<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>العزلة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%84%d8%a9/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/العزلة</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:41:51 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>العزلة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/العزلة</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>العزلة أو كيف تلوم حبيبك ألف مرةٍ في الدقيقة...</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20047</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أسماء الغول]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 22 Apr 2020 10:33:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[العزلة]]></category>
		<category><![CDATA[غزة وأشياء أخرى]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a3%d9%88-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d9%84%d9%88%d9%85-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%83-%d8%a3%d9%84%d9%81-%d9%85%d8%b1%d8%a9%d9%8d-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أراقب نفسي من داخلها، كأنّي أعيش بين مرايا مُكبّرة، أواجهها يومياً... أحدّثها... ألومها... أكرهها... أشفق عليها، أغلبها وتغلبني، أداوي جروحها، تتكبّر علي، فأعود لأداويها، تهزمني، فأكرهها ثم أشفق عليها. أشعر كأنّي سيارةٌ قديمةٌ تحتاج إلى تصليح، إلّا أنّ الميكانيكيّ مفقودٌ وسط الصحراء، منزلي صحراء، لا يوجد حولي مجلى وفرن وغسالة وتلفزيون، وأمامي سلطة أفوكادو وعصير [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20047">العزلة أو كيف تلوم حبيبك ألف مرةٍ في الدقيقة...</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">أراقب نفسي من داخلها، كأنّي أعيش بين مرايا مُكبّرة، أواجهها يومياً... أحدّثها... ألومها... أكرهها... أشفق عليها، أغلبها وتغلبني، أداوي جروحها، تتكبّر علي، فأعود لأداويها، تهزمني، فأكرهها ثم أشفق عليها.</p>
<p dir="rtl">أشعر كأنّي سيارةٌ قديمةٌ تحتاج إلى تصليح، إلّا أنّ الميكانيكيّ مفقودٌ وسط الصحراء، منزلي صحراء، لا يوجد حولي مجلى وفرن وغسالة وتلفزيون، وأمامي سلطة أفوكادو وعصير تفاح، حواسك تلخص لك الكون في هذه اللحظة، وحواسي معزولة فلا أرى سوى رمال صفراء، معزولة بالحزن وليس بالكورونا، معزولة عن العائلة والحب والأصدقاء الحقيقيين، إلّا أنّ هذه أيضاً صفات الغربة وليس الحجر المنزليّ فقط... أليس كذلك؟</p>
<p dir="rtl">كيف تفرق الغربة عن الحجر المنزلي؟ إنّها مجرد غربة داخل غربة، ربما كنت ألقي التحيّة بالسابق هنا أو هناك، أقابل أحد المعارف صدفةً في مهرجان أو حافلة، لكنّي اليوم أمام غربتي وجهاً لوجه، قلباً لقلب، ولا شيء ينتج عن ذلك سوى مزيد من الغوص داخلك، مزيد من استرجاع الماضي دون بكاءٍ على الأطلال.</p>
<p dir="rtl">إنّي أحسد العائلات التي تتواصل مع بعضها البعض كل يوم، أحسد أعياد الميلاد، أحسد الفرنسيين الذين يخرجون إلى الحديقة القريبة ليلعبوا معاً، أحسد المنازل الممتلئة بأفرادها، أحسد شجاراتهم، ضحكاتهم، أحسد الأصوات الحقيقيّة، لا يحتاجون لرفع صوت التلفاز خلال مسلسل تافه كي يشعروا أنّ حياة تجري حولهم.</p>
<p dir="rtl">هل تنقصني الحياة أكثر ما كانت تنقصني؟، كيف غدوت وحيدة إلى هذه الدرجة؟، معزولة حد نبذ ذاتي باختيارها.</p>
<p dir="rtl">ابني يلعب بلاي ستيشن أغلب الوقت، لأول مرة لا ألومه فمنظمة الصحة العالميّة بنفسها نصحت بذلك، كي يشعر الأطفال أنّهم يتواصلون مع آخرين، ابنتي ترسم أو تلعب بغرفتها، أحضّر الوجبات وأنقلها إلى غرفهم، أشعر كأنّني أعمل في فندق بخدمة الغرف، مع فارق أنّي أتلقى عناقاً وابتسامة حب بين الحين والآخر.</p>
<p dir="rtl">يجب أن يكون اسمها "العودة" وليس العزلة، عودة للأصدقاء القدامى، للأغاني التي كنت تحبها، عودة لنفسك، هي عودة أكثر منها اكتشاف أشياء جديدة، ما فتحته فترة الحجر المنزليّ عوالم قديمة كنا تركناها منذ زمن بعيد.</p>
<p dir="rtl">والدتي عادت تحيك الصوف خلال إقامتها في تركيا، وتصنع لنا القبعات واللفحات على أمل اللقاء، صديقتي تبحث عن أرقام زملائها الذين كانوا يعملون معها في أول الصحف التي تعيّنت بها، أمّا صديقي الباريسي فقد تفرغ أخيراً لكتابه كي ينهيه هذه المرة، وأنا استمع إلى "حلف القمر" بصوت جورج وسوف في صباه.</p>
<p dir="rtl">إنّ الحياة فجأة تسير ببطء بل أكثر بطئاً من بطء ميلان كونديرا، كنت في خضم تحركاتي بين الحافلة والدراجة والمترو كي ألحق بمواعيدي اليوميّة بين مدرسة ابنتي وكورس اللغة وقهوة الصباح أتساءل كثيراً متى ستهدأ هذه البلاد؟ أشتاق إلى تسيّب بلادنا والإضرابات وكسل الناس وعدم أخذ الأمور بجديّة، ثم فجأة توقف كلُّ شيء.</p>
<p dir="rtl">لم أكن أتخيل أنّي سأشتاق إلى الصباح البارد حين أصحب ابنتي إلى المدرسة، أو إلى ربيع العام الماضي، فالربيع الحالي يفصل بيني وبينه باب، بل أكثر من ذلك أن تتخيله ملوثاً بالكورونا بمجرد خروجك إلى الشوارع يجعلك لا تفكر بأيّ فصل أنت.</p>
<p dir="rtl">لا ألبث أتذكر الشاب مورسو من رواية "الغريب" لكامو حين جعلته عزلته في السجن يراقب كل التفاصيل في الجدران والأرضيّة ويصفها بدقة واهتمام لم يفعله من قبل، كما يسترجع لوم الآخرين له على أنّه لم يبكِ على وفاة أمّه، بل ربّما لم يحزن، ورفض رؤيتها قبل الدّفن، وفي اليوم التالي تعرّف على فتاة وذهب معها وشاهدا فيلمًا ساخرًا وبعدها ذهبا إلى البحر، واتخذت المحكمة كل هذه التفاصيل لإثبات إدانته بقتل أحدهم على الشاطئ، ولن تسمع لحظة ندم واحدة من مورسو، فهو يعتبر ما قام به طبيعيّاً.</p>
<p dir="rtl">لكن ما يفعله معنا الحجر أنّ اللوم يتضخم داخلنا وليس كما حدث مع مورسو، ولا أدري كيف..! من الصعب فصل الكتابة اليوميّة عن الحياة الحقيقيّة، قالت لي صديقة أنها لامت حبيبها على فتاة يحدّثها كل يوم، يعرفها منذ طفولته، لامته بشدة وكان رده أن عندها خمسة آلاف صديقٍ على الفيسبوك لكن منذ متى الفيسبوك يمنحنا أصدقاء؟، منذ متى كان بينك وبين أصدقاء الفيسبوك ماضي مشترك وذكريات تضحكان عليها؟.</p>
<p dir="rtl">هل فعلاً صديقتي الوحيدة مثلي، تغار عليه أم تغار منهما بسبب عزلتها، هل فعلاً يهمها ذاك الحبيب أم أنّها تحتاج أن تصب اهتمامها نحو شيء ما، وربما أنّ الأرواح المجروحة تتجاذب لتزيد بأسها بأساً فتشعر أنّها بحالة جيدة وتنكل ببعضها بعضاً.</p>
<p dir="rtl">أترون مثل هذه الأفكار ما يفعله بك الحجر المنزليّ، إنّ النظر إلى اللاشيء في سقف المترو أو التورط داخل ازدحام ما لهو أفضل لك من أن تقف أمام نفسك وتعاتبها.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20047">العزلة أو كيف تلوم حبيبك ألف مرةٍ في الدقيقة...</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بعيدًا عن القطيع... أو شيء يشبه &quot;غار حراء&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20044</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أحمد مجدي همام]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 20 Apr 2020 10:52:52 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[العزلة]]></category>
		<category><![CDATA[في الظل]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d8%af%d9%8b%d8%a7-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b7%d9%8a%d8%b9-%d8%a3%d9%88-%d8%b4%d9%8a%d8%a1-%d9%8a%d8%b4%d8%a8%d9%87-%d8%ba%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%a1/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يجد بعض أبناء آدم راحتهم في العزلة، الوحدة الاختيارية، يظنون أن هذا الميكانيزم الدفاعي يقيهم شرور البشر، ولا يجبرهم على الانخراط في القواعد الأساسية للعبة، المنافسة الدائمة بين البشر، يظن البعض أنه لا يجب أن يدخل المنافسة، ربما خوفًا من الخسارة، أو رفضًا لفكرة الاحتكام للنزال في المفاضلة بين الفرق، أو ظنًا في أن النزال [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20044">بعيدًا عن القطيع... أو شيء يشبه &quot;غار حراء&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يجد بعض أبناء آدم راحتهم في العزلة، الوحدة الاختيارية، يظنون أن هذا الميكانيزم الدفاعي يقيهم شرور البشر، ولا يجبرهم على الانخراط في القواعد الأساسية للعبة، المنافسة الدائمة بين البشر، يظن البعض أنه لا يجب أن يدخل المنافسة، ربما خوفًا من الخسارة، أو رفضًا لفكرة الاحتكام للنزال في المفاضلة بين الفرق، أو ظنًا في أن النزال مفروض عليه وهو لا يقبل الانصياع، أو إيمانًا بأن العزلة ترفع الروحانيات وبيئة جيدة للتعبد والتسامي أو لأي سبب آخر، وُجِدت بين البشر فئة ترفض الانصياع للقوانين والأعراف العامة السائدة، وكان الحل بالنسبة لهؤلاء هو الانزواء في مساحات صغيرة آمنة، يشيّدونها بأنفسهم ويتخذونها قوقعة أبدية تقيهم شرور العالم.</p>
<p dir="rtl">"الوحي حظ الوحيدين"، أعلنها محمود درويش قبل سنوات في "لاعب النرد"، صحيح أن هناك فارق واضح في المعنى بين الوحدة والعزلة فالأولى تشير للتوحد الإجباري الضار بالشخص بينما تعني الثانية التوحد الطوعي المريح للشخص. إلا أنهما يشتركان في خاصية "الوحي" كما أشار له درويش. فالعزلة، بكل تجلياتها "فعلٌ رسولي"، ولا أدل عن ذلك من اختيار النبي محمد لغار حراء، يقصده ليقيم فيه أيامًا وليالٍ، يخلو إلى نفسه ويتجنّب البشر.</p>
<p dir="rtl">الروايات السماوية مثلًا تؤكد على هذه السمة بين (الرسل)، القدرة على الاختلاء بالذات واعتزال الناس، فعلها موسى أيضًا عندما ترك قومه 40 يومًا وعاد ليجدهم يعبدون العجل، وفعلها يونس دونًا عنه في بطن الحوت. ثم هي الآن سمة رئيسية بين الكثير من مشاهير العلم والأدب: آينشتاين، تسلا، داروين، نيوتين، جيمس جويس..</p>
<p dir="rtl">في أيامنا هذه، صار هذا النمط الانعزالي أكثر انتشارًا ووضوحًا، لاسيما وأن التكنولوجيا الحديثة تستطيع أن تسهل هذا المسعى، وخلع المجتمع عليهم مسميات من نوعية (الذئاب المنفردة، البيتوتي، أهل الكهف)، أما في الأدبيات فقد أشار لهم كولن ويلسون (1931) كتابه "اللامنتمي"، الذي يصف تلك النوعية من الفنانين المتوحّدين الذين يجدون صعوبة في التفاهم مع المجتمع وفقاً لشروط العصر الرأسمالي الراهن، وسماهم سارتر بالـ (غشّاشين) لأنهم يرفضون قوانين المجتمع وبناه الهرمية ويتخذون مسارات مخالفة لها، وكتب عنهم فيودور دوستويفسكي روايته "في قبوي" التي ترجمت إلى العربية بعناوين متعددة "في سردابي – رسائل من أعماق الأرض – الإنسان الصرصار". ويمكن الإشارة بسهولة إلى بعض الأدباء العرب من محبي العزلة والظل، اللبناني ربيع جابر (1972)، السوري سليم بركات (1951) حيث يكتب رواياته من معتزله في غابات السويد، والليبي إبراهيم الكوني (1948) الذي تعلم من الصحراء فكرة العزلة. وغيرهم من الكتّاب.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">أسبرجر والرجل الثيتا</span></strong></p>
<p dir="rtl">الطبيب النفسي البريطاني، طوني آتوود (1952)، وغيره من المتخصصين، بدأوا في مراكمة نظرية حديثة نسبيًا عن الأفراد المحبين للعزلة والتباعد الاجتماعي، وتحديدًا أرباب متلازمة آسبرجر* (الآسبيز)، ومفاد النظرية يقول إن الآسبيز سيكونون النوع السائد في الخطوة القادمة من مسار التطور البشري. هذا إن سلمنا بنظرية التطور وهي محل جدل بطبيعة الحال.</p>
<p dir="rtl">فهم يستطيعون العيش بالتكاليف والموارد الأقل والحدود الدنيا، وهذا يتوافق مع المنحى الرأسمالي الضاغط لهذا العصر، كما يمتلكون بسبب ذكائهم – وهو العَرَض الثابت لكل المصابين بمتلازمة أسبرجر – إمكانية إيجاد ما يسمى بـ (حلول خارج الصندوق)، هم يشبهون بشكل أو بآخر الزواحف والقوارض والحشرات التي نجت من الانقراض والكوارث البيئية المتعاقبة عبر العصور المختلفة.</p>
<p dir="rtl">المنافسة الطبيعية بين الخلق، صنفت البشر وفقًا للأبجدية الإغريقية إلى ألفا (القائد بالفطرة، صاحب أولوية جنسية عند الأنثى)، وبيتا (اللطيف، الثاني، ولي العهد، مقبول جنسيًا عند الأنثى)، وأوميجا (العامة، العاديون، المهزوم بالفطرة ولا يتزوج إلا أنثى أوميجا)، وثمة أنواع أخرى مثل الدلتا (الألفا المهزوم أو الألفا المطرود من الجماعة)، والسيجما (سوبر ألفا لكن بلا قطيع). ومؤخرًا ظهر التصنيف الجديد للرجل الـ ثيتا**، وهو الصنف الذي ستكتشف أنه آخذ في التزايد، ويشير مصطلح ثيتا إلى الفرد المؤهل ليكون ألفا، إلا أنه لا يشعر بأي شغف للقيادة والسيطرة ولا رغبة عنده لفرض النفوذ بالقوة أو التحالف أو التزاوج أو أي شكل آخر للتوسع والبناء، ولا يقبل أن يجري تصنيفه في طبقات وفقًا لرد فعل الأنثى حياله، فيتمرد على التصنيف ويختار العيش كذئب منفرد، هو الزاهد الذي يفضل الخروج من السباق والمنافسة والهرم الاجتماعي والجلوس في الظل مع سيجارة وبعض الشاي بالنعناع.</p>
<p dir="rtl">يختار هؤلاء حال تورطهم في العمل المؤسسي، وظائف تضعهم في عزلة عن الآخرين، ساعي بريد مثلًا أو موظف أمن ليلي وحراس مخازن وغيرها من الأعمال التي تقتضي احتكاكًا أقل بالبشر والكثير من الجلوس مع النفس.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">العزلة... منشطات الأدب</span></strong></p>
<p dir="rtl">الكاتب والسيناريست مصطفى ذكري، أحد أشهر الروائيين المصريين المعروفين بالميل للعزلة في شقته الواقعة في ضاحية حلوان بالقاهرة، لا يبارحها إلا نادرًا، بل ويزيد على ذلك بوضع ستائر سوداء على النوافذ لإحكام قطع الصلة بالخارج. يشرح ذكري في حوار نُشر في صحيفة اليوم السابع في 2009، الآلية التي تخدم بها العزلة فكرة الفن والإبداع: "أنا أعتبر التفرغ للكتابة هو عربون محبة للمهنة، على طريقة الصوفيين، وأن مهنة الكتابة لا تقبل إلا بكَ كُلكَ، لكنها لا تقدم أي وعود، وأنا أقبل بهذا الشرط المجحف على سبيل القربان، وكأنني أريد للمهنة أن تشعر أمامي يوماً بذنب الجفاء".</p>
<p dir="rtl">ويواصل ذكري فيوضح المسارين اللذين قد تأخذهما العزلة: "في الحالتين، حالة البرج، وحالة القبو، يتم للكاتب تحقيق الشرط الفني عبر الابتعاد عن سطح الأرض، سطح الواقع، وذلك بالارتفاع أو الانخفاض عن مستواه".</p>
<p dir="rtl">لا تقتصر فائدة العزلة في توفير هذا الشرط الفني، فهناك بعض المزايا الأخرى التي يتكلم عنها الأدباء محبي العزلة، ومنهم الشاعر العامية المصرية الشاب مصطفى إبراهيم (1986)، والذي اختار السكن في جبل المقطم مفضلًا نمط العزلة من قبل ظهور فيروس كورونا كوفيد – 19 بسنوات، يعتني بزرعاته ويراعي قططه ويستمع أغلب اليومي لفيديوهات بصوت الأب الروحي لشعر العامية المصرية فؤاد حداد (1928 – 1985). يشرح إبراهيم: "من المفترض أن الإنسان كائن اجتماعي ويعيش مع الناس وما إلى هنالك، وبالتالي فالعزلة لا تمنح الإنسان أمورًا مثل السلام والطاقة الإيجابية، من تجربتي، المنحة الحقيقية للعزلة، هي أنها تمكّنك من أن تسمع الصوت الغائر في رأسك، صوت عقلك، صوتك الشخصي، بمعزل عن الضجيج وأفكار الآخرين وأصواتهم. التمييز بين صوتك الأصلي وبين أصوات الآخرين التي علقت بك نتيجة الاختلاط بهم بمعدلات كبيرة، العزلة تجعلني قادراً على أن أسمع نفسي".</p>
<p dir="rtl">ولا تعني العزلة بالضرورة الانفراد بالذات والبعد مكانيًا عن الآخرين، وإنما هي عزلة نفسية في المقام الأول، يقول إبراهيم: "لتلك العزلة أشكال، ربما يكون ذلك المعتزل مـــثلًا موظفاً في شركة يذهب يومياً للعمل ويتعامل مع زملائه ومع العابرين في الشوارع، إلا أنه منعزل عنهم، ويقيم منطقة حاجزة معهم، رغم أن حياته تبدو ظاهريًا ممتلئة، إلا أنه في حقيقته يعيش أحد أشكال العزلة. الواحد ممكن أن يكون معزولًا عن الحياة الحقيقة وهو واقف في قلب الشارع. والحقيقة، ربما يؤثر ذلك في الخبرات الحياتية وبالتالي في النتاج الأدبي".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الوحيدون</span></strong></p>
<p dir="rtl">تحتل العزلة موقع البطولة في العديد من الأعمال الأدبية المصرية والعربية والعالمية، ويُلاحظ أن هذا النوع من الروايات ينتشر بين الأدباء الشباب، رغم حضوره بين الأجيال السابقة كما هو الوضع في رواية "إجازة تفرّغ" لبدر الديب (1926 - 2005)، والتي يتضح من عنوانها اختيار البطل حسن عبد السلام هجر ضغوط العمل والذهاب إلى بيته قرب الملاحات في الإسكندرية للتفرغ للرسم.</p>
<p dir="rtl">أما بين الأجيال الأحدث نذكر روايات مثل "الغضب الضائع" لمازن العقاد، و "الوحيدون" لمحروس أحمد و"فرد أمن" لعلاء عبد الحميد و"سيدي برّاني" لمحمد صلاح العزب و "عن الذي يربي حجرًا في بيته" للطاهر شرقاوي.</p>
<p dir="rtl">ومن الروايات العربية التي نسجها مؤلفوها اتكاءً على فكرة العزلة: "أوكي مع السلامة" للبناني رشيد الضعيف، حيث يعيش الأستاذ الجامعي والكاتب نصف المشهور بلا زوجة وبلا أبناء، فقط هناك خليلة تظهر وتختفي لتقلب حياته رأسًا على عقب بعد عودته للعزلة. و "منبوذ الجبل" لليمني عبد الله ناجي، تحكي قصة أحمد الحداد المنبوذ من وطنه اليمن والمنبوذ من أرض مقامه في السعودية والغريب بين إخوته الأشقاء الحاصلين على الجنسية السعودية وغير المهددين بالإبعاد، المعتزل في غرفته بأحد الشوارع الضيقة في مكة. و أيضًا "طُبِع في بيروت" لجبور الدويهي حيث يغادر بطلها شبه المتوحد عالمه الآمن ويدخل دار النشر التي تعمل مطبعتها سرًا في تزوير العملة، ويتورط بسذاجته وقلة خبراته في الجريمة.</p>
<p dir="rtl">عالميًا يمكن ذكر روايات مثل "المسخ" لفرانز كافكا، و"هكذا كانت الوحدة" للإسباني خوان مياس، و "حكاية قمر" للياباني كيئتشيرو هيرانو، وهي تحكي قصة الشاب ماساكي إيهارا، الطالب في جامعة طوكيو والشاعر الواعد، الذي يعاني من مرض الوهن العصبي، ذلك المرض يسبب له تشنجات واختلاجات لا إرادية، ماساكي وجد في جولات المشي الطويلة حلاً معقولاً لمرضه، إذ تساعده الوحدة والتأمل في الطبيعة على تجاوز المصاعب التي يسببها له المرض. فكلما شعر بالضيق أو الملل أو أعراض المرض، يعمد إلى اقتراض بعض الأموال من أقربائه ليغطي تكاليف سفره، ومن ثم يشرع في التجول عبر البلاد: "كان من عادته السفر في رحلات ترفيهية يخفف بها من كآبة نفسه، وقد ذاق فاعلية وتأثير السفر في أولى رحلاته، لم يكن ماساكي يحدد في الغالب الهدف النهائي للرحلة، فقط يركب القطار، وعندما يمل، يترجّل منه ويتجول لمشاهدة المكان".</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">* نسبة إلى طبيب الأطفال النمساوي هانز أسبرجر (1880 – 1906). ومتلازمة أسبرجر هي إحدى اضطرابات طيف التوحد، يجد المصابون بها صعوبات في التفاعل الاجتماعي، ويفضلون الوحدة، والعيش في نمط تكراري روتيني. ويختلفون عن "المتوحدين" في كونهم قادرين على تطوير الجوانب اللغوية والإدراكية، ولديهم القدرة على التواصل الاجتماعي بحذر، وأحيانًا بشكل أخرق، إلا أنهم يحجمون عن التفاعل المجتمعي.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">**  وضع المصطلح الطبيب النفسي والإعلامي والناشط الاجتماعي الأمريكي في مجال حقوق الرجل باول إيلام (1957).</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20044">بعيدًا عن القطيع... أو شيء يشبه &quot;غار حراء&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الغابة الوسنى</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20043</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عدي الزعبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 17 Apr 2020 11:25:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[العزلة]]></category>
		<category><![CDATA[هوامش]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b3%d9%86%d9%89/</guid>

					<description><![CDATA[<p>(1)   أَرَقٌ عَلى أَرَقٍ وَمِثلِيَ يَأرَقُ   وَجَوىً يَزيدُ وَعَبرَةٌ تَتَرَقرَقُ جُهدُ الصَبابَةِ أَن تَكونَ كَما أَرى   عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وَقَلبٌ يَخفِقُ أَبَني أَبينا نَحنُ أَهلُ مَنازِلٍ   أَبَداً غُرابُ البَينِ فيها يَنعَقُ وَالمَوتُ آتٍ وَالنُفوسُ نَفائِسٌ   وَالمُستَغِرُّ بِما لَدَيهِ الأَحمَقُ وَالمَرءُ يَأمُلُ وَالحَياةُ شَهِيَّةٌ   وَالشَيبُ أَوقَرُ وَالشَبيبَةُ أَنزَقُ أبو الطيب   [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20043">الغابة الوسنى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>(1)</strong></span></p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">أَرَقٌ عَلى أَرَقٍ وَمِثلِيَ يَأرَقُ   وَجَوىً يَزيدُ وَعَبرَةٌ تَتَرَقرَقُ</p>
<p dir="rtl">جُهدُ الصَبابَةِ أَن تَكونَ كَما أَرى   عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وَقَلبٌ يَخفِقُ</p>
<p dir="rtl">أَبَني أَبينا نَحنُ أَهلُ مَنازِلٍ   أَبَداً غُرابُ البَينِ فيها يَنعَقُ</p>
<p dir="rtl">وَالمَوتُ آتٍ وَالنُفوسُ نَفائِسٌ   وَالمُستَغِرُّ بِما لَدَيهِ الأَحمَقُ</p>
<p dir="rtl">وَالمَرءُ يَأمُلُ وَالحَياةُ شَهِيَّةٌ   وَالشَيبُ أَوقَرُ وَالشَبيبَةُ أَنزَقُ</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">أبو<em> </em>الطيب</span><em> </em></p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>(2)</strong></span></p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ينبع الأرق من الداخل، من الروح التي لا تُرى: كالندم والموهبة والغرور. لا يهاجم من الخارج، ليس فيروساً أو بكتيريا أو جرحاً أو أوراقاً رسمية تُذلّك أو حرباً لا نهاية لها أو مخابرات لا تخاف الله. يهاجمك منك وفيك وبك: هو الخصم والحكم. يتحكم بأعصابك وبعضلاتك، كالشهوة الجنسية. لا تعرف كيف تمسك به، أو من أين ينبع: المعدة، على الاغلب؟ أو على الجفنين مباشرة؟ رجفة اليد، ربما؟ تسارع ضربات القلب؟ أو في الدمع الذي يصاحب التثاؤب؟ الأرق، بالتأكيد، شيء مادي، كالمعاد الجسماني عند الشيعة والحنابلة: كلما طال العذاب تأكدت من ماديته الفجة. يعتاش الأرق على فكرك وخيالك وشوقك وكبدك وبؤسك وطفولتك وهمجيتك: يعتاش على كل ما لا تبوح به: هو، في الحقيقة، أنت بدون أقنعة، بدون تهذيب: أنت بالضبط كما لا تريد أن تزهر للناس، كما تحيا وحدك حياتك الداخلية الخاصة التي لا يعرفها أحد: ليس مرضاً أو إصابة: هو كشف روحاني لما تعانيه وتخفيه. الأرق جاسوس وصديق كشفتْه، بخبث ومحبة عابثة، إميلي ديكنسون الساحرة الساخرة: "الروح لنفسها / الصديق الملكي/ أو الجاسوس الأكثر إيلاماً / الذي قد يرسله عدو". الأرق روحك التي لا تتخلى عنك: تلك التي كانت موجودة قبل الولادة، على ما يقول أفلاطون؛ أو التي تناسخت مئات المرات معذّبةً بالرغبات المادية، على ما يقول الهندوس والبوذيون؛ أو التي خلقها الله من العدم في بداية الكون وسيحاسبها يوم الحشر، على ما تقول الأديان الإبراهيمية: صورة الله في العالم المادي؛ أو التي ستتحد بالعقل الفعال بعد الموت لا تنتظر القيامة، على ما يرى آرسطو وابن رشد: الأرق روحك التي لن تتخلى عنك.</p>
<p dir="rtl">يجلب الأرق كل ما لا تريد في صحوك أن تفهمه: طفولة حزينة، ومراهقة تائهة عنيفة معنّفة، وشباباً ضائعاً، ومستقبلاً أسود بعد طريق مسدود مسدود، وعشيقات هجرنك، وصديقات لم تبح لهن وأخريات تتمنى لو لم تبح لهن، وكل ما يجرحك تذكره: كذباً أبيض وأسود، وسرقات صغيرة، وخيانات متفاوتة الحجم، وحسداً وغيرة، ورعباً من أشياء لا تجرؤ على الاعتراف بها عن نفسك لنفسك، وقلقاً من الفشل القادم والماضي، وأناك الخاصة الهشة المبهمة تتفرفط أمامك مع اقتراب الفجر.</p>
<p dir="rtl">لا شيء ينفع مع الأرق: الركض والسباحة والمشي لساعات؛ قراءات لحكماء يعرفون كل ما يمكن معرفته: إيسا والمعري، أو لكتاب مدّعين متحذلقين: بول أوستر وديريدا؛ سيجارة حشيش؛ أفلام أوزو ونيكيتا ميخالكوف؛ كونشرتو البيانو الثانية لرحمانينوف أو مهرجان "عود البطل"؛ عادل إمام أو"عيلة خمس نجوم"؛ يوغا خفيفة. أعد القهوة، وأجلس منتظراً فجراً يتأخر كثيراً في الشمال البارد.</p>
<p dir="rtl">كتبت مارينا تسفيتاييفا، الشاعرة الروسية قليلة الحظ التي لم يرتم على قدميها الرجال كثيراً، قصيدة طويلة عن الأرق: عشرة مقاطع متفرقة غير مترابطة: عن الليل والحب والنوافذ والمدن والتجوال في شوارع فارغة والجسد والظلام والموت والوحدة. عانت الصبية الأرق، بعد أن انفصلت عن حبيبتها. لم تترك زوجها: مخابرات ستالين جندت ذلك الرجل الذي حارب مع البيض وهرب إلى باريس: ما إن عاد حتى اعتقلوه ثم قتلوه، كما اعتقلوا ابنتها خمس عشرة سنة. لم يطبعوا أشعارها ولم يوظفوها في أشغال ثقافية. عملت في الجلي وتنظيف البيوت. لم تكن ضد الثورة، لم تكن معها: أشهر شعراء الثورة تغنّت بهم: يسينين وماياكوفسكي، وارتبطت روحياً ببوريس باسترناك. بعد عقود من حياة قاسية في منافٍ لم تتمنّ فيها شيئاً سوى أن تطأ أرض الوطن، شنقت نفسها بعد سنتين من عودتها إلى الوطن، لتنهي حياتها البائسة جداً، ذلك البؤس الذي لم ينعكس في أشعارها الشجاعة الأصيلة المرنة النورانية.</p>
<p dir="rtl">لا يبدأ الأرق ليلاً، بل يعيش معك طيلة اليوم: الرعب من ساعاته الطويلة لا يفارقك. في الغسق، تكاد تبكي، وأنت تشاهد الشمس الغاربة، تأخذ معها الظلال والأشكال والألوان والأصوات: تتركك وحدك في وحدة لا أنيس فيها ولا سمير. يحل موعد النوم المقدس كصلاة الجمعة، وتدخل غرفة النوم نصف ساعة، لتخرج بعدها مهزوماً متسللاً إلى غرفة الجلوس، حيث يتأفف منك الديوان والكراسي والطاولة والمصباح والحيطان والأرضية والسقف والسجادة والنافذة والكتب والحاسوب. تعتذر لهم، وتجلس صامتاً ساكناً، لتتأمل ليلك الطويل القادم في ذعر.</p>
<p dir="rtl">كان الشعراء العرب يأرقون عندما يزورهم طيف الحبيبة. ولكنهم كانوا يطلبون الطيف وينتظرونه: يريدون أن يأرقوا كي يلتقوا به. في الحقيقة، كان الطيف مادياً، والموت مادي: النفَس الأخير الذي يخرج من الأنف عند الموت يحمل معه النفْس. كذلك الأمر مع الأشباح والملائكة والجن، والجنة والنار: كلهم ماديون. والله نفسه يسكن في مكان مادي خارج الكون المحدود الصغير، أي ما وراء كرة النجوم الثابتة. التحولات من المادية الفجة إلى نقيضها في الأديان السماوية أتت تحت ضربات معاول الفلاسفة المؤمنين الصادقين وغير الصادقين. أتفلسف وحدي في تاريخ المادية الغريب العجيب، في ليالي الأرق الطويل، متمنياً لو كان أجدادي على حق: لو كانت الاشباح التي تزورني مادية، لو كانت لها صلة حقيقية بمن تمثلهم وتستدعيهم، كما يشرح ويؤكد أشهر الماديين قاطبةً: أبيقور طالب اللذات الزاهد؛ لو لمستهم وكلمتهم وشممتهم وحمّلتهم رسائل وأشواقاً وقبلات. ولكن لا: أشباحي خيالات نفسية روحانية خاوية مريضة، يستحضرها المنفيون في نوبات الاكتئاب والقلق والفزع. أفتح النافذة في ليالي الربيع على برد لا يُردّ ليدخل البيت زملاء الأرق الدائمون: ريح صرصر، ومطر غاضب أحمق، وغيم كثيف شديد الصلابة، وأشباح من كل الأجناس.</p>
<p dir="rtl">الأرق معجزة صغيرة، نقيض النقيضين: نقيض الصحو ونقيض النوم، في نفس الوقت. الأرق فرداني تماماً، كفيلسوف ليبرالي متشائم لا يؤمن إلا بالفرد جوهراً خالصاً أنانياً: لا يستطيع أحد مساعدتك فيه: لا الأصدقاء والعشيقات والعائلة، ولا الملائكة والشياطين والجن والأطياف: مئات الليالي الظلماء والمقمرة أمشي فيها في الشوارع: نورتيش ودمشق ولندن واسطنبول، وكوبنهاغن وبيروت ودبي ومالمو. "قهوة الحجاز" في الرابعة صباحاً. صحن فول في السادسة صباحاً في "الميدان". لندن بدون ميترو بعد منتصف الليل: مدينة تحرس نفسها من ساكنيها. يقولون المدن لا تنام: ولكنها لا تُصاب بالأرق: تُتخم بالناس فيفيضون فيها. لا يبدو على جسدها صباحاً آثار الأرق الطويل. نوريتش تشعّ بسكينة قروسطية، ودبي صحراء الروح. بحر بيروت يؤنسك، والمدينة بدونه غابة إسمنتية شرسة حزينة.</p>
<p dir="rtl">بعد ليالي الأرق تلك، تمشي كمسرنم طيلة النهار. يتضعضع معنى الخير والشر، ومعنى الحب والصداقة، ومعنى المعنى والوجود والعدم: شبحاً تسير بدون جسد، بدون المعاني كلها التي تتجلى فقط في أجساد من ناموا طويلاً. ينخرك الأرق لتصبح كمصاب بألم الأسنان أو حصى الكلية: لا تستطيع إلا التفكير بالألم. الأصوات والأشكال والألوان والمشاعر والذكريات تبدو كأحلام قرينك الجنيّ: ليست لك تماماً، وليست لغيرك. شمس ساطعة وثلج خفيف وعواصف بحرية: كلهم يعبرون فيك بتساو. نهار طويل تشرب فيه أطناناً من القهوة، قبل أن تعود إلى ليلة أرق جديدة.</p>
<p dir="rtl">ودورات الأرق والاكتئاب والبارانويا لا يحكمها منطق واضح: بدون مقدمات أو أسباب، وبعد أسابيع قليلة من التحرر، يسقط المرء مرة أخرى فريسة سهلة لأعداء غير مرئيين. عندما يعتقد أنه حقق تقدماً ما في معاركه، يفاجئه أحد الثلاثة المتآمرين، عادةً الأرق، لينهكه ليال متتابعة، فيتبعه مباشرة الاكتئاب الراقص كالفتى الجسور يقود دبكة ريفية صاخبة، ثم البارانويا الحنون تترنم بمعرفتها: "أنت وحيد تماماً وفاشل كلياً يا بني، كقط منزلي تخلّى عنه أصحابه في غابة برية لا يعرف فيها كيف يجد قوت يومه". بعد البارانويا هذه، بالطبع، أرق طويل مديد صارم أخاذ. تهدهد الأعداء الثلاثة وتهددهم، كأطفالك المساكين الطيبين: جزء لا يتجزأ منك، حتى عندما يأكلونك حياً.</p>
<p dir="rtl">إذن، على المرء، وبالتدريج، أن يطوّر أساليب دفاعية كي يدفع الانتحار ويقبل الحياة كما هي: سلسلة متكررة من النوم القلق والصحو الضحل: تتعدد هذه الأساليب، وتختلط أحياناً، وتتناقض أيضاً: أشهرها وأكثرها شيوعاً، الشره في ليالي الأرق: غارات ليلية على البراد وأدراج المطبخ، ليأكل المرء بعد منتصف الليل رزاً بارداً مع طبخة "بايتة" ويلحقها بالشوكولا والمربي ثم الفاكهة وخبز مع جبنة وبسكويت رخيص صحي للريجيم يتبعه علبة طونا ويختم مع تأنيب الضمير بفتح أكياس الزبيب والفستق واللوز المخصصة للطبخ. يعود المرء إلى محاولات النوم متخماً بأحلام ضائعة عن أهمية اللياقة والوصول إلى سن الأربعين (قريباً جداً) بكرش صغير وقلب ليس مصاباً بالكوليسترول والشحوم ودم صاف سيعيش لسنوات طويلة.</p>
<p dir="rtl">تشرق الشمس، كما تشرق في كل مكان. يستيقظ الكون، ذلك الذي لم يصدق ديفيد هيوم أنه سيعود كل صباح: أو، للدقة، آمن بذلك ولكنه لم يجد سبباً عقلانياً مقنعاً لهذا الإيمان. كتب بورخيس قصيدة ساحرة عن هذا الشك في طلوع الفجر. نحن، المصابين بالأرق، لا نشك: الشروق والغروب والفجر والغسق والشفق والغلس، تتوالى علينا بدون رحمة وبدون ترتيب منطقي. أتسلل من البيت قبل أن يستيقظوا. هواء منعش، وبشر طبيعيون ناموا ليلهم يتوجهون إلى أعمالهم: أحسدهم بغلّ؛ وأشتم في سري نفسي وحظي وبرودة قلوب الناس هنا، وأشتم أيضاً الأعداء الخارجيين المتحالفين مع الأعداء الداخليين بعروة وثقى لا تنفصم: حكام الجمهورية السورية ومملكة الدنمارك الفاشية: بلدي وبلد زوجتي اللذين نُفينا منهما لنقضي العمر لاعنين الديكتاتورية والديمقراطية معاً.</p>
<p>أدخل بقالية العراقي النكد الغاضب دوماً، وأشتري "سنيكرز" صغيرة رخيصة، آكلها على عجل، وأتأكد من رمي الغلاف بعيداً، كي لا تضبطني زوجتي كما حصل مرات كثيرة، عندما تعثر على الغلاف في حقيبتي، لتسألني عن محاولاتي المتكررة في التخلص من الاكتئاب. آكل الشوكولا بسرعة، وبدون أية متعة. أمشي في شوارع باردة لا تريدني ولا أريدها، مدندناً بخفة مبتهجة غير مفهومة:</p>
<p dir="rtl">" شو همّ ليل وطار</p>
<p dir="rtl">وينقص العمر نهار</p>
<p dir="rtl">بس اسهار …"</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>(3)</strong></span></p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">كما أحب تقبيل الأيدي،</p>
<p dir="rtl">وأن أهب كل الأشياء أسماءً،</p>
<p dir="rtl">أحب أن أفتح الأبواب</p>
<p dir="rtl">على مصراعيها - ليلاً.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">رأسي مضغوطٌ بين يديّ</p>
<p dir="rtl">أنصت إلى خطوات ثقيلة</p>
<p dir="rtl">تخفت لتصبح خفيفة</p>
<p dir="rtl">وإلى الريح تهز الغابة الوسنى</p>
<p dir="rtl">والغابة الساهرة أيضاً.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">آه، أيها الليل،</p>
<p dir="rtl">نهيرات تجري</p>
<p dir="rtl">وتصب في – النوم.</p>
<p dir="rtl">(تقريباً غفوتُ)</p>
<p dir="rtl">في مكان ما هذه الليلة</p>
<p dir="rtl">يغرق كائن بشري.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">مارينا<em> </em>تسفيتاييفا</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20043">الغابة الوسنى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>العزلة أو سلاماً أخي الهيكيكوموري</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20041</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[كمال الرياحي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 16 Apr 2020 10:38:42 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[العزلة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a3%d9%88-%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a7%d9%8b-%d8%a3%d8%ae%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%8a%d9%83%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>العزلة، ذلك السلوك الإنساني القديم والذي يعود كل مرة بشكل جديد هاهو اليوم يعود بأكثر وحشية ليشيد عالماً ديستوبياً شاملاً. فلئن عرفناه في أنواع شتى كتلك المحدودة في الزمن لترميم الذات والمشاعر والمشاريع  وتلك الأبدية التي تعلن تنكراً تاماً للبشر، شيء مثل الانتحار الإجتماعي؛ حالة من الغثيان والترجيع لكل الموضوعات الاجتماعية والتواصلية. حتى وصل بعضها [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20041">العزلة أو سلاماً أخي الهيكيكوموري</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">العزلة، ذلك السلوك الإنساني القديم والذي يعود كل مرة بشكل جديد هاهو اليوم يعود بأكثر وحشية ليشيد عالماً ديستوبياً شاملاً. فلئن عرفناه في أنواع شتى كتلك المحدودة في الزمن لترميم الذات والمشاعر والمشاريع  وتلك الأبدية التي تعلن تنكراً تاماً للبشر، شيء مثل الانتحار الإجتماعي؛ حالة من الغثيان والترجيع لكل الموضوعات الاجتماعية والتواصلية. حتى وصل بعضها إلى الانتحار من خلال ما تسميه العرب قديماً بـ "الاعتفاد"<span style="color:#7f8c8d">*</span> وهو أن يغلق المرء على نفسه فلا يرى أحداً حتى يموت. عزلة دوافعها مختلفة: بعضها ازدراء الناس وبعضها إعلان إفلاس وبعضها حفظاً للكرامة وبعضها تفرغاً للعمل وبعضها بحثاً عن استراحة وبعضها توديعاً للحياة برمتها. فإن هذا الشكل الجديد من العزلة التي نعيشها اليوم والمضروبة علينا باعتبارها شرطاً لبقائنا على قيد الحياة والنجاة من الكورونا تبدو الأسوأ على الإطلاق. فلنترك العزلة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية لنتذكر بعض نماذجها الثقافية؟ </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">بين الوحدة والعزلة</span></strong></p>
<p dir="rtl">أن تلوح بنفسك في العزلة ليس أمراً سهلاً. فهذا قرار صعب اختص بأخذه عبر تاريخ البشرية كل من الأنبياء والمجانين والفنانين والفلاسفة والكتاب العباقرة. فمناعة البشر ضد الاحتكاك ضعيفة حيث لا يحققون ذواتهم في أغلبهم إلا عبر اعتراف الآخر، ذلك الآخر التراكمي والمتعدد في كل مكان ويبرر البشر ذلك التذري للذات في الحشود بالشبق وبالكينونة الاجتماعية  والطبيعة المدنية للكائن البشري.</p>
<p dir="rtl">غير أن للعزلة  أخت غير شقيقة تتشبه بها أحياناً حد التطابق هي الوحدة  التي لا ينتهي أصحابها دائما إلى مصير المنعزلين. لذلك لا يعلم البشر اليوم  هل هذا العزل الإكراهي سيجعلهم يعودون إلى الحشود بقوة أو حتى بشوق أم انه سيحدث رهابا من الآخر وستعود الحشود أفراداً إلى المخابئ تنشد الوحدة؟ يقول الروائي والمفكر الفرنسي الاستشرافي جاك أتالي في كتابه "معجم القرن الواحد والعشرين": "الوحدة: هي  اليوم، مظهر من مظاهر البؤس؛ وهي بعد غد، ترف يختص به ذوو الترحال المفرط. وهي اليوم، حكم بالإعدام، ومآل تدمير البنى الأسرية. وهي غداً، بما أسوأ من ذلك بمراحل: دنيا من الوحدات متراكمة، والملذات الأنانية، والمصائر المنغلقة على نفسها. وما من أحد سيشيع جنازة غيره في نصف حالات الوفاة الطارئة على العالم أجمع. ولكن بعد غد، سيدفع الغني غاليا حقه في البقاء وحده هو دون سائر الناس، ولحضور عروض ترفيه دون أن يتكلف الازدحام بين الدهماء. ذلك إلى حين تصبح الأخوة شرطاً من شروط  البقاء".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">أدب وفن العزلة </span></strong></p>
<p dir="rtl">لا يمكن للأدب كما الفن أن يبقى غافلا عن معالجة هذه الظاهرة المتعددة والمتنوعة والمشتركة في آن بين الشعوب كلها. بل تقاذفت المشاهد الثقافية في العالم بهذه التيمة في مقاربات متعددة لعل أهمها وأطرفها رواية "الحمامة" لزوسكيند وفيلم "اهتزاز طوكيو". <br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img fetchpriority="high" decoding="async" alt="من الفيلم" height="533" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/FB_IMG_1586699038644-1.jpg" width="799"></div>
<p dir="rtl">
<strong><span style="color:#ff0066">اهتزاز طوكيو سينما الهيكيكوموري</span></strong></p>
<p dir="rtl">ظهر سنة 2008 فيلم مرعب عن اليابان بعنوان "طوكيو" متكون من ثلاث أفلام قصيرة بثلاثة مخرجين تعالج الخوف في اليابان منها فيلم "اهتزاز طوكيو" shaking Toky الذي يدور حول العزلة من رهاب الناس والزحام. يختار بطل الفيلم أن يقاطع العالم برمته ويبدأ الفيلم من لحظة يكون فيها البطل قد قضى عشرة سنوات في شقته لم يغادرها أبداً محاطاً بالكتب ومنشغلاً بترتيب علب البيتزا التي يطلبها عبر الهاتف الثابت، صلته الوحيدة بالعالم الخارجي، لم يكن البطل يشغل حتى التلفزيون وينشغل طوال الوقت بالقراءة وترتيب علب البيتزا الفارغة. هذا السلوك الانعزالي معروف باليابان بهيكيكوموري وهو مرض اجتماعي ونفسي ظهر في الثمانينات وتفاقم في التسعينات من القرن العشرين أثناء الأزمة الأقتصادية يعاني منه أكثر من مليون مواطن ياباني. يعرف المرض بالانسحاب الاجتماعي.</p>
<p dir="rtl">يستعين بطل الفيلم بخدمات التوصيل للبيت يفتح الباب يتسلم أنابيب الكرتون أو ورق التواليت أو البيتزا التي يطلبها كل سبت ويسلم النقود لعامل التوصيل دون النظر في وجهه. ظل على هذه الحال عشر سنوات إلى أن طرقت يوما باب شقته فتاة جميلة Yū Aoi جعلته يرفع رأسه وينظر في عينيها على غير العادة. لم تكن الفتاة تتكلم فقط تقدم له البيتزا وترحل. وفي احدى المرات وهي تسلمه البيتزا على الباب ضرب زلزال المدينة فسقطت الشابة عنده في البيت مما أدهل عليه ارتباك كبير فأول مرة يقتحم عزلته كائن متحرك غيره فلم يستطع أن يفعل شيئاً غير السقوط بدوره ذعراً من ذلك الجسم الجميل. سقوط هيكيكوموري على الأرضية تزامن مع سقوطه في الحب. وبعد أن تغادره الفتاة التي تكون أشبه بروبو، تختفي ولم يعد يأتيه إلا رجل توصيل جديد بينما الانعزالي ينتظر بلهفة عودة الفتاة إليه. فقد صار في الخارج أمر يهمه بعد عشر سنوات من العزلة. فيقرر في لحظة أن ينهي كل شيء ويخرج بشكل مؤلم نحو العالم الخارجي بحثا عن فتاته الغامضة فينتزع بصعوبة دراجته الهوائية التي تركها بالحديقة منذ سنوات ليهاجم الطريق نحو المدينة التي تغيرت بالكامل. </p>
<p dir="rtl">إن الفيلم السوريالي الذي لا يتجاوز طوله نصف الساعة استطاع أن يقدم بذكاء كبير وطأة الاعتزال والعيش وحيداً وكيف يتعاظم الخوف داخله من كل غريب وخارجي ولكنه يعلن أن العواطف الانسانية والروح هي التي يمكن أن تنقذ الإنسان من هذه الحياة المميتة بعيداً عن الآخر، فالآخر سيظل ذلك المنقذ لنا من سواد أنفسنا مهما تشوهت صورته وأنه لا الزحام ولا الصخب بالجحيم بل الجحيم في الصمت والفراغ.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">عالم باتريك زوسكيند الانعزالي</span></strong></p>
<p dir="rtl">لا نكاد نعرف شيئا عن حياة الكاتب الألماني باتريك زوسكيند ( 1949) الذي اختار العزلة بعيداً عن الأضواء، منذ سنوات خاصة بعد نجاح روايته العطر حتى أننا لا نكاد نعثر له على صور، فقط صورة يتيمة يتداولها الإعلام. يرفض الكاتب أن يدلي بتصريحات وحوارات في نية واضحة للتخفي ويكسب شهرته من الفعل المضاد الظهور. يقول زوسكيند في مديح العزلة وهجاء الخارج : "سبب تعاسة الإنسان يكمن في أنه لا يريد الركون إلى حجرته حيث يجب أن يكون"، ويضيف "ما عاد يجوز أن يختلط المرء بأي إنسان، كائناً من كان، في أيامنا هذه، فالعالم يعج بالقمامة".</p>
<p dir="rtl">لكن الغريب أن هذا السلوك يمكن أن نقرأ به منتجه الإبداعي حيث يمثل موضوع الوحدة والعزلة من المواضيع الأساسية في مدونته. ففي قصته "حكاية السيد زومر" يتطرق إلى قساوة الوحدة من خلال شخصية السيد زومر المريض برهاب الأماكن المغلقة أو الـ"كلاوسترفوبيا" مما يدفعه أن يقضي يومه يمشي في الطرق هائماً على وجهه، تلك العذابات اللامرئية للمرضى بهذا المرض تدفع بهم في غالب الأحيان إذا ما استفحل بهم إلى الانتحار مثلما فعل السيد زومر الذي أغرق نفسه في البحيرة . </p>
<p dir="rtl">أما "ثلاث حكايات، وملاحظة تأملية" فيتناول في إحداها " فقدان الذاكرة الأدبية" الوحدة من زاوية البياض وفقدان الذاكرة، تلك الذاكرة التي تجعلنا في تواصل، لا مع العالم القائم على المواضعات بل مع أنفسنا أصلا، ومن ثم فنحن ننغلق حتى على ذواتنا بانسداد شرايين الذاكرة التي تحملنا إلى الماضي الشخصي لنا.</p>
<p dir="rtl">أما في رواية القصيرة "الحمامة" فهي ذروة معالجة هذه التيمة حيث يختار جوناثان نويل، بطل الرواية، أن ينعزل في بيته بعيداً عن الناس أثناء الحرب العالمية الثانية، حتى توطدت علاقته بشقته الصغيرة التي أصبحت كل عالمه وهو ينسحب من العالم الخارجي بشكل غريب فحيث "ظلت حصنه المنيع، ملجأه، حبيبته. نعم حبيبته، فقد كانت صومعته الصغيرة تحيط به رقيقة إذا عاد مساء إلى البيت، تدفئه وتحميه، تغذيه روحا وجسدا، ترعاه إذا احتاجها ولا تهجره قط. ... بقي جوناثان وفيا لحبيبته حتى أنه نوى أن يشد عرى العلاقة بينهما أكثر فأكثر. نوى الإرتباط بها إلى الأبد بأن يشتريها. وبهذا ستصبح أخيراً ملكه، ولن يفصل بينهما شيء قي العالم، هو جوناثان وغرفته الحبيبة، حتى يفرق بينهما الموت، هكذا كانت الأحوال عندما ألمت به في آب، صبيحة يوم الجمعة، فجيعة الحمامة". </p>
<p dir="rtl">هذا الارتباط العاطفي الذي جمع جوناثان بشقته الصغيرة كما وصفه الرواي تحول إلى ارتباط شبقي قبل أن يهجم عليه الخوف. فلحظة أراد أن يخرج من تلك الشقة وجد أمامه حمامة على عتبة الباب وسقط في الرعب من ذلك الطائر البشع كما وصفه ذو المخالب الحمراء وتحول جوناثان إلى أسير لا يستطيع مغادرة شقته الصغيرة المعلقة وانقلبت العزلة اللذيذة إلى معتقل مرعب. </p>
<p dir="rtl">يذكرنا فيروس كورونا، اليوم، ونحن محاصرون في بيوتنا بهذه الحمامة فالفيروس، أيضا، ينتظر الناس خارج بيوتها التي هرعوا إليها في البداية مستبشرين ثم ضاقت بهم. والفيروس من ناحية عدو غير مرئي ومجرد فيروس كان الإنسان قد تغلب على آلاف من الفيروسات مثله سابقا ومن ناحية أخرى هو مخيف لأن هذا الإنسان مازال أمامه عاجزا ويحصي قتلاه كل يوم بالآلاف ولم يتوصل بعد إلى دواء أو لقاح له، هكذا هو الفيروس هش كحمامة ولكنه مخيف لأنه بمخالب دموية.  </p>
<p dir="rtl">غير بعيد عن تلك الشخصيات الانعزالية في أعمال زوسكيند يقف جون باتيست غرونوي في مخبئه يستنشق رائحة جسد ضحيته الأولى ويرسم طريقا للحب والعطر والموت بعيدا عن عالم الناس؛ عالم الجلود النتنة. </p>
<p dir="rtl">ولئن ذهب تشارلز بوكوفسكي يهجو الخارج قائلا: "لا شيء في الخارج سوى مصنع للحماقة، واختلاط الحمقى بالحمقى، هذا كل ما في الأمر" فأقوى الرجال بالنسبة إليه هم الأكثر عزلة. فإن بتريك زوسكيند يراه معادلا للموت والتعاسة ويجب أن نتوارى بعيدا عن الخلق ونرسم حياتنا البديلة ففي الخارج الزمبي ينتظرون كل من يخرج إليهم ليمزقوه كما مزقوا جون باتيست غرونوي في آخر رواية "العطر". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">فرناندو بيسوا عزلة المتعدد</span></strong></p>
<p dir="rtl">انسحب فرناندو بيسوا من العالم تدريجيا بعد أن أصبح متعدداً، أنشأ بمخيلته شعبا كاملا من نفسه المتشظية حتى أنه كان يكتب بأكثر من سبعين اسما، لم تكن بعض تلك الأسماء استعارية وما نسميه بالأسماء الفنية بل كان هو نفسه بيسوا الذي غرق في الوحدة والتوحد مع ذاته. أصبحت الذات كثيفة حتى غطت العالم وحجبته. </p>
<p dir="rtl">إن الانسحاب التدريجي من العالم عند بييسوا أصله أكبر من احساس خيبة في الآخرين إنما أصله تلك الكثافة السوداء التي تحولت إليها الذات عندما أصبحت تعيش حالة ما بعد الهشاشة، يكتب في يومياته: "أشعر ببرد الروح، لا أعرف كيف أحمي ذاتي ولا يوجد غطاء ولا رداء لتدفئة الروح." هكذا يردد بيسوا كلمة الروح بعد أن تحول الجسد إلي شيء غير مرئي وضاق الفضاء بكثافة هذه الروح. وهكذا يصبح كل ما هو يومي وطبيعي أمراً ساذجاً وتافهاً وأصبح التواصل مع الآخرين مستحيلاً. يكتب: "لا أكلم الآخرين. إنه لأمر شاق في الواقع أن أكون موجودا كل يوم في البيت في ساعة البلاهة وأن أتسلى بهذه البلاهة مع شاي الابتذال وكعكات الرضا". ويؤكد تلك الوحدة التي دعته وهو مع الناس والأصدقاء والحشود فيقول: "يضايقني فراغ مطلق من أخوة ومودة. حتى الذين يوجدون بالقرب مني غير موجودين.. أنا اليوم أكثر وحدة مما كنت. معزولا أكثر مما كنت. شيئاً فشيئاً تتفكك كل روابطي تلقائياً. عما قريب سأبقى وحيداً تماماً". </p>
<p dir="rtl">غير أن وحدة فرناندو بيسوا وحدة مخصوصة فذاته الكثيفة تستحوذ على الآخرين وتبتلعهم لكي يعيشوا داخله وليس معهم يقول في كتابه: لست ذا شأن: "العيش مع الآخرين، بالنسبة إلي، هو العذاب. كل الآخرين موجودين داخلي، حتى لو كنت بعيدا عنهم، أنا مضطر للعيش معهم. وحدي، تطوقني الحشود. لا أعرف إلى أين أهرب، على الأقل لأهرب من نفسي أنا".</p>
<p dir="rtl"> كانت حياة بيسوا كلها من مرضه إلى جنونه تذهب به إلى ذلك المصير الذي يصبح فيه العقل مشوشاً وأكثر تسلطاً على الكائن والكون. تلك اللحظة التي قادت نيتشه إلى الجنون وإلى العزلة وإلى تلك الصورة المؤلمة إلى تظهر فيها يرمي برأسه في صدر أخته إيزابيل متكورا كجنين هش بشارب ضخم. </p>
<p dir="rtl">ولئن كانت العزلة قد قادت بيسوا وغيره إلى الجنون والتلاشي فإن العزلة قادت الفنانة المكسيسية فريدا كاهلو إلى كسب ذاتها واكتشاف عبقريتها الكامنة وراء جسدها المشوه. فقد حولت يد صاحبة الساق الرقيقة المشوهة إلى أعظم رسامة في القرن العشرين ولم يكن حادث السير الذي حطم العمود الفقري لفريدا كاهلو والذي جعلها ترقد على ظهرها شهوراً في عزلتها كله شر. كانت تلك الرقدة المؤلمة سبباً في مسيرة فنية عظيمة لحظة طلبت الفرشاة والألوان وعلقت المرآة في السقف لتطل عليها ذاتها وتبدأ رحلة رسم البورتريهات الشخصية. كان التأمل في الذات تخلصا من الآخر كموضوع اهتمام وإعادة نظر في المواضعات الاجتماعية. </p>
<p dir="rtl">فهل سيقودنا هذا العزل القسري اليوم إلى الجنون لأننا فقدنا الآخرين أم سيجعلنا نكتشف ذواتنا وطاقتنا الحقيقية لأننا تخلصنا من هؤلاء الآخرين؟ هل ستخلق منا العزلة بيسوا أم فريدا كاهلو؟ </p>
<p>*<span style="color:#7f8c8d">الاعتفاد: ورد في لسان العرب لابن منظور:"الاعتفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه فلا يسأل أحداً حتى يموت جوعاً، وقال محمد ابن أنس: وكانوا إذا اشتد بهم الجوع وخافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم باباً وجعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعاً."</span></p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20041">العزلة أو سلاماً أخي الهيكيكوموري</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في التأويل البصري للعزلة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20039</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 15 Apr 2020 11:01:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[العزلة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%88%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%84%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>مزج أول: الجسد ومسامه جلودنا ليست محصنة حتى في هذه العزلة، فنحن لا نملك التحكم في مسامنا متى أردنا، حتى وإن أفرط العقل الحداثي في هذا الإدعاء، باسم الطب والقانون والتقانة (التكنولوجيا)، وغيرها. والآن بجانب كل هؤلاء تترسب الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها الخطابية والأدائية و-حتى- العسكرية على/في مسامنا، ليصبح الامتحان الأساسي لأجسادنا ومسامنا ليس فقط [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20039">في التأويل البصري للعزلة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">مزج أول: الجسد ومسامه</span></strong></p>
<p dir="rtl">جلودنا ليست محصنة حتى في هذه العزلة، فنحن لا نملك التحكم في مسامنا متى أردنا، حتى وإن أفرط العقل الحداثي في هذا الإدعاء، باسم الطب والقانون والتقانة (التكنولوجيا)، وغيرها. والآن بجانب كل هؤلاء تترسب الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها الخطابية والأدائية و-حتى- العسكرية على/في مسامنا، ليصبح الامتحان الأساسي لأجسادنا ومسامنا ليس فقط مقدار نفاذيتها الإرادية و/أو القهرية، وقدرتنا التأويلية على حوار تلك النفاذية، لكن الأهم استبطان تلك الدولة داخل أجسادنا وليس خارجها، وتلبسها كجسد آخر لنا، ولكنه جسدٌ قمعي، يأمر فنطيع، يحدد لنا مساحاتنا ومسافاتنا وأشكال علاقاتنا..</p>
<p dir="rtl">صحيح أن جلودنا مراتٍ تتواطأ ضدنا مع كل ما قد يود اختراقها (اختراقنا) لداخلنا، حاملًا رسائله ومعانيه وسمومه، إلا أن فكرة "كيف نمنع ما قد يدخل من خلال مسامنا؟" تستبطن سؤالًا أكثر واقعية وعجزًا: "كيف ندخل نحن من خلالها إلينا؟"</p>
<p dir="rtl">فيروس الكورونا هو الامتحان الأكثر كثافةً وثقلًا على أجسادنا ومسامنا، إلا أن عزلتنا هي مساحة التأويل الجسدي لنا، ولتلك المسافات البين جسدية، والبين تأويلية، ولكل ما سبق؛ سواءً ما أُدخل قهرًا، وما لنا أن ندخله و/أو نخرجه بإرادتنا.</p>
<p dir="rtl">يدفعنا هذا الامتحان الكثيف لمفهوم وأهمية أجسادنا الفردية والجمعية ومسامها ونفاذيتها إلى الحفر قليلًا في مكانة الجسد الاجتماعية والفردية، والتي لا تمتحن فعليًا إلا في سياق حتمية موت هذا الجسد، وهي الحتمية التي تساوي في حالة كورونا بين أطراف العلاقة الثلاثية الجسد والبيت والمدينة.</p>
<p dir="rtl">ولنبدأ بالجسد، أو بالموت...</p>
<p dir="rtl">الموت هو اللحظة الوجودية الأساسية الأولى التي تنبثق منها فكرة الحياة بالأساس، (نذكر هنا أن بعث الحياة من العدم/الموت كان التحدي الأساس للألوهة في المتخيل الديني التوحيدي والدال المتجاوز الوحيد على النبوة). الموت هو تحدي المحسوس الأول للإنسان، وهو الجسد، والجسد هو تمظهر الذات وتجسدها في علاقتها بالعالم وتماسها مع الظواهر فيه. في الواقع لا يمكننا فهم أهمية الجسد إلا من خلال عدسة واحدة هي حتمية الموت/موته. (الدولة الحديثة هي التمثيل المباشر لهذا الفهم).</p>
<p dir="rtl">"الجسد عقلك الكبير، وهذا العقل الصغير الذي نسميه وعيًا ليس سوى أداة صغيرة ولعبة في يد عقلك الكبير. يمكن خلق أفكارك وأحاديثك لكائن أكثر نفوذًا، حكيم مجهول يسكنك: إنه جسدك. "هكذا تكلم زرادشت".</p>
<p dir="rtl">فلنمد أصابع وعينا إلى أجسادنا، ولنتحسس أجسادنا من الجهة الداخلية لجلودنا ومساماتنا، ولنتأمل العالم من تلك الجهة، لنتوقف على عتبة إحدى المسامات: أين تبدأ وأين تنتهي؟ ماذا نرى؟</p>
<p dir="rtl">غرفتنا عزلتنا.</p>
<p dir="rtl">عرينا رؤيتنا.</p>
<p dir="rtl">"في العزلة والحجر أعدت اكتشاف جسدي وبيتي"</p>
<p dir="rtl">لعل تأملات متتالية لأعمال الفنانة الراحلة فخر النساء زيد (1901 – 1991)، تعطينا تلك النافذة، لاعادة اكتشاف مشهد البيت الجسد من على عتبة المسام: في اللعبة البصرية، يتمركز الجسد والبيت على تقابل ندي، على أطراف العزلة، عزلة العين القارئة:</p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/فخر-النساء-1-2.jpg" width="873"></div>
<p dir="rtl">
الجسد والبيت يجمعهما قاسم مشترك؛ نميل لأن نتعامل معهما على أنهما مسلّمات باقية ببقاء وجودنا، أو هكذا تبدأ العلاقة مع أجسادنا ومنازلنا، ما أن نحلّ فيهما (آدم أكمل اكتشاف وامتحان جسده القريب من جسد الله في شرطية الخلود واستحقاق السجود من خلال الخطيئة الأولى في نفس اللحظة التي اكتشف فيها الأبعاد الاستعارية والفكرية لبيته الأول؛ وأعني الجنة وبقاءه فيها المشروط بالطاعة العمياء. في المقابل فإن عدم القدرة على تحديد ماهية الجنة واستمرار كونها لعبة مجاز واستعارة وكلام، هو جزء من عدم تحديد شكلانية - ولو خطابية/لغوية لجسد الله.</p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/فخر-النساء-2-2.jpg" width="1170"></div>
<p dir="rtl">
وجودنا في أجسادنا/مسلماتنا الوجودية الأولى هو وجود مستقر، أو هكذا يقدم نفسه لنا ذلك/ذاك الوجود، إلى أن يخذلنا بموت أو مرض أو شيخوخة أو جرح (وتلك مختلفة عن القابلية الحداثية للانجراح). الأمر ذاته ينطبق على المنزل/البيت والذي تبدأ علاقتنا معه بأننا لا نخرج منه إلا في ظرف إضطراري كحريق أو حرب أو نزاع أو أزمة اقتصادية، تتهدده وتتهددنا.</p>
<p dir="rtl">لعل هذا ما يتضح جليًا في رسومات الأطفال لمنازلهم، بأنها أجساد بأعين وآذان وألسنة، وأحيانًا أطراف.</p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/فخر-النساء-3-2.jpg" width="990"></div>
<p> </p>
<p dir="rtl">ما يتهدد أجسادنا من فيروس يتهدد منازلنا التي هي بمثابة جلد أجسادنا الثاني (وليس الطبقة الثانية من جلودنا، ذلك أمرٌ آخر!) . فلأجسادنا جلدان، جلد على العالم الخارجي، في الـ"هناك" البعيد القريب، حيث يتماس "الآخر" والعالم مع سطحه، فنعرف به ذواتنا وحدوده، وجلد على ذواتنا يطل في الـ"هنا"، هو الوجه القريب للمسافة البعيدة التي تهجس فيها أرواحنا بما يضج فيها وبها، هي المسافة الرمزية للأنا؛ فيها -مثلًا- يرتع "اسمنا" بما يحمل لنا من خارجنا إلى داخلنا والعكس، هناك تتراتب أسئلتنا الوجودية في مقاعدها بوجاهة طفل، وفوهتها إلينا، وإن أخطأت إلى الـ"هناك".</p>
<p dir="rtl">لبيوتنا أيضًا مسامها وجلودها، فهي أجسادنا الحية. لنتأمل بيوتنا من داخلها، ولنعيد اكتشافها وحوارها، من نسمح له بولوجها وكيف، ومن نرفضه ولمَّ، ما الطاقة الاستعارية لبيوتنا وماذا تقول عنًا، نوافذها شرفاتها، تقسيماتها الداخلية.</p>
<p dir="rtl">"بيتي يقع خارج عمّان، موليًا وجهه دومًا للمطار، يالتواطؤ المجاز!"</p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/فخر-النساء-4-2.jpg" width="737"></div>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">مزجٌ ثانٍ: العزلة والمدينة والفراغ وحركة أجسادنا</span></strong></p>
<p dir="rtl">"المدن لا تُعاش إلّا إذا كانت في حاجةٍ إلى تأليف حكايةٍ عنها، أو كانت هي في حاجةٍ إليك لتكمل حكايتها معك"، هكذا تكلم الناقد العراقي ياسين النصير، الذي يضيف: "استثمر ديستوفسكي وغوغول وبوشكين ومالدشتام خراب وتخلّف شارع النيفيسكي في بطرسبورغ، كما استثمر ديكنز خراب المدينة الأوروبيّة".</p>
<p dir="rtl">هل العزل والحجر أعاد إلينا مدننا بشكلٍ ما أو بآخر، أم أنه منحنا الفرصة لإعادة الكتابة عنها؟</p>
<p dir="rtl">جسد ومكان وحركة ونص، تلك هي مكونات العلاقة -علاقتنا- مع مدننا.</p>
<p dir="rtl">يؤكد الفيلسوف الفرنسي صاحب كتاب حول الفراغ إيتيان كلاين أن انطباع الفراغ المديني له "أثر تغييري كامل. هذه الأماكن لا تزال هي نفسها لكن لم نعد نتعرف عليها فالحضور البشري جزء منها (...) وعندما تفرغ يخلف ذلك انطباعًا بأنها منقوصة فطبيعتها الفعلية تحوينا نحن البشر".</p>
<p dir="rtl"> أليس فراغ المدن يحوينا أيضًا؟ أوليس الفراغ هنا هو جزء من سيرورة المدينة وتاريخها، وذاكرة أهلها، بل بات شكلًا من أشكال الممارسة المكانية والمدينية والاجتماعية (مع مراعاة الفارق بين التباعد الاجتماعي والتباعد الجسدي).</p>
<p dir="rtl">فالفراغ (وحواره) هنا أشبه بمكاشفة بنية متخيل بشري جمعي وكيف تشكَّل، عن المدن باعتبارها حكايتنا البشرية الباقية. فراغ تلك المدن ما هو إلا سعي لقراءة تاريخها وتاريخنا من منطلق قامت هي لتقضي عليه: القلق والخوف.</p>
<p dir="rtl">بلاغة هذا الفراغ/مدننا لم تعد مسألة صياغة خطابية.</p>
<p dir="rtl">وذلك المتخيل له أكثر من مواجهة مع الفراغ، فهل استجابتنا للعزل تنبع من فردية كل فردٍ منّا، وحينها يمكننا أن نتسائل عن المسافة الهوياتية والقانونية والفكرية بين الفرد والمواطن، والفرد والمجتمع. أم أن المجتمع واعٍ في ذاته، وهنا يبزغ التساؤل ما تعريف المجتمع، وأين حدوده، وهل سياسات الحظر والحجر واستجابتنا لها هي سياسات ترسيم حدود تعريفية متبادلة وفي نفس الوقت سلطوية؟ </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">ميشيل فوكو ونعيُ الفراغ</span></strong></p>
<p dir="rtl">ذلك ما يمكن مقاربته عند ميشيل فوكو «1926-1984». عزيزٌ هو مفهوم الانفصال ونحن بصدد الفراغ.</p>
<p dir="rtl">الانفصال ليس أكثر من أخذ الفراغ وما فيه من تقاطعات وتوترات واختلالات وانزياحات حيث لا يعود يُنظَر في التاريخ كخطاطة، ومن زاوية ثابتة، وقيمة كلية، أو فردانية مجردة، وتبعاً لذلك نجد أنه من بين النتائج اللافتة في ذلك هو (أن مفهوم الانفصال أصبح يحتل مكانة كبرى في فروع المعرفة التاريخية..)، بلغة أبسط نستعيرها من ريتشارد سينيت: "المدينة هي تجمع للغرباء"، أمّا الفراغ فهو أٌلفتهم/ن!</p>
<p dir="rtl"> دونًا عن كل أعماله عن المدن الفرنية وساحاتها الصاخبة، أثارتني مجموعة لوحات بعنوان "مرسم في البندقية" للفنان الفرنسي راؤول دوفي (1877 – 1953)، وتساءلت ما سر هذا التحول بين رسم المدينة من داخل فضاءاتها المتحركة كجزء من جسدها، ورسمها بعين المراقب، أي نوعٍ من الانفصال هذا، وما خطورة الفراغ المتولد منه؟ <br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="738" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/s-l1600-1.jpg" width="871"></div>
<p dir="rtl">
يقول إيتيان كلاين إن هذه الفراغات المدينية "ليست فارغة بل أفرغت. نقول إنها فارغة لأنها تبدو كأنها خارجة من غرضها الأساسي لكنها في الواقع هي مليئة بأشياء أخرى لا نراها كثيراً عندما تكون مليئة".</p>
<p dir="rtl">تلك السردية الجديدة للمدن لم تدرس بالشكل الكافي بما يدفعنا للتنبؤ بصيرورة المدينة وما قد تصل إليه بعد هذه الأزمة. هذه الأسطر لا تدعي أنها قادرة على فعل ذلك، لكنها تنادي بالتأمل في أجسادنا وعزلتنا ومدننا، والأهم فراغنا، وحركتنا بين كل هؤلاء.</p>
<p dir="rtl">فإذا كانت العلاقات الجسدية بالمدينة صُنفت ضمن ثنائيات جدباء بكل تحولاتها؛ الندية، التقابلية والتعددية والواحدية فيما بينها، كبداوة ومدنية، أو استقرار وارتحال أو جبل وسهل أو نهر وبحر، أو عاصمة وغير عاصمة، أو مدينة وقرية أو غيرها، فحركة أجسادنا باتت مركبة، بما لا يجيب على سؤال الحظر والحجر بإجاباتٍ معلبة ضمن ثنائيات (فينومينولوجية) على شاكلة: حرية و"لاحرية" أو حتى "حرية زائفة" (وتلك مقاربة عدمية في ذاتها، ناهيكم/ن عن لا موضوعيتها في فضاء مدينة/جسد مركب ومتشابك)، فنحن لم نعد مدنيين بالقدر الذي يلغي بداوتنا في مدننا، ونحن أيضًا لسنا غجرًا نطفو على سطح المدينة والمكان، ومنها إلى غيرها، ولسنا سجناء أمر اعتقال منزلي، والشاهد تنامي احترامات بعضنا لمؤسسات الدولة التي تواجه الوباء بشكلٍ أفضل.</p>
<p dir="rtl">كل تلك المقاربات للجسد والحركة الفردية والجمعية المكانية والمدينية، كأحداث وسيرورات، بما فيها من مقولات سياسية وفكرية ومادية، لم تعد مفهومة ضمنًا وممارسة بشكلها الحر إلا انتزاعًا، وهو ما يجعل سؤال الدولة وإن استقوى بمواجهة الفيروس/الوباء أضعف مما كان عليه قبله، وذلك في مواجهة الجسد والحركة كمقولات وسيرورات وليس فقط أحداث. </p>
<p dir="rtl">ثمة سردية ما مقبلة لمدننا وأجسادنا لا يكفي أن نتأملها من مراسمنا المتعالية، كالسيدة في اللوحة!</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">مزج ثالث: في تأويل الصمت أو رحلة مع غويا</span></strong></p>
<p dir="rtl">أول العزلة الصمت، هكذا تتلمس الحواس أول عزلتها!</p>
<p dir="rtl">هل هذا صحيح؟</p>
<p dir="rtl">الدولة/المجتمع/الطب/القانون/المدينة</p>
<p dir="rtl">لعل الرابط الأساس المشترك والعابر بين تلك البنى في الحداثة هو "التواصل"، فالميزة الأساسيّة والتجلي المركزي للحداثة هو التواصل، والتواصل بوفرة. ما يجعل اتفاق كامل تلك البنى الخمسة على جسدنا/أجسادنا في العزلة والحجر والحظر، يتضمن أيضًا إعلاءً من قيمة التواصل، باعتبارها قيمة مركزية؛ بشكلٍ أدق: الحداثة هي موطن الضجيج.</p>
<p dir="rtl">يصبح التساؤل هنا مشروعًا: هل الصمت شكلٌ من أشكال العزلة -الحداثية- أم عدوٌ لها؟</p>
<p dir="rtl">يشير علينا مارشال ماكلوهان أن المضمون التواصلي في شقه التفسيري؛ الكلمة (والصوت جزء منها)، بتنا نفهمه أقل فأقل، بالنظر إلى الوسيط التواصلي الوفير حولنا. فالكلمة التي تدعي وسائل التواصل تحريرها تصير غير ذات دلالة من كثرة انغماسها في الوفرة، لتسود كآبة (ما) الكائن التواصلي، المضطر على الدوام لاستعادة رسالة ما من دون أي أثر. فالتواصل كلما امتد ولّد نزوعًا مقاومًا إلى الصمت، لسماع أصوات الأشياء الصغيرة في عالمنا.</p>
<p dir="rtl">لقد عبر كافكا عن ذلك حين قال: "الآن تتوفر حوريات البحر على سلاح أكثر تأثيرًا من نشيدها/ إنه صمتها".</p>
<p dir="rtl">بحسب الأسطورة الأوروبية القديمة Gaelic Myth كانت الحرب والمجاعة، والقدرة على تسجيل/تثبيت/إماتة الصوت والاحتفاظ به، قدرات خاصة بالآلهة. يقول هتلر في "دليل عمل الإذاعة الألمانية" عام 1938: "لولا الصوت العالي، لما تمكنّا من السيطرة على ألمانيا".</p>
<p dir="rtl">في التواصل وأيديولوجيته المعاصرة، ليس ثمة مكان للصمت، أو كما يقول هوبزباوم: "الصمت عدو الحداثة". ثمة إكراه على الكلام وتبادلاته، فالتواصل الحداثي يقدم نفسه باعتباره الحل لكل الصعاب الشخصية والاجتماعية.</p>
<p dir="rtl">الصمت غياب الصوت، احساس ونمطٌ للمعنى، يحيل إلى موقف تبادلي وتأويلي للإنسان وعالمه وذاته. إلا أن المتخيلات الاجتماعية تعاني ازدواجية تجاهه، فهو يعري منظومة قمعها وسلطتها. </p>
<p dir="rtl">الصمت مساحة ديموقراطية من التلاقي، لا تحرم المعنى من فضاءاته، بل تمنحه مساحتها الأثيرة مستحيلة الرتق، ومن هنا، وياللمفارقة: "لا يمكننا تصوّر عالم لا توجد فيه إلا اللغة، لكن يمكننا تصوّر عالم لا يوجد فيه غير الصمت". (ماكس بيكار) .</p>
<p dir="rtl">في جسد الصمت لا نقع ضحية استحواذات الصوت الجندرية، لا يطل علينا بولس ليقول في العهد الجديد: "على المرأة خلال التربية أن تلزم الصمت بكل خنوع"، في جسد الصمت تحت جلودنا/مسامنا، تضيق الفكرة وتتذوت بعد أن تخرج من مسامنا بالكلام (بلانشو).</p>
<p dir="rtl">الصمت ليس هو الفراغ، إنما الفراغ أحد تأويلات الصمت.</p>
<p dir="rtl">فقد الرسام الإسباني فرانشيسكو غويا (1746 – 1828) السمع عام 1792، أي أنه عاش من عمره 46 عامًا "متواصلًا" بالمنطق الحداثي، ومن ثمَّ دخل إلى عزلة الصمت، وهو ما ترك أثرًا بليغًا على أعماله. وهنا لنا أن نتأمل الصمت/الخرس كمساحة تأويلية ومكانية، ينتقل فيها المضمون الصوتي (العدم) إلى الحركة البصرية.</p>
<p dir="rtl">في أعمال غويا نجد أن الصمت (الصوتي=المكاني) في اللوحة ليس الدليل على الوحدة إنما التعدد، وهو حادث بها، كما أنه عنصر مكاني أساسي، يمكن تتبعه بصريًا. أو بوصف آخر هو نص صوتي للعمل، لم ينجُ هو -غويا- منه. </p>
<p dir="rtl">في عمليَه الفذين "مجرم يطعن إمرأة" (1793)، و"النار" (1793) كذلك، يتضح الصمت/الصوت مكانًا بصريًا وعنصرًا فنيًا. (ترعبني فكرة تخيل كيف استمع غويا لمتخيلاته البصرية بشأن تلك اللأعمال!، وكذلك التساؤل: أيُ صوت ينّز من تلك اللوحات وما علاقته مع غويا وبنا، وهل يقتل الصوت صاحبه كما تفعل الكلمة؟)</p>
<p dir="rtl">الصمت ليس رديف الوحدة، إنما منطلق التعدد، وقلق الإنسان الحديث من الصمت أعمى بصيره على أصوات الأرض والطبيعة والأشياء الصغيرة حوله وفيه. الصمت انفتاحنا، وليس انغلاقنا.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="800" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/francisco_goya_fire_night-1.jpg" width="596"></div>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="800" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/bandit-1.jpg" width="604"></div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20039">في التأويل البصري للعزلة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-08-22 20:41:26 by W3 Total Cache
-->