<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>آني إرنو - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a5%d8%b1%d9%86%d9%88/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/آني-إرنو</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 24 May 2025 10:50:11 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0.4</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>آني إرنو - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/آني-إرنو</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title> آني إرنو لرمّان عن فلسطين والثقافة العربية، والأدب الذاتي والنسوي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21246</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنس العيلة]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 09 Jun 2023 07:47:02 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[آني إرنو]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a5%d8%b1%d9%86%d9%88-%d8%b9%d9%86-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في حوار خاص مع الروائية الفرنسية صاحبة نوبل للأدب ٢٠٢٢</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21246"> آني إرنو لرمّان عن فلسطين والثقافة العربية، والأدب الذاتي والنسوي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">هذا الحوار هو الأوّل من نوّعه في اللّغة العربيّة مع الروائيّة الفرنسيّة آني إرنو الفائزة حديثاً بجائزة نوبل. يتناول عدّة مواضيع تشمل عالمها الروائيّ، وعلاقتها بأشكال الكتابة الأدبيّة الأخرى، وعلاقتها بالعالم العربيّ، والأدب العربيّ، وموقفها من قضاياه السياسيّة والإجتماعيّة. وفي حقيقة الأمر، تتقاطع مسيرة آني إرنو الشخصيّة، من خلال مواقفها ونضالاتها اجتماعيّاً وسياسيّاً، مع قضايا العالم العربيّ حتى لو لم تعش فيه. ولهذا السبب فقد وافقتْ وتحمّستْ لفكرتي في عمل حوارِ كهذا. معرفتي الأولى بآني إرنو كانت خلال تحضيري لرسالة الدكتوراة، قبل أكثر من ثلاثة عشر عاماً تحتَ عنوان "ظاهرة العودة في الأدب العربي: الأدب الفلسطينيّ نموذجاً". وقتها وقعتُ على نصّ تتحدّث فيه إرنو عن عودتها لقريتها تحت عنوان "عودة إلى إيفتو"، وهو نصٌّ غير معروف بالمقارنة مع نصوصها الأخرى، من هنا بدأتْ معرفتي بها.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">بعد أنْ وافقتْ على عمل هذا الحوار، اتفقنا على اللقاء في بيتها. وقد حضرتْ الحوار، وساهمتْ فيه، الشّاعرة والكاتبة المسرحيّة، الفرنسيّة جينفر غروسلاس. لحظة عبورنا حديقة بيت إرنو في مدينة سيرجي المُحاذية لباريس، والتقدّم إلى باب بيتها، شعرتُ أنّني أدخل الآن عالمها الأدبيّ، فقد قرأتُ عن هذه الحديقة في عدّد من روايتها. كانت السكينة والهدوء سيّدا المكان في بيتها المطلّ على أحراش وتلال خضراء على مدّ البصر. كانت لطيفة، منفتحة لأيّ سؤال، وجريئة حتى كان من الممكن بيسرٍ إثارة ما ينتقده الآخرون في كتابتها. حين سألتها عمّا تكتبه الآن، أجابتني أنّه من الصعب الإجابة على سؤالٍ كهذا: "يصعبُ دائماً عليّ الحديث عمّا أكتبه حاليّاً بالاقتصار على ذكر موضوعه". جرى الحوار هنا باللغة الفرنسيّة ثم قمتُ بترجمته حسب ما جاء في النصّ الفرنسيّ، إلى العربيّة. أضفتُ إليه بعض التوضيحات الضروريّة للقارئ العربيّ ووضعتها بين قوسين (). كان الحوارُ سلساً، ودوداً، وشيّقاً. وتطرح إرنو فيه الكثير من القضايا الأدبيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، وتثير أسئلة محوريّة كذلك، مثل "ماذا يمكن أن تكون عليه لغة المُسيَطَر عليه اجتماعيّاً؟"، وهي مسألة محوريّة في مجمل أعمالها. يسعدني الآن، بعد أسابيع من التحضير والمتابعة والترجمة أن أضع الحوار في يد القارئ العربي. </span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">عندما أعلنتْ الصحف العربيّة عن اسمكِ لجائزة نوبل، أشارت بشكلٍ خاص إلى مواقفكِ السياسيّة والاجتماعيّة، نضالكِ من أجل مكانة المرأة، ومواقفكِ المُناصرة لفلسطين، لذلك كان هناك ترحيب عامّ وفوريّ من قبل القُرّاء العرب لحصولكِ على جائزة نوبل. وبالنسبة لبعض الصحف العربيّة، كان سبب هذا الاستقبال الإيجابيّ يرجع أيضاً إلى الاهتمام العام المتزايد بالكتابة الذاتيّة في العالم العربيَ. ما رأيك بهذا الترحيب مقارنة بفرنسا؟ </span></p>
<p dir="rtl">هذا صحيح، قوبلتُ بترحيبٍ واسع، حقاً، ودافئ تماماً في العالم العربي. أعتقد أنَ موقفي تجاه فلسطين لعب دوراً في ذلك. ولكن أعتقد أنّه بسبب هذا الموقف بالتحديد تعرضتُ لهجمات شديدة العنف في فرنسا، لأنّني أدعم الفلسطينيين. وُصِفتُ على الفور بأنني معاديّة للساميّة، حتى على أعلى المستويات. على سبيل المثال، شَغَل مُثّقفان فرنسيّان راديو فرانس كلتور في صباح أحد أيام السبت، لمدّة ساعة كاملة، من أجل التّهجم عليّ والطعن في قناعاتي السياسيّة.</p>
<p dir="rtl">كانت هناك أيضاً تداعيات لهذا الأمر في ألمانيا، حيث تُرْجمتُ كثيراً من قبل دار النشر سهيركام Suhrkamp، وهي دار نشر ألمانيّة مهمّة. حذّرني الناشر من أنّ الأمر في ألمانيا "معقّد" تجاه مسألة كهذه. أجبتُ على ذلك بأنّني لن أستقبل أيّ صحفيّ يرغب في إثارة هذا السؤال أو يرغب في التحدّث بهذا الخصوص. ليس هناك ما يستدعي السؤال، فأن تكون مؤيداً للفلسطينيين لا يعني أنّك معادٍ للساميّة. حتى في إسرائيل، لدى اليسار الإسرائيلي، هناك أناس يؤيّدون استقلال الفلسطينيين، من أجل بناء دولة فلسطينيّة.</p>
<p dir="rtl">لم أكن أعلم أنّه قد تمّت ترجمتي أيضاً في الدول العربيّة. لقد صادف أنني كنتُ في تركيا الأسبوع الماضي: حيث دعيتُ إلى مهرجان سينمائيّ دوليّ في إسطنبول، من أجل الفيلم الذي أخرجه ابني بناءً على أحد نصوصي، وهو يحمل عنوان "سنوات الـ 68 العظيمة". التقيتُ هناك بمخرجة تونسيّة قالت لي أنّ كتبي تُقرأ على نطاق واسع في تونس، وسمعتُ أنّ الأمر كذلك في الجزائر. كثيراً ما دُعيت أيضاً إلى المغرب، مع إنني لم أتمكن من الذهاب إلى هناك مطلقاً (فقد وصلتني الدعوات في أوقات لم تكن مناسبة لي للمشاركة) وأعتقد أيضا أنّ كتبي تُقرأ كثيراً هناك. حتى أنّ هناك كتاباً كتبته عن إجهاضي بعنوان "الحدث" وقد تمّ تقديمه للمسرح وعُرض بطريقة رائعة للغاية، وقد ذهبتْ الممثلة إلى المغرب لأداء المسرحيّة قبل عامين.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">في الحقيقة، ظهرتْ ترجمات عديدة في العالم العربيّ لكتبكِ بدءاً من تسعينيّات القرن الماضي، وهي "الحدث" و"الاحتلال" و"المكان" و"أنظر إلى الأضواء يا حبيبي" و"لم أخرج من ليلي" و"العار" و"المكان". </span></p>
<p dir="rtl">هذا عدد لا بأس به من الأعمال، هناك رواية واحدة لم تُترجم حتى الآن ولكنّي أعتقد أنّها بلا شكّ معقّدة بعض الشيء، إنّها "السنوات". وهذا هو أطول كتاب لي. إنّه شكلٌ كتابيٌّ جديد تماماً، والمراجع فيه فرنسيّة للغاية. ولكن نظراً لأنّه يبدأ من عام 1945 إلى عام 2007 تقريباً (يتوقّف الكتاب عن وصف العالم في اللحظة التي أتوقف فيه عن كتابة النصّ) فإنّني أذكر فيه بالطبع الحرب الجزائريّة: أقدّم وجهة نظر فرنسا حول هذا الصّراع، وفي نفس الوقت رؤيتي الشخصيّة، ولكن دون إستخدام ضمير المتكلّم، لا أوظّف "أنا" في مجمل النصّ.</p>
<p dir="rtl">يحتشد الكتاب بخطاب الجماعة عبر وجود الـ "on" (وهو شكل من أشكال ضمير الجماعة في الفرنسيّة) الذي نستخدمه غالباً في لغتنا الفرنسيّة. ربما هذا هو سبب صعوبة ترجمة هذا الكتاب، لكننّي لا أعرف اللغة العربيّة، ولا أعرف إذا ما كان "on" الذي يشير إلى "جميع الناس" موجود باللغة العربيّة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">في العربية لدينا "نحن" بالطبع.</span></p>
<p dir="rtl">"نحن" موجودة أيضا في روايتي، وهي شيء مختلف.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">نعم، لقد سبق وتحدّثتِ في إحدى مقابلاتك عن الفرق بين "on" (الجميع) وبين "nous" (نحن) في اللغة الفرنسيّة، مشيرة إلى أنّ "on" تأخذ معنى جماعيّا أكثر اتّساعاً وعموميّة.</span></p>
<p dir="rtl">نعم، تماما، أما الـ "nous" (نحن) فهي أكثر تحديداً وتشمل القارئ أو المستمع.</p>
<div style="text-align: center;"><img fetchpriority="high" decoding="async" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/DSC_8520r-1.jpg" alt="Image credit: Annie Ernaux/ photo Catherine Hélie, Gallimard." width="1444" height="964" /></div>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">فيما يتعلّق بموضوع الترجمة، نجد دائماً في اللغة العربيّة مُعادلاً يمكنه تلبية المعنى وتقديمه. إنّها حقاً تعتمد على مهارة المُترجِم. هل لديكِ أيّة عقود نشر حاليّة لترجمات عربيّة جديدة لكتبكِ؟ وما رأيكِ في حقيقة أنّ بعض الترجمات يمكن الوصول إليها وتنزيلها عبر الإنترنت؟ </span></p>
<p dir="rtl">لستُ على دراية بهذه الترجمات الموجودة على الأنترنت، لكنّي بالمقابل أعرف منذ وقت طويل أنّ هناك ترجمات في بعض البلدان، مثل الصّين، نستطيع وصفها بـ "العشوائيّة" لأنّها لم تتمّ عبر عقد مع دار النشر الفرنسيّة التي أصدرتْ كتبي. وفي بلد آخر كإيران مثلاً، هناك مُترجِمة إيرانيّة قامت بترجمة  كتابي "إمرأة" في طهران، من غير عقد مع ناشري الفرنسيّ وقد أرسلتْ لي ترجمتها... في حقيقة الأمر، لا أتذمّر من كلّ هذه التجاوزات. إنّها طريقة لإيصال الكتب إلى البلدان التي تكون فيها باهظة الثمن أو محظورة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">لقد صدرتْ إحدى التّرجمات عن دار شرقيّات، وكان ذلك لكتاب "المكان" الذي ترجمته وأصدرته هذه الدار عام 1994 في مصر. وبالمناسبة، فقد كتبتِ له مُقدّمة بعنوان "إلى القارئ العربيّ". نصّ المقدّمة صادق جداً، تتحدّثين فيه عن الصعوبة التي واجهتكِ في كتابة هذه الرواية. وتتحدّثين إلى القارئ العربيّ عن بحثكِ المحموم للعثور على لغة مُحايدة وغير عارفة، لتجنّب الوقوع في لغة "مفرطة بأدبيّتها" تنتمي إلى الطبقة المثقفة السائدة في المجتمع. أردتِ وصف حياة رجل بسيط، حياة والدك، بلغة بسيطة. مثل هذه المقدّمة مُفاجِئَة للقارئ بصدقها. هل كتبتِ مقدّمات أخرى من نفس النوع في ترجمات كتبكِ إلى لغات أخرى، أم كان لديكِ اهتمام خاص بالقرّاء العرب؟</span></p>
<p dir="rtl">لقد كتبتُ أيضاً مقدّمة لكتاب تُرجم إلى اللغة الإنجليزيّة في التسعينيّات من القرن الماضي، وكان أوّل كتاب لي يُترجم إلى الإنجليزيّة في الولايات المتّحدة، وهو أوّل كتاب صدر لي في فرنسا، وأوّل كتاب أكتبه كان بعنوان "الخزائن الفارغة". أردتُ في المقدّمة التي كتبتها أن أشرح اللغة التي أكتب بها، وهي لغة غاضبة للغاية، ومختلفة تماماً عن لغة كتابي اللاحق "المكان". لذلك كتبتُ هذه المقدّمة لكتابيّ الأوّل. فبين كتابيّ "الخزائن الفارغة" و"المكان"، هناك تفكير وتأمّل كامل أقدّمه للقارئ العربيّ. هذه الرؤية أو الفكرة لا تزال سارية: فقد عبّرت عنها في خطاب نوبل. ماذا يمكن أن تكون عليه لغة المُسَيْطَر عليه اجتماعيّا؟ معظم خطابي يدور حول هذه المسألة. وعبر هذا المنظور، كتبتُ روايتي "المكان"، واستمررتُ في شرح أهميّة الكتابة عبر الرؤية الخاصة بالعالم المُسيَطَر عليه.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">العديد من الكاتبات  -والكتّاب أيضا- في العالم العربي قمن من خلال كتاباتهن بالدّفاع عن حقوق ومكانة المرأة، منذ فدوى طوقان (19178-2003) وهي شاعرة فلسطينيّة، إلى نوال السعداوي (1931-2021) وهي طبيبة نفسيّة مصريّة انتقدتْ في كتاباتها العديد من القيم المجتمعيّة التقليديّة. وهناك بالطبع العديد من الروائيّات والكاتبات العربيّات المُعاصرات اللواتي يشاركنكِ نفس الالتزام وهذا الدفاع عن حقوق المرأة. ماذا تريدين أن تقولي لهؤلاء الكاتبات ؟</span></p>
<p dir="rtl">أودْ أنْ أقول إنني، بالطبع، أساند قضيّتهن التي هي قضيّتي أنا أيضاً، لكن مع إدراك أنّ الأمر أصعب عليهنّ مما هو بالنسبة لي. بطريقة ما، أستفيد من أولئك اللواتي سبقنني، الكاتبات الفرنسييّات أو الأمريكييّات، بينما هنّ عليهنّ جعل مكانة لهنّ بشكل أكثر صعوبة، وربما أكثر جذريّة في عالمهنّ. في كلّ الأحوال، الهيمنة الذكوريّة واقع مشترك بيننا، وإن بدا بأشكال مختلفة، وهي غالبا شيء يمكن إنكار وجوده في فرنسا من خلال عبارات مثل ("كل شيء على ما يرام في حياتي الزوجيّة" ، "أنا لستُ ذكورياً") فهذه الهيمنة هي جزء من خطاب، بخلاف ما يمكن أن يكون عليه في اعتقادي العالم العربيّ، فهو صعب أكثر. لكنّ ما أودّ أنْ أقوله هو أنّ الحريّة التي يسعينَ لاكتسابها ستظلّ دائماً شيئاً يمكن أن يفخرن به، لأنّه ليس فقط الذات وحدها التي تتحرّر من خلال فعل الكتابة، بل أيضا الكثير من النساء الأخريات.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">في العالم العربي، لدينا عدد من الكتّاب القدامى أو المُعاصرين الذين تمّت ترجمتهم إلى الفرنسيّة. هل أُتيحت لكِ الفرصة لقراءة بعض هؤلاء الكتّاب العرب؟ هل أعجبكِ كتاب أو مؤلّف معيّن ؟ تحدثتِ أيضاً عن كاتبة إيرانيّة.</span></p>
<p dir="rtl">قرأتُ الكاتب المصريّ، صنع الله إبراهيم، وكنتُ قد التقيتُ به في القاهرة. ألهمني عنوان روايته "سنوات ذات" (عنوان الرواية بالعربيّة "ذات" لكنّها تُرجِمَتْ إلى الفرنسيّة "سنوات ذات") بفكرة عنوان كتابي "السّنوات". وقد عزّزَتْ روايته لديّ الرغبة في كتابة سيرة جماعيّة "Récit collectif" كما فعل بشكلٍ ما في كتابه. أحببتُ أيضاً سيرة ذاتيّة مُوجَزة له، أعتقد أنّ عنوانها "تلك الرائحة". وخلال زيارتي لتونس عام 1996 إلتقيتُ بالكاتب سمير مرزوقي في الراديو وقرأتُ له "لستُ ميّتا". وقرأتُ أيضا عدّة روايات لكاتبة إيرانيّة اسمها زويا بيرزاد.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">اسمحي لي أن أطرح عليكِ هذا السؤال: الأدب العربيّ المعاصر رغم ثرائه واتّساع رقعته لم يفز فيه سوى كاتب واحد بجائزة نوبل وهو الروائيّ المصريّ نجيب محفوظ. يعتقد بعض المثقفين العرب أنّ هذا عائد لموقف سياسي، بينما يعتقد البعض الآخر أنّ هناك إهمالاً، ونقصاً في التقدير، من جانب لجنة تحكيم جائزة نوبل للأدب العربيّ. هل لديكِ رأي في هذه المسألة؟</span></p>
<p dir="rtl">لا أعتقد أنّ هناك خياراً سياسياً أو نقصاً في الاعتبار من قبل لجنة تحكيم نوبل، ولكن هناك أمر واحد مؤكّد: لقد حظيتْ أوروبا وأمريكا الشماليّة، وأمريكا الجنوبيّة أيضاً، بتفضيل كبير في جوائز نوبل. لكن إذا نظرنا للأمر، أعتقد أنّ هذا يتعلّق بعدم معرفة للأدب العربيّ، ليس فقط من جانب نوبل، ولكن أيضاً من جانب العالم بشكل عام. كما تعلم، عند اختيار مرشّح لجائزة نوبل، يُطلب من أشخاص من جميع الهيئات الثقافيّة في كلّ بلد أن يرشّحوا اسماً لجائزة نوبل، ثم يتناقش أعضاء اللجنة لمدّة ستة أشهر حول جميع الأسماء، ويفحصون الأعمال بعناية. لذا من الجدير أن نتساءل هنا عن الآراء والترشيحات التي تأتي من الدول العربيّة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">هل تظنّين أنّه ليس هناك مندوبون عن الدول العربيّة؟</span></p>
<p dir="rtl">ربما ليس بشكلٍ كافٍ، هذا لا يتعلّق بمستوى الإنتاج ولكن على مستوى التّرجمات، وربما على وجه الخصوص التّرجمات إلى الإنجليزيّة. المشكلة تكمن في بقيّة العالم الذي لا يهتم بأدب اللغة العربيّة، هذا ما يمكن للمرء أن يستنتجه. عندما نلاحظ أنّه في النصف الأول من القرن العشرين، أكاديميّة نوبل حصرت نفسها في أوروبا، وانفتحت بعد ذلك على أمريكا اللاتينيّة، على آسيا، وتُوّج أول مؤلف أفريقيّ في عام 1986، النيجيري وولي سوينكا. ثم بعد ذلك، كان المصريّ نجيب محفوظ المصريّ عام 1988.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">إنك تستحضرين في كتاب "شغف بسيط" الحربّ ضدّ العراق، مُستنكِرةً الدّعاية التي تمّ التروّيج فيها لحربٍ "نظيفة". هل كانت هناك أحداث أخرى في العالم العربيّ قد تأثّرتِ بها؟</span></p>
<p dir="rtl">في كتابي "السّنوات" تحتلّ الحرب في الجزائر مكانة مهمّة. وهذا يتعلّق بنضال الجزائر في الحربّ الاستعماريّة التي قادها الفرنسيون. وهذه المسألة أمر حاسم في استمرار رؤية الفرنسيين ليس فقط لعرب شمال إفريقيا، ولكن أيضا للشعب العربيّ بشكلٍ عام. في كتابي "السّنوات" تمتدّ هذه الرؤية إلى الشعب المسلم. في فرنسا، كلمة "عربيّ" تعادل "مسلم". لا نريد الدّين الإسلامي مُتذرّعين بالعلمانيّة، لكن الدّين المسيحيّ لا يزال حاضراً بقوّة عندنا. كم عدد الذين يتزوّجون في الكنيسة؟ وغالباً ما تُقام الجنازات في الكنيسة، لقد رأينا حتى أنّ الرؤساء يُدفنون دينيّا.</p>
<p dir="rtl">عودة إلى "حرب الخليج"، كما كان يُطلق عليها، كانت فترة قمتُ فيها بحملات كثيرة للتنديد بما أطلقتْ عليه وسائل الإعلام المُتحاملة والمُتعجرِفة بـ "حربِ القانون"، أيّ ببساطة، الحرب الشرعيّة ضدّ العرب! لديّ ذكرى حيّة جداً عن تلك الفترة، ولهذا أتحدّث عنها في "شغف بسيط"، وقد حدثتْ في ذلك الوقت الذي كنتُ أكتب فيه كتابي.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">قد عبّرتِ كثيراً عن اهتمامكِ بالكتابة بأكبر قدر ممكن من الدقّة من خلال العمل عبر الذاكرة. لكن بعض القرّاء، الذين لديهم توقّعات مختلفة عن الكتابة، ينتقدون أسلوبكِ البسيط و"المينيماليست"، والذين يصفونه أحياناً بأنّه "مُسطّح". بينما هناك نوع آخر من القرّاء، على العكس من ذلك، ينسجمون مع أسلوبكِ، مع شعور بالألفة المتزايدة خلال القراءة، ليتغلغلوا في عالمكِ بشكل أفضل. ماذا تقولين لهذين النوعين من القرّاء؟</span></p>
<p dir="rtl">لا يسعني إلا أنّ أقول للقرّاء الذين ينتقدون أسلوبي البسيط أنّهم لم يفهموا نهجي في الكتابة الذي يسعى دائماً للوصول إلى الواقع والواقعيّ. هناك كلمات تنسجم مع هذا التصوّر لكنّ هناك كلمات أخرى تُخفي الواقع أو تزيّنه أو قد تتناغم مع وجهة نظر متعصّبة ومهيمنة على سبيل المثال. لذلك فإنّ خياري هذا مدروس ومقصود. لكن كتابتي يمكن أن تزعج القرّاء الذين لديهم عادات قراءة أخرى، إذا وضعنا جانباً القرّاء الذين يحبّون الغنائيّة أو الكتابة الكلاسيكيّة، فغالباً ما يأتيني اللّوم من أشخاص لا يعتقدون أنّ الكتابة فعل سياسيّ، وأنّ الكتابة جزء من فعل مُساهم في هذا العالم. بل إنهم يفضّلون، بالأساس، الكتب التي تصرف الانتباه عن العالم.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">هل أنّ كتاب حميميّ جدّاً مثل "شغف بسيط" لامرأة تتحدّث عن تفاصيلها ورغباتها هو بالنسبة لكِ كتاب سياسيّ ؟</span></p>
<p dir="rtl">نعم، بالتأكيد. إنّه كتاب سياسيّ لأنّ من كتبته امرأة تخرج تماماً عن الصّور النمطيّة من خلال البوح بقصّة حبّ. نهجي الكتابيّ هنا ماديّ وصفيّ: أفعال وأفكار تشكّل طبيعة الإحساس بالشغف. المحورُ الجنسيّ مركزيّ هنا. إنّه نصّ قصير جداً كان مُحرِّراً للعديد من النساء، وقد غيّر أيضاً نظرة الذكور إلى كتابات النساء.</p>
<div style="text-align: center;"><img decoding="async" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/٢٣٩٨٥٧٦٥٠٤٩٦٧٥٤٠٩-3.jpg" alt="" width="1222" height="733" /></div>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">هل لنا أن نغامر بالقول، أنّه يجب التخلّص من الجماليات الروائيّة لنكتب عن أنفسنا؟ فهي قد تتطلب منّا أن نتجاهل بعض العناصر في قصّتنا، أو تعديلها، هل هناك بالتالي خطر بالنسبة لكِ من البناء الفنّي والأسلوب على متن القصّة؟</span></p>
<p dir="rtl">أنطلقُ من نفسي في الكتابة، لكن هل أكتب "عن نفسيّ"؟ أحاول أن أكتبَ بشكلٍ عام ما شعرتُ به بشكلٍ خاص، وهذا بالتحديد هو خيار جماليّ. بالإضافة إلى ذلك، فإنّني أبحث عن شكلٍ فنّي لكل كتابٍ أكتبه، بحيث لا يشبه السيرة الذاتيّة الكلاسيكيّة من جهة ولا التخييل الفنّي من جهة أخرى، بل ينبني على عناصر من الواقع. وهذا بحدّ ذاته جماليّة لكتابة تعمل على تنحية بعض التقاليد الفنيّة عبر سعيها للوصول إلى الواقع، مثل بعض مظاهر البلاغة كالمقارنة الأدبيّة والاستعارة، على سبيل المثال.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">إنّه أمرٌ مثيرٌ للدّهشة، ويبدو متناقضاً، قولكِ في مقابلة أنّه بالنسبة لكِ هناك إبداع في الكتابة انطلاقاً من التجربة، أكبر منه انطلاقاً من الخيال. أقتبسُ قولكِ: "أنا مقتنعة تماماً بأنّ هناك إبداعٌ أكثر، بالمعنى الحقيقيّ للكتابة، انطلاقاً من الواقع ومن شيء تمّ عيشه، منه عبر التخيّل. في حقيقة الأمر أنّه عندما نتخيّل فإنّ كلّ شيءٍ مسموحٌ به وكل شيءٍ ممكن. لكن عندما نحاول وصف شيءٍ كان، والتعبير عن إحساسٍ ما، عن واقع الشعور بالعار الاجتماعيّ على سبيل المثال، وعن حقيقة الإحساس بالشغف، وعن التجربة الحقيقيّة لإمرأة، هناك مزيد من العمل على مستوى الذاكرة، وأيضاً مزيدٌ من العمل على مستوى الشكل الفنّي أيضاً". إنّها فكرة جريئة، وهناك شجاعة حقيقيّة في تبنّي فكرة كهذه من قبل كاتب، كيف توصّلتِ إلى هذا الاعتقاد؟</span></p>
<p dir="rtl">عندما كنتُ صغيرة، في العشرين من عمري، شرعتُ في الكتابة مدفوعةً برغبة في الذهاب إلى ما هو أبعد مما كنتُ أقرأه (كان لديّ طموح كبير!): كان الأمر صعباً للغاية ومعقداً للغاية، ووقتها لم تتح لي الفرصة بعد للتفكير كثيراً، واعتقدتُ لوقت طويل أنّه في النهاية، بما أنني لم أكن أريد أن أتخيّل، فإنني لن أستطيع أن أكتب. كنتُ سأصبح أستاذة فقط، وهو ما كنتُ عليه بالفعل طوال الوقت. وبعد ذلك، وتحت تأثير كاتبة مثل فيرجينيا وولف، بدأتُ أفكّر أنّ ما يهمّ هو كيفيّة فهم الواقع. من حيث أنّ الأهمّ هو النظرة التي نحملها إلى الأشياء، فهذا أهمّ بكثير من خلق الشخصيّات والمواقف.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">لقد استشهدتِ أحياناً باقتباسات من الشّعراء في رواياتكِ، كأبيات من الشاعر إيلوار في "الخزائن الفارغة". ومع ذلك، يمكن أن يراودنا الاعتقاد، نظراً لاهتمامكِ بالأسلوب البسيط الخالي من البلاغة، أنّ هناك إحساساً من التوجّس وعدم الثقة بالشّعر، هل نهجك في الكتابة أثّر على علاقتكِ بالشعر؟</span></p>
<p dir="rtl">لا، لا أظنّ ذلك. لقد غذّاني الشعر كثيراً من أبولونير إلى إيلوار ومروراً برامبو. هل تعلم، أشعر أنّني أحاول الوصول إلى جوهر شيء ما عبر بضع كلمات فقط، كما هو الحال في الشّعر، حيث حتى الإيقاع مهمّ جداً.</p>
<p dir="rtl">رافقني إيلوار لمدّة عام كامل وما زالت بعض أبياته ترقص في داخلي. الاقتباس الذي وضعته في بداية كتاب "الخزائن الفارغة" ليس هو المفضّل لديّ، لكنّه كان يناسب المعنى الذي وضعته في الرواية تماماً. يستخدم إيلوار على وجه الخصوص كلمة "رجل" في العديد من القصائد بطريقة مؤثّرة. ونحن نعرف، ونشعر، أنّه يقصد جميع الناس، أيّ شخص، إنّه شاعر كونيّ عبر الأشياء البسيطة. علاوة على ذلك، ساهمتْ نصوص مثل "نجدة" و"الحبّ المجنون" لبريتون في رفضي للشكل المعهود للرواية.</p>
<p dir="rtl">ومع ذلك، هناك شكل من أشكال الرواية الشعريّة الذي لا أحبّه. كما هو الحال لدى جوليان جراك (كاتب فرنسيّ فاز بجائزة غونكور) في "شرفة في الغابة"، "شاطئ سيرتس"، قرأتهما دون أيّ إحساس بالدّهشة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">نجد هناك أيضاً الكثير من الإشارات إلى الأغاني التي ترافق ذكرياتكِ. هل ترين أنّ الأغنية، بفضل سعة انتشارها، تتخذ بطريقةٍ ما، شكلاً شعبيّا للشعر ؟</span></p>
<p dir="rtl">لا، إنني أفرّق بين الاثنين. ترتبط الأغنية ارتباطاً جوهرياً بالموسيقى والميلودي و"النَفَس". وكذلك الراب. أنا أتوخّى الحذر من وصف الأغنية بصفة "الشعبيّة"، الذي تُنعتُ به الأغنية بشكل دائم بشكلٍ أو بآخر، فهناك أغانٍ ليست كذلك. ولا سيّما أنّ الأغنية ليس لها وظيفة القصيدة، فالقصيدة تشدّك كلماتها بقراءتها أو سماعها بمفردها. لكنّ الأغنية أكثر شموليّة. في كثير من الأحيان، لا نختارها، إنّها تأتي إليكَ من الخارج، مشحونة بإحساسٍ كلّي، عاطفة، ويتمّ ربطها باللحظة التي نسمعها فيها. عندما نسمعها مرّة أخرى، بعد عشر سنوات، وبعد عشرين عاماً، ننغمس من جديد في التجربة الأولى، بتلك اللحظة التي سمعنا فيها الأغنية. الأغنية لها قيمة بالنسبة لي كالتي تحملها "سوناتا فنتيه" Vinteuil بالنسبة لمارسيل بروست في كتابه "البحث عن الزمن الضائع". أنهمك أحياناً في هذه التجربة البسيطة: الاستماع على الإنترنت للأغاني التي اعتاد والداي على غنائها. فتبرز فجأة، في اللحظة الحاليّة، نافذة تظهر من خلالها أشياء الطفولة مرّة أخرى. يحدث الاستغراق هنا بشكلٍ لا إرادي، بدافعٍ من الحياة أكثر منه من الجمال.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">هناك قصائد تمّ غناؤها.</span></p>
<p dir="rtl">في الواقع، لقد أُتيحتْ لي الفرصة هذه الأيّام كتابة نصّ موجز عن النّاشر الفرنسيّ جان مارك روبرت، الذي توفي قبل عشر سنوات، كان كاتباً ومُحبّاً للأغاني. بينما كنتُ أكتب هذا النصّ، تذكرتُ عندها أغنية جان فيرات لقصيدة أراغون "أُسمعُ، أُسمعُ". خطر ببالي أنّ قصائد أراغون، عندما تمّ تلحينها وغناؤها، كانت أكثر جمالاً وأقوى بما لا يُقاس، مثل قصيدة "هل هذه هي الطريقة التي يعيش بها الرجال؟" غنّاها ليو فيريه.</p>
<div style="text-align: center;"><img decoding="async" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/DSC_8569r-1.jpg" alt="Image credit: Annie Ernaux/ photo Catherine Hélie, Gallimard." width="1444" height="964" /></div>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الموسيقى تمنح الكلمات صدى عميقاً.</span></p>
<p dir="rtl">تمنحها صدىً عميقا، ويصبح معنى القصيدة أكثر وضوحاً، وحتى أكثر عنفاً، وغالباً بطريقة مفاجئة. يمكننا أن نرى ذلك من خلال العديد من القصائد التي تمّ تلحينها من قبل جورج براسنس.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">ولكن لا يمكن تلحين كلّ القصائد، هناك حاجة إلى منطق معين في الجملة الشعريّة بحيث تدور حول فكرة واحدة، بارزة بشكلٍ ما، دون أن تقود البساطة إلى الوقوع في السذاجة.</span></p>
<p dir="rtl">نعم، بالتأكيد</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">في أعمالكِ المتلاحقة، اعتمدتْ دائماً كتابتكِ على توظيف ضمير المتكلّم، ولكن في رواية "السّنوات" استخدمتِ ضمير الغائب. هل هذا شكل من أشكال الوقوف على مسافة مع الذات؟ ماذا يعني لكِ هذا التحوّل من ضمير المتكلّم إلى ضمير الغائب؟</span></p>
<p dir="rtl">كتابي "السّنوات " مكتوب في معظمه بأسلوبٍ غير شخصيّ، أو أيضاً بضمير الجماعة، "نحن"، "هم"، "هنّ"، "الناس"، وهناك بالطبع تباين بينها. وأيضاً بضمير "هي" الحاضر عبر الصّور التي تمّ وصفها، وهي صور حقيقيّة، شخصيّة. بالمقارنة مع كتبي السابقة، هناك توسّع في هذا الأمر، وغوص في التاريخ دون أن أكون مؤرّخًة. منطلقةً، بكلّ بساطة، من أحاسيس أتذكّرها، ومن مخزونِ ذاكرتي الشخصيّة. على سبيل المثال، لديّ أحاسيس وصور من الحرب العالميّة الثانيّة. انطلاقاً منهما أصف الأحداث، وقد تمّت تصفيتها عبر الذاكرة. أكتبُ "السنوات" عبر إلتقاط -حسب وصفي- "إنعكاس الذاكرة الجماعيّة السّاقط على شاشة الذاكرة الفرديّة". كان فقدان الـ "أنا" مُرْضياً للغاية أيضاً. لكنني موجودة في هذا النصّ، بقدر ما أنا موجودة في النصوص الأخرى، حتى لو بدا هذا مختلفاً بالنسبة للقارئ. ومع ذلك، كان هناك قرّاء، وخاصة من النساء، يفضّلون بلا شكّ نصوصي المكتوبة بصيغة المتكّلم، الذي يُمكّنهم من أن يعرّفوا أنفسهم به بشكل تام.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">تؤدّي ظاهرة شبكات التّواصل الاجتماعيّ اليوم إلى أن ينشر المرء حياته الشخصيّة أمام الجميع، غالباً بشكل فوريّ، دون مراجعة كافية، وأحياناً بدون انتقاء. هل تبدو لكِ الكتابة الذاتيّة الآن، ضروريّة أكثر، باسم الأصالة، في مواجهةِ التّسرع والتّظاهر في العالم الافتراضيّ؟</span></p>
<p dir="rtl">نعم، لأنّ الكتابة العفويّة، الموجّهة مباشرة نحو مُستَقْبِل لا يمكن مقارنتها بكتابةِ الذّاتِ خلال وقتٍ كافٍ، في شكل فنّي مُحدّد. الكتابة الأدبيّة تضع على المحكّ أشياء كثيرة أخرى. على عكس الكتابة على الشبكات الاجتماعيّة، فإنّها تهرب من الحاضر. لا يمكن كتابة كتاب في يوم واحد. هذا الخضوع لما يحدث على الشبكات الاجتماعيّة، متبوعاً على الفور بالحذف، سيغيّر بالتأكيد أسلوب حياتنا. لكن الكتابة الأدبيّة حتى الآن، بالنسبة لي، تبدو طريقة لجعل ما نعيشه أكثر عمقاً.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">بطريقة أكثر عموميّة قليلاً، في مجتمع تتزاحم فيه الصور والقصص عبر وسائل أخرى غير الكتابة (السلسلة الطويلة التي لا نهاية لها على نيتفلكس مثلا) ألا تؤدي  بإبعاد الناس عن الأدب السرديّ؟</span></p>
<p dir="rtl">لا أرغبُ في القيام بالتنبّوء، لكنّني أعتقد أنّ هناك دائماً رغبة في العمل بشكلٍ مُنعزل، الرغبة في قراءة الكتاب بدلاً من مشاهدة المسلسل. الكتاب، هو الاٌقدم، وهو نوع من الضمان عبر الزمن، حتّى لو كنتُ أنا نفسي أحياناً أشعر بالتأنيب عندما أقول لنفسي عن عمل لمؤلف: "أوه، لكنّ هذا الكتاب، لقد نسيته تماماً...". فهذا الاستمرار عبر الزمن هو مصير كلّ ما هو إبداع. لا تصدّقي أنّ سلسلة نيتفلكس لا تُنسى لدرجة أننا سنتذكّرها بعد عشرين عاماً.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">سؤال أخير: ما الدولة التي تودّين زيارتها في العالم العربيّ؟</span></p>
<p dir="rtl">ذهبتُ إلى المغرب منذ فترة طويلة مع زوجي السابق وأولادي لقضاء العطلة، وزرتُ تونس أيضاً. البلد الأوّل الذي أرغب بزيارته هو الجزائر -وإن بدا ذلك تفكيراً لفرنسيّ شكّلت الجزائر له ثلاث مقاطعات من فرنسا- لا سيّما أنّها شغلتْ خيالنا كثيراً! كنتُ في الرابعة عشرة من عمري عندما بدأتْ ثورة "التوسان روج" عام 1954. كان ذلك جزءاً من شبابي، من حياتي الطلابيّة. أنهت "اتفاقات إيفيان" الحرب في عام 1962، وكان هناك تعاون بين فرنسا والجزائر وكدتُ أن أغادر للتدريس في الجزائر لكنّ زوجي لم يكن لديه عمل. ظلّت الجزائر، القريبة جداً، والمرتبطة تاريخيًّا بفرنسا، فرصة زيارة ضائعة حتى الآن.</p>
<p dir="rtl">لم أزر فلسطين من قبل. أؤكّد أنّني لم أذهب أبداً إلى إسرائيل، حيث تُدرّس كتبي. منذ حوالي خمسة وعشرين عاماً، كان هناك حديث عن زيارتي إلى جامعة تل أبيب، ولم يكن في أيّ وقتٍ مناسباً لي.</p>
<h5 dir="rtl"><span style="color: #7f8c8d;">جرى الحوار بتاريخ 22 أبريل 2023، في مدينة سيرجي المحاذية لباريس. وتُنشر في "رمّان الثقافية" بالتعاون مع "دار النهضة العربيّة" في بيروت، على أن تكون متوفرّة في كتيّب بصيغة ورقيّة وإلكترونية في الأسابيع المقبلة"</span></h5>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21246"> آني إرنو لرمّان عن فلسطين والثقافة العربية، والأدب الذاتي والنسوي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>كتّاب ونقّاد عرب: نوبل آني إرنو تتويج لكتابة الذات</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21107</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أوس يعقوب]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 16 Jan 2023 10:44:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[آني إرنو]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%83%d8%aa%d9%91%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d9%86%d9%82%d9%91%d8%a7%d8%af-%d8%b9%d8%b1%d8%a8-%d9%86%d9%88%d8%a8%d9%84-%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a5%d8%b1%d9%86%d9%88-%d8%aa%d8%aa%d9%88%d9%8a%d8%ac-%d9%84%d9%83/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"كنت أعتقد، بتكبُّر وسذاجة، أنني إذا ألّفتُ كتباً، وصرتُ كاتبةً -كاتبة من نسَب فلّاحين بلا أرض، وعمّال وأصحاب تجاراتٍ متواضعة، وناس يُحتَقَرون بسبب أسلوب عيشهم، ولهجتهم، وقلّة ثقافتهم- فذلك سيكفي لتعويض الظلم الاجتماعي الذي يولَد معنا". هذه الكلمات قالتها آني إرنو في خِطاب تسلُّمها جائزة نوبل للأدب، في العاشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر 2022، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21107">كتّاب ونقّاد عرب: نوبل آني إرنو تتويج لكتابة الذات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">"كنت أعتقد، بتكبُّر وسذاجة، أنني إذا ألّفتُ كتباً، وصرتُ كاتبةً -كاتبة من نسَب فلّاحين بلا أرض، وعمّال وأصحاب تجاراتٍ متواضعة، وناس يُحتَقَرون بسبب أسلوب عيشهم، ولهجتهم، وقلّة ثقافتهم- فذلك سيكفي لتعويض الظلم الاجتماعي الذي يولَد معنا". هذه الكلمات قالتها آني إرنو في خِطاب تسلُّمها جائزة نوبل للأدب، في العاشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر 2022، في العاصمة السويدية ستوكهولم، خلال حفل تكريمها في مقرّ الأكاديمية. </p>
<p dir="rtl">صاحبة «المكان»، و«الاحتلال»، و«الحدث»، و«انظر إلى الأضواء يا حبيبي».. ــ المعروفة بالتزامها السياسي إلى جانب المهمّشين والقضايا العادلة ــ، ومناهضة إسرائيل ومناصرتها للحق الفلسطيني ــ أعادت للفن الروائي مهمة التأمل في الحياة والمجتمع والطبقات. وهي بفوزها بهذه الجائزة المرموقة تركت الأبواب مشرعة للكثير من الأسئلة.. التي وجّهت "رمان الثقافية" بعضاً منها لعدد من النقاد والكتّاب والكاتبات العرب، من تلك الأسئلة برأيك هل تستحق الفرنسية آني إرنو، جائزة نوبل للأدب للعام 2022؟ ولماذا؟ ومن بعد؛ هل يمكن تصنيف كتابات "النوبلية" الجديدة، في إطار جنس أدبي محدّد -رواية، سيرة روائية، رواية سِيرية، مذكرات، أو يوميات- هي التي تقول: "ما أكتبه ليس بحثاً استطلاعياً ولا تحرياً منهجياً إنما يوميات، مما ينسجم على الأكثر مع مزاجي الذي يميل إلى الالتقاط الانطباعي للأشياء والناس والأجواء، كتابة حرة في إبداء الملاحظات والمشاعر محاولة مني الإمساك بشيء ما من الحياة الدائرة هناك"؟ وهل لهذه التصنيفات الأدبية أهمية تذكر؟ وكيف لنا أن نفهم أنّ الأكاديمية السويدية اختارت في الأعوام الثلاثة الماضية إبراز مؤلّفين لم تترجم مؤلفاتهم كثيراً وغير معروفين حتى لدى دوائر قطاع النشر، بخاصة في عالمنا العربي؟ فكان هذا التحقيق..</p>
<p><strong><span style="color:#ff0066">محمد عبيد الله (كاتب وناقد أردني): جائزة نوبل وتقدير كتابة "الأنا"<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="304" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/الكاتب-والناقد-الأردني-الدكتور-محمد-عبيد-الله-2.jpg" style="float:left" width="300"></span></strong></p>
<p dir="rtl">يبدو لي أنّ جائزة نوبل 2022 بمنحها للكاتبة الفرنسية المعاصرة آني إرنو يمكن أن تُستقبل في إطار تقدير خاص لما يدعى بكتابة الأنا، التي تمثّل لوناً صاعداً في عصرنا يكاد يحلُّ محلّ الكتابة في القضايا العامة وقضايا المجتمع ككلّ. وبالرغم من أنّ الذات هي منبع مهم ومورد رئيس من موارد الكتابة منذ القديم، فإنّ اتّساع حضورها في ضوء شيوع اتّجاهات التحليل النفسي واكتشافات علم النفس ومدارسه المتشعبة بخصوص الذات الإنسانية والهوية الفردية وعلاقة الذات بالمجتمع، وإعادة النظر في علاقة الذات بالموضوع على المستوى الفلسفي، وصولاً إلى انتشار وسائل التواصل التي شجعت حضور الروح الفردية.. كلّ ذلك أسهم في أن تكتسب كتابة الأنا دفعات جديدة، وحضوراً لافتاً في الأدب العالمي، ولربما كانت مثل هذه الخلفية حاضرة في خيارات (نوبل) لتقدير هذا النوع من الأدب الذي أسهمت فيه آني إرنو بقوة منذ عدة عقود، بل إنّ مجمل تجربتها -كما يظهر لنا من أعمالها المترجمة إلى العربية- لا تبعد عنه، فهي تكتب ما كان يدعى قديماً بالمذكرات وأدب السيرة الذاتية، ولكنّه تطوّر تطوّراً واسعاً لا يقف عند ميثاق السيرة الذاتية كما قرره فيليب لوجون في تعريفه الشهير.</p>
<p dir="rtl">أما التساؤل حول مسألة استحقاق آني إرنو لجائزة بحجم جائزة نوبل، فمردّه نظرة القراء إلى نوعية إنتاجها؛ فإذا كنا ممن اعتادوا على الروايات الكبيرة التي تتناول قضايا مجتمعية وإنسانية كبرى، فقد يهولنا منحها لكاتبة سجلت في مختلف كتبها انطباعاتها وحكاياها الشخصية الهامشية وتجاربها العاطفية التي ربما تتشابه مع تجارب الآخرين، وليس فيها أية خصوصية فارقة، وليس فيها عبرة عامة يمكن الانتفاع بها، كما تبدو أنها بسيطة من ناحية الشكل والتعبير الفني فليس فيها بعض ما عرفه القارئ من تعقيد في التقنيات والأساليب مما شاع في الرواية والسرد المعاصر. </p>
<p dir="rtl">أما إذا كنا نقدر (كتابة الذات)، والأدب المعبّر عن الأنا فلربما يختلف الأمر، ونرى أن إنتاج إرنو أسهم في الإعلاء من شأن هذه الكتابة، ومن التحديق فيها ومن خلالها، لقراءة جوانب مؤثّرة من التجربة الإنسانية الأصيلة. أنا أقرب إلى الفريق الثاني الذي يرى في كتابة الذات والتعبير عن الأنا لوناً من ألوان التفكير الإنساني المشروع، وطريقاً موارباً نحو أسئلة الإنسان، حتى لو تظاهر هذا الأدب بأنه أدب شخصي يتعلق بذات الكاتب وتجربته المفردة، وأرى أنّ الأدب مرتبط أشدّ ارتباط بمثل هذه الروح البصيرة التي يمكن أن تتحرّر من أسر التجربة لتكتبها وتعاينها وتستخلص منها خلال ذلك أمارات القوة والضعف، والنجاح والإخفاق.</p>
<p dir="rtl">تقع كتابة إرنو في دائرة التخييل الذاتي، تتهرب من التصنيفات المألوفة، ومن الوقوع في دائرة الأجناس الكبرى، لصالح تطوير أنواع جديدة مشتقة من إعادة النظر في العلاقة بين الواقع والمتخيل، والأنا والجماعة، ذلك أن إدراك الواقع بوضوح ودقة مسألة نسبية، خاضعة لانطباعاتنا وخداع حواسّنا. أخيراً، يمكن أن نقرأ في واقعة فوز إرنو بجائزة نوبل إعلاناً رمزياً لنهاية هيمنة روائع الأدب التقليدية، وبدء مرحلة جديدة قد تولد فيها الروائع من ينابيع الذات والأنا الفردية، ومن تفاصيل سيرتها وتجاربها ووقائعها الهامشية. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">سوسن جميل حسن (كاتبة وروائية سورية): انشغال بمفهوم الزمن برؤية خاصّة<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="300" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/الكاتبة-والروائية-السورية-سوسن-جميل-حسن-2.jpg" style="float:left" width="300"></span></strong></p>
<p dir="rtl">عندما سُئلت الكاتبة إلين ماتسون، وهي عضو في الأكاديمية السويدية، ولجنة نوبل للآداب، عن المعايير التي تستند إليها اللجنة في اختيار الفائزين، قالت: الأمر كلّه يتعلّق بالجودة الأدبية، يجب أن يكون الشخص يكتب أدباً ممتازاً. أما ما يتمّم هذا الجواب، فكان، على لسانها أيضاً: لا يوجد حدّ للعمر، لكن الأمرـ تعني الجودة ـ يتطلّب الكثير من الوقت، أحياناً قد يستغرق الأمر حياتك كلّها كي تكون كاتباً جيداً.</p>
<p dir="rtl">تأسيساً على هذا التصريح، يمكن القول بداية إنّ آني إرنو كانت ضمن الدائرة التي تشمل المرشحين للجائزة، فهي كاتبة لديها رصيد كبير من الأعمال الأدبية، بعد عمر تخطّت فيه الثمانين، وهي من الكتّاب الذين شغلوا النقاد، ورسخّوا حضوراً مميزاً وكبيراً لدى القراء، لا أستطيع تبنّي حكم قيمة عن مدى جدارتها بالجائزة، فأوّلاً، أنا لم أقرأ لها إلّا ثلاثة أعمال، طبعاً بعد فوزها بالجائزة، أحدها كانت ترجمته سيئة، لكنّني قرأت حول بعض من أعمالها الأخرى، لقد انشغلت بمفهوم الزمن، قدّمت رؤيتها الخاصّة، الزمن الذي نمتلئ به، مهما قفزنا فوقه، ومهما ملأناه بالتجارب، فإننا نكتشف أنّ تفاصيله قابعة في تلك النقطة العميقة، العصيّة، تحتلّنا. ولها رؤيتها الخاصّة للعواطف الإنسانية، فهي بغوصها في أعماق نفسها تلتقط صلات ما، أو تصادياً بين تلك العواطف ومظاهر الطبيعة، مثلما لو أنها تريد أن تقول إنّ هناك وحدة ما في الوجود، ثم لها طريقتها الخاصّة في تفكيك العلاقة بين الداخل والخارج، الداخل الإنساني والمحيط الذي يعيش فيه، بل حتى المنظومة الحيوية التي ينتمي إليها، بارعة في التقاط المشاعر والعواطف وإزالة بعض القشور عنها، لنرى أنها تتجلّى بعدد لا نهائي من الأشكال والتعبيرات ضمن النفس، وهي جريئة في رفع الغطاء عن هذا كلّه، نظرتها المميزة للكتابة وفهمها لها ولدورها، كما في نصّ «الاحتلال» "كانت الكتابة بمثابة طريقة لأن أنقذ ذاك الذي لم يكن واقعي أبداً، أي ذاك الإحساس الذي كان يتملكني من رأسي حتى أخمص قدمي وأنا في الشارع، والذي أصبح "احتلالاً"، لفترة معينة، انتهتْ الآن".</p>
<p dir="rtl">ما كتبت آني إرنو نصوص سردية إبداعية ممتعة وعميقة ومؤثّرة، فهل يجب حصر المنتج الإبداعي في قوالب نمطية متفق عليها، أم إنّ الإبداع، كمنتج غير مادي للحضارة الإنسانية، مفتوح على احتمالات لا تحدّ من الابتكار؟ هل من الضروري تصنيف كتاباتها على أنها نصوص سيرية، أو يوميات، أو روايات؟ أنا أراها سرديات بديعة، ربما تشبه اليوميات أحياناً، وأحياناً يمكن تسميتها رواية، أو مذكّرات. </p>
<p dir="rtl">أما السبب الثاني الذي يجعلني غير قادرة على الحكم بمدى جدارتها بالجائزة، فهو أنّ هذه الجائزة المهمة والمرموقة لها معاييرها الخاصّة، ولها أدوات الترشيح الخاصّة أيضاً، وهي ليست بسيطة، لذلك لا أظن أنها من الخفة بما يجعلها تمنح الجائزة لأدب قيمته متواضعة، وإذا كانت بعض الآراء ترى أنّ الأكاديمية اختارت في الأعوام الثلاثة الماضية إبراز مؤلفين لم تترجم مؤلفاتهم كثيراً، بخاصّة في عالمنا العربي، فهذا يحيل إلى قضية أخرى على علاقة بموضوع الترجمة والمقروئية في عالمنا العربي، فعندما فاز في العام الماضي الروائي عبد الرزاق قرنح، نفدت كتبه مباشرة من المكتبات الألمانية، هذا يشير إلى أنه كان مترجماً إلى هذه اللغة، بالإضافة إلى المشاكل الجذرية في موضوع المنتج الأدبي العربي وتعريفه وتصنيفه وتصديره إلى الآخر، وتأسيس جهات ثقافية يكون لها حضور مؤثّر، ودور في الترشيح لجوائز من هذا النوع. ولا بدّ من الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي معايير النقد في تقويم المنتج الأدبي، التي من المؤكّد أنها تلعب دوراً في تزكية الأعمال الفائزة، فنحن، فيما يتعلّق بالحركة النقدية، مازلنا مقصّرين وغير فاعلين في تطوير هذا الحقل، بل غالباً ما نتبنى النظريات التي نشأت وتطوّرت، وما زالت، في أوروبا وأمريكا وغيرهما.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">إدريس الخضراوي (كاتب وباحث مغربي): عندما يكون المفهوم عن الأدب على المحكّ</span></strong><br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="300" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/الكاتب-والباحث-الأكاديمي-المغربي-إدريس-الخضراوي-2.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">يبدو لي أنّ السؤال الأساس في حالة الكاتبة الفرنسية آني إرنو التي توّجت هذا العام بجائزة نوبل، وهي أكبر جائزة أدبية عالمية تقول لمن نالها أنه قدّم الشيء الكثير للإنسانية، ليس هو ما إذا كانت هذه الكاتبة تستحقّ الجائزة أم لا، وإنما هو السؤال المتعلّق بالمكوّن الذي يرنّ بقوة في عملها، ويَجعلُ من مؤلّفة «انظر إلى الأضواء يا حبيبي»، مبدعةً مختلفة عن كتّاب قد يكونون أكثر شهرة منها، ولم يتمكّنوا من حصد هذه الجائزة. وهنا بالطبع تبرز من خلال التنشئة الاجتماعية لآني إرنو، ومن خلال نصوصها، بما في ذلك «الأعوام»، و«الاحتلال» و«شغف بسيط»... القدرة الرهيبة للأدب على التعبير عن التمزّق، بما في ذلك التمزّق الذي عاشته الكاتبة، وترميم العالم الذي يعرف تصدّعات عميقة في هذا العصر الذي هو عصرنا. وعلى هذا الأساس، يَتعينُ شعور المبدع بالمسؤولية الملقاة على عاتقه إزاء الشعوب التي تَتعرّضُ للقهر والاستغلالِ والحرمانِ من حقها في الوجود على أرضها، كالشعب الفلسطيني الذي لا يَزالُ يناضل من أجل التخلّص من نير الاحتلال الصهيوني، أو التمييز الذي تتعرّض له النساء في مناطق واسعة من العالم، أو الكراهيات ضدّ الأجانب، أو القهر الذي يكابده العمال، والناس البسطاء بحثاً عن لقمة العيش، بوصفها موضوعات تمنح أدب آني إرنو سمات الكتابة التي تدلّ على التحوّل الهائل الذي يشهده الأدب مع مطلع الألفية الثالثة بعد ضروب التحذير من نهايته التي كانت تأتي من كلّ مكان. ولنتذكّر ما كتبه عن هذه النهاية كلّ من جون ماري دوميناخ، وتودوروف، ووليام ماركس، ودومينيك مانغونو، وريشار ميي، وجون ماري شايفر، وجون كلود ماسرا، على سبيل المثال لا الحصر. إن ما يلفت النظر إلى عمل آني إرنو، في تقديري، هو هذه المادة التي تتخلّق من رحمها الكتابة، وبالتالي فإنّ ما هو أصيل في عملها، وما يعطيه قوته الضاربة هو هذا الاستعمال الخاصّ للغة أو القطع مع "الكتابة الجميلة".</p>
<p dir="rtl">هل يُؤشرُ هذا التتويج على تحوّل في النّظرة إلى المعتمد المكرّس؟ أعتقد أنّ الناظر إلى الأسماء التي توّجت بجائزة نوبل، على الأقل منذ 2016 عندما نالها بوب ديلان، وهو مغنّ وكاتب كلمات أمريكي شهير، والمجادلات التي أثارها هذا التتويج، والانقسام الذي حدث بين النقاد والمهتمّين بالشأن الأدبي، بين من آخذوا على لجنة التحكيم انتهاكها لحدود الأدب، والمعايير التي تتأسّس عليها الأجناس الأدبية المعروفة، وبين من رحّبوا بهذا التتويج، وأبصروا فيه تكريماً للأغنية، معلّلين ذلك بأمثلة من تاريخ الأدب القديم كالشاعر الملحمي هوميروس الذي كان منشداً، إنّ الناظر، إذاً، إلى الأسماء المتوّجة خلال السنين الأخيرة، يلمس بقوّة أنّ المفهوم عن الأدب من جهة، والحدود بين ما هو أدبي وما ليس أدباً، باتت على المحكّ بشكل لاهب. فأن يتوّج بالجائزة كتّاب يستكشفون من خلال الكتابة في أشكال أخرى لا تحظى بالاعتراف الكامل من المؤسسة الأدبية، ككتابة الأغاني، والتقرير الصحفي، والشهادة، واليوميات، والمذكرات، والسيرة الذاتية، والتخييل الذاتي، أو مبدعون ينطوي عملهم على ضرب من الالتزام، حتى وإن كان ذلك مختلفاً عن الالتزام السارتري، مثلما يعكس ذلك أدب ما بعد الكولونيالية المسكون بالبحث عن قيم بديلة لنزعات الهيمنة الغربية التي تطمس ضروب الاختلاف والتنوع العالميين، وهنا يمكن أن نفكّر بالكاتب التنزاني عبد الرزاق قرنح، وقبله بالبيان الذي وقعه عام 2007 أربعة وأربعون كاتباً فرانكفونياً، فإنّ ذلك يعني أنّ زمن المفهوم عن الأدب حيث يُهيمنُ الشّعري على حساب القوّة المرجعية قد ولّى.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">آمال مختار (كاتبة وروائية تونسية): البحث عن درر الإبداع في الزوايا المعتمة<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="300" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/الكاتبة-والروائية-التونسية-آمال-مختار-2.jpg" style="float:left" width="300"></span></strong></p>
<p dir="rtl">يبدو أنّ الأكاديمية السويدية التي تمنح جائزة نوبل للآداب لا يعنيها في عملية منحها للجائزة للأسماء المكرّسة إعلامياً بقدر ما يعنيها تقديم أسماء كاكتشاف في عالم الأدب والرواية والكتابة عموماً. وشخصياً أساند هذا التوجّه في منح الجوائز لأني أرى في ذلك مكافأة للمبدع الذي يعمل في صمت وخارج مهرجانات الدعاية والتبجح وعرض ما يكتبه الكاتب للناس بأساليب غير بريئة بالمرّة.</p>
<p dir="rtl">من ناحية أخرى، أرى أنه من دور الجوائز الكبرى البحث عن درر الإبداع في الزوايا المعتمة، حيث هناك دائماً من يكتب لنفسه دون انتظار لأي مكافأة ما معتبراً متعة الكتابة مكافأة في حدّ ذاتها. إضافة إلى أنّ عملية الكتابة في هذه النوعية تعتبر نوعاً من "الثيرابي" أو عملية من عمليات الشفاء النفسي. خاصّة إذا ما كان ما يكتبه يندرج في باب اليوميات والسيرة الروائية كما هو حال الفائزة بجائزة نوبل للآداب لسنة 2022 الفرنسة آني إرنو، وهي التي اعترفت بلسانها أنّ ما تكتبه هو يومياتها، وهو يخصّ مشاعرها الشخصية نحو قضايا ومواقف عاشتها هي بنفسها. ولكن يظلّ الأهمّ واللافت في ما كتبته آني إرنو في مدونتها التي تخصّها وحدها كبطلة لهذه اليوميات أنّ ما كتبته هو مادة إنسانية صادقة تمس في العمق أياً كان من القرّاء. وهنا تكمن نقطة القوّة وبيت الإبداع الذي تفطنت له الأكاديمية السويدية ومنحت من أجله نوبل لهذه الكاتبة الفرنسية التي لامست في يومياتها الروائية ما يمكن أن تعيشه أي امرأة في الكون. وهنا سحر الأدب وقوّته، وهنا أيضاً شجاعة الكاتبة المرأة التي كتبت بجرأة آلامها وأحزانها دون تردّد ولا خجل من حقائق الحياة ومن الذين يقيمون محاكم التفتيش في نوايا الكتّاب رجالاً فما بالك بالنساء، وبامرأة جاهرت بشجاعة وجرأة على تعرية النفس بمثل ذلك الصدق.  أما في ما يخصّ تصنيف النصوص فأنا مع حريّة الكاتب في الإبداع بالأسلوب الذي يناسب مزاجه مؤمنة بتداخل الفنون في الكتابة وبتعدد فروع الموهبة داخل نفس الكاتب المبدع، ومؤمنة أنّ المبدع هو من يخلق النصّ وأنّ على الناقد أن يبحث فيه ليخلق أدوات تشريحه وتصنيفه.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">جودت هوشيار (كاتب ومترجم عراقي): اختيار ينطلق من القيمة الفكرية والفنية لأعمال إرنو</span></strong> <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="300" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/1-21.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">معظم التنبؤات حول من سينال جائزة نوبل لهذه السنة أو تلك، لا تتحقّق إلّا نادراً. ليس لأنّ من تروج له وسائل الإعلام، لا يستحقّ الجائزة، بل لأن عملية اختيار المرشح الأفضل للجائزة تخضع لعوامل كثيرة: القيمة الأدبية لنتاجات المرشح، ونظرة أعضاء الأكاديمية السويدية – مانحة الجائزة – إلى الثقافة المعاصرة عموماً، والتي هي أوسع بكثير من نظرتنا الشرقية. ويلعب التوازن بين الثقافات المختلفة دوراً مهماً في عملية الاختيار، ثم يأتي العامل السياسي أحياناً. وهذا لا يعني مطلقاً بأنّ الجائزة تمنح لأسباب سياسية محضة. هذا تفكير أحادي الجانب، ذلك لأنّ عملية الاختيار معقّدة تتداخل فيها في كلّ مرّة عوامل تختلف عن المرّات السابقة من حيث تأثيرها وأهمّيتها النسبية. </p>
<p dir="rtl">قالت الأكاديمية السويدية أنها منحت جائزة نوبل في الآداب لعام 2022 إلى آني إرنو "للشجاعة والدقة السريرية التي تكشف بها الجذور والاغتراب والقيود الجماعية للذاكرة الشخصية". آني إرنو تستحقّ تماماً جائزة نوبل في الأدب. وكان هذا خياراً جريئاً وصحيحاً للأكاديمية السويدية لأنه ينطلق من القيمة الفكرية والفنية لأعمالها، وهي الكاتبة الواقعية المعاصرة الأولى في فرنسا.</p>
<p dir="rtl">تستند معظم روايات آني إرنو إلى حقائق حياتها الشخصية. فقد عانت في سنوات شبابها من الاعتداء الجنسي وحتى الإجهاض غير القانوني. حول كلّ هذا كتبت أكثر من رواية سيرة ذاتية فكرية عميقة. لا تنسب آني أرنو أعمالها إلى جنس أدبي معين. وتقول إنها ابتكرت أسلوبها الخاصّ ولغتها. تثير رواياتها الاجتماعية المؤثّرة العديد من الموضوعات المعاصرة غير المريحة والمؤلمة. الشخصية الرئيسية في كلّ عمل من أعمالها هي امرأة ذات مصير معقّد وحتى مأساوي. وتكتب إرنو رواياتها بلغة بسيطة ومفهومة.</p>
<p dir="rtl">في عام 2020 فازت بجائزة نوبل في الأدب الشاعرة الأميركية الشهيرة لويز جلوك، التي حازت العديد من الجوائز الأدبية الرئيسية في الولايات المتحدة، ومنها جائزة بوليتزر الرفيعة. وفاز بالجائزة لعام 2021 الكاتب التنزاني عبد الرزاق قرنح. وكان ذلك مفاجأة للأوساط الأدبية في العالم، ليس لأنّ قرنح لا يستحقّ الجائزة فهو كاتب كبير، ولكنّه لم يكن معروفاً على نطاق واسع حتى في إنجلترا، التي يعيش فيها ويكتب بلغتها. ومع ذلك لم تخطئ الأكاديمية السويدية في منحه الجائزة الأدبية الأهمّ في العالم، لأنه يستحقّها فعلاً. أما آني إرنو الفائزة بالجائزة في عام 2022 فإنها معروفة على نطاق واسع في الدول الأوروبية والولايات المتحدة. ويبدو لي أنّ الأكاديمية السويدية أخذت تراعي في السنوات الأخيرة التوازن الجغرافي في منح جائزة الأدب. فالفائزون في السنوات الثلاث الأخيرة ينتمون إلى ثلاث قارات مختلفة.</p>
<p dir="rtl">إنّ ترجمة أعمال أي كاتب إلى اللغة العربية لا يمكن أن تعد معياراً لقيمتها الأدبية، لأنّ دور النشر العربية تنشر ترجمات – متسرّعة أحياناً – للكتب الرائجة في الآداب الغربية، بصرف النظر عن قيمتها الفكرية والفنية. ومع ذلك فإنّ ما يترجم إلى العربية من الأدب العالمي ضئيل جداً. ويكفي أن نقول إنّ إسبانيا وحدها تترجم من اللغات الأخرى أكثر من الدول العربية مجتمعة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">صابر رشدي (كاتب وقاص مصري): لماذا لا تتغيّر معايير جائزة نوبل؟<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="300" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/الكاتب-والقاص-المصري-صابر-رشدي-2.jpg" style="float:left" width="300"></span></strong></p>
<p dir="rtl">في السنوات الأخيرة، بدأ متابعي الأدب في كلّ مكان يستيقظون كلّ عام على مفاجآت من النوع المثير، فهناك عدد قليل من الأشخاص يتحكّمون في مسار الإبداع العالمي، عندما يضعون أحد الكتّاب على منصّة الكبار، متوجاً بأكبر جائزة دولية، مادياً ومعنوياً، هؤلاء هم أعضاء الأكاديمية السويدية، الستة، الذين قد ينتشلون من العدم كاتباً مجهولاً، ويكتبون له الخلود عن طريق منحه جائزة نوبل للآداب، أو يسبغون الحماية على كاتب مضطّهد من قبل النظام الذي يحكم بلاده، أو مستشعرين الحرج من عدم إدراج اسم كاتب حاصرهم بحضوره العالمي عبر ملايين النسخ من أعماله، وعشرات اللغات المترجم إليها، وعدد الكتب والدراسات التي كتبت عنه. أو الانحياز لنوع معين من الكتابات. نوبل، ضربة حظ، يوفرها القدر لأصدقاء الكواكب السعيدة: شهرة، إعادة طبع، مزيد من اللغات، دعوات، ندوات، محاضرات، حوارات صحافية وتلفزيونية. الأهمّ: التحوّل التاريخي، أن يكون شخصاً مبجلاً أينما حلّ، مسموعاً ومؤثّراً، يمثّل إضافة ثمينة لأي قضية يقوم بمساندتها، وخصماً أليماً من رصيد أي جهة يتم رفض تصرفاتها، والتنديد بها في السياسة تحديداً. لكلماته صدى وتأثير بالغين. كلّ هذا نتيجة هذا التكريم. في السابق، كانت التوقّعات تذهب إلى الكتّاب الكلاسيكيين، الذين أحرزوا مكانة راسخة، وأعمال شديدة الجودة، كنت أتوقّع دائماً فوز الكاتب الألباني إسماعيل كادريه، أو المكسيكي كارلوس فوينتس، أو الرجل الذي غير شكل الكتابة النثرية وغذى فن السرد بقواعد أسلوبية وجمالية مدهشة، دفعت بتذوقه حدّ السحر. تذهب توقّعاتي إلى بول اوستر، مرجريت آتوود، ميلان كونديرا.. لكني اُفاجأ بكتّاب لم أسمع بهم، ولم تترجم أعمالهم إلى العربية، تذهب الجائزة إلى موسيقي في المقام الأول ولكنّها تمنح له في الشعر، وهو كاتب الأغنيات والمؤلف الموسيقي، الأمريكي بوب ديلان، كما ذهبت إلى كاتبة استقصائية، تكتب ريبورتاجات أدبية، مستلهمة نمط السرد الروائي، وهي البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش.</p>
<p>تراجع الانحياز السابق إلى النوع الروائي أو الشعري الخالص. لم تعد المسألة إذن تدشين للنماذج الكلاسيكية القديمة والحفاظ على نقاء النوع الأدبي من الهجنة، لقد تغيّرت ذائقة العالم، وذائقة الأكاديمية السويدية؛ فهي أيضا جزء من هذا العالم، تحاول التعاطي مع متغيّراته، ضاربة بوصايا مؤسّسها الشهير ألفريد نوبل عرض الحائط. لقد كنت أتمنى، مع هذه السيولة، أن أرى أسماء كبرى في عالم الفكر والنقد. كإدوارد سعيد، تزفيتان تودوروف، ميشيل فوكو، رولان بارت، تيري ايجلتون، هارولد بلوم، عبدالله العروي، عبد الكبير الخطيبي في قائمة نوبل المبجلة، وأيضاً أسماء أخرى، في مجال آخر، وهو الصحافة العالمية لا تقلّ إبداعاً في كتابة السرد عن كبار الروائيين، مثل بوب ودورد، محمد حسنين هيكل، أريك رولو.. إنهم يرصدون حوادث العالم الكبرى على نحو مدهش، فائق الجاذبية والإثارة، دون أن تفقد الكتابة رصانتها، ونثرها اللامع المتألق.</p>
<p dir="rtl">نأتي إلى الفرنسية آني إرنو، صاحبة استحقاق نوبل ٢٠٢٢. الذي يؤكّد على تغيّر مزاج مانحي الجائزة، وانحيازهم لأشكال أدبية أخرى من الكتابة، كتابة الذات؛ التي تنعكس عليها الأحداث والتجارب، وتمارس حريتها في البوح الحميم، والسرد الذي يستبطن الاعترافات، ويعمل على الداخل. الأهمّ بالنسبة لي عدم انبهار الجائزة بـ"الروايات البدينة" حسب مصطلح الناقد المغربي د. سعيد يقطين. إرنو تخالف المتعارف عليه في كتابة الرواية، إنها تكتب نفسها فقط. رواياتها القصيرة هي سيرة ذاتية متعدّدة الأجزاء، سرد بسيط، لا يفتقر إلى العمق، فهي تعلم تماماً سر الصنعة، وتجيد ما تفعله. إنها تباري أمهر الكتّاب، عندما تسطر مشاعرها، مستعيدة تجاربها المريرة، دون أن تفقد وهج الإبداع.</p>
<p dir="rtl">لماذا أثيرت الضجة إذن؟ من حسن حظي أني قرأتها قبل حصولها على الجائزة. فقد ترجمت مبكراً في القاهرة. لقد توقفت عند صدقها، وهي تكتب عن أبيها، عن أمها، عن الطبقة الفقيرة القادمة منها، عن مآسي الحب والنزوات. هي لا تخجل من وضع كلّ حياتها أمام القارئ، لا تدّعي بطولات، لا تلتمس لنفسها أعذاراً، أو مبرّرات، حتى في أشدّ لحظاتها أخطاء. إنها تعيش فوق الأرض، ولا تخفي تحت ملابسها جناحي ملاك وتدّعي البطولة. إنها امتداد، أقلّ طبعاً، لسيدتين عظيمتين، سيمون دو بوفوار، ومارجريت دوراس. أخطأتهما نوبل، وأخطأهم التقدير الفرنسي أيضاً، عندما لم يضعهما في مرتبة تفوق معظم كتّاب فرنسا. إلّا إذا أستثنينا فرديناند سيلين وجان جينيه. </p>
<p dir="rtl">على أي حال، لقد دخل العالم منذ فترة في مرحلة كسر التوقّعات، في السياسة والاقتصاد والأدب وكرة القدم، تخلخلت البديهيات، ولم تعد الأفكار الراسخة تتحكّم في مجريات الأمور. على الكاتب أن يكتب ما يشاء، ولكن عليه أولاً أن يكتب جيداً.</p>
<p><strong><span style="color:#ff0066">محمد المسعودي (شاعر وناقد مغربي): كتابة تنتصر للكتابة في ذاتها وللواقع الإنساني<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="299" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/الشاعر-والناقد-المغربي-الدكتور-محمد-المسعودي-2.jpg" style="float:left" width="300"></span></strong></p>
<p dir="rtl">حسب رأيي، أنّ أي فائز بجائزة من الجوائز يستحقّها، وهذا الاستحقاق يتأتى من عملية اختياره وترجيح كفته من قبل لجنة مختصّة نظرت إلى ما أبدعه وقومته، ومن ثم منحته الجائزة من بين عشرات من المبدعين الآخرين. ومن هنا لا أعد فوز آني إرنو -التي لم تكن معروفة لدى كثيرين من المهتمّين بالأدب في العالم- نشازاً، أو أتى عن غير استحقاق، فهي كاتبة لها حضورها في فرنسا، وفي الغرب الأوروبي، ولها منحى خاصّ في كتابتها الأدبية سنقف عند بعض سماتها في إجابة لاحقة.</p>
<p dir="rtl">وفيما يتعلّق بتصنيف كتابات النوبيلية الجديدة في إطار جنس أدبي محدّد: (رواية-سيرة روائية-رواية سيرية-مذكرات-يوميات). فأظن أنّ أعمال آني إرنو لا يمكن تصنيفها في جنس واحد من هذه الأجناس الأدبية، فلكلّ عمل من أعمالها السردية شكل يختلف عن الآخر، ومن ثم فهي كتابة تنتصر للكتابة في ذاتها، وللواقع الإنساني في أدق تفاصيله، وأجلى مظاهر بشاعته وقباحته، وفي أرق لحظاته وأرقاها. وحسب ما قرأته للكاتبة من أعمال أجد أنها تمتاح من تجاربها الحياتية لتكتب نوعاً من السيرة الروائية، أحياناً، وأحياناً أخرى تكتب نوعاً من الرواية السيرية مشكّلة عوالمها السردية من خلال توظيف إمكانات أنواع أدبية مختلفة: المذكرات واليوميات وفنون السرد الروائي من تقطيع زماني وعودة إلى الوراء واستدعاء وغيرها من الصيغ الفنية. وبهذه الشاكلة فهي لا تكتب سيرة خالصة (أوتوبيوغرافيا)، كما لا تكتب مذكرات ولا يوميات، بقدر ما تكتب نصوصاً سردية منفتحة تنطلق من الذات لتشكّل رؤية لهذه الذات في تفاعلها مع العالم، ومع الآخر، ومع ذاتها. ولعل العناية بالأنا أكبر هم يشغل كتابة هذه المبدعة.</p>
<p dir="rtl">وهل لهذه التصنيفات الأدبية أهمّية تذكر؟ هذه تصنيفات نقدية تُسعف الدارس والقارئ على تمييز النصوص، ومعرفة الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه هذا النصّ أو ذاك. وحسب وجهة نظري، أنّ النصوص الإبداعية ليست ملزمة بضوابط صارمة، وإلّا انتفى الإبداع الذي ينبغي أن يلتزم بتحقيق الجمال الفني، وأن ينقل رؤى الكاتب وأحاسيسه ومشاعره بدرجة أساس إلى المتلقّي.</p>
<p dir="rtl">أما عن اختيار الأكاديمية السويدية في الأعوام الثلاثة الماضية، إبراز مؤلفين لم تترجم مؤلفاتهم كثيراً وغير معروفين حتى لدى دوائر قطاع النشر، بخاصّة في عالمنا العربي. فحسب اطّلاعي على الأسماء الفائزة بجائزة نوبل، ومن خلال متابعتي لتاريخها في اختيار الفائزين لم أستغرب من هذا المنحى الذي دأبت عليه الأكاديمية. فأول فائز بالجائزة، وهو الفرنسي سوللي برودوم كان مجهولاً حتى في فرنسا ذاتها في زمن كان أدباء آخرون أكثر ترجمة وحضوراً وفي لغات عدة، مثل تولستوي وتشيخوف وطاغور (الذي فاز بها لاحقاً)، وغيرهم، ثم فاز بها في سنوات لاحقة يوسف عجنون الإسرائيلي، وهو مجهول ولم يترجم إلّا إلى الإنجليزية، حسب علمي. ولهذا فإنّ نوبل لا تهتم كثيراً، وفي بعض السنوات، بالأسماء الأكثر شهرة، والأشدّ تأثيراً، والأهمّ أدبياً، وإنما تكون لها أجندات خاصّة لإبراز أسماء معينة، وبالتأكيد أنّ الجائزة لا تقف عند ما هو أدبي، فحسب، وإنما تنطلق من رؤية سياسية توجهها ككلّ الجوائز في العالم، ومن ثم، فإنّ الأسماء التي تفوز قد لا تكون معروفة على نطاق واسع. وفيما يتعلق بالناشر العربي، فهو في الأعم تاجر، وتابع، لا رؤية إستراتيجية له، ولا يكتشف بذاته ما يوجد من أدب في ثقافات أخرى إلّا إذا مرّ من خلال الإعلام أو الدوائر الغربية، ولهذا سنرى القارئ والناشر العربيين يفاجآن دائماً بأسماء لا تخطر لهما على بال تفوز بنوبل وبالبوكر والبوليتزر وغيرها من الجوائز العالمية.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21107">كتّاب ونقّاد عرب: نوبل آني إرنو تتويج لكتابة الذات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>آني إرنو وأطفال الماء</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21092</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[نور حطيط]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 02 Jan 2023 09:40:59 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[آني إرنو]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a5%d8%b1%d9%86%d9%88-%d9%88%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"في اليابان يسمّون الأجنّة المجهَضين: ميزوكو، أي أطفال الماء.." من مذكرات آني إرنو في مقابلة لها مع إحدى الصحف الفرنسية تقول آني إرنو: "أنا لا أقوم ببناء شخصية خيالية، إنما أفكّك الفتاة التي كنتُ عليها". وآني أرنو هذه، كاتبة فرنسية حازت على جائزة نوبل للآداب لعام 2022. ويأتي حدث التتويج بنوبل عادةً؛ ليولّد أو يُعيد [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21092">آني إرنو وأطفال الماء</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color: #4e5f70;">"في اليابان يسمّون الأجنّة المجهَضين: ميزوكو، أي أطفال الماء.."</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color: #7f8c8d;">من مذكرات آني إرنو</span></p>
<p dir="rtl">في مقابلة لها مع إحدى الصحف الفرنسية تقول آني إرنو: "أنا لا أقوم ببناء شخصية خيالية، إنما أفكّك الفتاة التي كنتُ عليها". وآني أرنو هذه، كاتبة فرنسية حازت على جائزة نوبل للآداب لعام 2022. ويأتي حدث التتويج بنوبل عادةً؛ ليولّد أو يُعيد إحياء موضوعات خاضعة دائمًا في الزمن للتقلّبات ولآراء العامّة المهتمين بفضاء الأدب عمومًا وبما يقدمه خصوصًا.</p>
<p dir="rtl">ومجاراةً لسؤال الترند الدائم "من الفائز بعوالم الأدب وجوائزه؟" دأبتُ على قراءة أعمال آني إرنو، وما افتعلته كتاباتها من إشكالية حول تصنيف الأعمال التي تقوم عليها. وعليه، فإنَّ إرنو في العديد من مقابلاتها وأحاديثها رفضت أن تتموضع رواياتها حول الــ Autofiction، معلنةً أنها ليست أسيرة للكتابة الروائية التخيلية كما وصفها النقّاد والمهتمين بقضاياها التي طرحتها في رواياتها. إنمّا باعتقادي كقارئة لا تحبذّ الخوض في التصنيفات التي تقتل النصّ المفتوح. أرادت إرنو في كلّ عمل لها أن تحيي ذاكرة التذكر، تلك المجبولة بالنسيان أيضًا، والتي تعود بالنفع على الذاكرة الحاضرة في التوسع، لتكون لصيقة الظواهر العامّة والقضايا المجتمعية: الــ نحنُ، الذات، الهوية. ذلكَ أنَّ إرنو ترفض أن تكون ذاكرة تذكُّر ذاتها، ووفقا لأيديولوجيتها يستوجب القول أنَّ تلك الأنا- أنا آني إرنو، تخصّ كلّ أنا المرأة، المهاجرة، اللاجئة، الفقيرة، الملونة والعابرة..</p>
<p dir="rtl">وفي الغالب، عنونت الكاتبة الفرنسية إرنو سيرتها الذاتية بـ "الحدث"، L'Événement باللغة الفرنسية، لأنَّ الأحداث تندرج عادةً في سجل المآسي والآلام، تُتوجها الذاكرة القوية وكأنها ضرب من إناء الدموع التي لا يمكن تخطّيها، على حدّ تعبير أحد الكتّاب.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">الجسد المُهان والبرجوازية الكاثوليكية الفرنسية</span></strong></p>
<p dir="rtl">كتبتُ في المفكّرة: "هذا"، "هذا الشيء" ثمَّ كتبتُ مرّة واحدة فقط كلمة "حامل"، تستعمل إرنو في مذكراتها الشخصية عبارات من هذا القبيل. إذ إنها تستعيد لحظة خضوعها لعملية إجهاض غير شرعية في فرنسا عام 1964، حينَ كان النصّ القانونيّ "يعاقب بالسجن وبغرامة مالية – الفاعل في عمليات الإجهاض، الأطباء والقابلات والصيادلة المتواطئين، المحرضين على عملية الإجهاض، وكلّ من يبيع موانع الحمل."</p>
<p dir="rtl">تسردُ إرنو هذا "الحدث"، دون الخوض في زيف الديمقراطيات التي بدت كأنها تتصادم مع المقدّس، لتكتشف، الطالبة الجامعية المنهمكة في إنجاز رسالتها، أنَّ هذه القوانين، هذه الدولة قد أُعيد بنائها بالسيطرة على الأجساد، في اللحظة التي خضعت الذوات الفرنسية للكهنوت، وانحسر الإنتاج الإنجابي من خلال الوظيفة الأهم وهي التناسل.</p>
<p dir="rtl">ومن المعروف أنَّ إرنو تنحدر من أصول ريفية لعائلة فقيرة، كاثوليكية محافظة، لم تسعفها مكانتها الاجتماعية على حدّ قولها من الخوض بهذه التجربة دون أن تشعر بأنَّ هذه الذكرى "هي ذكرى العار العظيمة" التي آلمتها طوال السنين الجارية. ومن اللافت أنَّ إرنو وعلى غرار العديدين، أثارت في روايتها الحدث تساؤلات مؤشكلة حول "الإجهاض" فهل هو ممنوعا لأنه شرًا أو إذا كان شرًا لأنه ممنوع؟</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">في تشييء "الحمل"</span></strong></p>
<p dir="rtl">في كتابها "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها"، تطرح الكاتبة النسوية المصرية إيمان مرسال، وجهة نظرها حول مفهوم الأمومة، التي تحملّهُ الإتيقا المتماهية مع الخطابات الدينية، والقيم الاجتماعية المرتكزة على جوهر الذكورية والبطريركية أبعادا موسومة بالإيثار والتضحية، كون الأمومة فطرة إنسانية بالنسبة للثقافة المجتمعية لا يمكن الخوض في دهاليزها.</p>
<p dir="rtl">هذه المثالية بالنظر إلى الأمومة، جعلت آني إرنو تخوض شعور الرعب والخوف بنفسها، والعار أمامَ أصدقائها الذين خذلوها، و أمام الأطبّاء البرجوازيين المتماهين مع المنظومة الحاكمة، فإرنو لم تنسَ شكل عياداتهم الشبيهة بالصالونات البرجوازية، ومكاتبهم الراقية، بالإضافة إلى المكتبات ذات الواجهة البلورية والتي أصابتها بالدهشة، رغم كونها متعبة ومنهمكة في معرفة ما إذا كان سبب انقطاع دورتها الشهرية هو الحمل أم لا.</p>
<p dir="rtl">تقول إرنو أن الحمل في اللاتينية يعني الثقل، الثقل الذي تريد أن تتخلص منه بكل الطرق المتاحة، كأنَّ "هذا الشيء" مفصول عن جسدها، وعلى غرار ما أوردته إيمان مرسال في كتابها فإنّ إرنو رفضت أن تكون "بيضة يشرخها المولود في طريقه إلى حياته". وفي ظلّ تنامي البرجوازيات الفرنسية والتحامها مع الكاثوليكية التي تحرّم الإجهاض بمختلف أنواعه، واجهت إرنو مصير إجهاضها بنفسها حين عثرت على "قابلة"،  أطلقت عليها تسمية السيدة "ب.ر" في باريس، وطلبت منها المجيء يوم الأربعاء، اليوم الوحيد الذي كان بوسعها جلب المنظار من المستشفى التي تعمل فيها. تقول إرنو " كانت تتحكم في كلّ شيء بحزم- كانت متحفظة، لا ترفع الكلفة وصامتة، لا تطرح أي سؤال- بل تذهب مباشرة نحو الهدف الأساسي. كانت السيدة ب.ر تعرف بفضل خبرتها وتجاربها، معرفة أكيدة أنَّ الحديث يقتصر على التفاصيل العملية يمنع الدموع والبوح الذي يضيّع الوقت أو يدفع إلى تغيير الرأي."</p>
<p dir="rtl">وفي مجاز شديد الدلالة تصف إرنو السيدة ب.ر التي أدخلت المسبار في باطنها، أنها كانت تلِدها:"لقد قتلتُ والدتي في داخلي في تلك اللحظة."<br />
<img loading="lazy" decoding="async" style="float: left;" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/21081.jpg" alt="" width="201" height="313" /></p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">"الأختية": مصطلح لم يكن</span></strong></p>
<p dir="rtl">تُشير إرنو في مذكراتها إلى مواقف نسائية لا يمكن وضعها إلّا في قالب "الأختية"، المصطلح الذي ظهر في قواميس القرن السادس عشر والذي كان يشير إلى "جماعة نسائية دينية، تجمع أعضائها روابط قوية، لا رئيسة فيها ولا مرؤوسة، فقط أختية صافية". وعلى الرغم من هجره في العصور التالية، إلّا أنَّ إرنو أخذتنا  في مذكرتها، إلى أبعد من المصطلح، ذهبت بنا إلى اللاوعي النسوي الذي يستحضر الفعل قبل أن يقولبه، يتم فهمه، أو يتم وضعه في تعريف.</p>
<p dir="rtl">إنها الأختية التي ظهرت حين تعرضت إرنو إلى نزيف دموي بفعل إجهاض "الشيء" في حيّها الجامعي، ونُقلت على إثره إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية مستعجلة. تعتقد إرنو أنَّ الكلمات الوحيدة التي عزتها في محنتها هذه، كانت من الممرضة ذات الشعر الرمادي، وهي تلمّح إلى عمليتها قالت لها: أنتِ أفضل حالًا الآن. اعتبرت الكاتبة أنَّ هذه الكلمات نالتها بفعل" تواطؤ نسائيّ، لا بسبب منح الناس البسطاء الحق للناس السامين في أن يضعوا أنفسهم فوق القانون."</p>
<p dir="rtl">تقول Chloé Delaume ، النسوية الفرنسية: إنّها (الأختيّة) خارج الدين المسيحي، وخارج الهيكل الأسري، وكل هيمنة ذكورية. هي علاقة أفقية، بلا تراتبية ولا قانون أقدمية. إنها حالة من الأختيّة الحقيقية. علاقة امرأةٍ بامرأة، تتسم بالاستمرار والتعاضد. علاقة امرأة بامرأة، لا ابنة وأم. إنها علاقة مساواة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">هل أنا عاهرة؟</span></strong></p>
<p dir="rtl">"كانت الفتيات مثلي يفسدنَ يوم الأطباء." تلمّح إرنو في مذكراتها إلى الأبوية الطبيّة التي كانت سائدة آنذاك، المرتبطة بمصالح الكاثوليكية المسيطرة. إذ إنَّ التحكم في أجساد النساء، كان عنوانا لإضفاء الطابع الديني الكاثوليكي واللصيق بالطبقة الأكثر تماهيا وسيطرة: الطبقة البرجوازية. تشعر إرنو في كل مرة تدخل فيها إلى عيادة طبية، بنظرات الطبيب وتلبّكه وانزعاجه، فلم يكتفِ الأطباء الذين لجأت إليهم، بإمدادها في هذه المشاعر، بل كانوا يمدّونها بالحبوب التي تثبّت الحمل وتحافظ على الجنين، كاشفة أنَّ الموضوعية التي قد تكون موجودة في الطبّ، ليست سوى انحياز للأبوية المسيطرة.</p>
<p dir="rtl">تذكر كلّ من الكاتبتين ريف الأمين وسارة أبو زكي في مقالة "العيادة: أربع قصص مستوحاة من أحداث حقيقية"، في القصة الثالثة: أنّه حين قررَ زوج امرأة (لم تذكر اسمها)، إنجاب طفل ثالث منها، قال لأولادها دون سابق إنذار: أخبرا أمكما بأنكما تريدان أختاً أو أخاً. بينت كلا الكاتبتين في القصة، مدى الصعوبة والضيق الذي رافق المرأة- حين جهدت في إخفاء اكتئابها عن أطفالها، زوجها وعائلتها. فهي لم ترد الطفل، ولم تكن شريرة في ذات الوقت!</p>
<p dir="rtl">إنَّ العنف والإحباط والغضب التي شعرت به هذه المرأة، لازمَ إرنو طوال فترة حملها، تلك الفترة التي أيقنت فيها آني أنَّ إنجاب طفل الآن هو بمثابة إطفاء آخر شعلة لمستقبلها، الدراسيّ، الجامعيّ، ولأحلامها. وبينت إرنو أنَّ النساء إضافة إلى أنهّنَّ خاضعات للقيم المجتمعية التي حددتها السلطات في ستينيات القرن المنصرم، أيضًا تم التعامل معهنَّ بحسب مكانتهنَّ الاجتماعية والثقافية. تُعاتبها الممرضة في المستشفى وتقول: لماذا لم تقولي للطبيب، في الليلة الماضية (أي الليلة التي أجرت فيها إرنو العملية على إثر النزيف) أنّك مثله؟ حينها علمت إرنو لِمَ عاملها الطبيب بهذا العنف أثناء دخولها إلى المستشفى، ولِمَ أحاطَ به الخجل عندما علم أنها طالبة من كلية الآداب بعد انتهائه من عمله.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" style="float: left;" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/41oBkWekHYL-1.jpg" alt="" width="201" height="328" /></p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0066;">إتيقا الإجهاض: في السؤال عن العدالة الإنجابية</span></strong></p>
<p dir="rtl">يورد إخصائي الجراحة النّسائية فيصل القاق في إحدى مقالاته، أنَّ في قرية الأوبانغ الواقعة في جنوب نيجيريا والتي تنتمي إلى المجتمعات الزراعية، يقسّم شعبها، جسد المرأة عند زواجها إلى قسمين: القسم الأول وهو القسم السفلي تعود ملكيته إلى أهل زوجها، أمّا القسم العلوي الذي يشكلّ حياتها الأخرى تعود ملكيته إلى أهلها. ليحدد المجتمع، توقيت حمل المرأة وجنس المولود وتواتره دون الإكتراث إلى ما تريده وما تنوي إليه.</p>
<p dir="rtl">إنَّ إسقاط هذه الخرافة التي يعتقد بها شعب الأوبانغ على ما مرّت بهِ آني إرنو، ونساء آخريات من المعاناة في خوضهنَّ للإجهاض غير القانوني، أو إبقاء الحمل بسبب الضغط المجتمعي يعود بنا للتساؤل عن: العدالة الإنجابية وعن الإتيقا التي تدور حول فكرة الإبقاء على الطفل، أو اللجوء إلى الإجهاض.</p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم، من قيام فرنسا بتشريع قانون الإجهاض في عام 1975، إلّا أنَّ نساء كثيرات من عوالم مختلفة لا يزلن يعانين من بطش القوانين التي تبيح التحكم في أجسادهنَّ، وقدراتهنَّ، ذلك أنَّه على مرّ التاريخ لم يكن هذا الجسد-أي جسد المرأة- سوى فضاء سياسي، تُمارس عليه سجالات لا تنتهي.</p>
<p dir="rtl">وتأتي مذكرات آني إرنو "الحدث" في ظلّ التداعيات السلبية لإلغاء قوانين الحقّ في الإجهاض بالتواطؤ مع الكنيسة الكاثوليكية واليمين المتطرف في العالم، كإحياء لآلام الفتيات اللواتي لا يرغبنَ سوى بالعدالة.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21092">آني إرنو وأطفال الماء</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>آني إرنو: الشغف والإجهاض وتجارب الجسد بين الرواية والفيلم</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21071</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[علاء رشيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 12 Dec 2022 09:40:42 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[آني إرنو]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a5%d8%b1%d9%86%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%ba%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ac%d9%87%d8%a7%d8%b6-%d9%88%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b3%d8%af-%d8%a8/</guid>

					<description><![CDATA[<p>إن متابعة روايتي الكاتبة الفرنسية آني إرنو "شغف بسيط، 1991" و "الحدث، 2000" في تحولهما إلى فيلمين سينمائيين بنفس العنوان، الأول من إخراج دانييل عربيد، 2020، والثاني من إخراج أودري ديوان، 2021 تكشف للعين النقدية عن كيفية التعبير الأدبي والفني عن مجموعة من الموضوعات والتجارب الحسية والذهنية بين تقنيات الأسلوب الأدبي وتقنيات الفيلم السينمائي. الحكاية [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21071">آني إرنو: الشغف والإجهاض وتجارب الجسد بين الرواية والفيلم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">إن متابعة روايتي الكاتبة الفرنسية آني إرنو "شغف بسيط، 1991" و "الحدث، 2000" في تحولهما إلى فيلمين سينمائيين بنفس العنوان، الأول من إخراج دانييل عربيد، 2020، والثاني من إخراج أودري ديوان، 2021 تكشف للعين النقدية عن كيفية التعبير الأدبي والفني عن مجموعة من الموضوعات والتجارب الحسية والذهنية بين تقنيات الأسلوب الأدبي وتقنيات الفيلم السينمائي.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الحكاية الروائية والسينمائية بين الشغف الجنسي والإجهاض</span></strong></p>
<blockquote>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">الأشياء حدثت لي كي أدرك معناها ولعل الهدف الحقيقي في حياتي هو فقط التالي: أن يتحول جسدي وحواسي وأفكاري إلى كتابة، أي إلى شيء ما واضح وشامل، إلى وجودي الذائب بأكمله في أذهان الآخرين وحياتهم.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">"الحدث"</span></p>
</blockquote>
<p dir="rtl">في رواية "شغف بسيط" تقدم الكاتبة آني إرنو قصة علاقة غرامية عابرة، بمعنى وبرغم كل الشغف الذي كانت تعيشه الكاتبة تجاه الرجل الذي يحمل اسمأ إلا أنها كانت علاقة محكومة بنهاية حتمية. لكن رواية إرنو ومشاعرها يركزان على التغير الذي يعيشه الفرد خلال العلاقة بأكثر مما هو مصير الاستقرار أو التملك في العلاقة العاطفية. إن فكرة الحكاية هو التغني بالشغف الحاصل بين شخصين، حتى وإن كانا عابرين، بما يحمله من استكشاف في الجنسانية ووعي الذات والجسد: "حين كنت طفلة كان الترف بالنسبة إلي، معاطف الفرو، الأثواب الطويلة، والفيلات على شاطئ البحر. فيما بعد، اعتقد أنه يتمثل في عيش حياة ثقافية. يتراءى لي الآن أنه القدرة على عيش شغف لرجل أو لامرأة". أما الحكاية في رواية "الحدث" تروي عن تجربة الحمل والإجهاض التي عاشتها الكاتبة في أعوام الستينيات في فرنسا حين كانت في العشرينيات من عمرها في المرحلة الجامعية. حيث كان القانون الفرنسي يعتبر الإجهاض جريمة يعاقب عليها بنص قانوني كل المشاركين /ات فيها، ويحرم الأطباء والطبيبات من مزاولة المهنة في حال الإقدام على إجراء عملية إجهاض. حكاية تجربة ذاتية، عينة نسوية عن صعوبة العيش مع جسد ينمو بداخله مصيراً للذات لا تريده، وصعوبة النضال في تحقيق الفتاة المراهقة مستقبلها في الأدب والكتابة على عكس احتمالات الجنين الذي يكبر في بطنها، وكذلك عن العالم الخارج عن القانون الذي تختبره الفتاة الجامعية في تجارب جسدها للوصول إلى الإجهاض، وعن ردود الفعل العائلية الاجتماعية على تجربة الحمل والإجهاض في تلك الفترة من تاريخ فرنسا: "أشعر أن الحكاية تجذبني وتفرض علي، من دون، وعي مني، معنى ما، هو معنى الشقاء في سيره الحتمي. أجبر نفسي على مقاومة رغبة تكوير الأيام والأسابيع، عازمة بكل الوسائل على حفظ البطء اللانهائي لزمن كان يتجمد مثل زمن الأحلام، كالبحث عن التفاصيل وكتابتها، واستعمال الزمن غير المكتمل وتحليل الأحداث".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الشخصية الذات النسوية الواحدة بين التأليف والإخراج السينمائي</span></strong></p>
<blockquote>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ما من كتابة في العمق، سوى كتابة هذه الأنا التي تتشظى والتي نحاول اكتشافها عبر الكلمات التي تكتبها.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d"> "شغف بسيط".</span></p>
</blockquote>
<p dir="rtl">رغم أن شخصية الروايتين مختلفتان، فالأولى هي فتاة جامعية في فترة المراهقة العاطفية والتجريب الجسدي، والثانية أم أربعينية في تجربة عشقية عابرة، إلا أن الذات الواحدة العليا تجمع بينهما، هي ذات الكاتبة نفسها آني إرنو، التي يعرف أسلوبها الأدبي بالتخييل الذاتي، وهو ذلك الذي يجعل من السيرة الذاتية مادة العمل الأدبي، فالإجهاض العشريني أو العشق الأربعيني هو مستمد من تجربة الكاتبة الذاتية في كلتا الروايتين، كما في كل روايات الأديبة. وكذلك، تمتد هذه الذات النسوية إلى كلا الفيلمين، عبر التماهي بين شخصيات الفيلم والمخرجين، فكل من دانييال عربيد وأودري ديوان تشكلان معادلة متكاملة في تناول الجسد والشهوة والمرأة في الذات الفيلمية. فالشخصية الممتدة عبر الرواية والفيلم، هي الشخصية النسوية إن كانت تسأل أسئلة الشغف أو أسئلة الإجهاض والقانون والحقوق. وفي كلا الروايتان تتشاركان في غياب الآخر الحبيب أو الأب، الآخر الحبيب الغامض في رواية "شغف بسيط"، والآخر الشريك الجنسي اللامبالي في "الحدث". فنتابع الذات النسائية في وحدتها الفاعلة باتجاه عيش التجربة، تورد الكاتبة في رواية "شغف بسيط": "يستمر هذا الرجل بالعيش في العالم. لا يمكنني أن أصفه أكثر، مخافة أن أقدم عنه إشارات يمكن لها أن تكشف هويته. لقد صنع حياته بحزم. لا يجيز لي أن أكشف عن شخصيته. لم يختر أن يظهر في كتابي، بل فقط في وجودي".</p>
<p dir="rtl">صحيح أن الحكاية في الروايتين مغرقة في الذاتية وتتناول السيرة الذاتية للمؤلفة نفسها، إلا أن الروائية آني إرنو تربط في أسلوبها بين الحدث الذاتي والحدث الجمعي التاريخي، فتربط بين حدث العشق والحدث السياسي العالمي تارةً: "كان من المستحيل أن أربط كتابة صفحة معينة بالمطر الهاطل أو بواحد من الأحداث التي شهدها العالم منذ خمسة أشهر، كسقوط جدار برلين وإعدام تشاو سيسكو. لا علاقة أبداً لزمن الكتابة بزمن العشق"، أو تربط بين الكتابة الذاتية والحدث الإنساني الأشمل تارةً أخرى: "وأنا اكتب حاول اللاجئون من كوسوفو الدخول بشكل غير شرعي إلى إنجلترا عبر كالي. يطلب المهربون مبالغ طائلة، ثم يختفون أحياناً قبل العبور. لكن لا شيء يمكن أن يوقف سكان كوسوفو، ولا كل اللاجئين المهاجرين من البلدان الفقيرة: لم يكن لديهم أي سبيل آخر للخلاص". أو في موضع آخر: "ما بين اللحظة التي توقفت فيها عن الكتابة، في أيار الماضي، والآن 6 شباط 1991، انفجرت الأزمة بين العراق والتحالف الدولي. إنها حرب نظيفة وفق البروباغندا؟"</p>
<p dir="rtl">وبالإضافة إلى اعتبارها موضوعة، فإن الذاتية أيضاً أسلوباً يتجسد في الكتابة الروائية أو الإخراج السينمائي، وإن كان النص الروائي يحمل ذاتيته بالبوح وبالسرد، فإن المخرجتان ابتكرتا الحلول السينمائية التي تجسد معادلاً موضوعياً للمونولوجات الذاتية التي تملأ النص. في فيلم "شغف بسيط" تصور كاميرا الفيلم اللحظات الذاتية حيث ترافق الكاميرا الشخصية تسير في عزلة شوارع المدينة، تنقل العالم الذاتي الجواني، بالمقابل يختار فيلم "الحدث" أن يقدم مشاهد للشخصية الرئيسية وهي تعوم فوق الماء بما يشكل الشعور بمساحات الوحدة الداخلية، الشوارع الفارغة المنارة بأضواء جانبية والمساحات المائية التي يعوم فيها الجسد وحيداً، هي معادلات سينمائية للمشاعر الجوانية للشخصية الرئيسية في كلتا الحكايتين.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="417" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Collage4590867543098674530-1.jpg" width="1111"></div>
<p dir="rtl">
<strong><span style="color:#ff0066">الشهوة والعشق بين التعابير الأدبية والكاميرا السينمائية</span></strong></p>
<p dir="rtl">في كلتا الروايتين يحضر التحدي الأدبي في التعبير عن التجربة الجسدية سواء تلك المتعلقة بالتجربة العشقية، الإيروتيكية والجنسية في رواية "شغف بسيط"، أو تلك التجربة بالحبل غير المرغوب، بنمو كائن غير مرغوب فيه داخل الجسد، بآلام الجسد العلاجية وعملية الإجهاض في رواية "الحدث".</p>
<p dir="rtl">في التعبير عن الشهوة والرغبة والتجربة الجنسية تقول آني إرنو: "يتراءى لي أن على الكتابة أن تميل إلى الانطباع الذي يولده المشهد الجنسي، إلى هذا القلق وإلى هذه الدهشة، إلى تعليق الحكم الأخلاقي. شغف بسيط رواية تسأل العلاقة بالآخر، بالجنس، وحتى بكتابة هذه القضية الجنسية، التي تسيطر على غريزة الإنسان والتي هي المحرك الأكبر للكثير من دوافعه". في هذه الرواية تصف الكاتبة تجربتها الأولى في مشاهد فيلم بورنو مشفر: "مشاهدة أول فيلم X مشفر على قناة كانال بلوس، وصف عبر الصورة المشوشة، عضو المرأة وانتصاب العضو الذكورية: "أظهرت عملية الولوج والخروج للعضوين، من شتى الزوايا. عاد العضو الذكوري ليظهر في يد الرجل، بينما انتشر المني على بطن المرأة. لا بد أن نعتاد على هذه الرؤية"، وكذلك تحضر الأدبيات الإيروتيكية في وصف العلاقة بين الشخصيتين: " في المتاحف، لم أكن أرى إلا تمثلات الحب. كنت أنجذب إلى تماثيل الرجال العراة. ففيها أجد شكل كتفي أ.، بطنه، عضوه، وبخاصة الثنية الخفية التي تلي الانحناءة الداخلية لردفيه وصولاً إلى قعر الحالب. لم أنجح في الابتعاد عن تمثال دافيد لمايكل أنجلو". وتحتل اللغة الجنسية واحدة من اكتشافات الشخصية في التجربة الحكائية التي تقدمها الرواية: "بالنسبة لي الكلمات الفاضحة موجودة في لغته، في قطار الأنفاق، في السوبرماركت، كنت اسمع صوته هامساً "داعبي لي عضوي بفمك".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">تجارب الجنس الحمل والإجهاض بين الكلمة والصورة</span></strong></p>
<p dir="rtl">بينما تتركز المفاهيم الأدبية والأساليب السينمائية في "الحدث" على تجسيد تجربة الحمل بدون إرادة، وعيش تجربة الإجهاض، فتصف الرواية ويصور الفيلم نمو الكائن الجنين في رحم الفتاة المراهقة، وتركز كاميرا الفيلم ارتعاشات الجسد وآلامه، واللحظات الواقعية لمحاولات الإجهاض الفردية بالأدوات المعدنية، وكذلك تحتل عملية الإجهاض بتفاصيلها العضوية مساحة مشهدين كبيرين من مشاهد الفيلم: "لم أكن أتخيل أنني أحمل مثل هذا الشيء في داخلي، الشيء الذي يجب أن أسير به حتى غرفتي. أمسكت بإحدى يدي، كان ذا ثقل غريب، وسرت في الرواق حاضنة إياه بين فخذي، صرت شبيهة بوحش. فتناولت أو مقصاً ونحن نجهل في أي موضع يجب أن نقطعه. لكنها فعلت ذلك في النهاية. أخذنا ننظر إلى الجسد الصغير برأسه الكبير. جلست أو على المقعد. انفجرت باكية وشاركتها البكاء في صمت. إنه مشهد بلا اسم، الحياة والموت في آن معاً. مشهد تضحية". تحضر أيضاً في الرواية والفيلم كل التجارب الحسية والجسدية المتعلقة بتجربة الجنس المراهق فالحمل والإجهاض، بآثارها النفسية والذهنية: "في الليلة الماضية، حلمت أنني كنت أعيش وضع سنة 1963، وأنني بصدد البحث عن وسيلة للإجهاض. عندما استفقت، اعتقدت أن الحلم أشعرني مجدداً بالإرهاق والعجز اللذين كنت غارقة فيهما. ولكن عبارة "أنا أتذكر" تتمثل في تخليد هذه اللحظة التي ينتابني فيها شعور بانضمامي إلى الحياة الأخرى، الحياة الماضية والضائعة، وهو شعور كانت تترجمه عبارة: "كما لو أنني ما زالت هناك" على نحو بليغ جداً".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">دور الكتابة في وعي الحدث/الحكاية بين النص والفيلم</span></strong></p>
<p dir="rtl">تحضر في كل روايات آني إرنو موضوعة الكتابة ودورها في وعي الحدث على مستوى السيرة الذاتية، أو إعادة تشكيله في العيش اللحظي، وهكذا بجدلية متواصلة تؤثر الحياة على الكتابة الأديبة وتشكل الكتابة الوعي بالماضي والحاضر والمستقبل، بينما لا تحضر هذه الموضوعة في كلا الفيلمين. في رواية "شغف بسيط" يتماهى عيش الشغف مع الكتابة عنه وفعل العشق مع فعل التأليف: "غالباً ما شعرت بأنني أعيش هذا الشغف كما لو آني أكتب كتابا، الحاجة عينها للنجاح في كل مشهد، الهم عينه في جميع التفاصيل". ويصبح الحضور والغياب في واقع الكتابة كما هو في واقع التجربة المعاشة: "لا اكتب سرد علاقة، لا أروي قصة يهرب نصفها مني بتراتبية محددة، لم تكن لي قصة في هذه العلاقة، لم أكن أعرف الحضور أو الغياب". وتتداخل الكاتبة والشخصية في وعيها بين الواقع والمتخيل: "فكرت بأنني كنت هنا ذات يوم. كنت أبحث عن الاختلاف ما بين هذا الواقع وما بين المتخيل، ربما ببساطة، عن هذا الشعور بالجحود، بأنني كنت هنا ذات يوم، وهو إحساس لم أشعر به تجاه أي شخصية روائية". ويصبح سؤال الأسلوب الأدبي هو سؤال الوعي في علاقته مع الذاكرة والزمن: "أتخلى عن الماضي الناقص، عما كان – لكن إلام؟ - لصالح الحاضر – لكن منذ متى؟ - إذ يشكل أفضل الحلول لأنني لا أستطيع الانتباه على التحول الدقيق لشغفي تجاه أز، يوماً بعد يوم، فقط أستطيع أن أتوقف عند الصور، المعزولة من إشارات الواقع حيث إن تاريخ ظهورها – كما عند تاريخ حدوثها العام – لا يمكن تحديدها بيقين".</p>
<p dir="rtl">وتفتتح الكاتبة رواية "الحدث" باقتباس عن العلاقة بين الحدث الواقعي والكتابة من الكاتب ميشيل ليريس: "أمنيتي المزدوجة أن يصبح الحدث مكتوباً وأن يصبح المكتوب حدثاً". ويركز النص الروائي على حاجة الشخصية على كتابة الحدث كجزء من إعادة التفكير فيه: "بدأت كتابة هذه القصة منذ أسبوع من دون أي يقين بمتابعتها. كنت أريد فقط أن أتأكد من رغبتي في كتابة هذا الحدث. وذات ليلة، حلمت أنني أمسك بين يدي كتاباً ألفته حول إجهاضي، إلا أنه يصعب العثور عليه في أي مكتبة، ولا ترد له أي إشارة في أي دليل". وتلعب الروائية على التداخل بين مجريات الكتاب وبين مصير الشخصية في السيرة الذاتية: "أعتقد أنني سألقى نفس المصير عندما ينتهي هذا الكتاب. إصراري، جهودي، كل هذا العمل السري، بل واللاشرعي، بما أن لا أحد يشك في أنني أكتب حول هذا الموضوع، ستضمحل فجأة، ولن تكون لي أي سلطة على نصي الذي سيُعرض كما عُرض جسدي في المستشفى". ومع اقتراب رواية "الحدث" من نهايتها تتشكل التجربة الجسدية عبر كلمات النص الروائي: "انتهيت من تجسيد ما بدا لي شبيهاً بتجربة إنسانية كاملة، تجربة الحياة والموت، تجربة الزمن والأخلاق والممنوع والقانون، تجربة عشتها من أولها إلى آخرها عبر الجسد، عبر الكلمات".</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21071">آني إرنو: الشغف والإجهاض وتجارب الجسد بين الرواية والفيلم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بدائع الواقعية الفجّة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21065</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 07 Dec 2022 08:59:16 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[آني إرنو]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%a6%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%ac%d9%91%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>بحسب البيان الرسمي للجنة نوبل، حصلت آني إرنو على الجائزة، "من أجل الشجاعة والحدة الإكلينيكية التي تكشف فيها عن جذور الذاكرة الشخصية، وانقطاعاتها، والقيود الجمعية عليها." للواقعية معنى تحرري، بالضرورة. في السياق الفرنسي، عندما قرر بلزاك وخلفاؤه كتابة الواقع، أدى ذلك إلى الالتفات إلى الناس العاديين وإلى حيواتهم؛ وبعده بقليل، جعل الانطباعيون من الحياة اليومية [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21065">بدائع الواقعية الفجّة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">بحسب البيان الرسمي للجنة نوبل، حصلت آني إرنو على الجائزة، "من أجل الشجاعة والحدة الإكلينيكية التي تكشف فيها عن جذور الذاكرة الشخصية، وانقطاعاتها، والقيود الجمعية عليها."</p>
<p dir="rtl">للواقعية معنى تحرري، بالضرورة. في السياق الفرنسي، عندما قرر بلزاك وخلفاؤه كتابة الواقع، أدى ذلك إلى الالتفات إلى الناس العاديين وإلى حيواتهم؛ وبعده بقليل، جعل الانطباعيون من الحياة اليومية محور اهتمامهم. لتقدير ثورة الواقعية الفرنسية بشقّيها، يجب أن يتذكر المرء أن الأدب والفن كان يُكتب للصفوة وللملوك، عن الصفوة والملوك، والجمال الطبيعي الأخّاذ والتوازن والتناغم. من أعمال الكلاسيكيين المسرحيين وقدامى الإغريق، التي لا تتناول إلّا العائلات الملكية، مروراً بالفن الإغريقي والروماني والنهضوي والكلاسيكي، الذي لا يصوّر إلا أجساد عارية خيالية متناهية الروعة ويعود إلى التاريخ ليقتبس منه: لا يوجد واقع للكتابة عنه. </p>
<p dir="rtl">الواقعية حررت الواقع. </p>
<p dir="rtl">وبشكل مشابه، وسابق للواقعية لفرنسية، رسم الفنان الفارسي رضا عباسي، أجمل وأرق فناني العهد الصفوي، الناسَ العاديين، في حين كانت المنمنمات الفارسية تحكي التاريخ القديم وبطولات خيالية لشخصيات الشاهنامه. ولم يكتف برسم النبلاء العاديين، بل رسم أيضاً فقراء وشحاذين في شوارع أصفهان. القليل من المنمنمات جعل الحياة الحقيقية موضوعه، وحتى في النسخ التركية والمغالية للمنمنمات الفارسية، بقي التاريخ والأساطير موضوعات محبّذة للملوك، وبالتالي، للفنانين. </p>
<p dir="rtl">في السياق العربي، اشتُهرت المدرسة العراقية (بشار بن برد وبعده أبو نواس) بالكتابة عن الواقع: عن المدينة العراقية وما تحمله وما تعنيه. قبلهما وبعدهما، كتب الشعراء العرب عن البادية والخيمة، فيما هم يعيشون في المدن. انتصرت المدرسة الشامية (أبو تمام والبحتري والمتنبي) على العراقية، لتقتل الواقع مرة أخرى، وتكتفي بتقليد الشعر الجاهلي، وتنتصر للحكام وسياساتهم. </p>
<p dir="rtl">في الصين، تميز الشعر بواقعية مباشرة، سمحت للشاعر منذ عهد أباطرة تانغ بأن يكتب عن الطبيعة والصداقة وثنايا الأحزان التي تطبع الحياة البشرية اليومية. ورثت اليابان الثقافة الصينية، وطوّرت التانكا والهايكو في تقليد يصّاعد للنموذج الصيني. غياب الميتافيزيقيا (حتى النسخة البوذية اتسمت بتخفيف للبعد الماورائي) سمحت للشعراء بأن يكتبوا الحياة. في الرسم، اتسمت الواقعية ببعد غير تمثيلي: واقع لا ينسخه الرسام، بل يعيد خلقه. جبال وأنهار، وعصافير وأزهار. حساسية عالية، غاب عنها عموماً رسم البشر. لاحقاً، سيطوّر اليابانيون اللوحات المطبوعة لمواضيع واقعية منذ القرن الثامن عشر، والتي ستلعب دوراً هائلاً في تحرير الانطباعيين الفرنسيين من الماضي الكلاسيكي (خصوصاً ديغا الذي اهتم بالناس، وفان خوج الذي سيعلق في كل بيوته مطبوعات يابانية يظهر بعضها في لوحاته أيضاً). </p>
<p dir="rtl">لا يكمن المعنى التحرري في إيديولوجية الفنان الواقعي؛ بل، كما يجادل جورج لوكاتش، في واقعيته الصادقة: كل واقعية صادقة تنحو نحو التحرر. كان بلزاك وفلوبير وموباسان يمينيين تقريباً، وإدغار ديغا بالطبع. في حين كان غوستاف كوربيه (أول من استخدم مصطلح الواقعية، وقد يكون هو من نحته) ثورياً مقرباً من مؤسس الفوضوية برودون وعضواً في كومونة باريس، وإدوارد مانيه وتولوز-لوتريك يساريين تقريباً. بعض لوحات كوربيه اليساري لنساء عاريات تعود لمفهوم الجمال القديم (والعري، عري النساء تحديداً في الفن الأوروبي، كما يشرح جون برجر، غطاء للواقع، وتجسيد لرغبات ذكورية مقنّعة بالفن والثقافة). في حين تشكّل لوحات ديغا اليميني مجهراً يسارياً لحياة الفقر الباريسي في راقصات الباليه اللواتي كن يعملن أيضاً في أحد المهن: تنظيف الملابس أو عاهرات لصفوة المدينة. بكل الأحوال، لا يؤثر الانتماء الإيديولوجي على معنى الفن الواقعي الذي قدّموه: بقي الفن الواقعي تحررياً، في العمق.  قدّم الفن الواقعي الناس للناس. حتى في تخرصات دوستويفسكي الدينية التائهة المخيفة الصادقة، يبقى البعد التحرري قائماً، رغماً عن الكاتب الذي يخاف اليسار والتمرد والثورة. </p>
<p dir="rtl">زلزال نجيب محفوظ الواقعي، الذي أسس للرواية الواقعية العربية (وما بعدها أيضاً) سمح للأدب العربي أن يتنفس قليلاً، أن يتحرّر ويحرّر. تابع طريقه الواقعي إبراهيم أصلان ومحمد البساطي. تجاوزت واقعيتهم تعليمات الأحزاب اليسارية فيما يُسمى الواقعية الاشتراكية (أي بروباغندا الحكام المتقنّعين باليسار، أو الثوريين في أيامنا)، لتحافظ على المعنى النقي لواقع يرسمونه بطرق متعددة أصيلة. </p>
<p dir="rtl">الواقعية تقتضي عملاً مستمراً دؤوباً متشعباً للوصول إلى الواقع، للتخلّص من الطبقات التي تعيق فهم الواقع والوصول إليه وتسجيله وفهمه وتشريحه. الواقعية أصعب أساليب الأدب، وأكثرها مكراً وتفلّتاً من شرك الكتابة: بالضبط، لأنها بسيطةٌ سهلةٌ في متناول الجميع، كأنها ذلك الشيء الذي نعيشه يومياً، إلى الدرجة التي لا نراه فيها، ولا نعيه، إلا بجهدٍ هائلٍ للخروج من اليومي المألوف، كي نكتشف هذا اليومي المألوف. في ملاحظة شهيرة لأفلاطون (يستعيدها فتجنشتين في سياق مختلف، ويؤكد عليها تشومسكي في رؤيته للعلم وللثورة العلمية كلها)، يقول إن الفلسفة تبدأ بالدهشة من العادي. تصلح الملاحظة العلمية هذه لتعريف الواقعية. </p>
<p dir="rtl">أبدعت آني آرنو في الواقعية الفجة، أحد أكثر أشكال الواقعية قسوةً ورقّةً في آن. حرّرت الواقع من كل الطبقات المتثاقفة التي تشوهه وتغطيه وتخفيه. جعلت الواقع الفج موضوعها الوحيد. دفعت حدود الواقعية إلى بساطة خالصة، تحمل طبقاتها الخفية بداخلها، السياسية والنفسية والاجتماعية والفلسفية. كما حررت الواقعية من فكرة المتخيل، لتخلط الواقعي المباشر بالمتخيل. وهذه خدعة استفاد منها كثيراً أولئك الذين يميلون إلى الفانتازيا والواقع معاً: خدعةٌ تتحدى معنى الأدب نفسه، لتجعل القارئ متورطاً مع الكاتبة عاطفياً كأنه يشمّ حياته هو. في أعمالها، القضايا الكبرى دوماً تتبدى من خلال الحياة اليومية. كل ما تقوله واضح ومباشر وبسيط، كالحياة اليومية نفسها التي تريد أن تعرضها بفجاجة علينا. تقبض على الواقع بخلاصة ملخّصةٍ مباشرة: روايات قصيرة، أو نوفيلا كما نقول هذه الأيام، تكفي لتقول ما تريد قوله. الروايات الكبرى ليست واقعية تماماً، على العموم، بل تميل إلى أن تنكر أشياء أساسية في الواقع: البساطة المباشرة تغيب عن الملاحم الواقعية، ولا تظهر إلا في القصص القصيرة والنوفيلات. النسوية واليسار ليست بروباغندا أو ادعاءات متفزلكة، بل جزء أصيل من حياتها اليومية الخاصة، وبالتالي من أدبها الواقعي. تسخر مراراً من واقعية مارسيل بروست، الذي يشكل أحد أشكال الواقعية النقيضة للفتاة الهادئة المترددة، التي ستهزّ عرش بروست المغرور. هكذا حققت إرنو معجزتها الصغيرة الخاصة، الآسرة، الحزينة. كل هذا الإنجاز كان مخططاً له، وجزءاً من فهم عميق لمعنى الأدب وتاريخه وسياقه، لكل النقد الأدبي الذي طبع المجادلات الكبرى منذ بداية القرن العشرين حول الواقعية وتاريخها مصيرها. وكل هذا المخطط العظيم الهائل أنجزته بدون أية كلمات كبيرة ومصطلحات معقدة وغرور متثاقف. </p>
<p dir="rtl">تسجل الواقعية الفجة بدائعها بدون مفاتيح سرية، كوجبة فول صباحية. </p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">عضو المدرسة الواقعية<br />
القاص عدي الزعبي</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21065">بدائع الواقعية الفجّة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>فوز آني إرنو بجائزة نوبل يؤكد أهمية تاريخنا الحميم (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21014</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أمل نصر]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 18 Oct 2022 10:00:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[آني إرنو]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%88%d8%b2-%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a5%d8%b1%d9%86%d9%88-%d8%a8%d8%ac%d8%a7%d8%a6%d8%b2%d8%a9-%d9%86%d9%88%d8%a8%d9%84-%d9%8a%d8%a4%d9%83%d8%af-%d8%a3%d9%87%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%a7%d8%b1/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتبتها غابي وود ونشرتها الغارديان في ٨/١٠/٢٠٢٢. على مدار ١٢١ عاماً الفائتة اتخذت جائزة نوبل شكلاً تقليدياً في منحها لروائيين وكتاب مسرح وشعراء. كان يحدث أن يفوز مرة أو مرتين علماء فلسفة مثل برتراند راسل وإلياس كانيتي، وأحياناً لكتاب غير روائيين مثلما فاز ونستون تشرشل في عام 1953 باكتساح ملحمي، بفضل " براعة كتابة التاريخ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21014">فوز آني إرنو بجائزة نوبل يؤكد أهمية تاريخنا الحميم (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">كتبتها غابي وود ونشرتها</span> <a href="https://www.theguardian.com/commentisfree/2022/oct/08/annie-ernaux-nobel-prize-public-value-intimate-histories" target="_blank" rel="noopener">الغارديان</a> <span style="color:#4e5f70">في ٨/١٠/٢٠٢</span><span style="color:#4e5f70">٢.</span></p>
<p>
على مدار ١٢١ عاماً الفائتة اتخذت جائزة نوبل شكلاً تقليدياً في منحها لروائيين وكتاب مسرح وشعراء. كان يحدث أن يفوز مرة أو مرتين علماء فلسفة مثل برتراند راسل وإلياس كانيتي، وأحياناً لكتاب غير روائيين مثلما فاز ونستون تشرشل في عام 1953 باكتساح ملحمي، بفضل " براعة كتابة التاريخ التي جاءت على شكل سيرة ذاتية".</p>
<p dir="rtl">يمثل هذا العام نقطة تحول بمنحه جائزة نوبل للكاتبة الفرنسية آني إرنو البالغة من العمر 82 عاماً، فتقرر الأكاديمية السويدية، لأول مرة، تعميق قيمة كتابة المذكرات وتعلن للعالم تقديرها للحياة الخاصة.</p>
<p dir="rtl">كانت هناك بدايات أخرى في تغير مسار جائزة نوبل مؤخراً: أليس مونرو (2013) كاتبة في الغالب للقصص القصيرة. سفيتلانا أليكسييفيتش (2015) صحفية تجمع "رواياتها على شكل أصوات" شهادات الآخرين، حيث لم يتم تكريم أي من هذين النمطين في الكتابة بالجائزة سابقاً. بالمقارنة مع فوز إرنو تشير هذه المعالم ليس فقط إلى أن النساء على وجه الخصوص يدفعن حدود الأدب الى تخوم جديدة ولكن أيضا إلى نوع معين من الخبرة الحميمة، وهي تجارب يتم نقلها بمهارة عالية، يمكن أن يكون لها تأثير على نطاق مهيب.</p>
<p dir="rtl">تركز كل من تلك المؤلفات الثلاثة على انعكاس السرديات الكبرى على حياتنا. عندما حاولت أليكسييفيتش نشر كتابها الرائع " ليس للحرب وجه أنثوي"، قال لها رقيب سوفييتي: "لسنا بحاجة إلى تاريخك الصغير". نحن بحاجة إلى التاريخ العظيم". بعد سنوات عديدة، انتصرت ألكسييفيتش في تحقيقها لمسارها الأدبي، والآن يضع فوز إرنو المسمار في نعش ذلك الرقيب وشركائه: نحتاج جميعاً إلى هذا الانفتاح على تاريخنا المصغر. إنه ما يصنع الأدب في الحقيقة.</p>
<p dir="rtl">بدأت إرنو الكتابة -سراً، دون علم زوجها آنذاك- في التقليد الفرنسي للنثر الذاتي، وهو مصطلح أصبح الآن منتشراً حول ما هو أبعد من مرحلة التعرف عليه كنوع أدبي. روايتها "الخزائن" الصادرة عام 1975، والكتابان اللذان تلاهما روايات مستوحاة من حياتها الخاصة، لكن في الشكل التقليدي للكتابة. آخرها، "امرأة متجمدة" الصادر عام 1981، كان يدور حول حياة أم متزوجة وأم لطفلين تم "تجميدها" بسبب الحياة المنزلية. تعرض الرواية وجهة نظرها عن المرأة في المجتمع والتي شغلتها لعقود من الزمان مما دفع القراء إلى افتراض أنها تتحدث عن نفسها.</p>
<p dir="rtl">في تلك المرحلة، قامت إرنو بقفزة نوعية من الخيال إلى الحقيقة: "لا ذكريات غنائية، ولا عروض منتصرة للسخرية"، كما تؤكد. أرادت أن تكتب عن والدها الراحل، الذي كان يدير مقهى في نورماندي والذي ابتعدت عنه جزئياً نتيجة لالتحاقها بالجامعة. في منتصف طريق كتابة الرواية بدأت إرنو تشعر "بالنفور". وشرحت لاحقاً أن الرواية " غير مكتملة. ففي سبيل سرد حياة تحكمها العوز والحاجة، ليس لدي الحق في تبني نهج فني". وبدلاً من ذلك، كانت تقوم "بجمع" كلمات والدها وأذواقه وسلوكياته، وتقدم الحكي ليس فقط عن الرجل ولكن عن جيله وطبقته الاجتماعية.</p>
<p dir="rtl">من الجدير بالذكر أن عمل إرنو المكتوب في شكل مذكرات، يظهرها بشكل كبير كمشاهد يتحدث من مسافة بعيدة أو من قناة لمشاعر مشتركة. </p>
<p dir="rtl">على الرغم من بساطة وإحكام كتابتها (العديد من أعمالها تصل إلى أقل من 80 صفحة)، تسعى إلى إظهار ما هو أبعد من تسجيل أحوال شخصية، ولهذا السبب يُنظر إليها أحياناً على أنها عالمة اثنوجرافية أو عالمة اجتماع. في الكتاب الذي كتبته أخيراً عن والدها، المكان (1983)، تحذر نفسها: "إذا انغمست في الذكريات الشخصية... أنسى كل ما يربط أبي بمحيطه الاجتماعي... لا بد لي من أن أنتزع نفسي من وجهة النظر الذاتية ".</p>
<p dir="rtl">يؤكد أسلوبها الأدبي ذلك ويوازن بين تلك النزعة لديها واتساع المعرفة الذي تسعى إلى تحقيقه. حيث تقول "هذه الطريقة المحايدة في الكتابة تأتي إلي بشكل بديهي". "إنه نفس الأسلوب الذي استخدمته عندما كنت أكتب في المنزل لإخبار والديّ بآخر الأخبار". كانت رواية "المكان" أول كتبها التي شعرت خلالها بأنها ليست "زائفة"، وكانت بمثابة بداية لعمل حياتها.</p>
<p dir="rtl">صدرت لها أعمال أخرى، تتناول موضوعات عن مشاعر الذعر والرهبة (إصابة والدتها بداء الخرف)، والرغبة (علاقة حب مع رجل متزوج)، والألم الجسدي (الإجهاض غير القانوني)، والألم العائلي (وفاة أختها الكبرى التي لم تلتق بها أبداً) والعار والحزن والشعور بالذنب (هل توجب عليها حقا أن تعالج أياً من هذه المواضيع على الإطلاق؟). تكتب: "يعجز الأدب أمام مآسي الإنسان ". وفي كتابها "شغف بسيط" تقول: "أحياناً أتساءل عما إذا كان الغرض من كتابتي هو معرفة ما إذا كان الأشخاص الآخرون قد فعلوا أو شعروا بنفس الأشياء."</p>
<p dir="rtl">كان كتابها "السنوات" مشروعها التالي، وبدون أدنى شك تحفتها الفنية البديعة. (تم نشره بالفرنسية في عام 2008 وتم إدراجه في القائمة المختصرة لجائزة البوكر الدولية في عام 2019، مما يشير إلى تقديمها على نطاق واسع للقراء الناطقين بالإنجليزية). في هذا الكتاب، لا يتجسد هدف إرنو في تجميد لحظة معينة في الذاكرة بقدر ما هو محاولة لـ "حفظها" بكل حالاتها وأحوالها". السنوات هي مذكرات جماعية لجيل بأكمله، تقويم زمني للخبرات الجمعية، الكلمات، الإعلانات، الغرافيتي، الملابس، الأفلام، العادات و المعتقدات.</p>
<p dir="rtl">لا تحاكي نصوص إرنو المترابطة بشكل محكم معالم الحياة العادية فقط، إنما تلامس ما لا يستطيع الناس قوله مثل تناولها مواضيع نهاية الحرب، استخدام الكمبيوتر، والهاتف المحمول. وهي أشياء يعرفها المجتمع لكنه يعجز التعبير عنها في آنياً. تشعر أنها تناولت مواضيع الاضطرابات المدنية في مايو 1968، في وضع كانت تشعر فيه بقوة، لكنها تعتبر ذلك نتاجاً خاصاً لتلك المرحلة. هذا الشعور بأن تكون متجاوراً للزمن ولكنك تخضع لاكتساح الوقت العظيم هو الإنجاز الحقيقي المستكين بمرور السنوات.</p>
<p dir="rtl">زرت إرنو قبل ثلاث سنوات، في منزلها خارج باريس. أخبرتني وقتها أن الدافع الأكبر لرغبتها في نقل الذاكرة الجمعية لجيلها هو أن حياة النساء قد تغيرت إلى درجة مثيرة منذ ذلك الوقت. وقالت إنه إذا عدنا بالنظر إلى الوراء، بدءاً من عمرها عندما بدأت، فلن يكون هناك ذات الهوة بين الحاضر والماضي. وهو أمر جلي لنا الآن، بفضل هؤلاء النساء ولما قدمن من سرد استطاع أن يحررنا من الكثير من القيود والأسرار الدفينة.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21014">فوز آني إرنو بجائزة نوبل يؤكد أهمية تاريخنا الحميم (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>آني إرنو: نحو &quot;أنا&quot; أكبر مني (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21001</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[كريم عبد الخالق]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 07 Oct 2022 13:06:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[آني إرنو]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a2%d9%86%d9%8a-%d8%a5%d8%b1%d9%86%d9%88-%d9%86%d8%ad%d9%88-%d8%a3%d9%86%d8%a7-%d8%a3%d9%83%d8%a8%d8%b1-%d9%85%d9%86%d9%8a-%d8%aa%d8%b1%d8%ac%d9%85%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>نشرت في جريدة Autofictions &#038; Cie عام 1993. عن ترجمة دون إم. كورنيليو إلى الإنجليزية.   يبدو بالنسبة لي أن خَلق تاريخ لنصوصي في نفس مجازفة خَلق تاريخ لحياتي. كيف يمكنني أن أشرح طريقة لا أتبيّن حقائقها من خباياها، حيث كل مشروع هو تعبير عن رغبة لا يمكنني تجاهلها؟ مع ذلك، أشكُّ في وجود سبب آخر [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21001">آني إرنو: نحو &quot;أنا&quot; أكبر مني (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">نشرت في جريدة Autofictions & Cie عام 1993. عن ترجمة دون إم. كورنيليو إلى الإنجليزية.</span></p>
<p> </p>
<p dir="rtl">يبدو بالنسبة لي أن خَلق تاريخ لنصوصي في نفس مجازفة خَلق تاريخ لحياتي. كيف يمكنني أن أشرح طريقة لا أتبيّن حقائقها من خباياها، حيث كل مشروع هو تعبير عن رغبة لا يمكنني تجاهلها؟ مع ذلك، أشكُّ في وجود سبب آخر يمنع من العودة بالزمن: بإلقائي ضوءًا على الطريقة التي كُتبتْ بها كتبي لن أستفيد أي شيء، لأن الكتاب الذي أكتبه الآن، يبدو أمامي حالك الظُلمة. أيمكن أن يكون كلامي ذا فائدة للآخرين، أو نوع من تأريخ للكتابة؟ هذا أمر لا أعرفه.</p>
<p dir="rtl">عندما بدأتُ كتابة "خزائن فارغة" (Les armoires vides/Cleaned Out) لم يكن الهدف من مشروعي هو أن كشف جزء أو كل من حياتي السابقة، بل مجرد بُعد واحد منها: الانتقال من عالم الطبقة العاملة إلى عالم الثقافة المهيمِنة، والفضل للتعليم. أذكرُ أن سؤال الضمير المستخدم، "أنا" أو "هي"، انطلق في الحال. مع التردد، اقترعت على المسألة كثيرًا، ولم تكن قرعتي الأولى. اختار القدر أنها ستكون "أنا"، لكن حقيقة أنني لم أقترع مرة تالية تدل على أن القُرعة قد وافقت تفضيلي. رغم ذلك، لم يكن هناك شك في اختيار الرواية قالبًا. سأكتب حكاية دينيس ليسور في عامها العشرين، التي تُجهِض جنينها في السكن الجامعي، في الستينيات، وتستعيد ذكريات طفولتها ومراهقتها وصولًا إلى هذا الحدث. بِنية تقليدية تمامًا. هكذا سأحلل الآن اختياراتي التلقائية اللاواعية:</p>
<ul>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">أن أحافظ على الشك في ربط شخصية تلك "الأنا" بي، الكاتبة (حتى لو لم أكن متأكدة على الإطلاق من أن الكتاب سيُطبَع، كان عليَّ أن أخطط لكل شيء). كتابة الخيال تحمي، إنها وضعية غامضة ومنيعة. لا يمكن لأحد أن يقول، "دينيس ليسور هي أنتِ". في الحقيقة سأكتشف لاحقًا في مقابلة، أنه من السهل أن أعلنَ أن "دينيس كانت ترفض الانصياع لوالديها" عن أن أقول "أرفضُ الانصياع لوالديَّ".</p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">أن أستمتع بأكبر قدر من الحرية في الكتابة. قناع كتابة الخيال نزعَ كل أنواع الرقابة داخلي، سمحَ لي أن أتخطّى كل الحدود وأن أكشفَ ما ظلَّ مدفونًا في حلقي عن العائلة، الجنس، أو المدرسة، بأسلوب عنيف وساخر.(1)</p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">أن "أصنع" أدبًا. في ذلك الوقت، بالنسبة لي، كان الأدب هو الرواية. أردت من الواقع الذي أعيشه أن يكون أدبًا: فقط حين يصبحُ أدبًا سيصبحُ "حقيقة" وشيئًا آخر غير كونه مجرد تجربة فردية. استخدمتُ بعفوية هذا القالب الذي كان يمثّل الأدب بالنسبة لي وقتها.</p>
</li>
</ul>
<p dir="rtl">كتبتُ ثلاثة كتب بهذه المعتقدات. لا أقول أنها موضع شك في الكتاب الثالث، "امرأة متجمّدة" (La femme gelée/A Frozen Woman)، حيث تقبّلت كلمة "رواية" الموضوعة على الغلاف، لكن هذه المرة باتت "الأنا" مجهولة، تضيف المزيد من الشكوك في أنها تشير إلى الكاتبة. على الجانب الآخر، يُبنى السرد في الرواية عبر الذكريات، ذكريات من الطفولة وصولًا إلى حاضر ضبابي (لهذا استخدمت "متجمّدة")، الذي يمكن أن يكون واقع الكاتبة أو الراوية. باختصار، الحالة الغامضة في هذا الكتاب، تبدو واضحة حينما أقابلُ القراء الذين ينسبون تجربة الراوية إليَّ مباشرة، والذين أصحح لهم باستسلام: "ليست أنا، بل البطلة". <br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/81eA9u0Y9uL-1.jpg" width="820"></div>
<p dir="rtl">
للمفارقة، ابتعدتُ عن قالب الرواية من خلال مشروع الكتابة عن شخص آخر غيري، مشروع الكتابة عن أبي. ليس بشكل مفاجئ، بل عن طريق عملية احتاجت أعوامًا (دستة من المسودات، إحداها وصلت صفحاتها إلى المائة، تشهدُ على صعوبة تركي لهذا القالب وعلى جمود الإلهام أحيانًا)، حيث بدأتُ أتأمل مسألة الكتابة بشكل عام، دورها ومعناها باعتبارها ممارسة(2). توصّلتُ إلى هذا الاستنتاج: الطريقة الوحيدة المناسبة لاستحضار حياة تبدو غير مهمة، حياة أبي، دون أن أخون (الطبقة الاجتماعية التي أتيت منها والتي كنت سأستعيرها موضوعًا) هي عبر تشكيل واقع هذه الحياة بالتحديد وهذه الطبقة الاجتماعية بالتحديد عبر الحقائق الدقيقة، الكلمات المتداولة، وقِيَم ذلك العصر. كان الاسم الذي اخترته للمشروع وللمخطوطة حتى لحظة الانتهاء منها -اخترتُ عنوان "المكان La Place" قرب النهاية فقط- يعكس نواياي بوضوح، "عناصر من أجل إثنوغرافيا عائلية" Elements towards a family ethnography". شعرتُ بشدة أن قالب الرواية سيكون نوعًا من الغش. أن أجعل من أبي شخصية، ومن حياته مصير خيالي، بدا لي استمرارًا لخيانة الحياة في الأدب (حتى لو لم أعد مهتمة بأن أحدد موقعي داخل أو خارج هذا الأخير).</p>
<p dir="rtl">بطبيعة الحال، إذا كانت "هو" تشير إلى شخص حقيقي، فيجب أن تشير إلى "الأنا" نفسها. أيّ التباس كان سيسلبُ الكتاب هدفه. وضعتُ نفسي في النص كإبنة تشارك العالم نفسه الذي عاشه أبي، عامل انقلب صاحب مقهى، أما الراوية، فهي أستاذة جامعية قد دخلت عالم الحديث "المنطقي". فضاء دخيل، مساحة حقيقية يكشفها النص، من المستحيل إخفاؤها، لأن في كتاب كهذا فإن حياة الراوية الاجتماعية، والثقافية، وموقعها هي أمور أساسية.</p>
<p dir="rtl">لذا فإن انتقالي من كتابة الخيال إلى كتابة الواقع ليس لحاجة في نزع القناع لكن مرتبط بمشروع كتابي جديد أصفه في  كتابي "امرأة" (Une Femme/A Woman’s Story) بأنه: "شيء بين الأدب، علم الاجتماع، والتاريخ". بهذا أقصد أنني أحاول صنع الأسمنت من مواد صلبة، من تجارب "مُعاشة"، دون أن أتخلّى عما يجعل الأدب أدبًا، وأساسه الكتابة الجيدة، والالتزام التام بالموضوع الذي أتناوله. معناه أيضًا، بكل تأكيد، أنني أرفض الانتماء لقالب معيّن، ليكن الرواية أو السيرة الذاتية. حتى الخيال الذاتي Autofiction لا يناسبني. "الأنا" التي استخدمها تبدو لي لسان مبني للمجهول، بالكاد له جنس محدد، أحيانًا يكون عالمًا ينتمي "للآخر" أكثر مما ينتمي "إليَّ": قالب أكبر مني، باختصار. ليس وسيلة لأصنع شخصية لنفسي، من خلال نص، من خلال تصوير تلقائي لنفسي، لكنه طريقة لأن أستوعبَ، من خلال تجاربي، علامات الأسرة، الواقع الاجتماعي أو العاطفي. أعتقد أن القالبين، في الحقيقة، على طرفيّ نقيض.</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هوامش</span></p>
<h5 dir="rtl">1- رغم ذلك أتساءل هل كان هذا القدر الكبير من الحرية نانتج من عدم التأكيد من أن ما كتبته سيُنشر أم لا. حين علمتُ أن المخطوطة ستُنشَر، شعرتُ بالخوف، أصبحتُ مدركة فجأة لما كتبته.</h5>
<h5 dir="rtl">2-  لعبتْ المناسبات الخاصة أو العامة، مثل تقديم دورة تدريبية في الكتابة البايوغرافية، دورًا في هذا التأمل. في الحقيقة، كانت الحياة دائمًا تقريبًا هي ما يدفعني إلى مراجعة كتاباتي.</h5>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21001">آني إرنو: نحو &quot;أنا&quot; أكبر مني (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-08-14 14:25:14 by W3 Total Cache
-->