبرية لكتابه «الإنسان ذو البعد الواحد»: «إن الأنظمة العسكرية والأحزاب الشمولية لا تضمن الحرية والاستقلال.»
ماركوزه في إسرائيل
زار ماركوزة إسرائيل في ديسمبر1971؛ استجابةً لدعوة «معهد فان لير في القدس The Van Leer Jerusalem Institute»، وألقى عددًا من المحاضرات في المعهد، والجامعة العبرية، وبئر السبع، وحيفا. واتسمت محاضرته في المعهد بالحضور الكثيف من الأساتذة والطلاب إلى درجة أن 300 شخص لم يتمكنوا من دخول القاعة لازدحامها، واستمعوا إلى المحاضرة عبر مكبرات الصوت.
أدلى ماركوزه في تلك المحاضرة بتصريحات داعمة للحركة الصهيونية التي اعتبرها «حركة تحرر وطني»، وأيَّد الهجرة اليهودية إلى فلسطين إذ رآها «إحدى الطرق التي تحمي اليهود من الاضطهاد»، وانتقد بعض عناصر اليسار الجديد المعارضين لوجود دولة إسرائيل. لكن عندما سأله أحد الطلاب إن كان هو نفسه يُفكر في الهجرة إلى إسرائيل أجاب مبتسمًا: «الأمر يتوقف على ما يجري في هذا البلد»، إشارة إلى وضع إسرائيل المأزوم وسياستها ضد العرب.
في أثناء زيارته، التقى ماركوز بعددٍ من الشخصيات البارزة في إسرائيل والضفة الغربية، وأثمرت هذه اللقاءات عن تعرُّفه عن قُرب على طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي وأبعاده، وعلى المجتمع الإسرائيلي من الدخل، والطريقة التي يُفكر بها ساسة إسرائيل.
كان ممن التقى بهم ماركوزه في إسرائيل: «موشيه سنيه Moshe Sneh» رئيس أركان عصابات الهاجاناه بين عامي 1941 و1946، والروائي والصحفي الإسرائيلي «عاموس عوز Amos Oz» وهو أبرز الكُتَّاب الإسرائيليين الذين حلَّلوا توترات المجتمع الإسرائيلي ومعضلاته، وصاحب رواية «حنة وميخائيل» التي كتبها عام 1968م، وتسلل فيها إلى العالم الداخلي للشخصيات الإسرائيلية، والتي تُرجمت إلى ثلاثين لغة من بينهم العربية. وقد خرج ماركوزه من حواره مع عوز بفهم عميق لتعقيدات الهوية الإسرائيلية.
التقى ماركوزه أيضًا بشخصيات عربية في الضفة الغربية، مثل: الكاتبة والصحفية الفلسطينية ريموندا الطويل وهي والدة سهى التي ستُصبح فيما بعد زوجة ياسر عرفات، والسياسي الفلسطيني ورئيس بلدية نابلس حينها حمدي كنعان.
لكن أبرز اللقاءات التي أجراها ماركوزه في تلك الزيارة؛ كانت مع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك «موشيه ديان Moshe Dayan»، الذي اعترف لماركوزه حينها أنهم أخذوا من العرب «أرضًا عربية وجعلوها يهودية»، ودار بينهما نقاش طويل حول أمن إسرائيل. وبينما كان الفيلسوف يرى أن على إسرائيل الرجوع إلى حدود ما قبل 1967م حتى يُمكنها تحقيق السلام مع العرب، اعتبر الجنرال ذلك «علامة على ضعف إسرائيل».
كان لزيارة ماركوزه لإسرائيل تأثير كبير في تطوُّر موقفه تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما ظهر جليًّا في بيانه الذي أصدره بشأن تلك الزيارة، ونشرته صحيفة جيروزالم بوست الإسرائيلية، وتُرجم إلى العبرية في صحيفة هآرتس، ثم إلى العربية لاحقًا. قدَّم فيه رؤية نقدية للصراع العربي الإسرائيلي، حيث أوضح أن الدول الكبرى سهَّلت قيام دولة إسرائيل لأن ذلك ينسجم مع مصالحها، وأن الاستيطان تم دون مراعاة حقوق السكان الأصليين، وأن أساس الدولة ينطوي على تهجير الفلسطينيين، وأن ضم إسرائيل للأراضي يضر بمصالحها.
وطالب ماركوزه إسرائيل في بيانه، بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967م من أجل تحقيق السلام، ووصفها - لأول مرة - أنها «قوة احتلال» وأن الحركة الفلسطينية «حركة تحرر وطني»، وقدَّم اقتراحًا لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وهو إعادة توطينهم في إسرائيل إما على الأراضي التي كانوا يملكونها قبل عام 1948م أو على أراضي أخرى في الدولة. ورد على الاعتراض المحتمل بأن هذا الحل سيحول الأغلبية اليهودية في الدولة إلى أقلية، قائلًا:
«أعتقد أن السياسة الساعية إلى تأمين استمرار الأكثرية مصيرها الفشل، لأن السكان اليهود محكومون بأن يبقوا أقلية داخل الحيز الواسع للدول العربية، وخصوصًا أنهم غير قادرين على الانفصال إلى الأبد عن هذه الدول من دون الوقوع في مناخ الجيتو ولو على قياس أكبر… لن يجد الشعب اليهودي الحماية المستديمة في وجود أكثرية منغلقة على نفسها ومنعزلة وسط مشاعر الخوف».
تضمَّن البيان أيضًا حلولًا مقترحة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والتي يُمكن إجمالها في إنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وعن شكل هذه الدولة سواء أن تكون كيانًا مستقلًا أم اتحادًا مع إسرائيل أو الأردن؛ فهذا يُحدده الفلسطينيون في استفتاء فلسطيني تحت رعاية الأمم المتحدة.
يتضح من هذا البيان تغيير عميق في النبرة التي يتحدث بها ماركوزة عن دولة إسرائيل، والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته. وهو تغيير ناجم عن زيارة ماركوزه لإسرائيل ومشاهدة الوضع في فلسطين عن قُرب، مما يكشف لنا أن الموقف المؤيد لإسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين الذي يتخذه كثيرٌ من الكتاب الغربيين؛ هو موقف سلبي متأثر بالسياسة الغربية تجاه إسرائيل وفارغًا من الرؤية الصحيحة لحقيقة الصراع وجوهره.
إريك فروم: عالم نفس يهودي يرفض الدولة اليهودية
على عكس ماركوزه الذي أيَّد وجود دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، كان موقف المفكر وعالم النفس الشهير إريك فروم الذي كان عضوًا أساسيًّا في مدرسة فرانكفورت، وقدَّم إسهامات شديدة الأهمية في مجال علم النفس، وكان لكتاباته أثر بالغ بخاصةً كتابه «الخوف من الحرية» الذي نشره عام 1941، وناقش فيه معنى الحرية بالنسبة للإنسان، وحلَّل فيه أيضًا الظروف السيكولوجية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى والتي غذَّت في رأيه الفكر النازي.
اتسم موقف إريك فروم بالرفض لفكرة الدولة اليهودية نفسها والنقد الحاد للسياسات الإسرائيلية، مع إدراك تام لأزمة اليهود في المجتمع الغربي ومعاناتهم من معاداة السامية. حيث رفض فروم أن يكون حل مشكلة يهود أوروبا على حساب عرب فلسطين؛ لذا نجده يقيم علاقات قوية مع الزعيم الثوري والاشتراكي «إسحاق شتاينبرغ Isaac Steinberg» (1888-1957) رئيس رابطة فريلاند (Freeland League) ، وهي منظمة دعت إلى حل غير صهيوني للمشاكل التي تواجه يهود أوروبا، وإيجاد ملاذ آمن لهم في أماكن غير مأهولة بالسكان، واعتبرت فلسطين غير مناسبة لتوطين اليهود لأنها مأهولة بالفعل بالسكان العرب وأن هجرة اليهود إليها سيؤدي إلى الاقتتال بدلًا من التعايش.
أشاد فروم بالرابطة ووصف مهمتها الرئيسية بأنها «إنشاء مستوطنات يهودية دون تطلعات سياسية، ودون تهجير مجموعات أخرى، على أساس الأخلاق اليهودية والاقتصاد العادل»، مشيرًا إلى أن هذه المهمة «مُهمة بما فيه الكفاية».
كان رفض إريك فروم للدولة اليهودية نابعًا من عمق معرفته بالديانة اليهودية، ونرى ذلك بوضوح في مقاله المنشور عام 1950 بعنوان «الدولة اليهودية والرؤية المسيحانية»؛ حيث ذكر فيه: «الادعاء بأن الدولة هي تحقيق للآمال اليهودية في المسيح يتناقض مع المبادئ والقيم الأساسية للتقاليد اليهودية … العبادة الهستيرية للدولة اليهودية كتحقيق للآمال المسيانية؛ خيانة لأفضل ما في التقاليد اليهودية … تصرفات قادة إسرائيل تتعارض مع تعاليم اليهودية»، واعتبر أن مطالبة اليهود بأرضٍ عاش عليها أجدادهم قبل ألفي عام أمرٌ مجنون وغير واقعي.
انشغل فروم أيضًا بعرب فلسطين الذين هُجِّروا من أراضيهم وتوزعوا في الشتات، وهو ما يظهر في تعليقه على لقاءه بناحوم جولدمان عام 1957م، حيث قال في رسالته لرجل الدين الأمريكي جيمس بايك: «سررت بتأييد الدكتور جولدمان للرأي القائل بأن الحكومة الإسرائيلية مُلزمَة أخلاقيًّا بتعويض العرب بالكامل عن خسائرهم في الممتلكات، وشرحت له ضرورة قيامها بإعلان ذلك بشكل صريح ودون ربطه بمفاوضات السلام. أضفت أنه سيكون أمرًا جيدًا إذا اعترفت الحكومة الإسرائيلية بحق العودة لجميع اللاجئين العرب … وأفترض أنه إذا عاد جميع العرب فإن ذلك يعني أن إسرائيل ستكون دولة ثنائية القومية حقًّا … أعتقد أن هذا هو الحل المعقول الوحيد … أنا لا أكتب عن كل هذا كحل عملي، بل كمسألة ضمير.»
إلى جانب الوازع الديني الذي استند إليه فروم في رفضه للدولة اليهودية، كان هناك أيضًا وازعًا أخلاقيًّا، وهو ما يتضح في وصفه الذي صرَّح به عام 1957م في رسالة طويلة إلى «نورمان توماس Norman Mattoon»، أحد أبرز قادة الحزب الاشتراكي الأمريكي، قال فيها: «أعتقد أن الموقف الكامل للدولة، التي مبررها الأخلاقي الوحيد هو إيجاد منزل للمشردين، والتي تفعل ذلك من خلال حرمان العديد من الأشخاص الآخرين من منازلهم، هو موقف لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيًّا، بل غبي حقًّا سياسيًّا.»
وفي أعقاب حرب 1967، أعرب فروم أيضًا عن مخاوفه من السياسة الإسرائيلية، وقال في رسالة إلى صديقه البروفيسور «كارل درامشتادتر Karl D. Darmstadter» أن هذا يُذكره «ببرنامج الفصل العنصري في جنوب أفريقيا». وفي وقت لاحق أخبره بأن «الإسرائيليين خلقوا مليون عربي مشرد ويرفضون تصحيح الخطأ … دمَّر هتلر نصف الشعب اليهودي جسديًّا، لكنني أخشى أن تدمر الدولة الصهيونية جوهر اليهودية. إن نزعتها العسكرية وغطرستها وعدم احترامها للعرب، والتي تثير إعجاب الجيش الأمريكي والدوائر الرجعية، هي في الواقع عكس التعاليم النبوية تمامًا … بهذه السياسة تُعدُّ إسرائيل أحد أكبر الأخطار التي تهدد السلام العالمي».
أمام الانتقاد المستمر للدولة اليهودية، تعرَّض فروم للهجوم من قبل الصهاينة ووُصِفَ بأنه «عدواني للغاية ومعادي للصهيونية ولإسرائيل»، وأنه «ابتعد عن التقاليد اليهودية»، فردَّ عليهم فروم قائلًا:
«في الواقع أنا ضد فكرة الدولة في حد ذاتها، بخاصة إذا اتضح أنها قاعدة للإمبريالية الأمريكية في الشرق الأدنى … موقفي الكامل تجاه إسرائيل والعرب لا يمكن فصله عن تحليل الوضع العالمي برمته لقوة أمريكا والإمبريالية الأوروبية … إنني أنظر إلى الأحداث السياسية في الشرق الأدنى من وجهة نظر هذا الصراع الشامل.»
يكشف هذا التصريح عن وعي فروم الشديد بالإمبرريالية العالمية والصراع العالمي الذي كان العالم العربي جزءًا منه، لذا فرَّق بين احتياج اليهود المضطهدين في أوروبا إلى ملاذ آمن، وبين أهداف الصهيونية والإمبريالية العالمية في فلسطين، وأدرك منذ وقت مبكر أن الغرض من توطين اليهود في فلسطين ليس الملاذ الآمن لليهود - كما رأى ماركوزه - وإنما خلق حالة من التوتر الدائم في الشرق الأوسط لصالح الإمبريالية العالمية.
اليهودية بين ماركوزه وفروم
على الرغم من انتماء الرجلين إلى المدرسة نفسها وانطلاقهما من أسس فكرية وفلسفية واحدة، فإن موقف كل منهما من القضية الفلسطينية ووجود دولة إسرائيل –كما رأينا- كان متناقضًا؛ فبينما تعامل هربرت ماركوزه مع دولة إسرائيل بشكل عاطفي نابع من تجربة الهولوكست ومعاداة السامية التي عانى منها اليهود على مدار قرون في الغرب، تعامل إريك فروم معها على أساس أخلاقي متسق مع قناعاته ومعرفته العميقة بالديانة اليهودية.
ويٌفسِّر الكاتب الأمريكي «جاك جاكوبس Jack Jacobs» هذا التناقض بين الرجلين، في كتابة «مدرسة فرانكفورت وحياة اليهود ومعاداة السامية The Frankfurt School, Jewish Lives, and Antisemitism» حيث يرى أنه نابعًا من علاقة كل منهما باليهودية؛ فعند البحث في علاقة ماركوزه باليهودية نجدها واهية، وأنه نشأ نشأة شِبه علمانية؛ فلم يكترث بالالتزمات الدينية اليهودية، ولم يستجب لمحاولات والديه بغرز القيم والتقاليد اليهودية في نفسه، وتوقَّف عن تلقي التعليمات اليهودية في سن الثالثة عشر، فضلًا عن نشأته في حي تُهيمن عليه الثقافة الألمانية العلمانية أكثر من الصبغة الدينية اليهودية.
لم يحصر ماركوزه نفسه في اليهودية فقط، بل كثيرًا ما ردَّد أنه ألماني وأمريكي ثم يهودي، لذا فإن جنسية البلد الذي عاش فيه ألمانيا ثم الولايات المتحدة كانت مقدَّمة على عقيدته، وكان هذا واضحًا في تصريحه ردًّا على سؤال أحد الأشخاص عن نظرته إلى الشعب اليهودي أجاب: «جنسيتي ليست يهودية بل أمريكية. لو كنت أعيش في إسرائيل لكنت يهوديًّا أو إسرائيليًّا».
أدَّت المعرفة السطحية بالعقيدة اليهودية إلى تبني ماركوزه موقفًا مؤيدًا للدولة اليهودية، وهو موقف نابع من خوفه من معاداة السامية في الغرب وتكرار الهولوكست مرة أخرى، واتضح ذلك في تصريحاته التي أدلى بها في مناسبات مختلفة، وجعله في الوقت نفسه ينتقد السياسة الإسرائيلية انطلاقًا من أن هذه السياسة من شأنها أن تقود اليهود إلى مذبحة جديدة.
أما بالنسبة لفروم؛ فكان شديد التعمُّق في الديانة اليهودية، مما جعله يرفض الدولة اليهودية، إلى جانب موقفه الأخلاقي واتساقه مع ما يؤمن به. لقد كان فروم يهوديًّا ملتزمًا دينيًا طوال طفولته وسنوات شبابه، وتعمَّق في دراسة النصوص اليهودية، وظل مرتبطًا عاطفيًّا ببعض التقاليد الدينية اليهودية حتى بعد توقُّفه عن ممارسة الطقوس اليهودية. وكانت هذه الصلات على وجه التحديد، وتفسيراته لليهودية، هي التي تفسر فحوى إدانته للسياسات الإسرائيلية، وإنكاره المستمر لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين.
***
من خلال هذا العرض لموقف المفكرَيْن يتضح لنا تباين آراء الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت تجاه إسرائيل والدولة اليهودية؛ وهو تباين يتجاوز حدود السياسة إلى عمق التجربة الذاتية والدينية والفلسفية لكل منهما؛ ففي حين قاد الخوف التاريخي من معاداة السامية ماركوزه إلى دعم إسرائيل، دفع الالتزام الأخلاقي والديني فروم إلى رفضها باعتبارها انحرافًا عن جوهر اليهودية ذاتها.
وهذا التباين لا يعكس فقط انقسامًا داخل مدرسة فرانكفورت، بل يعكس مأزق الفكر الغربي برمَّته؛ إذ كيف يمكن أن يتحرّر من مركزية تجربته التاريخية ليُصغي إلى معاناة شعوب أخرى؟ وكيف يمكن للنقد الفلسفي أن يتجاوز حدوده الأوروبية ليصير أداةً لفهم صراعات عالمية أوسع؟
لقد أعطت النظرية النقدية للفكر الغربي أدواتٍ مهمة لتفكيك السلطة وكشف هيمنة الرأسمالية والتقنية، لكنها – في لحظات مفصلية كالقضية الفلسطينية – أظهرت حدودها، إذ ظل بعض منظّريها أسرى سياقهم الأوروبي، في حين استطاع آخرون التحرُّر من هذا السياق والانفتاح على البُعد الأخلاقي الكوني. ومن هنا، فإن قراءة مواقف ماركوزه وفروم ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل هي مرآة حاضرة تكشف لنا كيف يُعاد إنتاج الخطاب الغربي حول إسرائيل حتى اليوم، بين من يبرِّر باسم التاريخ، ومن يرفض باسم العدالة.
وهكذا، تظل القضية الفلسطينية اختبارًا حقيقيًّا للفكر النقدي الغربي: اختبارًا لقدرته على أن يكون حقًّا نقديًّا وشموليًّا، ويقف بوضوح مع ضحايا الحاضر ومع حقهم في الحرية والكرامة.
