يا أخي مضى قرون على المجوس والمجوسية، وذلك لأنهم دخلوا في الإسلام. إيران اليوم فارسية بالمعنى القومي، وإسلامية بالمعنى الديني، يحكمها ملالي يلعبون على قصة شيعة وسنّة، ليوطِّئوا الطريق من أجل استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية. تاريخ المجوسية انتهى ولم يبقَ منهم أحد، ولكنَّ الساذجين مُصرّون على استخدام لفظة المجوس لإيحائها بالجناس الناقص مع كلمة "النجوس". عندهم وهم لغوي بأن كلمة "نجِس" يمكن أن تُجمَع على أنجاس ونجوس.
هكذا، جهل بالتاريخ وجهل بالأديان وجهل باللغة.
*
إذا نحَّينا الثقافات والأديان والفلسفات وما يكمن وراءها من اعتبارات ومصالح، فإن ممارسة الجنس في الأصل هي أن يمارس كلُّ جنس جنسَه، أي حقيقتَه وذاتَه، بمعنى أن تمارس الأشواك شوكيتها والورود ورديّتها، والغزلان غزلانيتها، والذئاب ذئبيتها، والأشجار شجريتها، والبشر بشريتهم. الجنس تجانس وجِناس بين المؤتلِف ومؤتلِفه، وفي المآل الأخير فإن الجنس هو الجنسية العميقة لكينونتين تميلان إلى التواصل أو التناسل أو التوحُّد أو الاندماج أو التماهي، وهلمّوا جرّاً جرّاً وجرياناً جرياناً.
*
"أقام بين ظهرانَيْهم" تعني أنه أقام بينهم. ولكن هل "ظهران" بضم الظاء أم بفتحها، وهل هي مثنى أم جمع؟
الظهر بضم الظاء هو منتصف النهار، والظهر بفتح الظاء هو خلاف البطن، ومن البديهي أن هذا هو المعنى المقصود ب "ظَهرانَيْهم". وإذا افترضنا أن لفظة "ظهرانيهم" مثنَّى، لوجب أن تكون في حالة الرفع "ظهران"، وفي حالتي النصب والجر "ظهرين"، وعند إضافتهما لاسم أو ضمير ينبغي حذف النون. من التحايلات على المنطق اكتفاءُ أحدهم بالقول أن "ظَهرانَيهم" لفظ جاء بصورة المثنى ولكن اختلّ فيه أحد الشروط، وهناك من رأى أن الْعرب تضع الإثنين مَوضِع الْجَمِيع. ولكن العرب استخدمت المثنى فقالت "أقام بين ظهرَيهم"، واستخدمت الجمع "أقام بين ظهورهم أو أظهُرهم"، وبقيت "ظهرانيهم" خارج أي منطق باستثناء منطق أن بعض الأسلاف لغا بها أو أخطأ في قولها، وقد شاء كسلُ الأحفاد أو سذاجتُهم الحفاظَ عليها كنوع من احترام أو تقديس كل ما جاءنا عن السلَف حتى لو كان خطأ أو خارج المنطق.
*
لام الجحود هي المسبوقة بكوْنٍ عامٍّ منفيّ، "نحتاج اليوم إلى سطرين لشرح المقصود بالكون العام المنفي"، تدخل على الفعل المضارع فتنصبه بأن مضمرة "نحتاج إلى سطرين إيضاحيّين أيضاً". وقد سُمِّيت بلام الجحود لأنها تفيد النفي والإنكار "سطرين أيضاً". أمّا أنا فأجحد فذلكة بعض نحويِّينا في الكثير من مسمّياتهم الإعرابية.
كأنَّ تمحّلات وتحايلات ومنمنات وفتاوى واجتهادات من هبَّ ودبَّ في أمور الفقه والشريعة وتفصيلاتها ومتاهاتها ومذاهبها، قد أصابت بعدواها اللغةَ العربية بمذاهبها الخمسة (البصري، الكوفي، البغدادي، الأندلسي والمصري) فوصمتها بأعراض مشابهة.
المسألة هنا لا تتوقف على تطوير قواعد العربية فقط، وإنما أيضاً على تطوير وتيسير العقلانية والمنطق وسبل العيش وصولاً إلى اللغة، كتحصيل حاصل، في جميع جوانبها ونواحيها، بما يكفي لجعلها معاصرة، وفي متناول جميع المهتمين.
*
يقال إن أجدادنا، قبل تنقيط الحروف، ما كانوا يميزون بين "مئة" وبين "مِنْهُ"، ولذلك كانوا يكتبون المئة هكذا "مائة". في الواقع الحجة ساذجة، فسياق المعنى يجب أن يكون كافياً للتمييز، وإلا لكان يجب أن نضيف حروفاً خاصة ليس للتمييز بين منه ومئة فقط، وإنما للتمييز أيضاً بين جميع الكلمات المتشابهة بدون تنقيط من قبيل: مِئة ومِنْهُ ومِنَّة ومَيَّة ومَتَّة.
ومن الغرائب أن هناك من لا يزال يكتب المئة مائة ويلفظها ماءة بفتح الهمزة بدلاً من كسرها كونها على نَبِرَة!
أمّا أنا فلن أكتبها سوى "مئة" ولو انتفختْ أوداجٌ واهتزّت عمائم وتنافخ طغاة القومية العربية.
*
"شهاب الدين أضرط من أخيه". هذا القول، بدلالاته الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، متداول كثيراً، ولكن قِلَّة من يعرفون أنه شطر من بيت شعر، وقِلّة من القِلّة السابقة من يعرفون البيت كاملاً، ولا أحد تقريباً يعرف من قائل هذا البيت، لأنه في الأصل غير معروف أو غير مشهور. البيت كاملاً يقول:
"كلا الأخوين ضرَّاطٌ ولكن = شهاب الدين أضرط من أخيهِ".
*
كثيراً ما نقرأ عن تشبيه اللغة بالكائن الحيّ، وأنها إن لم تتطور وتتأقلم فستموت. تشبيهات من هذا النوع لها وجاهتها ومنطقيتها ومعقوليتها، ووفق هذا الفهم يمكننا تشبيه كلمات اللغة بخلايا الكائن الحي، بعضها يتعب أو يمرض أو يموت ويتوقف عن أداء وظائفه، وبالتالي يُستغنى عنه ويُدفَن أو يخضع لعملية استبدال أو ترميم أو تجديد، كما هو الحال في تعابير أو كلمات أو خلايا من قبيل: صِئِيّ العقارب وضُباح الثعلب ونزيب الظبي ونهيم الفيل وخترشة الجراد وعرين العِزْهِيل "أي صوت ذَكَر الحمام"، وعِرارِ الظليم، "أي صوت ذَكر النعام" إلخ، هذا في حين أن "الصهيل" ما زال مستخدَماً وسيبقى، إذ ما دام هناك خيول في المزارع والبوادي ونوادي ركوب الخيل وفرق خيالة في العديد من البلدان، فسيكون هناك صهيل.
وعلى هذا المنوال تلقي الحياة رمالها ورمادها على ألفاظ كثيرة لا تتطلب حياتنا استخدامها، وبطبيعة الحال هناك كلمات شبعت موتاً، ومنها على سبيل المثال الكثير من الكلمات التي حفظتها في طفولتي ولها علاقة بالفلاحة والمحراث والعربات التي تجرها البغال وأسماء الكثير من أجزاء الأحزمة والبرادع والأرسان، ذلك لأن الجرارات الزراعية قضت على الكثير من تلك الكلمات. ورغم ذلك يمكننا القول بما يكفي من العقلانية والثقة أن هناك الكثير من الكلمات التي يمكن ويُحبّذ إحياؤها، بل يمكن إحياء وتطوير وعصرنة اللغة بالمجمل، ولكن ذلك مشروط بإحياء وتطوير وعصرنة الناطقين بها، أو على الأقل بتوفّر الأدوات والمستلزمات والمناخ والطاقات البشرية المؤهّلة، بما تمتلكه من وعي وخبرة وجهد جماعي ترعاه مؤسسات كبرى شعبية أو رسمية قادرة على وضع حد للتجميد السلفي والتمجيد القومي، ذلك لأن التمجيد نوع من التجميد.
يبدو لي أن للُّغات وللكلمات عموماً متوسط أعمار يمكن رفعه باستمرار، وإن ببطء، تبعاً للمستوى الحضاري لكل مجتمع.
*
لو بحثنا عن ترجمة "المقبرة" في اللغة السويدية فسنجدها من كلمتين وترجمتهما "حديقة الكنيسة"، وإذا بحثنا عن "الغيرة" فسنجد أنها من كلمتين أيضاً وترجمتهما "المرض الأسود"، والتعبير العربي الشائع "خطر الموت" يعادله في السويدية "خطر الحياة"، و "الخفّاش" ترجمتها "الفأر الطائر"، كما أنه لا يوجد في اللغة السويدية كلمة مطلَّق أو مطلَّقة بل منفصل أو منفصلة.
لا شك أن اللغةَ في أحد وجوهها طريقةُ تفكير.
