<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>فلسفة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/فلسفة</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 24 May 2025 10:40:48 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>فلسفة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/فلسفة</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الفن في زمن الحرب: نحو جمالية معاصرة للخراب</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34055</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وسام جبران]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 28 Nov 2024 08:08:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[فلسفة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34055</guid>

					<description><![CDATA[<p>في أوقات الحرب، كتب هيرمان هِسِّهْ (سبتمبر 1914) عن كيفية تدمير الحرب لأسس التراث الثقافي الثمين في أوروبا، وبالتالي مستقبل الحضارة نفسها.  يمثل هِسِّهْ ما يسميه نهجًا "فوق وطني" (Supranational) من الثقافة الإنسانية، والذي تنبع منه أفكار إنسانية بحتة، وإيمان بجمالية فنية تتجاوز الحدود الوطنية.  حتى في خضم الحرب، يؤكد هِسِّهْ أنه يجب على الألماني [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34055">الفن في زمن الحرب: نحو جمالية معاصرة للخراب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في أوقات الحرب، كتب هيرمان هِسِّهْ (سبتمبر 1914) عن كيفية تدمير الحرب لأسس التراث الثقافي الثمين في أوروبا، وبالتالي مستقبل الحضارة نفسها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يمثل هِسِّهْ ما يسميه نهجًا "فوق وطني" (Supranational) من الثقافة الإنسانية، والذي تنبع منه أفكار إنسانية بحتة، وإيمان بجمالية فنية تتجاوز الحدود الوطنية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">حتى في خضم الحرب، يؤكد هِسِّهْ أنه يجب على الألماني أن يفضل كتابًا إنجليزيًا جيدًا على كتاب ألماني سيء. بعد ثلاث سنوات، يكتب بطريقة مشابهة إلى أحد وزراء الحكومة، يخبره أنه سيكون قائدًا أكثر إنسانية في هذا الوقت من الصراع لو قرأ "العظماء من المؤلفين" واستمع إلى عبقريات موسيقية من مثل بيتهوفن (1).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في وقت لاحق (1946)، يعلق هِسِّهْ على هذه الكتابات وغيرها من كتاباته المماثلة:</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">" عندما أطلق على (هذه) [الكتابات] صفة "سياسية"، فإنني أضعها دائمًا بين قوسين، إذ ليس هناك ما هو سياسي فيها سوى السياق الذي كُتِبت فيه. بينما في جميع جوانبها الأخرى، هي نقيض السياسة، لأنني في كل واحدة من هذه المقالات سعيت لتوجيه القارئ، لا إلى مسرح العالم بمشكلاته السياسية، بل إلى أعماق كيانه، واضعًا إياه فوق منصة ضميره الشخصي. هنا، أجد نفسي في صراع مع المفكرين السياسيين من جميع الاتجاهات، وسأعترف دائمًا، بلا أمل في التغيير، بوجود مساحاتٍ داخل النفس البشريّة، لا تصل إليها الدوافع والبُنيات السياسية"</span><span style="font-weight: 400;">.(2)</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ثمة تعبير صارم عن تلك الفردانية الروحية، الجذرية، التي كانت تدعم إنسانية هِسِّهْ العالمية بقدر ما تجعلها متشنجة. كذلك، تتجلى النتيجة المترتبة على كلٍّ من الإنسانية والفردانية في التشكيك العميق بالسياسة والسياسيين؛ ثمة خطابٌ سياسيّ نفعيّ لاأخلاقيّ وهدّام، وثمّة خطابٌ ثقافي أخلاقيّ بنّاء. في هذا الفرز الثّنائي العامودي إجحافٌ يُبسّط على حساب الحقيقة الأكثر تعقيدًا، لكن يمكن فهمه وضبطه في سياق مقاربة هِسِّهْ، وهو سياق الحرب، حيث يتعاظم الاستقطاب بين خطاب الحرب السياسي التجييشي من جهة، وخطاب المثقف المستقل الفرداني من جهة ثانية؛ أقول يمكن فهمه، لا الاتفاق معه بالضرورة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كان هِسِّهْ معارضًا بلا هوادة للقومية الوحشية في بلاده منذ حوالي عام 1914 فصاعدًا. دخل في منفى اختياري عام 1919، ولم يعد إلى ألمانيا أبدًا. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1946، لكنه قضى معظم حياته كاتبًا منفيًّا مكافحًا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هل يموت الفن إذًا زمن الحروب؟ هل تنكسر روح الفنان؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في عام 1943، تم حظر كتبه في ألمانيا، مما شكل ضربة شديدة له. يبدأ رسالة شكره لجائزة نوبل بأسباب عدم تمكنه من الحضور شخصيًا: "صعوبات فترة النازية الوطنية، التي دُمِّرت خلالها مُنجزات حياتي في ألمانيا، وأُثْقِلْتُ، يومًا بعد يوم، بواجبات شاقة أدت إلى تدهور صحتي إلى الأبد. ومع ذلك، فإن روحي لم تنكسر..."(3)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في حوارها مع الفنان التشكيلي سمعان خوام،(4) استهلت نور حطيط(5) أسئلتها بسؤال هام: سؤال "موت الفن". فبعد الربيع العربي وتداعياته (بدءًا من 2010)، وبعد ثورة 17 تشرين في لبنان وشعارها "فن الثورة، ثورة على الفن"، وبعد انفجار بيروت الكارثي وما خلفه من دمار وأسئلة كبرى تمّ إسكاتها (قضائيًّا)، يقول سمعان خوام، إن "ما كان قبل ذلك ما عاد ممكنًا، فنيًّا"، وإن "لا من لوحة يمكنها أن تحمل هذا المشهد". إن الفن، من منظور خوام هو فعل لا-عُنفيّ يظلّ عاجزًا أمام هول العنف والانتهاك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ليس الفن في مواجهة العنف فقط، بل هو السؤال "الجويسيّ"، إن صحّ التعبير، حول إمكانية الكتابة عن لحظةٍ يعيشها الفنان هنا والآن، أم إن الفن مُطالبٌ بالخروج من لحظة "الشعور/ الصّدمة/ الانعتاق..." كي يكتب عنها؛ إن لغة الفن، بحسب جويس، هي لغة الماضي والمستقبل، أما الحاضرُ فهو المُعاشُ وحسب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ثمة نبرة هامة ترافق حوار حطيط/ خوام الذي يلخص ويؤسس لمرحلة هامة في تاريخ لبنان الفني الحديث، هي نبرة "التواضع" في التعاطي مع دور الفن، ربما بحكم هول المرحلة وتدحرج الكوارث فيها، لكنها تتخطى "التواضع" بالمعنى الأخلاقي البسيط، نحو "المراهنة على الذات" و"المراهنة على الجماليّ" وسط هذا الخراب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">"رجل العصفور" في حالة سمعان خوام، هو الصورة التي يختزل فيها الفنان الفرد هُويّته، لا انطلاقًا من انتماءاتها الموروثة، بل انطلاقًا من فعل الإبداع الشخصي، المحض شخصي. على ضوء هذه النبرة التي تتخلى عن الشعارات الكبرى، والمراهنات على الآخر الوهمي، لصالح العودة إلى الذات بوصفها وحدة البناء الأصغر، لكن الأكثر وعدًا، في معمارية المجتمعات الإنسانية - على ضوء ذلك ينبغي أن نبحث في خصائص الفن للمرحلة الآتية.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">الشعور بالعجز؛ عجز الفن، اللاعُنفيّ، أمام هول شهده ويشهده لبنان من انتهاك وتدمير وكوارث، يُعيدنا بالزمن إلى السؤال الذي طرحه ألبرت أينشتاين على سجموند فرويد عام 1932، وهو: "هل ثمة وسيلة تنقذ البشرية من كارثة الحرب؟"، وهو سؤال ينبثق عند أينشتاين عن الشعور بالعجز، والبحث، ربما في تجربة وخبرة فرويد التحليليّة، عن إجابةٍ نافعةٍ يُستدَلُّ بها. وبالفعل، جاء ردّ فرويْد ليؤكّد "فكرة العجز" هذه، حين أجاب في مستهلّ ردّه: "لكنّكم فاجأتموني عما يمكن القيام به لدرأ كارثة الحرب عن البشريّة. فأُصبتُ بالرّعب في البدء بفعل انطباعي، وكدت أقول بفعل انطباعنا، بأننا عاجزون عن ذلك...".(6)</span><b><br />
</b></span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>الفن في زمن الحرب: التعدديّة الثقافية والعُدوانيّة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يشير عنوان "الفن في زمن الحرب" إلى اللقاء بين مقولتي الفن والحرب. كذلك، يُشير إلى الطريقة التي أجبرت بها الحروب في القرن الماضي الفنانين والمفكرين على إعادة التفكير في الجمالية - نطاقها، قوتها، ومخاطرها. هناك سؤال أساسي: هل يكون الفن أو الأدب أكثر إقناعًا عندما يتماهى مع "الأخلاق" الإنسانية ويخدمها، أم عندما يميّز نفسه عنها؟ </span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">ثمة أهمية كبيرة للجمالية الإنسانية التي تزداد وضوحًا بالنسبة لفنانين كثر بطريقة لم تتضح في المشاحنات داخل التقليد النقدي الأدبي الإنجليزي في الربع الأخير من القرن العشرين، على سبيل المثال. على نحو أدقّ، فإن النقد الموجه نحو الإنسانية</span> <span style="font-weight: 400;">(Humanism) الذي ساعد في إثارة تلك المشاحنات لم يتعامل بشكل صحيح مع أمثال هيرمان هِسِّهْ، مفضلًا بدلًا من ذلك أهدافًا أكثر سهولة في النقد الأدبي الأكاديمي. للتوضيح، دون إسهاب، فقد كان هيرمان هِسِّهْ، المعروف بموضوعاته الوجودية والإنسانية في أعمالٍ مثل "سيدهارتا" (Siddhartha) و"ذئب السهوب" (Steppenwolf)، يمثل تحديًا للنقد الأدبي التقليدي. فقد وجد النقاد الذين تبنوا الجماليات الإنسانية معنى أعمق وأهمية في استكشاف هِسِّهْ للفردانية والنمو الروحي والأزمات الوجودية.</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الآن، بات من المهم إعادة النظر في حياة وكتابات دعاة الإنسانية الأوروبية العالية أمثال هيرمان هِسِّهْ. وهناك عدة أسباب لذلك، بما في ذلك الحقيقة الواضحة بأن النقاشات حول صلة الثقافة الفنية بالعديد من الصراعات المعاصرة باتت أكثر إلحاحًا وتناقضًا من أي وقت مضى، وبعد حربين عالميتين طاحنتين، وسلسلة أحداث دراماتيكية كبرى في الشرق الأوسط، وهو الذي يهمنا، والذي ما زال عالقًا في مُقارباتٍ أيديولوجية عُنفية مدمّرة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">اخترت هيرمان هِسِّهْ والفضاء الأوروبي كمدخل لأتساءل عن الدور الثقافي والجمالي فوق الوطني، إن وجد، الذي يلعبه الفنان في خضم الصراعات والحروب. هذا الدور الذي تم "تبنّيه" سياسيًّا في إعادة صياغة أوروبا "فوق وطنية" موحّدة (تدريجيًّا) بعد حربين تهارست فيها النزعات القومية والأيديولوجيات والعصبيات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">نعلم الكثير عن طبيعة التمركز حول الذات واللامبالاة الإنسانية الغربية بالاختلافات الثقافية والعرقية، لا سيما داخل فضاءاتها الاستعمارية. هذه إحدى الأسباب التي تجعل الإنسانية اليقينيّة والاستعلائية في الديمقراطيات الغربية تفسح المجال لأخلاق التعددية الثقافية؛ بالتأكيد، لا يمكن إنكار افتراض وجود تشابهات أساسية، لكنها تأتي في مرتبة ثانوية مقارنة بقبول حذر للاختلاف الثقافي. وهذا هو السبب في أن رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، بينما كان يجوب العالم في أكتوبر 2001 لدعم التحالف ضد الإرهاب، سمح بأن يُعرف أنه خلال رحلاته، كان يقرأ ترجمات للقرآن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هنا، نفتح قوسًا على الفوارق بين رؤية النُّظم الكولونيالية المهيمنة لمفهوم التعدد الثقافي (Cultural Pluralism) وأهداف هذه النُّظم من خلفه وكيفية توظيفه، وبين رؤية الفن وتوظيفاته المتعددة والإبداعية التي أزاحت الدوافع الخبيثة عن مساراتها المرسومة في كثير من الأحيان، وأنتجت فنونًا مناهضة للمنظومة السياسية الاقتصادية المهولة التي تقف خلف كليشيه "التعدد الثقافي".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هنا مربط التقاطع بين ما يُسمى "فوق وطني" وما يُسمى "إنساني"، وهو ما يقف في وجه الرأسمالية التي رأى إليها عدد من المفكرين والأدباء والفنانين بوصفها عدوًّا للإنسانية. على نحو ما، تحتاج الرأسمالية العالمية إلى التعددية الثقافية، بل وتغذيها، وقد حلت محل الإنسانية؛ وفي مستوى آخر، تعزز الإمبريالية الثقافية التي تتسم بقدر أكبر من الغرور مقارنة بالإنسانية، مدعومة بالثقافة الشعبية بدلًا من الثقافة الرفيعة. هذه الإمبريالية الاقتصادية والعسكرية إنما تعمق العُدوانيّة (antagonisms) الثقافية. وهذا يعني أن التعددية الثقافية (أو الهجانة فيما بعد) يمكن أن تتحول بسرعة من كونها تأثيرًا مهدئًا على تلك العُدوانيّة إلى فرصة لتصعيدها وتأزيمها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">قد يزدهر الإرهاب تحت ظلال التعددية الثقافية؛ فبعض أنواع الإرهاب تفترضها التعدّدية ذاتها. مثالًا ليس حصرًا، فإن العُدوانيّة "العالمية"، من النوع الذي تكثف في قضية سلمان رشدي، قد تم طمسها إلى انفجرت مرة أخرى في الحادي عشر من سبتمبر، وبشراسة مروعة. </span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">إن صورة هيسه للإنسانية فوق الوطنية (Supranational humanity) التي تعمل كوحدة فوقية عبر الصراع وفوقه، تحل محلها هنا صورة توحي بوجود كيان تحت الأرض يختبئ منه؛ كيان المجزأين والمشتتين. وثمة وصف لهذه الاتصالات بأنها "ساخرة": ربما، في نظرة إلى الوراء، لم يكن هناك شيء أكثر دلالة على تضاؤل </span><span style="font-weight: 400;">​​</span><span style="font-weight: 400;">الإيمان بالخلاص الإنساني لأوروبا من التحول إلى السخرية. في الفن، وبما لا يقل عن الإيمان بالخلاص الإنساني لأوروبا، لا سيما في كتابات زميل هيسه المعاصر والمنفي، توماس مان، حيث تصبح السخرية جزءًا من الاعتراف بفشل هذه الرؤية، وجزءًا من مناهضتها. هنا، تصبح السخرية عكاز الإنسانية "المتأخرة"، وضمانة لتطورها، واعتراف بعدم اليقين في آنٍ معًا. ليس من المستغرب إذن أن يقلل أودن (Auden) لاحقًا من أهمية الفن والفنان؛ "نحن نعيش في عصر جديد"، كما كتب بعد عقد من الزمان، "حيث لا يمكن للفنان أن يتمتع بتميّزٍ بطوليٍّ فريد، ولا يؤمن بإله الفن بما يكفي ليرغبه.(7)</span><b><br />
</b></span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>سؤال الجمال وسؤال الأخلاق: مشهديّة 11 سبتمبر، داعش و"حُوّارة"</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تطرق كارل هاينس شتوكهاوزن، المؤلف الموسيقي الألماني، إلى أحداث 11 سبتمبر بشكل أثار الجدل عند الكثيرين ممن لم يحبذوا الفصل بين الجمالي والأخلاقي. في تصريحاته، أشار إلى أن الهجمات كانت أعظم مشهد جمالي يمكن صناعته، وفي حديث شخصي لي معه (بوصفه أحد أساتذتي السابقين) قال إنها بمثابة "عمل موسيقي" درامي بالمعنى الواسع للكلمة. وقد رأى أن الجمالية المتفجرة في تلك اللحظة كانت تعكس عناصر من الفن والموسيقى. ألا يمكن أن يكون في داخل الصدمة التي قوبلت بها تصريحاته، والقرارات السريعة لإلغاء عروض أعماله، ثمة إنكار؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">شتوكهاوزن اعتبر أن الطريقة التي تم بها تنفيذ الهجمات، من خلال اختطاف الطائرات وضربها للأبراج، حملت أبعادًا جمالية معقدة. تعليقات مثل هذه أثارت ردود فعل قوية واحتجاجات، حيث اعتبر الكثيرون أن مثل هذه الرؤية تُظهر عدم حساسية تجاه الضحايا وأسرهم؛ ثمة لا أخلاق في هذه المقاربة! هنا، يصير من المهم أن نتساءل حول تميّز سؤال الفن عن سؤال الأخلاق، وكيف يفترق عنه دون أن يُلغيه!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">نعلم أن الملايين حول العالم تابعوا أحداث الحادي عشر من سبتمبر بشكل قهري، مرارًا وتكرارًا، معبرين عن مجموعة من المشاعر: الغضب، والصدمة، والرحمة، والفتنة المرعبة بمشهد بدا أنه يتجاوز أكثر المؤثرات الخاصة روعة في السينما، مما أعطى معنى جديدًا، فظيعًا، لفكرة أن الحياة قد تحاكي الفن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">حين يرغب الفنان بتصوير "حوارة" (المدينة الفلسطينية) تحترق وقد غزاها المستوطنون الفاشيون، فإنه (في كتابته، موسيقاه، رسمه، رقصه أو سينمائيته أو مسرحه الخ...) سيطرح على نفسه سؤالًا واحدًا: كيف يمكنني أن أعبر عن هذه البشاعة بأجمل وأبلغ الطرق الفنية؟ كيف نرى إلى "جمالية الخراب"! (التي تناولها حوار حطيط/ خوام سابق الذكر). هنا، البحث عن الجمالية بمعناها الرّفيع (Profound) يأتي لرفع منسوب الأثر لا لإلغاء الأخلاقيّ؛ إنه يأتي كي يُشعر المتلقي بأكبر قدرٍ من القرف والغضب، ليؤثر في نفسه ويحرّضها شعوريًّا وأخلاقيًّا، بأبلغ لغة فنيّة جمالية محرّضة وممكنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الإمعان في البشاعة يستدعي إمعانًا في التعبير الجمالي. أليس كذلك!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إننا لا نتحدثّ عن المؤثرات (الحرائق، الانفجارات، سقوط الأبنية، الدمار، الدخان، الدماء، الأشلاء البشرية، الدموع، لُهاث طواقم الإنقاذ والصحافيين، صمت الرّكام الخ...) هذا كلّه كفيلٌ بمشهديّة لها ما لها من أثر في الأعمال الفنيّة، لكننا نتحدّث هنا عما هو أعمق؛ عن التقاطعات التي تشكّل ما نسميه "الدّور" أو "الأثر"، بمعنى سبر تقاطعات القيمة الفنية، دورها وأثرها، في السياقات الإنسانية للحرب: الاجتماعية، النفسية، الأخلاقية الخ... لكن، هذا كله يجري تحت سقف السؤال الفني، لا فوقه. هذا ما يفسّر نظرة أمثال هِسِّهْ حين يميزون بين عملٍ فنيٍّ رفيع أنجزه "الجلاد"، وعمل فنيٍّ سخيفٍ وركيك أنتجته "الضحيّة". وهذا ما لاحظه والتفت إليه شتوكهاوزن في وصفه لمشهديّة 11 سبتمبر التي بدت وكأنها من إخراجٍ هوليووديٍّ مُتقن وباهظ الكُلفة. الفارق بين "تُحفة" صانعي الكوارث و"تُحفة" الفنان المناصر لصانعي الكوارث، أن ما يحدث على أرض الواقع لا يُراعي الفعل الجمالي، لا يأبه بكماله واستكماله، لا ينشغل بإحكام تفاصيله؛ هنا، يأتي دور الصُّدفة، والفوضى، وزاوية نظر الكاميرا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كم من الملايين يحتاج سينمائي بارع لإعادة إنتاج مشهد قطعان المستوطنين يقتحمون بلدة فلسطينية مثل "حوّارة"، يحرقون جمادها وحيّها، يقتلعون أشجارها، يبيدون ويُرعبون عائلاتٍ بأطفالها ونسائها؟ كيف يُقاس السؤال الفني هنا إن لم يكن بالأثر؛ هذا الأثر الذي يوجّه الفن نحو لعب دورٍ في الحرب بقصدٍ أو بغير قصد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;"> تذكروا! من منكم بحث عن الصورة الأكثر أثرًا لانفجار بيروت! من منكم عدّد نظرته مع زوايا الكاميرات المختلفة للمشهد ذاته، مشهد سقوط بناية في غزة! من منكم حرص، رغم كلّ المشاعر الضديّة المتخيّلة، أن يعثر على مشهد قطع رأس صحفيٍّ أمريكيٍّ على يد داعش! كم منكم أعاد مشاهدة سقوط التوأمين فوق رأس نيويورك؟ لكن، من منكم سأل نفسه لماذا؟ ما الذي أبحث عنه في هذه المشاهد؟ ما الذي "يجذبني" فيها رُغم البشاعة والخراب وسادية الدماء؟ فهل نتوقف عند الفضول؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا داعي للفن في هذا الزمن، بعد أن بتنا نشاهد الحدث مُخرَجًا بزمنه الجاري والحيّ عبر نشرات الأخبار وزوايا التصوير المتعددة لكاميرات شهود العيان المُتناقلة فوريًّا عبر وسائل الإنترنت التفاعلية. فهل تم إلغاء الفن فعلًا في مشهدية تتصاعد فيها الوسائل التكنولوجية الحديثة وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي، على حساب المعرض أو السينما أو الكتاب، وجميعها ستلحق بالحدث متأخرة، ومتأخرة جدًّا أمام وتيرة إيقاع هذا الزمن وتكنولوجياته الحديثة المتسارعة؟ ما الذي "يجذبنا" إذًا لمتابعة نشرات الأخبار، والعَوْد التكراري متعدّد الزوايا للمشهد ذاته حيث الدمار والدم في "أبهى" تجلياته الدراماتيكية المُفجعة؟ ما الذي يجعلنا، نحن الذين ما زلنا على قيد الحياة، نتلذذ سرًّا عند المشاهدة، ولو كان تلذّذًا بالألم؟ كيف تتفاعل ساديّتنا المكبوتة، مازوخيتنا الخجولة، شعورنا بالخلاص والنجاة، إطفاء حقدنا بتضرر "عدوّنا" أو موته، استثارة كُرهنا أو رغبتنا بالثأر عند تفجّعنا وانهزامنا، الخ...؟ كيف تتفاعل كل هذه المشاعر مع منسوب الأثر الفنيّ في هذه المشهديّة المركبة والمتسارعة؟ ثمة بعد ذهني ونفسي شخصي هنا، يُضاف إلى كلّ ما سبق، أليس كذلك؟</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt; color: #ff0000;"><b>إنسانية / لاإنسانية: الفردانية بوصفها سؤالًا</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالعودة إلى هيرمان هِسِّهْ، فعلى الرغم من أن إيمانه لم يتزعزع أبدًا، إلا أنه في نهاية الحرب العالمية الثانية بات إيمانًا مشوبًا. في رسالة القبول لجائزة نوبل، وكذلك جائزة غوتة، التي حصل عليهما عام 1946، يؤكد مرة أخرى اعتقاده بأن "الثقافة فوق وطنية ودولية"، لكنه يتحدث أيضًا عن "أوروبا المريضة حتى الموت" وإغراءه بالتخلي عن الثقافة الأوروبية تمامًا والتحول إلى حكمة الشرق. لم يكن انزياحه نحو "الشرق" انزياحًا استسهاليًّا، كما لم يكن هروبًا من واقع مُقلقٍ إلى غيْبٍ مُطمئن وواعد، إنه إغراء قاومه هِسِّهْ بشدة، وعبر مكابداتٍ فكرية وذهنية عميقة، إلى أن أصبح للشرق تأثيرًا مركزيًا في إدراكه الجديد، وبأن الرسالة الأساسية لأعظم لمعلمي الإنسانية هي الرّواقية، أي التنكر الروحي للأشياء الدنيوية كشرط مسبق لتمييز الوحدة الصوفية في كل كائن. ثمة رهان على الذات الفردانية هنا، وربما على حساب "الأفكار الكُبرى"، كما في "الرجل العصفور" الخواميّ. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في سنواته الأخيرة، اتضح إصرار هِسِّهْ أكثر فأكثر على الروح الفردية كمعيار للنزاهة، والآن، ربما على حساب الإنسانية (Humanism). (8)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالنسبة للكثيرين، أكدت الحرب العالمية الثانية إفلاس الإنسانية التنويرية. والآن نتحدث ليس فقط عن عجزها عن منع البربرية، بل عن تواطؤها معها. اكتشف ثيودور أدورنو وآخرون في مدرسة فرانكفورت أن الإنسانية التنويرية تحمل في طياتها أصول المشاكل التي تخيل هِسِّهْ أنه أجاب عنها. (9) </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أعلن أدورنو عن عدم قيمة "الثقافة التقليدية"، حيث أصبحت الآن "محايدة وجاهزة"، مضيفًا أن "كتابة الشعر بعد أوشفيتس هو بربرية".(10) لاحقًا، أخذ آخرون، مثل بودريار، هذه الوجهة النقديّة إلى حدها الأقصى: "الـ 'إنسان' هو من البداية مؤسسة ثنائية الهيكلية، الـ 'غير إنسان'. هذا هو كل ما في الأمر: تقدم الإنسانية والثقافة هما ببساطة سلسلة من التمييزات التي تُستخدم لوصم 'الآخرين' باللاإنسانية وبالتالي بالعدم".(11) حتى كملخص بسيط للإنسانية الغربية، فإن هذا يظل مختزلًا بشكل كبير؛ بالفعل، هذا التأكيد – "هذا هو كل ما في الأمر... ببساطة سلسلة من التمييزات" – هو مختزل للغاية ليكون نوعًا من الإرهاب، وهو النظير الفكري للاختزالية الأصولية للإرهابيين الفعليين. هل جربنا أن نطبق ذلك على خطاب "الصهيونية الدينية" أو خطاب "ولاية الفقيه" وإسقاطاتهما على واقعنا الشرق أوسطي مثلًا!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أعتمد على مقاربة مشبوهة مثل مقاربة بودريار، أو حتى على وجهات نظر أمثال أدورنو؛ لكنني أتجاوز هذا الاستقطاب في حروب الثقافة من خلال استحضار مقالات جورج ستاينر (Steiner) العاطفية والرائدة في الستينيات التي تم جمعها في "الأدب والصمت". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يقدم ستاينر توضيحًا صريحًا وغير نظري لحجة أدورنو: لم يدمر النازيون "الإنسانية الأوروبية المركزية" فحسب، بل إن بربرية القرن العشرين "قد سادت على أرض الإنسانية المسيحية، وثقافة النهضة، والعقلانية الكلاسيكية". نذكر هنا بنصيحة هيرمان هِسِّهْ الواثقة لذلك القائد الحربي في عام 1917، ونقارنها بما كتبه ستاينر في عام 1966: </span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">"نعلم الآن أن الرجل يمكنه قراءة غوته أو ريلكه في المساء، وفي الصباح يمكنه عزف باخ وشوبرت، ثم الذهاب لممارسة عمله في أوشفيتس. القول بأنه قرأهم دون فهم، أو أن أذنه خرقاء، هو كلام فارغ." يتساءل ستاينر: "ما هي الروابط، التي لا تزال غير مفهومة، بين العادات النفسية العقلية للممارسات الرفيعة، وإغراءات اللاإنسانية؟". </span><span style="font-weight: 400;">(12) </span></span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>في النزعات الشيطانية للعقل الإبداعي </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا يتوقف الأدب عن انتهاك المسألة الإنسانية من خلال استحضار آراء أولئك الذين أرادوا رقابة الفن، بدءًا من أفلاطون، مرورًا بالتحيزات المناهضة للمسرح وصولًا إلى مؤيدي الرقابة الحكومية الحديثة. لكن مرة أخرى، فإنني أبرر هذه الجمالية، ليس بالإشارة إلى أعداء الفن، بل من داخل ممارستها وقدرتها على التأثير والإقناع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالمثل، يمكنني تقديم حجتي حول النزعات الشيطانية للعقل الإبداعي بالإشارة إلى أنواع الكتابة المشبوهة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">سأعود إلى هذا، لكن أولاً، كوسيلة لمتابعة مصير الإنسانية بشكل أكبر، أود أن أتناول الفرضية الأساسية للجمالية الإنسانية، وهي أن الفن قوة إنسانية عميقة. أين الانسداد هنا إذًا؟ ربما هو ليس بين الإنسانيين والمناهضين للإنسانية، بل بين إنسانية محافظة وأخرى تقدمية!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالإضافة إلى ذلك، من مثال إنساني حديث مثل ريتشارد أ. إيتلين (Richard A. Etlin)، يمكننا أن نرى كيف أن الإنساني قد تنازل بالفعل عن بعض الأرض لصالح الأجندة السياسية/الأخلاقية للماديين. يدافع إيتلين عن روائيي القرن التاسع عشر ضد ادعاء إدوارد سعيد بأنهم كانوا متواطئين مع الإمبريالية. لكن بعيدًا عن القول، كما كان قد يفعل أسلافه، بأن هذه الاعتبارات السياسية غير ذات صلة بالجمالية، لا يكتفي إيتلين بتجميع المشاعر المناهضة للإمبريالية ومناهضة العبودية لدى هؤلاء الروائيين، بل يقرأ رواياتهم بحثًا عن أدلة على ذلك. ومن ثم، فإنه يمد الأجندة الإنسانية بشكل ضمني لتتوافق جزئيًا مع أجندة خصومه، حتى وهو يحاول تفنيد حججهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">من الصعب ألا نستنتج أن الماديين قد فازوا بالفعل بالأرضية العالية، على الرغم من أنهم قد وسعوا أيضًا من نطاقها. على الأقل، فإن الحجة القديمة بأن مثل هذه الاعتبارات السياسية غير ذات صلة بالرؤية الجمالية قد انتهت إلى الأبد. بينما يرفض إيتلين قبول تأكيد سعيد بأن السياسة والثقافة، بعيدًا عن كونهما مجالات مختلفة، هما "في النهاية نفس الشيء"، لا يمكنه إلا الرد عليها بتعميم متملص: يرفض الإنساني دمج المجالين "في جميع الأوقات وفي جميع الجوانب".</span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>الجماليّ في موقع "العدوّ"</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في معرضها "لحظات متبقيّة" عرضت يُخباد ليشبيتس، بنت الثالثة والثمانين، في متحف إسرائيل ما تبقى من مجموعة صورها بعد أن تعرض بيتها للدمار والحرق في كيبوتس "نير عوز"، في السابع من أكتوبر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ليشبيتس يسارية داعمة لحقوق الفلسطينيين. أُسرت لمدة 17 يومًا من قبل حماس بينما لا يزال زوجها في الأسر مجهول المصير (حتى لحظة كتابة هذا المقال). </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في حوار معها بعد عودتها من الأسر في غزة سُألت: "ما الحل؟"، فأجابت ببساطة وحسم: "السلام".</span></p>
<ul>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">السلام مع من؟ مع هؤلاء البرابرة؟</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أوَلا تقيم سلامًا الألمان الآن؟ أنسيت ماذا فعل بك النازيون الألمان؟ هل آذاك الفلسطيني كما فعل النازيون؟!</span></li>
</ul>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في معرض ليشبيتس صور من تظاهرات كيبوتس نير عوز ضد الحرب على لبنان عام 1982، وصور من حياة الكيبوتس اليومية، معظمها كان محفوظًا عند ابنتها الفنانة المقيمة في لندن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تمثّل حالة ليشبيتس، وهي نادرة في المجتمع الإسرائيلي، صدمة لكل من يوظف الجمالي والأخلاقي في اصطفافاته السياسية والأيديولوجية. ثمة صعوبة في تحليل مثل هذه الحالات المركّبة على ضوء هذه المقاربات التقاطبيّة، التي لا تميز الطيف الواسع من التعقيدات الممتدة بين ما هو إنساني ولا- إنساني في سلوك البشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في المقابل، غزة مدمّرة؛ لا فنانين ولا فن. أما "جمالية الخراب" فتحتاج إلى ناظر، ربما، ذات يوم خارج اللحظة الكارثة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في كتاب بعنوان "غزة - مكان وصورة في الحيز الإسرائيلي"، تأليف عمري بن يهودا (باحثة في الأدب اليهودي في جامعة ليل الفرنسية)، ودوتان هاليفي (مؤرخ ومعيد في أكاديمية بولنسكي في معهد فان لير في القدس)، والذي صدر في تموز 2023، أي قبل السابع من أكتوبر، والذي تؤكد مجموعة المقالات فيه ما قاله سمعان خوام في حواره مع نور حطيط، عن أن "الخراب" في بيروت كان سابقًا للرابع من آب (انفجار بيروتُشيما)، واضعًا بذلك حدث 4 أب، كما هو 7 أكتوبر، فوق الخراب المنهجي المستمر؛ إنه الحدث الذي يقف الفنّ أمامه عاجزًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;"> خراب غزة الممنهج يتجلى في هذا الكتاب، الصادر عن دار جاما العبرية، ويرسخ فكرة "التسجيل" أو "التوثيق" بوصفهما من وظائف الفن الأساسية زمن الحروب. وإليكم بعض من عناوين المقالات داخل الكتاب والتي سأكتفي بعرضها لتترك انطباعًا:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">* غزة بوصفها فضاءً إسرائيليًّا انتباذيًا (هيتروتوبيا)/  اللاجئ بوصفه عدوًّا/  حين تنتهي الحرب/  غزة آتية: المدينة البيضاء والمدينة التوأم/  رحلة صيد: نظرة بصرية على أرشيفات غزة التي بحوزة إسرائيل/  أمام أبواب غزة/  تعساء البحر/ المكان الذي ينبغي طرد الناس منه": تشجيع هجرة الفلسطينيين من قطاع غزة 1967-1969/  أبي يعمل في غزة/  اللغة والتصوير في غزة: نقد الاحتلال لرونيت مطلون/  في ذكرى الانتفاضة الفلسطينية/  في الهامش كما في المركز: غزة بوصفها ميكروكوزموس فلسطيني/  كي نعرف غزة: التقريب والإبعاد في ظل سياسة الحصار الإسرائيلي/  أخي المصلوب على جرافة/ من مسافة صعبة: غزة في الشعر الإسرائيلي/  أنفاق غزة: الحلم الرّطب للواقعيّ/  رغم كل شيء: غزة/  صلاة لسلام غزة، وغيرها...</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt; color: #ff0000;"><b>خاتمة شيطانية: فانتازيات فاشية مكبوتة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إن أولئك الذين يحبون الفن ويعيشون من أجله يرفضون الاعتراف بهذا التحدي المحتمل، معتقدين بدلًا من ذلك أن الفن هو التعبير الأسمى عن الحياة المدنية. ينشرون أكاذيب حسنة النية، قائلين لنا إن الفن العظيم والثقافة الرفيعة التي تخدمه يمكن أن تعزز فقط حياة أولئك الذين يقدرونها حقًا؛ وأن هذا النوع من الفن – على عكس، على سبيل المثال، الدعاية أو الثقافة الشعبية أو الإباحية – غير قادر على إلحاق الضرر بنا أو "إفسادنا". مثل هذا الموقف لا يفشل فقط في أخذ الفن على محمل الجد، ولكنه يعتمد أيضًا على عملية سابقة من الرقابة المؤيدة للفن، أكثر فعالية من الرقابة الحكومية المناهضة للفن. دفاعهم عن الفن هو غالبًا دفاع ضد الفن، واحترامهم المبالغ فيه له يصبح وسيلة لعدم الانخراط معه. أولئك الذين يحبون الفن أكثر هم أيضًا الأكثر رقابة عليه. الاقتراب من الأدب مع الإصرار على توافق الضمير الأخلاقي والخيال الإبداعي هو أن نكون عميانًا عن حقيقة أن بعض من أكثر الكتابات إقناعًا تتعلق بالتوتر بين، إن لم يكن عدم توافق، هذين الأمرين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إذا أشرت مرة أخرى إلى "الجنس، الأدب، والرقابة" هنا، فذلك ببساطة لأنني الآن فقط أملك الوقت لتلخيص وتطوير الحجة التي تم طرحها هناك. نحن نعلم أن الرؤية الجمالية يمكن أن تتحدى الأجندات الاجتماعية الرجعية. في الواقع، بالنسبة لمعظم المدافعين عن الفن اليوم، على الرغم من عدم وجودهم جميعًا، فإن ذلك مرحب به بما يكفي لأن أجندتهم معتدلة ليبرالية. لكن الفن يمكن أيضًا أن يتحدى الأجندات الاجتماعية التقدمية والمسؤولة إنسانيًا. ولهذا السبب، فإن أخذ الفن على محمل الجد يعني الاعتراف بأن هناك بعض الأسباب المعقولة (أي العقلانية) للرغبة في السيطرة عليه. لا أزعم أن الفن غير إنساني بالمعنى الذي تشرع به بشكل خفي مصالح الأقوياء على حساب المظلومين والمستغلين، على الرغم من أن هناك بالفعل بعض الأعمال الكلاسيكية التي يمكن قراءتها بمثل هذه الشروط. كما أن حجتي ليست حجة تاريخية شاملة عن كل الفن، أو حتى عن كل الأدب. من الواضح أنها أكثر تطبيقًا على بعض الأنواع والفترات والحركات التي يكون فيها معرفة ما يزعج التوازن النفسي والاجتماعي بشكل عميق، وما يهدد المفاهيم السائدة للحياة المدنية، أمرًا مركزيًا – مثل التراجيديا اليونانية، والدراما والملحمات في عصر النهضة الإنجليزية (خاصة سبنسر وميلتون)، والعديد من النصوص الحديثة، بما في ذلك بعض التي تم تفسيرها بشكل مختلف تمامًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">مرة أخرى، لقد حدثت نصف إدراك مزعج لهذا الأمر غالبًا حتى ضمن وجهات النظر الجمالية المحافظة. يمكننا اكتشافه في أبسط فئة من الجمالية الإنسانية، وهي فئة "الشخصية". مرارًا وتكرارًا، وعبر القرون إن لم يكن الآلاف من السنين، كانت أكثر الإبداعات الفردية إقناعًا هي تلك الشيطانية: كانت شخصيات الرذيلة في الأخلاقيات الوسطى تتمتع بالحيوية والذكاء؛ وكانت الشخصيات الساخطة في التراجيديات الإليزابيثية والجاكوبية بطولية، وذكية، وأبطالًا مضادين يتمكنون من فهم الفساد بعمق من خلال تواطؤهم معه؛ ولدى الشيطان في "الفردوس المفقود" لملتون نزاهة معكوسة تعقّد، على أقل تقدير، مشروع التعليم الأخلاقي للملحمة بأكملها، بل وقد تُسقطه في نظر بعض القراء. في "الفردوس المفقود"، الشيطان موجود في الهيكل بقدر ما هو موجود في التفاصيل. لطالما حاول النقاد تجنب هذا من خلال الادعاء بأن مثل هذه التعريفات التخيلية مع اللاأخلاقي وغير الإنساني محصورة، أو موضوعة، أو مُعطلة من قبل رؤية أخلاقية شاملة أو إغلاق هيكلي للعمل الفني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هناك علاقة غريبة بين التعريف الجمالي مع الشيطاني والدافع اللاهوتي والأخلاقي لتحقيق نظرة كاملة على الأسوأ. على سبيل المثال، ما نواجهه في "الفردوس المفقود" هو الشجاعة – أو الغطرسة، وربما جنون العظمة – من نوع اللاهوت الأكثر هيمنة، الذي يعتقد أنه يمكنه التغلب بفعالية على ما يهدده فقط من خلال معرفته بشكل كامل. في حالة ملتون، ستزداد الحاجة إلى مثل هذه المواجهة بسبب تجربة الهزيمة الثورية. في "الفردوس المفقود"، تنبع الأضرار التي تلحق بالنوايا التعليمية من تجسيد هذا الدافع ليس فقط كلاهوت، بل كأدب تراجيدي، وهو الوسيلة التعبيرية المحددة للهزيمة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">مع ذلك، كانت مثل هذه القراءات للشيطان خطيرة بما فيه الكفاية لله وإلى أتباعه، إذا لم تكن كذلك لبقية الناس. وهذه هي نقطتي: نحن نسمح بمثل هذه القراءات عندما لم تعد تتحدانا. ومع ذلك، الأدب مليء بالمعرفة التي تشكل خطرًا علينا: إنه يكشف عن فهم للعالم لا تستطيع، أو لا تريد، أن تعترف به أنماط حياتنا المدنية، وربما ينبغي علينا ألا نعترف بها. أجادل، على سبيل المثال، بأن الحداثيين مثل ييتس ولورانس، تحت تأثير نيتشه، يقدمون احتفالًا مثيرًا للجماليات اللاأخلاقية للطاقة. عندما أعجب القراء بصوت ييتس الشعري وتماهوا معه، وجدوا أنفسهم قريبين بشكل غير مريح من جماليات سمحت للفنانين والمفكرين بالتعاطف مع الفاشية. لكن ادعائي ليس أن تُفرض الرقابة على ييتس بوصفه فاشيًا، بل أن شعره يقدم لنا بصيرة مختلفة ومزعجة حول التاريخ الحديث وذواتنا. فهم الشعر لا يعني تجاوز عنفه، بل يعني الدخول في تجلياته المغرية. عندما يكون الشاعر حرًا من السياسة بالمعنى الضيق، يمكنه أن يكون أكثر فعالية في التعبير عن بعض الفانتازيات الأعمق التي ساهمت في جعل الملايين يتخذون بعض الهويات السياسية والانتماءات التي أدت بدورها إلى موت وتعذيب الملايين من الآخرين. هذه الفانتازيات لا تزال حية جدًا اليوم. وللتعبير بوضوح، يكشف قراءة معينة لييتس ولورانس عن الفانتازيات الفاشية كعنصر مكبوت أكثر أو أقل في الثقافات الحديثة. لذا، الإصرار على أن الفن لا يهرب أبدًا من السياسة يختلف تمامًا عن المطالبة بأن يكون سياسيًا بشكل مسؤول؛ بالنسبة لي، قيمة ييتس ولورانس تكمن بشكل مركزي في عدم كونهما مسؤولين سياسيًا، لأن كل مسؤولية من هذا النوع تتضمن بشكل صحيح كبتًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالطبع، هذه حجة تلتزم برؤية تقدير الجماليات باعتبارها في بعض النواحي معرفية، أي أنها تمتلك محتوى من الحقيقة أو المعرفة. هذا الرأي يرتبط بشكل مباشر بأدورنو، لكنه، مرة أخرى، له تاريخ أطول، وهو تاريخ تقليدي كفرض عمل وكنظرية. حتى النظريات الجمالية المحافظة تحتضنه، على سبيل المثال، تلك التي تشمل الكلاسيكية الجديدة، والتي تعتبر الفن يقدم حقائق عامة وعالمية عن العالم، على الرغم من أن السؤال عن نوع الحقيقة المقدمة هو سؤال نادرًا ما يتوقف أحد للإجابة عليه أو حتى طرحه. من الممكن القول إن الفن غالبًا ما كان يُفترض أنه يمتلك محتوى معرفي من نوع ما، ولا يصبح الأمر قضية إلا فيما يتعلق بالنظريات التي تصف الفن بأنه غير مرجعي. إن انفصال الفن عن المعرفة هو أمر نسبي حديث. كما يقول ج. م. برنشتاين في "مصير الفن": "تجربة الفن كجمالية هي تجربة الفن كمن فقد أو حُرم من قوته في قول الحقيقة... سأطلق على هذا الفقد 'اغتراب جمالي'؛ إنه يدل على اغتراب الفن عن الحقيقة الناتج عن تحول الفن إلى جمالي، وهو تحول اكتمل تمامًا فقط في المجتمعات الحديثة". رؤية الفن كمعرفي لا تمنع أن يكون له أنواع محددة وحتى فريدة من الخصائص الشكلية (اللغة، الأسلوب، النوع، وما إلى ذلك)، ولا تقلل من أهميتها. لكنها تتحدى الادعاءات التي تقول إن هذه الخصوصية الجمالية تجعل العنصر المعرفي للعمل ثانويًا أو حتى غير ذي صلة. ونظرًا لأن مثل هذه الادعاءات حديثة نسبيًا، فإن عبء الإثبات يقع على من يطرحونها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هناك جانب آخر يحتضن فيه البعد "المحافظ" أو المُؤَسَّس من الجمالية تحديًا للأجندة الإنسانية التي يُفترض أنها تدعمها، وهو كامن داخل نظرية تقدير الجماليات بوصفها "غير مهتمة". مثل هذا التقدير ينطوي على تفرّد عميق في الإدراك الذي ينفصل عن العالم العادي للسياسة والمصالح ويرى ما وراءه – بمعنى آخر، فكرة الإدراك الجمالي كما وصفه كانت: "غير مهتم وحُر". هذه الفكرة لها مسارها الفريد نحو غير الإنساني أو غير الإنساني، كما في إعادة صياغة شوبنهاور لكانط؛ حيث يحررنا عدم الاهتمام الجمالي من الإرادة للعيش ويتطلب موت الذات – أي القضاء على فرديتنا وحتى إنسانيتنا. هذه الجمالية تجذبنا نحو السامي وتلك الفتنة بجمال غير إنساني قوامه شيء من اللامبالاة تجاه الإنسان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بعد ذلك، تحولت الجمالية غير المهتمة إلى كراهية إنسانية محددة، أو لامبالاة تجاه الإنسان – مجددًا بطريقة مشهورة عندما يكون الجمال هو موضوع نظرها. هناك العديد من الأمثلة من القرن العشرين: تخيلات لورانس/بيركين عن كون جمالي خالٍ من "النجاسة القذرة" التي هي الإنسانية؛ الشاعر الرمزي الذي صرح عن هجوم بقنبلة أناركية: "ما الذي يهم الضحايا إذا كانت الإيماءة جميلة؟" أو ملاحظة وايلد عن توماس وينرايت: "عندما لومه صديق على قتل هيلين أبركرومبي، هز كتفيه وقال: 'نعم؛ كان شيء مروع فعله، لكنها كانت تملك كاحلين سمينين جدًا'." وأخيرًا، والعودة إلى موضوع الحرب، هناك ديون موسوليني للفوتوريين عندما قارن انفجار القنابل بين المدنيين الهاربين بزهور تتفتح. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لتلخيص ذلك – فإن الجمالية التي أوضحها هنا تتجلى بالفعل ضمن التقليد الغربي: الوظيفة الموجهة للتعليم، والانجذاب والتعريف مع الشيطاني، البعد المعرفي لعمل الفن، والطريقة التي يمكّن بها الانفصال الجمالي الإدراك اللاأخلاقي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">اعرف أن تعرف لا أكثر: المعرفة الخطرة.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">تبدو هذه الجمالية واضحة جدًا في انشغال الفن بالمعرفة الخطرة – تلك المعرفة التي تزعزع النظام الاجتماعي والنفسي بدلًا من أن تعززه. هنا نحن معنيون ليس فقط بالمنظور المعارض لبعض الكُتّاب، ولكن أيضًا بتنظيم الثقافة البشرية. الهوية الفردية هي مزيج، تنظيم جزئي معقد أكثر أو أقل، ودائمًا ما يتضمن درجة أكبر أو أقل من الكبت، والقمع، والاستبعاد</span><b>: الهوية تتكون مما ليس عليه الشيء، بالإضافة إلى ما هو عليه جوهريًا.</b><span style="font-weight: 400;"> وكذلك الثقافات والحضارات، وإن كانت أكثر تعقيدًا بشكل لا يُتصور من حيث تنظيمها واستبعادها.</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كلما كانت الوحدة المنظمة أكثر تعقيدًا، أصبحت أكثر عرضة لعدم الاستقرار، خاصة بسبب استبعادها أو بالنسبة له. علاوة على ذلك، فإن ما يتم استبعاده يظل غير منفصل عما يتم تضمينه، مما يعني أنه ليس خارجًا تمامًا. هذه واحدة من الأسباب التي تجعل التهديد الأكثر قوة لشيء ما يعمل داخليًا، من حيث هيكله وتنظيمه؛ الهلاك هو عملية داخلية وليست خارجية، والانهيار من الداخل بدلاً من التدمير من الخارج. قد يكون الوحش الغريب يتجه نحو بيت لحم، لكن الخطر الأكبر يكمن في حقيقة أن الأمور تنهار وأن المركز لا يمكنه الثبات. من الناحية الفكرية، أصبح هذا شائعًا في العصر الحديث، وذلك بفضل أمثال داروين، وماركس، ونيتشه، وفرويد. هناك مصطلحات أخرى لنفس العمليات أو العمليات المرتبطة بالهلاك الداخلي، معظمها محملة بالاستنكار: التدهور، التحلل، الذوبان (الانحلال، المفسد)، التفكك، الرجوع للخلف. وبالطبع الثورة، بمعناها القديم والجديد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في كل حالة من حالات التفكيك المدرك، تظهر أسئلة سياسية عاجلة: هل يمثل هذا حقًا تهديدًا لطرق تنظيمنا الثقافي، أم يمكن دمجه مع تغييرات طفيفة؟ وإذا كانت التغييرات المطلوبة أكثر شمولًا، فهل تعد بالاعتماد والبقاء، أم الانهيار وفقدان الهوية؟ إن حقيقة أن مثل هذه الأسئلة ستُجاب بشكل مختلف اعتمادًا على الموقف، والمصالح المكتسبة، والعلاقات الحالية للسلطة والصراع، تشير إلى تعقيد كل من العملية وإدراكها. من الواضح أن بعض الأدب يُجسد التفكيك: لماذا الرقابة إذن؟ لكننا نعلم أيضًا أن الأدب الذي يتبنى الربط أيضًا يستكشف بالضرورة القوى التي تفكك، وغالبًا ما تكون هذه القوى هي الأكثر جاذبية: تصوير المدينتين المثالية (يوتوبيا) لا يتطابق مع تصوير الكابوسية الخرائبية (ديستوبيا)، ويصبح الكتاب أكثر حيوية عندما يستكشفون تقاطع الرغبة المحظورة والمعرفة الخطرة.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">كما أظهر روجر شاتوك وآخرون، كانت المعرفة المحرمة دائمًا جزءًا من الثقافات البشرية، ومن الواضح بشكل خاص في مفاهيم المحرمات والهرطقة. نقول إن الجهل نعمة. في "الفردوس المفقود"، يقدم ميلتون لنا صورة عن آدم وحواء وهما نائمين ببراءة.(13)</span><span style="font-weight: 400;"> </span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وعلى جسديهما العاريين تساقطت الورود من السقف الزهري الذي أصلحه الصباح. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ناما، أيها الثنائي المبارك؛ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وأوه، سيكون الأجمل لو لم تبحثا عن حالة أكثر سعادة، </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولتعلما أن لا تعرفا أكثر."(14)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بعبارة أخرى، "كن حكيمًا متواضعًا". آدم وحواء يعصياني، ورغبتهما المتجاوزة في المعرفة المحرمة تجلب الموت والتفكك إلى العالم، إلى الرغبة. بمعنى آخر، إنها تبدأ التاريخ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يُنظر إلى الالتزام بالوصية بعدم المعرفة، وعلى أنه شرط مسبق للصحة الاجتماعية والنفسية، ولنجاة الحضارة نفسها - وهو ما يتجلى ضمنيًا في فكرة الرقابة. في المقابل، يُعتبر كسر هذه الوصية تحريرًا عميقًا، رغم أن له عواقب مأساوية، لكنه في بعض الأحيان يؤدي أيضًا إلى ثورات. يربط بين هذا الانقسام بعض الشخصيات الكبرى المتجاوزة في الأساطير والأدب، بما في ذلك حواء، وبروميثيوس، وفاوست، وماري شيلي في "فرانكشتاين"، وفلاوبر في "مدام بوفاري"، وتوماس مان في "أشنباخ"، وجوزيف كونراد في "كورتز".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تعكس شخصيات أخرى، مثل "جيكل/ هايد" لروبرت لويس ستيفنسون، إدراك أن معرفة الشر هي أكثر ارتباطًا بالعبقرية منها بالهمجية، بينما تؤكد شخصيات مثل "ماكبث" لشكسبير، و"راسكولنيكوف" لدستويفسكي، و"نيتشه" كخالق وكفنان بلا أخلاق، على ملاحظة لباسكال (Pascal) بأن هناك نوعًا من الشر الذي غالبًا ما يُعتبر خيرًا لأنه "يتطلب نفس القدر من العظمة الاستثنائية للوصول إلى مثل هذا الشر كما للوصول إلى الخير."(15)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;"> ألم يقل فاوست غوته "أنا هو الشرّ الذي لا يفعل إلا الخير"؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في الواقع، إذا كانت معظم هذه الشخصيات تحمل إحساسًا بالخطر، فضلًا عن الإمكانات التحريرية للمحرّم، فذلك لأن المعرفة المحرمة تكشف غالبًا عن القرب الأساسي بين الشر والخير. ويُرجع فرويد سبب ذلك إلى:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">"الأشياء التي يفضلها الرجال، ومثلهم العليا، تنبع من نفس التصورات والتجارب التي يكرهونها أكثر، وإنها كانت في الأصل متميزة عن بعضها البعض من خلال تعديلات طفيفة... في الحقيقة، من الممكن أن يُقسم الممثل الغريزي الأصلي إلى قسمين، بحيث يخضع أحدهما للكبت، بينما يخضع الآخر، بالضبط بسبب هذه العلاقة الحميمة، للتقديس."(16)</span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>المعرفة الخطرة </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في الأمثال والأساطير، وفي اللاهوت والفلسفة، تخبرنا لغةٌ إنسانية بعد أخرى أن هناك أشياء لا يجب أن نعرفها، وأشياء لا يجب أن نفعلها، وأشياء لا يجب أن نراها، (17) وأماكن لا يجب أن نذهب إليها، وبالطبع رغبات لا يجب أن نحققها. وهكذا، تأتي أهمية نيتشه في تباين التصور الديونيسي للفن مع التصور الإنساني، وذلك من حيث وجود نوعين مختلفين من المعاناة – أولئك الذين يعانون من فائض من الحياة، وأولئك الذين يعانون من افتقار للحياة. الأولون "يرغبون في فن ديونيسي كما يرغبون في نظرة مأساوية وبصيرة في الحياة"، ويواجهون "المخاطر والتساؤلات... كل رفاهية التدمير، والانحلال، والنفي"؛ بينما يحتاج الآخرون إلى "اللطافة، والسلم، والخير في الفكر والفعل... نوع من الحبس الدافئ، الذي يبعد الخوف ويغلق في آفاق متفائلة".(18) عند نيتشه، نرى بوضوح أن الرغبة المتجاوزة، حتى عندما تكون إيروسية بشكل صريح، تهدف ليس فقط إلى المتعة المحرمة، بل إلى المعرفة المحرمة أيضًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يريد الإنسانيون من الفن أن يؤكد من نحن عليه وما ينبغي أن نكون. أما الجماليات التي أستكشفها، فتواجهنا بما لسنا عليه؛ أو بالأحرى، تواجهنا بالتكلفة النفسية لكوننا ما نحن عليه، أو ربما التكلفة الاجتماعية لأن نصبح ما نود أن نكون، لو كانت الشجاعة لدينا تساوي الرغبة. هذا يعني أننا لا يمكن أن نكون راضين عن التأثير الخيّر للفن، تمامًا كما لا يمكننا أن نكون كذلك بشأن المعرفة بحد ذاتها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في حوار حطيط سمعان، تتكرر فكرة "عدم تحميل الفن أكثر مما يحتمل"، ففي زمن الحرب، وحتى في الروتين الديستوبي المنهجيّ، كما في لبنان، لا يمكن التعويل على الفن، لأن الفن لا يقدم الحلول بقدر ما يطرح الأسئلة ويُحرّك الفكر والوجدان، يُخلخل في النفوس وفي النظام، يؤمن للبشر فرصةً ناعمةً للنجاة، لكن بإرادتهم إن توفرت، لكن ليس أكثر من ذلك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إن ذهبنا بهذا الحوار خطوةً إلى الأمام، فإن أخذ الفن على محمل الجد يعني معرفة أنه يأتي دون الضمانات الإنسانية التي تخنقه. قد نتفق على أن قمع "الحقيقة" ضارٌّ اجتماعيًا وأخلاقيًا، مع تذكّر أنه يحدث في جميع الثقافات، بما في ذلك "الديمقراطيات". كان السؤال "لماذا يكرهوننا بهذا الشكل؟" هو رد فعل بعض الأمريكيين المرتبكين والمتألمين في 11 سبتمبر، دون وعي بالكثير: دون وعي بأن بلادهم كانت فعلًا مكروهة بوحشية من نوع ما حدث في ذلك اليوم؛ ودون وعي بأنهم كانوا عرضة لمثل هذا الهجوم؛ ودون وعي حتى بمن كانوا أعداؤهم في الواقع. في هذه الحالة، نشعر بالحزن للجهل كما نشعر بالخسارة في الأرواح، لأنه إذا كان المزيد من الناس قد كانوا أكثر اطلاعًا، لكان التاريخ، ربما، مختلفًا. لكن لا يتبع ذلك أن الوصول الكامل إلى المعرفة دائمًا ما يكون مفيدًا اجتماعيًا وأخلاقيًا. الاعتقاد بأن ذلك صحيح يجب أن يكون من قلة السذاجات المتبقية في إنسانية عصر التنوير. مع تراجع تلك الإنسانية، تُسمع العديد من الأصوات القديمة التي أزاحتها مرة أخرى، بعيدة لكنها مثيرة. واحدة منها تلاحقني بشكل خاص: في كثير من الحكمة يوجد حزن كثير، ومن يزداد حكمة يزداد حزنًا. لقد زاد الفنانون كليهما.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><b>هوامش<span style="color: #808080;">:</span></b></span></p>
<ol>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">H. Hesse, If the War Goes On: Reflections on War and Politics [1946], trans. R. Manheim (London: Pan Books, 1974), pp. 20.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">Ibid., pp. 11.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">Ibid., p. 141</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="color: #808080; font-size: 12pt;"><a style="color: #808080;" href="https://www.facebook.com/28magazine/videos/1001589557030634?locale=he_IL"><span style="font-weight: 400;">https://www.facebook.com/28magazine/videos/1001589557030634?locale=he_IL</span></a></span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">سمعان خوام هو فنان تشكلي (منزوع الانتماءات) يعرّف نفسه بفنه وإبداعه لا بموروثه. يقول عن نفسه "أنا رجلٌ حرٌّ/ في جسد عصفور/ في قفصٍ أبيض/ في غرفة سجان".</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">نور حطيط، كاتبة ومحررة لبنانية من جنوب لبنان. درست العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية. عملت في عدد من المجلات الورقية والإلكترونية. محررة وكاتبة في الشأن الفكري والثقافي والاجتماعي. حاليًّا مُغتربة في إستانبول.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">Albert Einstein and Sigmund Freud. New York: The Modern Library, 1933.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">Hesse, If the War Goes On, pp. 123–4, 145, 149.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">I’m thinking here of not only T. W. Adorno’s and M. Horkheimer’s seminal Dialectic of Enlightenment, trans. J. Cumming (New York: Seabury Press, 1972) but also Herbert Marcuse’s important collection Negations: Essays in Critical Theory, trans. J. J. Shapiro (Harmondsworth: Penguin, 1968).</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">T. W. Adorno, Prisms, trans. Samuel and Shierry Weber (London: Neville Spearman, 1967), p. 34.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">J. Baudrillard, Symbolic Exchange and Death [1976], trans I. Hamilton Grant, introd. Mike Gain (London: Sage Publications, 1993), p. 125.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">G. Steiner, Language and Silence: Essays on Lang</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="color: #808080; font-size: 12pt;"><span style="font-weight: 400;">See R. Shattuck, </span><i><span style="font-weight: 400;">Forbid</span></i><span style="font-weight: 400;">den Knowledge: From Prometheus to Pornography (New York: St Martin’s Press, 1996); T. Ziolkowski, The Sin of Knowledge: Ancient Themes and Modern Variations (Princeton: Princeton University Press, 2000).</span></span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">J. Milton, Paradise Lost, Book IV, lines 771–5, in Milton: Poetical Works, ed. D. Bush (Oxford: Oxford University Press, 1969).</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">B. Pascal, Pensées, trans. and introd. A. J. Krailsheimer (Harmondsworth: Penguin, 1966), p. 215.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">S. Freud, ‘On repression’ in The Pelican Freud Library, vol. 11, On Metapsychology: The Theory of Psychoanalysis, ed. A. Richards, trans. J. Strachey (Harmondsworth: Penguin, 1984), p. 150 (my emphasis).</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">On ‘ocular prohibition’ in myth see especially Shattuck, Forbidden Knowledge, pp. 18–21.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">F. Nietzsche, The Gay Science, ed. B.Williams, trans. J. Nauckhoff (Cambridge: Cambridg University Press, 2001), p. 234.</span></li>
</ol>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34055">الفن في زمن الحرب: نحو جمالية معاصرة للخراب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تيري إيغلتون عن فريدريك جيمسون: ما ينطوي عليه الموضوع من إثارة (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/33828</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حسام موصللي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 19 Nov 2024 08:24:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[تيري إيغلتون]]></category>
		<category><![CDATA[فريدريك جيمسون]]></category>
		<category><![CDATA[فلسفة]]></category>
		<category><![CDATA[ما بعد الحداثة]]></category>
		<category><![CDATA[ماركسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=33828</guid>

					<description><![CDATA[<p>أعوام النظرية: الفكر الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/33828">تيري إيغلتون عن فريدريك جيمسون: ما ينطوي عليه الموضوع من إثارة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h6><span style="font-size: 12pt;"><a href="https://www.lrb.co.uk/the-paper/v46/n19/terry-eagleton/the-excitement-of-the-stuff?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR0DCwppeuZSX6QtNRzyDUxZe1BGHpuWWR92IPk6tdGi8swTVPf_dkg35l4_aem_W_dsWQFhwc-D9dq8S4HI_A" target="_blank" rel="noopener">نشرت في لندن ريفيو أوف بوكس في ١٠/١٠/٢٠٢٤.</a></span></h6>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">شهِدت العقود الأخيرة من القرن المنصرم انتشاراً واسعاً لموجةٍ جديدة من الأفكار بصدد دراسةَ الأدب في جميع أنحاء العالم. أُطلِقَ على هذه الموجة ببساطة مسمَّى "نظريَّة"، وتراوحَت ما بين البنيويَّة إلى النسويَّة، والسيميوطيقا إلى الهيرمينوطيقا، والماركسيَّة إلى التفكيكيَّة. كانت هذه الأفكار كلُّها بالغةَ التجريد، لكن جذَّابة في الوقت نفسه. فقد شدَّ طموحُها المعرفيّ، إلى جانب مقدرتها على طرح تساؤلاتٍ جوهريَّة، اهتمامَ بعضٍ من أنجَب المشتغلين في الميدان في ذلك الوقت. كما أفضَت إلى بروز طبقةٍ من النجوم العالميِّين- جاك دريدا، وغاياتري تشاكرافورتي سبيفاك، وفريدريك جيمسون، وميشيل فوكو، وجوديث بتلر، وأمبرتو إيكو- الذين يمكن أن تجدهم يحاضِرون في صقلية أو سلوفينيا بينما يُدرِّسون فصولاً دراسيَّة في نيوجيرسي. وبوصفها مرموقةً ومثاراً للجدل في آن، ومحطَّ تقديرٍ وازدراءٍ في الوقت نفسه، كانت النظريَّة وسيلةً لتكديس رأسمالٍ ثقافيٍّ للمرء وكذلك مصدراً لرؤى أصيلةٍ ومثيرة للاهتمام. وهكذا صار الأبرياء/السذَّج، القانعون ببساطةٍ بقراءة "جين أير"، يرزحون الآن في ظُلمةٍ هامشيَّة شديدة؛ في حين يستحضر زملاؤهم الأكثر بريقاً، السائرون بخطواتٍ حثيثة من باريس أو نيو هيفن، مراجع دراسات علمِ السرد أو ما بعد الاستعماريَّة كمناظير للتعاطي مع الرواية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن من أين نشأ هذا التيَّار الحاليّ؟ باعتبار أنَّ ثلاثةً من أعمال دريدا الرئيسيَّة صدرَت في عام 1967، فلدينا إجابةٌ واضحة على سؤالنا تقول إنَّ مَنشأه الاضطرابات السياسيَّة في أواخر ستينيَّات القرن العشرين، والتي- بخلاف العادة في مثل هذه الاحتجاجات الجماهيريَّة- كانت خلالها وظيفة المعرفة الأكاديميَّة ومآلات العلوم الإنسانيَّة من ضمن أبرز القضايا المتنازَع عليها. لذلك، في الأغلب الأعمّ، ازدهرَت النظريَّة إلى حدٍّ كبير إبَّان السنوات التي أعقبت الأحداث في باريس وأماكن أخرى. وجزءٌ كبير من هذا كان وسيلةً لإبقاء الثورة طازجةً في عالم الأفكار، أو إزاحتها لتتحوَّل إلى مشروعٍ آخرَ هدَّام. اجتُثَّت السياسات الراديكاليَّة من شارع سان جيرمان، لتستوطنَ بدلاً منه في ميادين التحليل النفسيِّ وما بعد البنيويَّة. من المعلوم أنَّ اليسار الاشتراكيّ ظلَّ في المقدِّمة في أوائل سبعينيَّات القرن الفائت، بينما ازدهرت النسويَّة بعد ذلك التاريخ بكثير. ويرجعُ ذلك إلى حدٍّ كبير، إلى وجود مسائل سياسيَّةٍ مُلحَّة لا بدَّ من معالجتها، بعكس ما كان الحال عليه بالنسبة إلى التفكيكيَّة أو الفينومينولوجيا. لكن بصفةٍ عامَّة، رضَخ الفعل أمام الخطاب- إذ حارَ الأوَّل أمام شكلٍ من أشكال القوَّة أثبت أنَّه أقوى بكثيرٍ من قدرة الفعل على الاحتمال. في الواقع، كانت النظريَّة بمثابة خِطابٍ فوقيّ، لغةٍ عن اللغة، وبالتالي على بُعد مستويَين من موقع اجتثاث الحجارة المرصوفة في الشوارع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع ذلك، لو كان ما سبق كلّ ما في الأمر، لأضحى من الصعب معرفة السبب الذي جعل النزاعات بصدد النظريَّة الأدبيَّة تُخلِّف آثاراً شديدة الوطأة في المساحات المشتركة الرئيسيَّة- وبعضها تبدو قريبة الصلة بي إلى حدٍّ مثيرٍ للقلق. لماذا رُفِض ترشيح دريدا لنيل الشهادة الفخريَّة في جامعة كامبردج من قِبل أساتذةٍ لم يقرؤوا على الأرجح أكثر من بضع صفحاتٍ من أعماله، لكن استمَعوا إلى إشاعاتٍ حول طاولات الشرف بصدد اعتقاد الرجل أنَّ أيَّ شيءٍ يمكن أن يعني أيَّ شيءٍ آخر؟ ليسَ لأنَّ النظريَّة اقترحَت طرائق جديدةً للقراءة، فهذا أمرٌ لم يُولِه أحدٌ عظيمَ شأن، بل لأنَّها مثَّلَت هجوماً على الفكرة التقليديَّة للإنسانيَّات. كان هذا المجال برمَّته يئنُّ تحت وطأة الأزمة، وفاقداً لليقين بشأن هويَّته في خضمِّ أنظمةٍ رأسماليَّة مُتقدِّمة بدت كأنَّها تُنكِر عليه أيَّ قيمةٍ سوى الديكور أو العلاج. كانت الحركة الطلَّابيَّة في أواخر ستينيَّات القرن الفائت، من بين أشياء أخرى، نقداً نبوئيَّاً لجامعات اليوم المتحجِّرة ذات السطوة المفرطة، تلك التي أعلنت نفسها محطَّاتٍ خدميَّةً للاقتصاد الرأسماليّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان لبعض النظريَّات عواقبها الثوريَّة، فيعود ذلك لكونها فرضَت هذا المنطق عديم الروح على الإنسانيَّات نفسها. فلم يعد ممكناً النظر إلى الأخيرة بوصفها حاضنةً للقيمة الذاتيَّة والرؤى الروحيَّة في وسط عالمٍ نفعيٍّ بصورةٍ فظَّة. بل، على العكس من ذلك، صار بمقدورك أن تتناول عملاً فنيَّاً لتُبيِّن كيف أنَّه خاضعٌ لقواعد وأنظمةٍ رئيسيَّة كامنة، أو بُنى سرديَّة عميقة، أو مصالح أيديولوجيَّة، أو تلاعُبِ قوى خفيَّة، والتي يجهلها العمل نفسُه بسذاجة؛ وهكذا يمكنك اختزال روح الإنسان الغامضة إلى نتاج عوامل غير شخصيَّة. كان القاسم المشترك بين هذه المجموعة المتنوِّعة من النظريَّات هو معاداتها للتجريبيَّة: القناعة بأنَّ حقيقة العمل الأدبيِّ هي غير ما يَظهَر عليه تلقائيَّاً؛ أي على مبدأ ما تراه هو ليسَ ما تحصل عليه. وبما أنَّ بريطانيا كانت موطن التجريبيَّة، فكان لا بدَّ من استيراد النظريَّة من الخارج غالباً، تماماً مثلما استوردت البلاد معظم كتَّابها الحداثيِّين قبل عقودٍ قليلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالنسبة إلى الإنسانويّين الليبراليّين الذين تَصدَّروا الدراسات الأدبيَّة، كان الأدب موطن ما هو حميميٌّ وغير قابل للاختزال، الالتفاتة الشاردة والخصوصيَّة الحسِّيَّة، وكلّ ما صمد في مواجهة عالم الدول البيروقراطيَّة والشركات عبر الوطنيَّة. بدا مصطلح "النظريَّة الأدبيَّة" متناقضاً بحدِّ ذاته: إذ كيف بمقدور المرء أن يتعاطى بتجرُّدٍ مع نبرة قصيدةٍ، أو مزاجها، أو نسيجها؟ كان الأدبُ الملاذَ الأخير للتجربة الشخصيَّة والروح الفرديَّة، فضلاً عن كونه صورةً من صور السموِّ الإبداعيِّ التي لطالما برزَت كبديلٍ لعقيدةٍ مخفِقة. وإذا كان اللثام سيُماط عن كلِّ هذا بتأثيرٍ من الدالِّ أو تلاعبات الرغبة، فلن يكون هناك مكان آخر حقَّاً للجوء إليه. ولم يكتفِ المُنظِّرون بوضع أياديهم القذرة على الأفلام أو الأدب الخياليّ فحسب، وإنَّما أيضاً على مِحراب الذاتيَّة نفسها. هكذا اقتحمَ الهمجُ القلعة، متسلِّحين بما لا يعدو عن مقالةٍ لكلود ليفي شتراوس أو دليلٍ إرشاديِّ مُخادِع عن جاك لاكان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان من الصعب مُناقشة النظريَّة أو مجادلتها، فإنَّ هذا يعود جزئيَّاً إلى استباقها منتقديها إذ تنطوي في داخلها على شكلٍ من أشكال النظريَّة المضادَّة. النظريَّة لا تؤمن بأساسيَّة الفكر؛ بل حتَّى إنَّها تُشكِّكُ بإستراتيجيَّاتها الخاصَّة. كما قال لاكان في محاكاةٍ ساخرة لديكارت: "أنا أفكِّرُ حيثُ لا أوجَد، ولا أوجَدُ حيثُ أفكِّر". وإذا ما تعمَّقتَ في التفكير، فستَكشِفُ عن قوى نفسيَّة، ومصالح مادِّيَّة، وشبكات من السلطة. وفي حال كان ماركس فيلسوف ذلك العصر، فإنَّ نيتشه كان مؤثِّراً بالقدر نفسه تقريباً. كان القصد من النظريَّة، أو بعضها على الأقلّ، أن تقوِّض نفسها بنفسها، وكانت كلمة السرِّ في هذا الصدد هي "التفكيك". فيمكن دائماً إبانة أنَّ الافتراضات تتداعى وتتقوَّض إذا ما مورِسَت عليها ضغوطاتُ بقوَّةٍ كافية. وقد ثبت أنَّ الاهتمام الجديد بالغموض وعدم اليقين يتمتَّع بجاذبيَّة خاصَّة لدى المنظِّرات النساء، اللواتي يكافحن للحصول على موطئ قدمٍ في حقلٍ يغصُّ برجالٍ شباب منشغلين بحماسةٍ بمقارنة طوْلِ عباراتهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمكن وصفُ عبارات فريدريك جيمسون بأنَّها بروستيَّة الطول في بعض الأحيان؛ سلاسلُ معقَّدة عظيمة من بنيةٍ ُلغويَّةٍ تواصِلُ مسارها المهيب بهدوءٍ ودونما استعجالٍ في بلوغ نقطة النهاية؛ لكنَّ نثرَه لم يكن قطًّ غامضاً عن عمد، على عكس ما يفعل هؤلاء المنظِّرون الذين يجعلون حججهم غير قابلةٍ للدحض عبر صياغتها على نحوٍ مبهمٍ وغير مفهوم، والظلاميَّة نتاجُ القلق بقدر ما هي نتاج الغطرسة. في واقع الأمر، يَبرُز كتابُ جيمسون الأخير، "أعوام النظريَّة"، كواحدٍ من أكثر كُتبه سلاسة ويسراً. ينطوي الكتابُ على نصوص سلسلةِ محاضراتٍ ألقاها في الولايات المتَّحدة قبل ثلاثة أعوام خلت، وبدلاً من بلاغته المصقولة المعتادة، الرزينة وإن كانت رتيبةً إلى حدٍّ ما، فإنَّنا نجدُ صوتَ حديث جيمسمون على نحوٍ أكثر استرخاءً واستنكاراً للذات؛ كرجلٍ يبدو جليَّاً ارتياحه مع جمهوره واهتمامه بهم (وذلك في عباراتٍ من قبيل: "لا تقلقوا بشأن ذلك الآن"؛ و"أظنُّ أنَّكم على الأرجح لن تضطرَّوا... إلى قراءة كلِّ ذلك، ولا أعتقدُ أنَّه ضروريُّ أساساً"؛ و"أودُّ أن تشعروا بما ينطوي عليه هذا الموضوع من إثارة"). </span><span style="font-weight: 400;">يتحدَّث الرجل بنبرةٍ ديموقراطيَّةٍ أميركيَّة، مختلفةٍ تماماً عن نبرة النجوم/ـات الفرنسيِّين/ـات الذين/اللاتي يَشرحُ أفكارهم/نّ. في الكتاب أيضاً لمحاتٌ من فكاهةٍ ساخرة، فيقول مثلاً إنَّ ليفي شتراوس "شخصيَّةٌ عبقريَّة للغاية، وهو، مثل الكثير من هؤلاء الأشخاص، غير جديرٍ بالثقة على الإطلاق". </span><span style="font-weight: 400;">وعلى النقيض من معلِّمي "ضفَّة اليسار"، لم يرَ جيمسون في تفسير بعض الأفكار الأساسيَّة انتقاصاً من مكانته: كالنظام الأبويّ مثلاً، أو حقيقة أنَّه ليس لدى فرويد مفهومٌ حقيقيّ عن الأمّ. وعندما يتعلَّق الأمر بشؤون العقل، في المجال الثقافيِّ على الأقلّ، فالولايات المتَّحدة مُستعمَرةٌ لأوروبا، وأسلوبُ الكتاب يعكس هذه الحقيقة. حتَّى إنَّه يضمُّ بعض الشائعات، والشذرات الغريبة من السيرة الذاتيَّة. من قبيل ذلك أنَّ لاكان التقى في شبابه بجيمس جويس، وربَّما أجريا تحليلاً نفسيَّاً لبيكاسّو. وكذلك استشارَه سارتر الذي كان يعاني من الهلوسات في ذلك الوقت. نقرأ أيضاً أنَّ فوكو ودريدا لا يطيقان بعضهما، أو بالأحرى على نحو ما يتصوَّره المرء بشأن أنَّ غوردون رامزي وجيمس أوليفر ليسا على وفاق. لقد كان دريدا عضوَ الأنتليجنسيا الوحيد الذي زار زميله الجزائريّ لوي ألتوسير بعد سجنه بتهمة قتل زوجته. كذلك نتعرَّف أيضاً على أنَّ ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، عملاقَي مدرسة فرانكفورت، كانا متابعَين نهمَين لأفلام الإخوة ماركس. حتَّى إنَّ هناك إشارةً أيضاً إلى حَوَل سارتر، فضلاً عن حقيقة أن جيمسون نفسه كان أميلَ إلى اكتساب زيادةٍ في الوزن. فما سبق ليس من نوع الأشياء التي قد تتبادر إلى مسامع المرء في محاضرات لاكان الشهيرة في باريس، فهي عصريَّة ونخبويَّة في آن، كمزيجٍ بين الأكاديميا ومهرجان أسكوت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يعود الكتاب بأعوام النظريَّة الفرنسيَّة إلى أعقاب الحرب العالميَّة الثانية (سارتر، وبوفوار، وليفي شتراوس، وفانون، وميرلو بونتي)، وبذلك ينسج سيرةً شخصيَّة في تاريخها الفكريّ. كان أوَّلُ كتبِ جيمسون عن سارتر؛ إذ اعتبرَ نفسَه "أكثرَ من سارتريٍّ سابق"، وكان ميَّالاً إلى المبالغة في تقدير "الوجود والعدم" الذي شكَّلَ، إلى جانب "عصر العقل"، أوَّل مدخلٍ لجيمسون إلى عالم النظريَّة. وفي واقع الأمر، فهو يخبرنا بأنَّه لطالما حاول البقاء مخلِصاً للوجوديَّة، وهذا أمرٌ مدهش بقدرِ أن يُقال لنا إنَّه لطالما بقيَ مخلِصاً لبوذا. على أيِّ حال، يَصعُب أن نرى أيَّ دليلٍ على هذا الالتزام في أعماله الغزيرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم يكن تعليقه على سيمون دي بوفوار بالجودة المطلوبة، لكن من المفاجئ أنَّه أجراه في الأصل؛ ذلك أن جيسمون كان خجولاً من التطرُّق إلى الجنس في كتاباته، بيد أنَّه تناوله في هذا الكتاب بصورةٍ مباشرة أكثر من أي موضع آخر (ضمَّ العمل أيضاً تعليقاتٍ بصدد فيلسوفاتٍ نسويَّات، على غرار مونيك فيتيغ، وجوليا كريستيفا، ولوسي إيريغاري). يُدخِل جيسمون دراسات السينما في هذا المزيج أيضاً، والتي ظلَّت شغفاً راسخاً لديه منذ أمدٍ طويل، مُشيداً بجان لوك غودار باعتباره لا يقلُّ عظمةً عن أيٍّ من مُفكِّري تلك الحقبة. الحديث هُنا عن عصرٍ ثقافيٍّ يُقارَن أحياناً باليونان القديمة وألمانيا التنوير. وبمعنى تقريبيّ، يتحوَّل هذا العصر من الذات البشريَّة بوصفها فاعلاً حرَّاً وذاتيَّ التكوين (الوجوديَّة)، إلى الذات باعتبارها نتاجاً لقوى تتجاوز نطاق إدراكها أو سيطرتها (البنيويَّة، والتحليل النفسيّ). أو، بمصطلحاتٍ مختلفة، التحوُّل من التحرير إلى النيوليبراليَّة. فنبدأ بالتحدُّث عن العالم، ثمَّ ينتهي المطاف بنا حديثاً له.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتناول فصولٌ لاحقة من الكتاب رولان بارت، وجان بودريار، وجاك لاكان، وجاك دريدا، ولوي ألتوسير، وميشيل فوكو، وجيل دولوز، وآخرين، فيما يبدو وكأنَّه سباقٌ دؤوب مع الزمن. لكن نظراً لمحدوديَّة وقت المحاضرات، فكان لا بدَّ من تلخيص كلٍّ من هؤلاء المفكِّرين، الذين اشتُهِر بعضهم بغموضهم الشديد، في أقلّ من عشرين صفحة. والنتيجة، حتماً، شعورٌ بالتفكُّك والانفعال والعجلة المفرطة- انقطاعاتٌ مفاجئة، أو روابط غير مكتملة، أو موضوعاتٌ رئيسيَّة أسقِطَت لأسباب يستعصي تبريرها. هناك أيضاً رُقعٌ من فكرٍ غير مُنظَّم، وطيفٌ من موضوعاتٍ غير مترابطة. ومع ذلك، تستحقُّ كلُّ هذه الخسائر الناجمة عن شكلُ الكتاب أن نتسامَح معها أمام الثروة المعرفيَّة التي يقدِّمها. في بعض الأحيان، تُقارَب النظريَّة كما لو كانت نتاج نفسها بنفسها، لكنَّ جيمسون، بوصفه مادِّيَّاً، كان متيقِّظاً إلى جذورها التاريخيَّة وتداعياتها الخارجيَّة- إلى الصحف، والجماعات، والانشقاقات، والشخصيَّات، والأحداث الجذريَّة، وموجات الفكر السياسيّ في فرنسا ما بعد الحرب، والتي كان صاحبَ معرفةٍ موسوعيَّةٍ بها. فعلى سبيل المثال، هناك نتاجٌ غزير من التعليقات على لاكان، لكنَّ القليل منها فقط تشير إلى أنَّ الطلَّاب الذين توافدوا على ندواته كانوا في غالب الأمر ماويِّين.</span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="aligncenter wp-image-33830 size-full" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/81x8-AwUgdL._AC_UF8941000_QL80_.jpg" alt="" width="654" height="1000" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/81x8-AwUgdL._AC_UF8941000_QL80_.jpg 654w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/11/81x8-AwUgdL._AC_UF8941000_QL80_-196x300.jpg 196w" sizes="(max-width: 654px) 100vw, 654px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم تقتصر معرفة جيمسون على أمَّةٍ بمفردها. بل إنَّ المرء ليحار اليوم بوجود شخصٍ على قيد الحياة قد قرأ من الكتب ما قرأه، من هرقليطس وبارمينيدس إلى نصوصٍ مبهمة ومنشوراتٍ لم يَسمع بها أحدٌ سواه. لهذه الرغبة في الكلِّيَّة مثالبها. كان جيمسون على الدوام مفكِّراً سخيَّاً للغاية، متمسِّكاً بما أحبَّه من هيجل بشأن أنَّ الكلَّ مكمنُ الحقيقة، وأنَّه لا مناص للمرء من محاكمة الأفكار في هذا السياق بدلاً من رفضها جزافاً. ربَّما كانت ثمَّة نزعةٌ أميركيَّة أراد تأكيدها في عمله هذا، على نقيض السلبيَّة التي تُميِّز الفكر الفرنسيَّ من إستطيقا مالارميه وعَدَمِ سارتر، إلى اختلاف-إرجاء دريدا وحدث آلان باديو الخارق. يقول جيمسون إنَّه يلتزمُ مؤقَّتاً بجميع الحالات النظريَّة التي تناولها عمله؛ وهو قولٌ يتجاهل التناقضات الصارخة بين تلك الحالات من جهة، وعدم توافق بعضها مع معتقداته السياسيَّة الماركسيَّة من جهةٍ أخرى. مقاربةٌ كهذه أكثرُ نموذجيَّةً لقاعة محاضراتٍ منها إلى حَشدٍ سياسيّ. وعلى العكس من ذلك، يرى ماركس، ناهيك عن يسوع المتحزِّب بضراوة، أنَّ الحقيقة ليست كُلِّيَّةً بل أحاديَّة الجانب. إنَّها شُبهةٌ وحَجرُ عثرة، وسيفٌ قاطع يَقصدُ كشف الزيف والخداع باسم الانعتاق الإنسانيّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمتدح جيمسون دولوز، قائلاً إنَّه "واحدٌ من أروع مفكِّري القرن العشرين"، مضيفاً أنَّ الأخير يُحوِّل كلَّ المفكِّرين الذين يتعامل معهم إلى نفسه. بالنسبة إليّ، لا أجد الأمر على مثل تلك الدرجة من الروعة، تماماً كما ليس هناك الكثير ممَّا يثير الإعجاب في الحالة المزرية من إضفاء المثاليَّة على الفصام، والتي أدَّت أعماله إلى برزوها. وإنَّه ليس من الممكن حقَّاً استخلاص الأخلاقيَّات من فلسفة الرغبة المتكلِّفة لدولوز، ولا حتَّى أيُّ سياساتٍ قابلة للتطبيق في هذا الصدد. بيد أنَّ جيمسون ظلَّ صامتاً إزاء هذه الأسئلة، ويسعى كالمعتاد إلى الفهم بدلاً من الانتقاد. لا ينبغي على المرء الانزلاق إلى حالةٍ من معارضةٍ تبسيطيَّة ما بين الخير والشرّ، مُهيَّأةٍ للتفكيك. ولكنَّك أيضاً لستَ بحاجةٍ إلى تزلُّف الميتافيزيقيا لانتقاد دونالد ترامب. واقعُ الأمر أنَّ التفكيك لم يكن أسلوبَه، ولا التهكُّم أو الانتقاد الساخر. لقد كان واحداً من أقلّ الكتَّاب اليساريِّين انفعاليَّةً وجدلاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنَّ المنظِّرين الثقافيِّين من أمثال جيمسون هُم إعادة اختراعٍ للمُفكِّر الكلاسيكيّ. يختلف المفكِّرون عن الأكاديميِّين في تنوُّعهم بين عددٍ من التخصُّصات، وكذلك في تطبيقهم أفكارهم على المجتمع برمَّته. والمفكِّرون عادةً موسوعيُّون ومتعدِّدو اللغات. جيمسون أتقن عدَّة لغات، وامتاز بشهيَّةٍ نهمةٍ للمعرفة؛ فتَرَاه متمكِّناً في أدب الخيال العلميّ التشيكيّ، وكذلك في السينما التايوانيَّة. وظلَّ منكبَّاً على إنتاج أعمالٍ بارزة حتَّى وافته المنيَّة قبل شهر، عن عمرٍ ناهزَ التسعين عاماً. وقد بيَّنت مجموعة اهتماماته الاستثنائيَّة السبيلَ الذي قد يُمكِّنُ النقد الأدبيَّ عديمَ الجدوى اجتماعيَّاً، من تبرير وجوده. فمن خلال تحوُّله إلى شكلٍّ من أشكال النقد الثقافيّ، فإنَّ بمقدوره لعب دورٍ متواضع في تغيير العالم، وكذلك تفسيره.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على غرار نظيره الإنكليزيّ بيري أندرسون، والذي يعدُّ خبيراً في اللغات ومتمكِّناً كذلك من التنقُّل ما بين الإستطيقا إلى النظريَّة السياسيَّة فالسياسة الواقعيَّة في سياق مقالة واحدة، بدا جيسمون وكأنَّه ناجٍ من زَمنٍ أكثر سعة معرفيَّة سبقَ ظهور الأكاديميا الحديثة بتخصُّصاتها المُحصَّنة بضراوة. لكنَّ نِطاقه الفكريّ الاستثنائيّ كان أيضاً نتاجاً للحاضر. لقد مثَّلت النظريَّة تكويناً جديداً للمعرفة؛ مُلائماً لزمنٍ تتداعى فيه الحدود بين الموضوعات الأكاديميَّة التقليديَّة، وحيث تشهدُ تُخومُها معظمَ ما يبرز من اشتغالٍ مدهش. سابقاً، كان النقد الأدبيُّ شديد التركيز على النصِّ مُنعزِلاً، دفاعاً عن الثقافة الرفيعة في وجه عالمٍ هجميّ، لكنَّه أضحى اليوم أكثر انفتاحاً أمام طيفٍ واسع من مجالات البحث والاستقصاء. كان الأدبُ حقلَ جيسمون الأكاديميّ، لكنَّ كتابه "أعوام النظريَّة" لا ينطوي إلَّا على القليل بصدد شعراء وروائيِّين، مقارنةً بالفلسفة والأنثروبولوجيا واللسانيَّات والتحليل النفسيّ، وما إلى ذلك. وبناءً عليه، من المرجَّح أنَّ الكتاب يقرُّ بالتحيُّز القائل إنَّ النظريَّة تحلُّ محلَّ العمل الأدبيِّ بدلاً من كونها إثراءً له. </span><span style="font-weight: 400;">وهو في واقع الأمر يُؤكِّد الرأي القائل إنَّه ليس بمقدور النقد أن يزدهر إلَّا من خلال تجاوزه حدودَه التقليديَّة، وذلك بالتخلِّي عن النمط الواحد لهويَّته في سبيل اكتشافٍ نمطٍ آخر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أكثر ما يختلف به جيمسون عن المفكِّر الكلاسيكيّ هو افتقار الأوَّل إلى شعبيَّةٍ جماهيريَّة عارمة. فجورج إليوت وجون ستيوارت ميل كانا يتنقَّلان في ما لا يزال يمكننا تسميته مجالاً عامَّاً، لكن لا ينطبق هذا تماماً على نظرائهم المعاصرين؛ باستثناء الندوات العامَّة للأساتذة الباريسيِّين في ستينيَّات القرن المنصرم وسبعينيَّاته، إذ كانت بمثابة فعاليَّاتٍ اجتماعيَّة وميادين للتعلُّم في آن. فلا شكَّ أنَّ ندوات لاكان كانت الأكثر شهرة، كما اجتذبَ دولوز أيضاً جحافل من المؤيِّدين المتحمِّسين، فضلاً عن عددٍ من مشاريع أخرى أكثر تواضعاً. وإذا ما نظرنا إليها مجتمعة، وبصرف النظر عمَّا قد تنطوي عليه من استعراضٍ أو تباه، فإنَّها تُمثِّل تواشجاً استثنائيَّاً بين الحياة الاجتماعيَّة والفكريَّة، وهذه حالةٌ لم يستطع العالم الناطق بالإنكليزيَّة الحديث مضاهاتها قطّ. فيواجِه الأكاديميّون اليوم صعوباتٍ بالغة في جذب الطلَّاب المسجَّلين لحضور مقرَّراتهم، فما بالك بإقناع عامَّة الناس!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن إذا كانت النظريَّة قد أحدثَت موجاتٍ صدميَّة بهذا الحجم، فماذا حلَّ بها الآن؟ وأين حشود النقَّاد الماركسيّين من سبعينيَّات القرن الفائت، أو أسراب مُريدي دريدا من ثمانينيَّاته؟ الإجابة البسيطة هي أنَّه لا يمكن إبقاء زخم الثورة متَّقداً في الروح إلَّا لفترةٍ محدودة. فمع تبلور الإدراك شيئاً فشيئاً أنَّ الثورة لن تحدث على أرض الواقع، تَحوَّل عصرُ كلٍّ من هارولد بلوم وهيلين سيكسو إلى ما بعد الحداثة؛ إلى ثقافة حكمة الشارع التي ترى في النظريَّة برمَّتها شأناً بيروقراطيَّاً للغاية. </span><span style="font-weight: 400;">لا يُبدي ما بعد الحداثيِّون شهيَّةً نهمة إلى المجرَّدات، وهم يُفكّرون ببراغماتيَّة وليس بتاريخيَّة، ولديهم هوسٌ بالجنسانيَّة ودونما اكتراثٍ بالاشتراكيَّة. وهم أكثر اهتماماً بالخروقات والخِلال من التحوُّل والانتقال.</span><span style="font-weight: 400;"> في حين كانت النظريَّة من ضمن قضايا أخرى مَثَّلت بَعثا وَجيزاً لعصيانٍ فاشل. وارتبط تقهقرها بما أسماه جيمسون نزع مَرْكَسة فرنسا، حيثُ حلَّ "الفلاسفة الجدد" محلَّ الألتوسيريِّين. لكنَّها، مع ذلك، تظلُّ أيضاً أكثر ما شهدته الدراسات الأدبيَّة إثارةً منذ أيَّام فرانك ريموند ليفيس، ولا شكَّ أنَّ العديد من استبصاراتها ستبقى صامدةً حتَّى أمدٍ بعيد.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/33828">تيري إيغلتون عن فريدريك جيمسون: ما ينطوي عليه الموضوع من إثارة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-10-19 04:21:40 by W3 Total Cache
-->