فناجين لغوية

"إلا والعصا معه": العنصرية في التاريخ واللغة العربيين

Mickalene Thomas, The Barnes Foundation, 2015 work "Afro Goddess Looking Forward." Rhinestones, acrylic, and oil on wood panel

فرج بيرقدار

شاعر سوري

من البديهي أنه ليس هناك عبودية طوعية، أعني نتيجة رغبة أو مزاج أو استمراء أو ميول شخصية، فالعبودية ليست ممكنة كفعل إرادي، بل كنتيجة للاستعباد تحت ضغط القوة أو التهديد أو الحاجة، ولكن مع الزمن هناك من ييأسون من استعادة حريتهم،

للكاتب/ة

من المفهوم أن العبيد جزء من تاريخ معظم شعوب العالم، ولكن من العار أن يعيش أبناء عصرنا بعقلية عصور سالفة، كأن تجد من لا يزال مقتنعاً ويتغنّى بفكرة منحطَّة لبيت شِعر قاله المتنبي وفق سياق ذلك الزمن، أي قبل أكثر من ألف عام: 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

22/03/2026

تصوير: اسماء الغول

فرج بيرقدار

شاعر سوري

فرج بيرقدار

العبودية قديماً لم تكن مقرونة باللون أو العِرق، بل بالصراع والحرب والأسر أو الفقر والاحتياجات أو سداد الديون، ولكنها في العصور الحديثة، أو لنقل في بدايات القرن السادس عشر الميلادي، أي مع وصول التجار الأوربييين إلى أميركا واحتلالهم لتلك المساحات الشاسعة، وإبادة الملايين من السكان الأصليين عبر الحروب كما بسبب الأوبئة، الأمر الذي اقتضى تعويضهم بمجاميع بشرية من الأفارقة "السود" الذين جرى بيعهم واستعبادهم أو خطفهم، وترحيلهم على مدى قرون عبر المحيط الأطلسي إلى أميركا. في تلك المرحلة ارتبطت العبودية في العالم الجديد باللون الأسود، أي إنهم تأخَّروا كثيراً عن العرب الذين ربطوا العبودية باللون الأسود منذ أكثر من ألف وخمسمئة عام، ولعلَّ سيرة عنترة بن شداد كانت وما زالت هي الأكثر شهرة على هذا الصعيد. 

لا يحتاج المرء إلى مزيد من الجهد والتقصّي ليدرك أن ثقافتنا العربية  مليئة بشواهد ازدرائها لذوي البشرة السوداء. حتى في أيامنا، هناك مَن إذا أراد أن يصف شدة سواد شخص ما، يقول إنه "أسوَد أسوَد عبد"، ما يعني أن تمام السواد هو تمام العبودية. 

الثقافة العربية لم تكترث بأسباب العبودية، بل اعتبرتها طبيعة شخصية موسومة بصفات وأخلاق مرذولة أصلاً وفصلاً، الأمر الذي يُعتبَر وفق مرجعيات العصر مؤشراً صارخاً على العنصرية، "سوّد الله وجهه.. بيّض الله وجهه"، وفي كلتا الحالتين عنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء.

وعندنا حلوى سوداء كروية اسمها راس العبد.

سيقول بعضهم إن سواد وبياض الوجه كناية قرآنية (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)، وأقول إن هذه الكناية تحاكي النظرة العربية الواقعية، فهي مشتقَّة منها لتخاطب أصحابها بلغتهم، وإلا لما كان للكناية من معنى. المتنبي الذي كان يطمح في أن يكون نبياً، والمملوء شعره بالحِكَم، يرى أن العبيد أنجاس مناكيد. إنه نموذج بالغ الدلالة على الثقافة العربية في عصره.. والأنكى أن كثيرين ما زالوا يفكرون بهذه العقلية.

كأن العبودية في الثقافة العربية مسألة حتمية جينية، وقد جاء النص الديني في زمنه غيرَ منكرٍ لذلك صراحةً، مكتفياً بالتشجيع والحضّ على تحرير العبيد "عتق الرقاب"، بدون أن يكون هناك نصوص قطعية تحرِّم العبودية أو تمنعها.  في الترابط، وللدقة الربط، بين السواد والعبودية، نجد المثل التالي: "حبيبك تحبه، حتى لو أنه عبد أسود".

قد يقول قائل أنا أرى أن جذر العنصرية موجود في الطبيعة قبل الثقافات البشرية. لنتأمل مثلا العلاقة بين النور والبياض والظلام والسواد. هذا صحيح.. إلا أن الطبيعة جمعت الأضداد كأبناء لها أو كوظائف، لكل منها ضرورته أو أهميته، أمّا من أعطى لتلك الأضداد أحكام قيمة، متباينة أو متعارضة، فنحن لا الطبيعة.

شواهد العنصرية المرتبطة بالأسوَد موجودة بكثرة لدى العديد من الشعوب، إلا أنها انحسرت مؤخراً في المجتمعات التي تحترم دولُها كرامةَ الإنسان وحقوقه. وتاريخنا حافل باستعباد الآخر، بل ما زالت العبودية ماثلة في ثقافتنا الشعبية. تعبيد الطرق يكون بالزفت الأسود، وتعبيد الطرق يعني تذليلها، أي جعلها ذليلة كالعبيد في خدمة الأسياد.

يقول طرفة بن العبد (وأُفرِدتُ إفراد البعير المعبَّدِ)، أي البعير المدهون بالقطران، والقطران أسوَد. ويقال "مذلَّل" لأن البعير الأجرب يذل ويرق ويستلذ بالقطران، والسواد والتذلل في الثقافة العربية من صفات العبيد. ولأن العامة يشعرون بأنهم أنصاف أو أشباه عبيد، فقد تعاطفت النسبة الغالبة من الشعوب العربية مع عنترة بن شداد في سيرة تخلصه من العبودية وبالتالي ظفره بحريته. وقد يكون سبب التعاطف مع عنترة أو الإعجاب به ناجم عن نجاحه وقوته وفروسيته، إذ لو فشل في مسعاه لبقيت النظرة إليه على حالها كما حدث مع غيره ممن لم يحالفهم الحظ في تحرير أنفسهم.

حتى بعض العرب الموجودين في أميركا، حين يتحدثون بالعربية فيما بينهم يسمّون الأفريقي، ذا البشرة السوداء، عبداً من باب الوصف وليس من باب الازدراء، كأن يقولوا "مديرنا في العمل عبد، أو زارنا واحد عبد، أو ذلك العبد لطيف جداً، أو مطعم جارنا العبد رخيص ونظيف"، ولكن حين يتكلمون باللغة الإنكليزية فإنهم يتحاشون وصف الأسود بالعبد Slave، لأنهم يعرفون أن القانون الأميركي لا يسمح بذلك. 

وقد حدّثني صديق لي، يعمل طبيباً في جزيرة فرنسية بجوار مدغشقر اسمها la réunion ، عن أن الثقافة الإسلامية في بعض المناطق وسمت الأسود بالكافر، وقد انتقل ذلك إلى ثقافات أخرى مثل الفرنسية عبر تجارة العبيد التي نشط فيها بعض المسلمين، فدخلت كلمة cafres، أي الكفّار، إلى الفرنسية للدلالة على السود الأفارقة في البداية، ثم أصبحت تدل على السود المولودين في الجزيرة، وقد بقي ذلك سارياً حتى 20 كانون الأول 1848، ليصبح ذلك اليوم عيد التحرر من العبودية fête des Cafres وترجمتها عيد الكفار.

من المفهوم أن العبيد جزء من تاريخ معظم شعوب العالم، ولكن من العار أن يعيش أبناء عصرنا بعقلية عصور سالفة، كأن تجد من لا يزال مقتنعاً ويتغنّى بفكرة منحطَّة لبيت شِعر قاله المتنبي وفق سياق ذلك الزمن، أي قبل أكثر من ألف عام: 

لا تشترِ العبد إلا والعصا معهُ \ إن العبيد لأنجاس مناكيدُ

ورغم أن أوروبا ألغت تجارة الرقيق منذ أكثر من 200 عام، وألغتها تونس منذ عام 1846، فإن كثيرين منا ما زالوا يردِّدون بحماس الببغاوات بيت عمر أبو ريشة: 

لا تطيق السادة الأحرار أطواقَ الحديد 

إنَّ عـيـشَ الذلِّ والإرهـاقِ أولى بـالعبيدْ.

هذا المنطق يعتقد أن العبيد اختاروا الذل والإرهاق بمحض رغبتهم وإرادتهم، وبسبب خصائص نفسية وأخلاقية أو جينية، وليس تحت القوة والإكراه. الفرق كبير بين العبد والمستعبَد. لا يمكن للمستعبّد أن يكون عبداً إلا حين يستعذب العبودية، وفي هذه الحالة ينبغي التعامل معه كمريض يحتاج إلى علاج.

من البديهي أنه ليس هناك عبودية طوعية، أعني نتيجة رغبة أو مزاج أو استمراء أو ميول شخصية، فالعبودية ليست ممكنة كفعل إرادي، بل كنتيجة للاستعباد تحت ضغط القوة أو التهديد أو الحاجة، ولكن مع الزمن هناك من ييأسون من استعادة حريتهم، وبالتالي يتصالحون مع استعبادهم، والعار في هذه الحالة هو عار المالك أولاً وأساساً، وإن كان المملوك في حال استسلامه ورضاه يتحمل جزءاً من المسؤولية.

الكاتب: فرج بيرقدار

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع