فناجين لغوية

يعتقدون بأن فحولتهم هي السبب وراء استقبالهم كلاجئين

Miquel Barceló, Toro con Banderillas, 2015-16

فرج بيرقدار

شاعر سوري

وإذا كانت فحول الحيوانات تُستَخدَم لتلقيح الإناث، فإن بعض صغار العقول، ممن لجؤوا إلى أوروبا، يعتقدون بأن فحولتهم، وبالتالي قدرتهم على التلقيح، هي السبب الكامن وراء استقبالهم كلاجئين. 

للكاتب/ة

الفحل هو الذكَر القوي المخصِب من الحيوانات، كالثور والحصان والجمل، ومنها استُعيرت الفحولة وأطلِقت على الشعراء المتمكّنين والمتميزين، ثم شاع استخدامها لوصف أي رجل معروف بقوته وبنزوِّه على النساء. 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

20/01/2026

تصوير: اسماء الغول

فرج بيرقدار

شاعر سوري

فرج بيرقدار

قارّة آسيا أكثر سكاناً من جميع القارات مجتمعةً، وأديانها هي الأكثر شيوعاً وانتشاراً وأتْباعاً.

هناك من يعتقد بأن كلمة "آسيا" جاءتنا عبر اللغة اليونانية، وتعني الشرق المقابل لأوروبا، وهناك من يرجِّح أنها مأخوذة عن الآشورية أو الأكادية (asu)، ومعناها الشرق أو موضع شروق الشمس، غير أني لا ألقي بالاً إلى ما يقال، ذلك أن لي طريقتي في استقراء ما تعنيه آسيا. أستدرجها إلى أعماقي أو أترك لها أن تستدرجني إلى أعماقها، حتى تتماهى أو تنحلَّ في قاموسي الوجداني واللغوي، أي حتى أراها تصدر عن نفس المنبع الذي يصدر عنه الأسى، هذا إن لم أقل أنّ أسيا هي أسّ الأسى، وأنّ الأسى تأسَّس فيها. ولو سمع الآس ما أقول، لعاتبني على عدم اعتباره من نفس الجذر.  

*   *   *

(شلونك عيني شلونك). "شلونك"، والبعض يقول "إشلونك"، تعادل قولك "كيف حالك"، وتفصيلها: "إش" التي هي اختصار ل "أيش" التي هي نَحْتٌ لـ "أي شيء" هو لونك أو حالك، أي هل هو معتكر أم رائق، مطمئنٌّ أم قلِق، أصفر خوفاً أم أحمر خجلاً أو اضطراباً، أم هو مسوَدٌّ ويكفأ صحن اللبن؟ 

وبالمناسبة، يحكى أن أول من نحتَ هذه الصيغة "أيش" هو هارون الرشيد. ولكن أياً يكن ناحتها، فإن معجم لسان العرب ذكرها من دون أي تعليق أو ملاحظة أو طعن بفصاحتها.

لم يقتنع أحدهم بهذا الكلام، وطلب مني أن أعطيه بيتَ شعرٍ يتضمن لفظة "أيش"، فأسمعته البيتين التاليين من مجزوء بحر الرمل:

قـالَ: مِن غـيــر خمـورٍ    لا يطيبَنْ ليَ عَـيْـشْ

قلتُ: أهلاً ما الذي تشـ     ربُ منها، قال: أيشْ

هزَّ الرجل رأسه بنوع من اليقين أو التسليم. 

لحسن الحظ أنه لم يسألني عن صاحب البيتين، وأنا لم أتطوع لإخباره بأنهما "تازة" من تأليفي. 

للعلم والأمانة يتوجب عليّ القول إن "تازة" كلمة تركية تعني "جديد"، وفي التعريب صارت "طازج".

*   *   *

صحيح أنه كان لدى العرب قديماً مَن يعرفون القراءة والكتابة، ولكن لم يكن هناك من يقوم بمهنة تعليمهما للأطفال.

شهد العصر الأموي بدايات هذا النوع من التعليم، وكان المعلِّم يدعى "المُكَتِّب"، ثم انتشر الأمر واتسع في العصر العباسي.

لاحقاً بدأ بعض فقهاء اللغة بتأليف القواميس، واتضح لهم أنه ليس هناك لفظة قديمة تعبِّر عن مهنة تعليم الأطفال، فاضطروا إلى اعتماد لفظة "الكُتّاب" كما تنطقها العامة بضم الكاف وتشديد التاء، واعتمدوا جمعها "كتاتيب" رغم أن "كُتَّاب" هي في الأصل جمع "كاتب". 

تُرى ألا يمكن أن يكون المقصود بـ "الكُتَّاب"، ليس الذي يعلِّم الكتابة، بل الأولاد الذين يتعلمونها، وبالتالي سيصبحون كُتَّاباً؟

*   *   *

يبسمِل ويحمدِل ويُجَعْفِل في وجهك ويدمْعِز ويطلبِق ويسبْحِل، وحين ينأى يحوقِل. هذا قولٌ غير مأثور، ومعناه أنه يقول أمامك باسم الله، والحمد لله، وجُعِلتُ فداك، ودام عزك، وطال بقاؤك، وسبحان الله، وحين يبتعد يقول لا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذه الأفعال المنحوتة من عدة كلمات مصادر واشتقاقات منحوتة أيضاً من قبيل: البسملة والحمدلة والجعفلة والدمعزة والطلبقة والسبحلة والحوقلة. 

في الواقع لم تستطع مثل هذه الكلمات المنحوتة بكثير من التكلُّف والحذلقة أن تدرج على ألسنة الغالبية. 

ألا إن اللغة ما يتلاغى به الناس.

*   *   *

حين كنت أقرأ مثلاً، أن فلاناً حَصَلَ عَلَى كذا أو وصل إلى كذا بِشقِّ النفس، كنت أتساءل إن كانت "شق" بكسر الشين أم بفتحها. 

لا أدري لماذا كنت أقرِّب الأمر إلى الأحاديث المتداولة من قبيل "فلان شَقّ حاله حتى وصل قبلهم" أو "كاد ينشقّ من شدة الغضب". 

إذن تركيب "شقّ النفس" قد يتعلق بالفتق والشَّق والانشقاق والتشقُّق. 

لجأت مرة إلى أستاذ اللغة العربية فلم يستطع تفكيك الأمر أو تبسيطه لي. لاحقاً أسعفتني القواميس، فعرفت أن الشِقّ بكسر الشين  تأتي بمعنى  النصف أو الجانب أو الجزء، ولكنها بكسر وفتح الشين تعني أيضاً التعب والجُهْدُ والمَشَقَّةُ، فقلت هذه هي ضالتي، وبالتالي فإن قولهم "بشِقّ أو بشَقّ النفس" تعني بمشقّة النفس وإجهادها وإتعابها، وليس بشَقّها إلى نصفين، وإلا لتوجب أن يقال في حالة الجمع "شقوق الأنفس"، وليس "شقّ الأنفس".  

*   *   *

حين نقول "الترتيب الأبجدي" للحروف، فذلك يعني ترتيبها وفق "أبجدْ هوّزْ حُطِّي كَلَمُنْ سعفصْ قُرِشتْ". وأصل هذا الترتيب قديم جداً، ربما وصلنا عبر اللغة الفينيقية أو الكنعانية أو الآرامية، التي يتألف كلّ منها من اثنين وعشرين حرفاً، في حين تتألف العربية من ثمانية وعشرين. 

تدارك الأمر لاحقاً نصر بن عاصم ويحيى بن يَعْمَر، عالما النحو الشهيران اللذان قاما بتنقيط اللغة العربية بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، فقام أحدهما أو كلاهما بجمع الحروف العربية الستة (غير الموجودة في الأبجديات الأخرى) بكلمتين هما "ثَخَذٌ ضَظغٌ"، لتحتوي الأبجدية جميع حروف الألفباء العربية ضمن بيت شعري واحد: 

"أبجدْ هوّزْ حُطِّي كَلَمُنْ = سعفصْ قُرِشتْ ثَخَذٌ ضَظغٌ".

الترتيب الأبجدي إذن ليس عربياً في الأصل، وهو مختلف تماماً عن الترتيب الهجائي أو الألفبائي للعربية. ولهذا ليس مصادفة أن يخلو الشعر العربي القديم والقرآن والحديث من أي ذكر لكلمة "أبجدية" أو "أبجد هوَّز". وليس مصادفة أيضاً أن القواميس العربية على كثرتها، اعتمدت الترتيب الهجائي العربي، و ليس الترتيب الأبجدي السامي القديم.

*   *   *

يقال: "لا يوجد على وجه البسيطة ما هو أخطر وأشرس من الإنسان". 

لا يعنيني هنا مدى صواب أو خطَل القول، بل لفظة "بسيطة"، التي تعني منبسطة أو مستوية أو منسطحة، أي الأرض التي يتفق أغلب البشر اليوم على أنها كروية أو أقرب إلى الكرة. 

في اللغات كما في الأفكار والحقائق والافتراضات.. دائماً هناك قراءات تقترب من الواقع أو تبتعد عنه. 

*   *   *

الفحل هو الذكَر القوي المخصِب من الحيوانات، كالثور والحصان والجمل، ومنها استُعيرت الفحولة وأطلِقت على الشعراء المتمكّنين والمتميزين، ثم شاع استخدامها لوصف أي رجل معروف بقوته وبنزوِّه على النساء. 

وإذا كانت فحول الحيوانات تُستَخدَم لتلقيح الإناث، فإن بعض صغار العقول، ممن لجؤوا إلى أوروبا، يعتقدون بأن فحولتهم، وبالتالي قدرتهم على التلقيح، هي السبب الكامن وراء استقبالهم كلاجئين. 

*   *   *

الكاتب: فرج بيرقدار

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع