<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>ممدوح عدوان - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D9%85%D9%85%D8%AF%D9%88%D8%AD-%D8%B9%D8%AF%D9%88%D8%A7%D9%86/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/ممدوح-عدوان</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:41:19 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>ممدوح عدوان - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/ممدوح-عدوان</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الإلياذة السورية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19538</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[جولان حاجي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 10 Jan 2019 17:39:11 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[ممدوح عدوان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b0%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>سهرة مع ممدوح عدوان في جزيرة الأبراج لا أتحلّى بالذاكرة الحديدية لأحمد دحبور كي أسترجع تفاصيل السهرة التي جمعتنا حول مائدة نزيه أبو عفش في ليل دمشق منذ حوالى خمسة عشر عاماً أو أكثر. اقترح ممدوح عدوان أن يقرأ الشعراء الشبّان قصائدهم، رافعاً نخبهم كأس عرق بلدي: "نادوني ممدوح. نقطة انتهى. حتى ابني الصغير يناديني [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19538">الإلياذة السورية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">سهرة مع ممدوح عدوان في جزيرة الأبراج</span></h3>
<p dir="rtl">لا أتحلّى بالذاكرة الحديدية لأحمد دحبور كي أسترجع تفاصيل السهرة التي جمعتنا حول مائدة نزيه أبو عفش في ليل دمشق منذ حوالى خمسة عشر عاماً أو أكثر. اقترح ممدوح عدوان أن يقرأ الشعراء الشبّان قصائدهم، رافعاً نخبهم كأس عرق بلدي: "نادوني ممدوح. نقطة انتهى. حتى ابني الصغير يناديني باسمي الحاف!". لا أتذكر الآن الشاب الآخر الذي قرأتُ معه، ولا أتذكر ما قلت حين سألني ممدوح عدوان عن رأيي في شعر نزيه أبو عفش. فوجئتُ بالسؤال، وأحسب أن طارحه كان معتاداً على مثل هذه "المشاكسات" (وقتذاك كانت مفردة "مشاكسة"، مثل "التلاصّ"، رائجة في المراجعات الصحفية للشعر). نسيتُ جوابي الذي أظنه قد استفزّ نزيه، وربما أغضبه وأحزنه. ظلّ صامتاً. لا أعلم إن كنتُ قد انتقدتهُ حقاً، لكن يبدو أن وطأة ملاحظاتي المرتجلة كانت أثقل مما توقّعت لأنها قيلت أمام ممدوح عدوان. صمته ذاك يحزّ في النفس، كما تحزّ في الصدر القطيعة التي طرأت بيننا.</p>
<p dir="rtl">في تلك السهرة، كنا جالسين قبالة منظر بالأخضر والأبيض رسمه رضا حسحس، أو تحت وجوه يلفها النور والضباب في لوحات نزيه المعلقة إلى الجدران، وعادل محمود يتذكر السهولة التي يسكر بها أبو يسار أحمد دحبور، فقد تسكره جرعة من "غطاء القنينة"، بل قد يسكره الماء. كان أصحابه ذات مرة، في إحدى سهراتهم في تونس أثناء العمل على تحرير مجلة "لوتس"، قد أوهموه إن ما يشربه فودكا "سكّ" وسقوه ماء أسكره. كنتُ قد سمعتُ إن أحمد دحبور قد فقد حاسّة الذوق بعد إصابته بالتيفوئيد في طفولته السورية في مخيم حمص للاجئين الفلسطينيين، ولم أفهم كيف تؤدي هذه الحمى، على ما قيل لي، إلى تعطيل عصب اللسان وتحطيم حليمات الذوق، وكيف سها الرواة عن الشمّ. كان بوسع أبو يسار أن يشمّ الكحول على الأقل، ورجل دقيق مثله دائم الانتباه. كان إذن راغباً في الممازحة ليكتمل المرح، وإن كان المزاح خليّ البال صعباً لدى شخص متوقّد الذهن مثله عاجز عن النسيان، إذ قد تقفز في عزّ الضحك ملاحظة غريبة لا يعلم أحدٌ من أين أتت إلى خاطر قائلها. غير أنني استغربتُ تعليق ممدوح عدوان في الأمسية التي رتبتها المصادفات وجمعت شعراء شبّاناً بالمكرّسين في خريف الشام ونحن نرى من الشرفة الواسعة أنواراً متفرقة على الجهة الغربية من جبل قاسيون، إذ قال بعد قراءة نزيه مقطعاً يزرع فيه آدمُ التفاحَ ويُسمع غناء الحيات: "الحيوانات مرة أخرى؟ أنت على نهج المعرّي. هل القصيدة القادمة عن الديدان؟ أنت كتبت "إنجيل الأعمى" وأنا سأكتب إنجيل الكفَرة".</p>
<div style="text-align:center"><img fetchpriority="high" decoding="async" alt="ممدوح عدوان" height="600" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/8291906192_0e8eb5d33c_b-1.jpg" width="1024"></div>
<p dir="rtl">
كان ممدوح، صاحب البديهة التي لا تغيب وعاشق الملذّات، يكتسح الجلسات ويخلق "جوّاً"، ولا يفوت سانحة ليمزح أو يمرّر ملاحظة لاذعة، وربما كانت إشارته هنا إلى أوسكار وايلد. لا أدري. ولأنني لا أميّز بين المزاح والاستهزاء أحياناً، وقد أرى في التعبير الشامي "شي ظريف" تهكّماً أو استخفافاً، فقد اندفعتُ إلى القول بشيء من الارتباك، وقد زجّ بي كلامي في "جماعة بريجيت باردو": "وكتابك القادم أبو زياد؟ أنسنة الحيوان؟" كأن تعليقه قد مسّني شخصياً فاستنهض من ذاكرتي نفوري من "حيونة الإنسان"، وكنتُ حين أصادف عنوان هذا الكتاب أسمعه يُتلى في داخلي بنبرة عسكرية آمرة تذلّ الإنسان والحيوان معاً. فكّرتُ كالمراهقين بردّ أعنونه "دفاعاً عن الكليشيه" أعارض به كتابه الآخر "دفاعاً عن الجنون". وقتذاك، كان أحمد دحبور قد أعدّ ديوانه "كشيء لا لزوم له"، لكنه لزم الصمت ولم يعقّب، ربما لأنه كان يألف مثل هذه النقاشات ولا يعيرها أذنا ولا بالاً، أو ربما كان قد حنّ إليها وأراد أن يسمع المزيد، بعد انقطاع عن أصدقاء شبابه في حمص والشام، وكانت هذه الحيوية تنعش روحه.</p>
<p>على أي حال، لم أطق الجمع في المزاح بين المعرّي ونزيه أبو عفش اللذين أحبّ كتاباتهما، رغم الفروق الشاسعة بينهما، وخلتُ إن ممدوح يتعمّد هذه الإساءة التي لم أكن معتاداً على سماع مثلها، متعمّداً، وهو القارئ الألمعي، قراءة هذين الشاعرين على هذا النحو، وربما كان يرى فيهما ما عجز هو عن كتابته في مجمل قصائده. لم يترجّل ممدوح عدوان عن المنابر، وظلّ إلى أيامه الأخيرة صاخبَ الإيقاعات وأسير القوافي، بينما التفت نزيه إلى ذاكرة قلبه وبثّ حرارة انفعالاته ومخاوفه في كلماته، غاص في نفسه ورقّت موسيقاه ونثر شعره في دقائق الحياة العادية ومسرّاتها وأوجاعها. هذا ما حاوله ممدوح أيضاً حين سلك متأخّراً طريق النثر الذي شقّه محمد الماغوط، وكان الجامع بين هذين الرجلين وطيداً تمتّنه أولاً السخرية من الحياة، وقد سمح لهما النظام في دمشق بانتقاد النظام عبر المسرح والمقالات، كلٌ وفق أسلوبه طبعاً، كما قدّم كلٌ منهما مختاراتٍ شعرية للآخر ممتدحاً جرأته وشجاعته.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="أحمد دحبور" height="1077" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/bposts20170701011856-1.jpg" width="1483"></div>
<p dir="rtl">
ذات صباح، حين كنتُ أعمل طبيباً للأورام في مستشفى الأسد الجامعي في دمشق، هاتفني نزيه وأوصاني بزيارة أحمد دحبور في قسم العناية المشددة هناك، إذ أصيب فجأة بمرضٍ دمويّ لم يكن تشخيصه واضحاً، ثم تعافى منه لاحقاً ورحل عن هذا العالم لسببٍ آخر على ما أعتقد. كان أبو يسار يخشى أن يسير على خطى إدوارد سعيد، فأجبتُه "خزعة العظم للاطمئنان. ليس هناك ابيضاض دم. لا تقلق". ربما منعه الإنهاك من تقليب هذا التعريب الطبي لمصطلح اللوُّكيميا والتلاعب بمرادفاته من بياض الشّعر إلى بياض القلب واللسان... كان الهزال بادياً عليه، وقد قلّ كلامه وجفّت شفتاه وشحبت سحنته تحت غرّته البيضاء، والبريق في عينيه يعكس قلقاً وخوفاً. كان يعتقد أن أسباب مرضه تكمن في تلوث الهواء والتراب والماء، وربما كان قد قرأ في الصحافة المحلية أن المختبرات في مستشفى الأسد تلقي باليود المشعّ (المستخدم في معالجة الغدة الدرقية وفحوصاتها) إلى المجاري التي كان ماؤها العفن يتدفّق إلى فرع من فروع بردى ويسقي بساتين المزة ومساكب الخضار في حي الإخلاص. أتذكّر ما كان أبو يسار يقوله حين غادرنا تلك السهرة الشعرية، حتى شممتُ معه روائح زيوت الفلافل والقرنبيط التي يشغّلون بها محركات السيارات القديمة في شوارع غزّة المحاصرة. كان أبو يسار ثملاً بعض الشيء، بعدما أسرف في المسكِرات، الحقيقيّ منها والوهمي، فرافقتُه من مشروع دمّر إلى الصالحية. كنتُ ممسكاً بمرفقه ونحن نهبط الدرج المعتم في جزيرة الأبراج. استوقفت التاكسي بعد منتصف الليل، فجلس إلى جوار السائق، والتفت ليكمل حديثه عن آل علماني في مخيم حمص، وقال: "سأختصر لك أولادهم بنقطتين: التفوّق الدراسي وفقر الدم". كان قميصه الخفيف السكّري اللون قد تلطّخ ببقايا شحم أسود في حزام الأمان. كان قد بدأ الكتابة في ذلك المخيم نفسه وخطّ أولى قصائده في الفقر والحرمان. قال إنه قد أخذ عن موريس قبق ضرورة أن يزن الشاعرُ الكلماتِ بميزان الذهب، وتذكر "شهيد النهد الأسود": "وجزيرة مغسولة أبداً بالوهم والسكّان أطياف"، ثم قال: "تعرف إن موريس من مصياف وعاش في حمص. كان أستاذنا في الشعر، أنا ونزيه". ثم أضاف بعد سكوت، والتاكسي ينعطف بنا هابطاً من قاسيون عند مشفى الشامي، والعاصمة تعوم في الدخان مضاءة بقليل من المصابيح: "نزيه يحبك كثيراً. كان قد استلم رسالة منك حين قابلته ذلك اليوم، ورأيتُ بعيني الدمعةَ في عينه لما قرأها". ترجّلنا عند مدرسة جودت الهاشمي، مقابل المحل الصغير لمحمد المصري "أبو فريد" جامع الأغاني القديمة، ومشينا مترنّحين، تحت أشجار الكينا على الأرصفة الخالية في ليل دمشق، باتجاه فندق الشام حيث كان أبو يسار سيمضي ليلته. مشيتُ في آخر الليل إلى شارع 29 أيار، أحبّ الشوارع إليّ وأشتاق إليه أكثر من أي مكان آخر في دمشق. هناك، عند ناصية المركز الثقافي الروسي، مفرق عين الكرش التي سمّيناها "سرّة الفيحاء"، لطالما استقللتُ التاكسي مع نزيه إلى جهات وعناوين لا أستطيع أن أحصيها، وكان ينفعل إذا بادر السائق إلى التحية حين يرى لحيته: "وعليكم السلام حجّي". أين اختفت أوراق تلك الرسائل التي كنا نتبادلها؟ هل أحرقتها الحرب؟ كيف سأصدّق أن الصداقة تنتهي؟<br />
<img decoding="async" alt="عمل ليوسف عبدلكي" height="650" src="https://rommanmag.com/ckfinder/userfiles/images/%D8%B9%D9%85%D9%84%20%D9%84%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%84%D9%83%D9%8A.jpg" style="float:left" width="470"></p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">طرفة بن العبد، حفيد سيزيف</span></h3>
<p dir="rtl">أتذكّر ممدوح عدوان في سهرة أخرى يسترجع أمامنا كيف توفّي حافظ الأسد، وكيف انتقل الكرسي إلى بشار الأسد، ودور مصطفى طلاس في ترتيب تلك المسرحية. نهض أبو زياد عن كرسيّه، السبّاق في دراسة الشبيحة، ليرسم بيديه أمام السهارى، والأيدي قابضة على كؤوس العرق أمام حكواتي يسرد النبأ "الجلل"، كيف اصطفت السيارات المسرعة "المفيّمة" على جنبات القصر الجمهوري، ثم وصل الضباط الكبار المتفقون على تنفيذ وصية "الوحش"، وأضافوا اللمسات الأخيرة التي لم أعرف ما هي. لم أكن أميّز قصر الشعب عن قصر تشرين وقصر الضيافة، ولا أفرّق بين صلاحيات علي دوبا والراحل محمد ناصيف أبو وائل مالك المقاصف والمطاعم فوق قاسيون، وسرعان ما أنسى أسماء المتنفّذين المسؤولين عن النهب والجرائم، مثلما أنسى مزايا السيارات أو الفروق بين الجاغوار والهامرز.</p>
<p dir="rtl">في تلك السهرة نفسها، سمعت ممدوح عدوان يتحدّث عن ترجمة "الإلياذة"، وبدا لي هذا منسجماً مع الجوّ الحربيّ للسهرة، فبعدما انتهى التهامس عن آل الأسد وسيَرِهم، تعالى الصياح واختلف المتجادلون حول مواضيع أخرى نسيتُها. هل كانت مجازر حماة تراود الترجمان الذي لم يتورّع عن الحديث حول سرايا الدفاع في العلن، وهل رأى المرغمين على "تبويس البسطار" والإعدامات الجماعية أمام البنايات؟ هل طارد انعكاسات بلده في مرايا ما كتبه شاعر طروادة، كما يقرأ السوريون اليوم مصائب الآخرين باحثين عن صور حياتهم وتفاسير أخرى لأهوال أعوامهم الأخيرة؟ الآن يعرف سوريّون بلحم جسدهم معاني أخرى لقول هوميروس حين يمدح محارباً صنديداً بلقب "محاصر المدن". كنتُ أحسب أن ممدوح يمزح، أو يجاري المتأوّهين في المواويل، حين قال إن تسمية اليونانين بـ "الآخيين"، مأخوذة من "آخ" الوجع. "الآخ لغة عالمية"، قال. صاحب الآخ الأعمق هو منيلاوس المنكوب باختطاف زوجته هيلين. اسم آخيل، بطل الإلياذة التي سُميت في البداية "غضب آخيل"، مشتق من "آخوس" اليونانية، أي الأسى. في تلك الآونة، كان علي الشوك، الكاتب العراقي الشغوف بفقه اللغة والموسيقى والرياضيات، قد تطرّق إلى الشبه المحتمَل بين اسم آخيل وبين "الأحلّ" التي تعني في لسان العرب "مَن في كعبه أو رجله رخاوة"، للدلالة على كعب آخيل الذي نال منه سهمٌ مسموم، كما أسهب في تناول الأصول الآشورية والفرعونية والأوغاريتية والكنعانية لملاحم هوميروس. هذه السجالات اللغوية حول الأصول وهجرات المشرقيين في حوض المتوسّط، أرجعتني إلى برهان العابد، أستاذ التخدير وتاريخ الطبّ في جامعة دمشق. كان سؤاله الكلاسيكي في الامتحان هو "اذكرْ عشر كلمات عربية دخلت إلى اللغات الأوروبية"، وكان الأهمّ ألا يُنسى "البطيخ" في اللغة البرتغالية. بالطبع، كان بعض الأساتذة الذين عرّبوا الطب في سوريا ضليعين أفذاذاً، أعضاء في مجمع اللغة العربية، ويعون جيداً جسامة مهمتهم.</p>
<p dir="rtl">لم يكن شعر ممدوح قد تساقط بعد، إثر العلاج الكيماوي للسرطان الذي أصابه. قال إنه يتقاسم مع إدوارد سعيد شيئاً آخر غير السرطان، شيئاً واحداً على الأقل، وهو الشغف بقصيدة كافافيس "في انتظار البرابرة"، وأعتقد أنه قد ترجمها ذات مرة عن الإنكليزية. ولأننا كثيراً ما نردّد داخل رؤوسنا ردوداً لم تخطر لنا في اللحظة المناسبة فلم نقلها في هذا الموقف أو ذاك، فها أنا أسأله: "وماذا عن الحصانين الباكيين في "جوادا آخيل" حيث "الموت مصيبة مؤبّدة"، وقصائده حول الملك السوري ديمتريوس، الراضي بالتنحّي عن عرشه كممثل يبدّل ثيابه ليغادر الخشبة بعد انتهاء العرض ويرحل؟" كان ممدوح يعلم إن الشّعر الطويل علامة أخرى للقوة والفحولة في "الإلياذة"، و"غدائر المحاربين مضفورة بالذهب والفضة". كان يعلم أيضاً إن أجداد الإغريق رعاة وفلاحون لم يعرفوا النقود ولا الكتابة، وأبطال ملاحمهم الشفوية أمّيون. المثال الوحيد الذي نقرأ فيه عن نص مكتوب في الإلياذة هو بللروفون، حفيد سيزيف، الرسول الأمّي الذي حمل بيديه رسالة قتله إلى قاتله، ولم يصادف على الطريق إلى الموت أحداً يعرف القراءة. يصف هوميروس الكلمات المكتوبة بأنها "علامات رهيبة" و "رموز تؤدي إلى الموت". كان شبه هذه الحادثة مع صحيفة المتلمّس خال طرفة بن العبد سيروق لممدوح، وكيف تنتهي شجاعة الكاتب بمأساة، وربما وجد لدى سيزيف الجدّ استعارةً شائعة لأي كاتب يتحدّى مستحيل اللغة فتغلبه دائماً ولا يصل إلى القمة أبداً.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="Simone Weil" height="218" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/220px-Simone1-300x297-1.jpg" style="float:left" width="220"></p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">أناجيل سيمون فايل</span></h3>
<p dir="rtl">الأرجح إن دواعي ممدوح عدوان إلى ترجمة هوميروس تتباين عن دوافع سيمون فايل حين كتبت دراستها "الإلياذة أو قصيدة القوة" بين عامي 1939-1940، وصداها يتردّد في غير موضع من مقالنا هذا. ترجمتْ فايل مقاطع من الإلياذة عن اليونانية القديمة، وكانت أحياناً تصرف نصف ساعة لترجمة بيت واحد من تلك المقاطع التي اختارتها، لتبقى، قدر ما تستطيعه أي ترجمة، لصق المعاني الحرفية للأصل، متجنّبة إسقاط حرب أسطورية غابرة على الحرب العالمية الثانية. بعد اجتياح النازيين لباريس التحقت فايل بالمقاومة الفرنسية في مرسيليا. عند فرارها إلى لندن، حيث انتحرت بتجويع نفسها حتى الموت، كان أحد الكتب القليلة في حقيبتها هو الإلياذة، إنجيلها المقلوب. كانت تقول إنها تستمدّ منه قوة روحية في ذروة الخطر</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">براميل زيوس</span></h3>
<p dir="rtl">نقرأ في الكتاب الثامن عشر من الإلياذة إن مشهد العدالة هو المنظر المزخرف على درع آخيل الذي أهدته إياه الآلهة، وهوميروس يستنطق هذا النقش:</p>
<p dir="rtl">"يتجمهر الناس حول مشادّة بين رجلين يتخاصمان على تسديد دية قتيل. أحد الرجلين يعلن أمام الجمع أنه قد دفع كل شيء، والآخر ينكر قائلاً إنه لم يستلم أي شيء على الإطلاق. وقد أحاط بكل من الطرفين أنصاره وهم يلغطون ويصخبون ويثرثرون بينما المنادون يحاولون فرض السكون والنظام. النبلاء جالسون في هيئة نصف دائرة على مقاعد من الحجارة المصقولة يحملون في أيديهم الصولجانات وكل منهم يقف في دوره ليدلي بحكمه في القضية".</p>
<p dir="rtl">وفي الكتاب الرابع والعشرين نقرأ عن برميلين موضوعين على عتبة زيوس، أحدهما للبركات والآخر للشرور، وقد ينبري أي سوري ليقول إن البرميل الثاني هو "حصة الأسد"، وهو نصيب السوريين في سنوات حربهم: "من يرد به الضرّ وتلاحقه الحاجة اللعينة في أرض الله الواسعة، ويتوه ولا يلقى له من مكرِم، لا من البشر ولا من الآلهة".</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">رجوع الأبطال إلى ذويهم</span></h3>
<p dir="rtl">الإلياذة كتاب الإهانة والخوف والموت، لا الجبروت والانتصارات وعار الهزائم.  كتاب العزاء المحطّم والآمال المحطّمة كأسوار المدن وغبار الأمجاد ومذاق المرارة التي يتجرّعها الجميع كالمجانين. الحرب التي يسهب الشاعر الجوّال هوميروس في سردها بؤسٌ يخلو من أيّ مجد. ينتصر أحدهم ويقتل خصمه، وبعد لحظات نراه يموت. الإلياذة المؤلفة من أربعة وعشرين كتاباً حافلة برجوع الأبطال الموتى إلى التراب، في جدل أليم بين المجد والذلّ. يشير ممدوح عدوان في مقدمة ترجمته إلى كثرة الجراح وكثرة الميتات التي يسردها هوميروس، وهيمنة التشابيه التي استقاها من الحيوانات، وخصوصاً الضواري والكواسر.</p>
<p dir="rtl">في افتتاحية الملحمة يبكي البطل ضعيفاً أمام الموت الذي خطف صديقه الأعزّ، على جثمان باتروكلوس تنهمر دموع أخيل، ذابح الفتيان ثأراً وساحل الجثث. قد يتصادى هذا الافتتاح الباكي مع اقتباس لألبر كامو على لسان كاليغولا، أورده فقط لأنه أثير عند نزيه أبو عفش: "الرجال يبكون لأن العالم كله على خطأ".<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="435" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/757526cb51cda024a53fd8a252c44532-1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">"وكان النحيب يملأ المنزل"</span></h3>
<p dir="rtl">تضجّ الإلياذة بصليل الأسلحة، بالمحاربين الأشدّاء الذين "ينوحون كالأطفال حنيناً إلى ديارهم"، بالمذلين المنهَكين الذين بكوا وأضحكت دموعهم جلاديهم، الذين لم يستطيعوا دفن أهلهم فلم يدفنهم أحد، الذين يقومون بأعمال مهينة ويتمنون لو ماتوا قبل أن يروا ما رأوه وكاد الذعر يمحو ذاكرتهم ويخرسهم وما عاد هناك شيء يدهشهم وبؤسهم تجاوز أي شعور آخر بالبؤس، ولفداحة المصائب ما عادوا قادرين على البكاء، ولا يبكون إلا بنزول الانتقام حين يشهدون موت الذين دمّروا مدينتهم ونكّلوا بأهلها. تضجّ الإلياذة بممسوسين مسلحين يفزعون الشيوخ، بمقاتلين يهينون محتضرين خرّوا على ركبهم، ولكنها تضمّ أيضاً أولئك الذين يخجلون من رفض القتال وهم يخشون القبول به، إلى جانب المهلّلين للهلاك والمنتشين بالأطلال.</p>
<p dir="rtl">الباكون في كل مكان من أرض طروادة، الموتى بالصدفة، والدم الأسود يسيل ويبلل الأرض. كل باكية تتذكر يوماً مشؤوماً. الباكون على هكتور، "حارس الزوجات العفيفات والأطفال الصغار" الذي كان واثقاً من قوته ثم خسر بلده. بكاء آخيل على صديقه الأعزّ القتيل باتروكلوس، ثم غضبه، فالبطل الأسطوري ابن الآلهة لن يرحم أحداً. أمامه ينهار المتضرّعون كيلا يقتلهم، أمامه يرتجف الفارّون بجلودهم ويبولون خوفاً من بطشه، الهالكون الذين "غلّفهم الموت بسحابته السوداء". لا هيبة للقوي إذا أشفق واكترث. لن يكون البطل بطلاً إذا لم يَقتلْ في الحرب التي تعشقها قلوب الرجال المتفاخرين بشجاعتهم، الساخرين من نكتة الاعتدال، والمحتقرين لجبناء ترعبهم إراقة قطرة دم واحدة. يقول آخيل: "لا شيء يعادل حياتي، فحياة الإنسان إذا ذهبت لن تعود". لنسمعه كيف لبّى تضرّع المذعور الذي استعطفه كي يتيح لعينه أن ترى نور النهار مرة أخرى: "هيا يا صاحبي، مُتْ أنت أيضاً. لِمَ تشكو إلى هذا الحدّ؟ لقد مات باتروكلوس أيضاً، وكان خيراً منك". توسّل الضحية يضاعف نشوة المنتصر، وإن كانت آذان المنتصرين صمّاء. أما الذين لا يلقون حتفهم فيواصلون الحياة حاملين كل تلك الجثث معهم ولا ينسون هلع الصباحات التي رأوا فيها الموت ورافقتهم صوره من يوم إلى يوم. لقد تحقق المستحيل ولا تزال حياتهم مستمرّة من بعد تحققه.</p>
<p dir="rtl">لا أحد في الإلياذة يخلع البراءة على الضحايا الذين أعداهم الأقوياء بالاستهتار. ربما فحوى الملحمة إن الحياة قصيرة ولا كرامة لضعيف. هكذا تعود الحرب إلى نقطة البداية مرة أخرى، وحين تندلع وتستمرّ لا يدوم التبجّح بالقوّة والبسالة اللتين يتفاخر المتقاتلون بامتلاكهما قبل نشوب المعارك، ولا يدوم حب الموت إلا من طرف واحد، ولا يعود أحد يعلم إلى متى ستستمرّ هذه الرحى بالدوران أو كيف ستتوقّف هذه المطاحنات أو تنام، وتترك في النهاية بقايا عقول تآكلتها الفجائع والأحزان وشهوات الثأر. يستمرّ الموت في مرارة باردة تغرق شيئاً فشيئاً في الرتابة وتفتك بالروح وتجفّفها.</p>
<p dir="rtl">الحرب في الإلياذة اندفاع أعمى كناقة الموت العشواء في معلقة زهير بن أبي سلمى، وتبقى لغزاً مهما شُرحت عواملها وعناصرها. الشاعر أعمى، القوة عمياء، الغاضب أعمى، الخائف أعمى، المنتقم أعمى، الأقدار عمياء. العدالة معصوبة العينين، والحرب مسرح تحرّكه نزوات الآلهة الماكرين، المتقاتلون قتَلة وقتْلى يتناوبون الأدوار، ورقّاص الموت ينوس بين المنتصرين والمهزومين، بين المنقضّين والمرتعدين، الهاربين والمطارِدين، ولا أحد ينجو. لا أحد.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="لوحة لنزيه أبو عفش" height="678" src="https://rommanmag.com/ckfinder/userfiles/images/%D9%84%D9%88%D8%AD%D8%A9%20%D9%84%D9%86%D8%B2%D9%8A%D9%87%20%D8%A3%D8%A8%D9%88%20%D8%B9%D9%81%D8%B4.jpg" width="1012"></div>
<h3 dir="rtl">
<span style="color:#ff0066">أسباب أولى</span></h3>
<p dir="rtl">إن مستقبل أي محارب هو القتل. هذا هو عمله. فرض الموت على الآخرين أو تلقيّه. هذا هو واجبه. من سينجو من هذه اللعنة؟ أين هم الناجون من سحر القوة التي تبطش وتُدمي قلوب الجميع؟ كان نزيه أبو عفش، المشمئز من القوة والمشمئز من غواياتها (من قوة الشخصية إلى قوّة اللغة وقوة العضلات...)، يرى الحرب مندلعة داخل الأوهام والكوابيس، في القلوب والرؤوس، قبل حدوثها على أرض الواقع، وكان يرى النصر مصيبة أخرى. طالت حرب سوريا حتى شاب الشابّ بشار الأسد، والمقاتلون الذين ناهضوه أو ناصروه، المتباهين ببطولاتهم في الصور الفنية على الصفحات الأولى للجرائد، ماتوا أو رضخوا وارتضوا بالهوان.</p>
<p dir="rtl">الحرب نأتْ بنزيه عن بعض من أقدم أصدقائه وأقربهم إليه، وعمّقت مواقفه ومواقفهم الخنادقَ بينه وبينهم. الآن، بعدما استفحلت الجرائم والأكاذيب في سوريا وانقشعت أوهام كثيرة وسطعت الخيبات وتناطح المغرورون وبدأ دعاة العدالة دربهم الطويل، لن يقبل أحد بالتنازل عن رفعة ألمه أمام آلام خصومه وأشقائه. هذه هي أيضاً سيرةُ الإلياذة التي تكاد تخلو من أي إشارة إلى اللطف الإنساني. لا تقع أعيننا على الرحمة في أي صفحة من صفحاتها، لا لأنها سبقت المسيحية أو لأن كاتبها مجنون لا يعرف الحكمة ويخشى اتهامه بالسذاجة، وإنما لأن البؤس والأسف يغمران الجميع والمعاناة شاملة، رغم أنها تعجّ بأناشيد الثكالى والأرامل، الإخوة والأصدقاء والأمهات، مرفوعة إلى أرواح المفقودين. لنتذّكر "الآن وقد خسرتُ أهلي بسبب جنوني..."، أو "ها أنا أرملتك تركتني وحيداً في بيتي، وما زال طفلنا صغيراً، أنجبناه أنا وأنت، نحن التعساء". أما الشخصيات الموصوفة باللطف في الإلياذة فأندر ما يكون. ما من لطفاء إلا الموتى. نقرأ مثلاً عن باتروكلوس الذي عرف كيف يكون لطيفاً مع الجميع، ولم يرتكب فظاعة بحقّ أحد: "ولأن زيوس سمح لأعدائه أن يذلّوه على أرضه التي وُلد فيها، أبكيك، أنت يا من كنتَ لطيفاً على الدوام".</p>
<p dir="rtl">لا ننسى أن هوميروس كان يتخيّل طروادة، مدينة العدوّ التي لم يزرها وبالطبع لم يرَها. ما نتحدث عنه هنا شيء بائد لم يبقَ منه أي أثر إلا كلمات مشكوك في صحتها ونسبها. على أية حال، لا جدال حول أن الشاعر الأعمى يغنّي حرباً لم يشهدها، وملحمته "الإلياذة" تتخيل عنف الإنسان من دون شكوى، وتوثقه على شكل أناشيد (ليس هذا غريباً في بلاد كاليونان القديمة حتى قوانينها كانت منظومة شعراً، وقد لا يقبل أحد قولنا إنهم قد وهبوا شعلة الشعر الأولمبية إلى العرب)، وإذا ما كانت وثيقة تاريخية فمؤرّخها منشدٌ كتبَ سيرة غنائية للأقدار، يبدأ حين تكون الحرب قد شارفت على نهايتها، تستغرق الأحداث مدةً كمدة الحداد، أي أربعين يوماً هي الأخيرة في السنوات العشر التي استغرقتها الحرب. كان تصميم طروادة متاهياً. المتاهة جزء من قداسة المدينة المدمّرة، والمدن التي تنجو من نكبات الحروب تتكفل بتدميرها الزلازل والحرائق. نعلم من هيرودوت إن حرب طروادة قد نشبت بذريعة وهمية لأن هيلين المخطوفة كانت في مصر، لكنّ الحروب تستمرّ بعد اندلاعها لأن أسبابها الأولى تُنسى في المعمعة، وقد لا يعود لها قيمة تُذكر إلا لدى المؤرخين، وسيقال دائماً إن الحروب محتومة، ولا جدوى من مقارعة الأقدار ولوم السفلة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">*</span></p>
<p dir="rtl">سأختم المقال بهذا النص الذي تخيّل خورخي لويس بورخيس أن أحداثه تدور في أقاليم كانتون ويونّان الصينية (ترجمتُه عن الترجمة الإنكليزية التي أنجزها نورمان توماس دي جيوفاني بالتعاون مع الكاتب).</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">حروب المرايا</span></h3>
<p dir="rtl">في أحد مجلدات (رسائل الغرائب والعِبَر) التي ظهرت في باريس خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر، خطّط الأب فونتيكيو من الجمعية اليسوعية لدراسة عن الخرافات والمعلومات الخاطئة لدى عامة الناس في كانتون. وأشار، في مخطّطه الأوّلي، إلى أنّ السمكة مخلوقٌ برّاقٌ ومخادع ولم يصطده أحدٌ من قبل، لكنّ كثيرين زعموا إنهم قد لمحوها في أعماق المرايا. توفّي الأب فونتيكيو سنة 1736، ولم ينهِ العمل الذي كان قد بدأه؛ وبعد مائة وخمسين عاماً استأنفَ هربرت آلان جايلز المهمة التي لم تكتمل. وفقاً لجايلز، الإيمان بالسمكة جزءٌ من أسطورة أكبر تعود إلى الأزمنة الأسطورية للإمبراطور الأصفر.</p>
<p dir="rtl">في تلك الأيام، كان عالم المرايا وعالمُ البشر –خلافاً لأيامنا هذه- منفصلين الواحدَ عن الآخر، كما كان اختلافهما تامّاً، لا يجمعهما وجه شبه واحد، لا في الكائنات ولا الألوان ولا الأشكال. وعاشتِ المملكتان المرآتيةُ والإنسانية في وئام، وكان في وسع الإنسان أن يروح ويجيء عبر المرايا. ذات ليلةٍ، غزا شعبُ المرآة الأرضَ. كانت قوتهم عظيمة، لكنّ الفنون السحرية للإمبراطور الأصفر انتصرَتْ في نهاية حربٍ دموية. صدّ الغزاة وسجَنهم في مراياهم، وكما لو في حُلم، أرغمَهم على مهمّةِ تكرار كلّ الأفعال التي يقوم بها البشر أمامهم. جرّدهم من جبروتهم وأشكالهم، وصيّرهم إلى انعكاسات عبودية خالصة. ومع ذلك، سيأتي يومٌ تنفكّ فيه التعويذة السحرية.</p>
<p dir="rtl">ستكون السمكةُ أوّلَ المتململين. سنبصرُ في عمق المرآة خطّاً باهتاً جداً، ولن يشبه لونُ هذا الخطّ أيّ لون آخر. فيما بعد، ستبدأ أشكال أخرى بالتحرّك، وشيئاً فشيئاً سيختلفون عنّا. شيئاً فشيئاً سيكفّون عن محاكاتنا. سيخترقون حواجز الزجاجِ والمعدن، ولن يُهزَموا هذه المرّة. وإلى جانب هذه المخلوقات المرآتية ستنضمّ مخلوقاتُ الماء إلى المعركة.</p>
<p dir="rtl">في يونّان، لا يتحدثون عن السمكة، بل عن نمرِ المرآة. ويعتقد آخرون أننا مع تقدّمِ الغزو سنسمعُ من أعماق المرايا صليلَ الأسلحة.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="عمل لرضا حسحس" height="593" src="https://rommanmag.com/ckfinder/userfiles/images/%D8%B9%D9%85%D9%84%20%D9%84%D8%B1%D8%B6%D8%A7%20%D8%AD%D8%B3%D8%AD%D8%B3.jpg" width="785"></div>
<p dir="rtl"> </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19538">الإلياذة السورية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في زمن الأنتي يوتوبيا: التوحش مجرد صفة إنسانية!</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19536</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[روزا ياسين حسن]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 09 Jan 2019 13:03:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ممدوح عدوان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%8a-%d8%b2%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%aa%d9%8a-%d9%8a%d9%88%d8%aa%d9%88%d8%a8%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%b4-%d9%85%d8%ac%d8%b1%d8%af-%d8%b5%d9%81%d8%a9-%d8%a5/</guid>

					<description><![CDATA[<p>مقاربة لكتاب ممدوح عدوان «حيونة الإنسان»</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19536">في زمن الأنتي يوتوبيا: التوحش مجرد صفة إنسانية!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">كما يبدو فإن تاريخ تطوّر البشرية ما هو إلا محاولات الإنسان للهرب من الوحش القابع في أعماقه! إن كان ذلك عبر إيديولوجيات اللاعنف أو التيارات والحركات الثقافية والفنية اللي فضحت العنف وسلطاته وحاربته في مكامنه الخفية عن العامة.. وما إلى ذلك، لكنه تاريخ دأب الإنسان فيه على معاملة الأناس الآخرين كحيوانات أيضاً، وبهذا عمل على إبقاء الحيوان الذي في داخلهم، بل وتغذيته وتنميته وخلق الشروط المناسبة لاستفحاله في داخلهم وفي داخله كذلك، فحين يردّ المقموع على القامع كحيوان يستوجب الردّ عليه كحيوان، وهكذا تخسر البشرية دوماً في هذه الدوامة المتوالدة محاولتها للتطور!</p>
<p dir="rtl">في الكتاب الأخير الذي كتبه الراحل ممدوح عدوان وهو بعنوان "حيونة الإنسان" يظهر كم أن الإنسان كائن يفوق بوحشيته وفظائعه ليس الحيوان فحسب بل كل كائنات الأرض، على عكس ما قد يوحي به العنوان، وكم أن لدينا آراء خاطئة عن الحيوانات التي لديها مخالب وأنياب، فهي لا تفتك بأبناء جنسها، لا تقتل للتمتع أو للإبادة، لا تعذّب ولا تتلذذ بالتعذيب، وبهذا نتأكد كم أن التوحش صفة إنسانية!</p>
<p dir="rtl">هذا النصّ هو أشبه بمقاربة لواحد من الكتب المهمة الصادرة في العقدين الماضيين في العالم العربي والذي يسلّط الضوء على العنف الكامن في كل مفاصل حياتنا.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">عودة شريعة الغاب</span></h3>
<p dir="rtl">كما أضفى المستعمرون الكولونياليون على الشعوب التي استعمروها صفات الحيوانات ومنزلتهم كي يسوّغوا أفعالهم الشنيعة بحقهم، وكي يقنعوا أناسهم بصحة ما يفعلون فلا تعتبر جرائم بحق بشر، كذلك عمل الإنسان بالعموم وعلى مدار تاريخه على تشبيه خصومه من الناس بالحيوانات، باعتبارهم أقل مرتبة منه، لتسويغ استعبادهم أو قتلهم، تماماً مثل تسويغ اضطهاد المرأة بكل أشكاله، واعتبارها أقل شأناً، أو تبرير الاغتصاب: التعبير الجنسي عن العدوانية.</p>
<p dir="rtl">يطرح "جون غالتينغ" قولاً فصلاً يلخّص التغيّرات الحضارية للبشرية بأربع مراحل: البدائية، التقليدية والحديثة وما بعد الحديثة، وفي هذه عودة للبدائية من عنف وفوضى وتشويش، أي عودة لشريعة الغاب! فالانتقال إلى ما بعد الحداثة هو انتقال للدمار، حيث مفتاح الدمار:tele  تلفون، تلغراف، تلفزيون.. باختصار بدأ الدمار الحقيقي للإنسان حين تخلّى عن اتصاله الحقيقي ببني جنسه! بمعنى أن الفلاسفة والكتاب تخلّوا عن حلمهم القديم باليوتوبيا وصاروا ينظّرون حديثاً للأنتي يوتوبيا.</p>
<p dir="rtl">أولى علائم هذا هو الاعتياد، ويمكن اختصار ذلك باقتباس ملخّص أورده ممدوح عدوان من روايته "أعدائي": "نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات شيء فينا". بعد ذلك يمكننا أن نتصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا من عنف وخراب!</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">العنف</span></h3>
<p dir="rtl">الأنتي يوتوبيا التي نعيشها اليوم تتلخّص في كتاب "حيونة الإنسان" بالعنف، وكما رأى "جون غالتينغ" فإن العنف والإرهاب يتفشى اليوم بسبب غياب البنية والثقافة، ونتيجة الفوضى الاجتماعية. حيث يصنف الإرهاب إلى ثمانية أنواع: العنف ضد الطبيعة (الجرائم الإيكولوجية)، ضد الذات (الإدمان والانتحار)، ضد الأسرة (النساء والأطفال)، ضد الأفراد (السلب والقتل والاغتصاب)، ضد المؤسسات (الفساد)، الإرهاب الأهلي (الحروب الأهلية والعنف الطبقي)، العنف الخارجي (حروب ضد الدول)، العنف ضد الكواكب.</p>
<p dir="rtl">لكن هذا العنف المنفلت من عقاله لا يمكن أن يستمر إلا تحت حكم دولة ضعيفة أو دولة ترعى هذا العنف، مما يجعل هناك تمظهرات أساسية للعنف أولها:</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">١- سيادة أنظمة القمع والاستبداد</span></h3>
<p dir="rtl">الأنظمة القمعية التي تريد إبقاء البشر في المرحلة الغريزية الحيوانية الأولى، حيث يتلخّصون في ثنائية حادة: جلاد وضحية، لا تستطيع الاستمرار في مجتمع متماسك، لذلك فهي تهشّم الروابط السياسية والاجتماعية وتفرّق دينياً وثقافياً، وهي أسلحة هذه الأنظمة بقدر ما هي نتاجها. كما تقول "حنا أرنت": فالإرهاب لا يمكن أن يحكم البشر إلا وهم معزولين، لأن أولويات حكم الطغاة هي العزلة، والعزلة بداية الإرهاب وأرضه الخصبة، والإرهاب نتيجة العزلة.</p>
<p dir="rtl">وقد حدّد أرسطو كيف يحافظ الحاكم على سلطته، ويبدو ما قاله شبيهاً إلى حدّ بعيد بما يجري في معظم بلدان الديكتاتوريات وهي: تدمير روح المواطنين وزرع الشك وانعدام الثقة فيما بينهم. القضاء على البارزين من الرجال. منع التجمعات. حظر التعليم. إغراء المواطنين بأن يشي بعضهم ببعض. إفقار الرعايا لينشغلوا بقوت يومهم. والحاشية التي يختارها الحاكم لتضرب بسيفه.</p>
<p dir="rtl">والأهم من كل ذلك فإن تأليه الطاغية كي يغدو بحكم المقدّس، لا يمكن المساس به، من أهم دعائم سيادة الاستبداد على الأرض.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٢- التعذيب</span></h3>
<p dir="rtl">أحد أهم مظاهر العنف هو التعذيب، الذي لا يمارسه إلا الإنسان ضد الإنسان من أجل انتزاع الاعترافات أو من أجل المتعة فقط! ولسبب آخر هو تأدية خدمة للسلطة التي يحترمها أو يخاف منها الجلاد أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. هنا وكي يتمكن الجلاد من النجاح في مهمته يجب أن يصنّف الخصم باعتباره "لا إنسان"، بهذا فحسب يمكنه تدميره بدون الشعور بالذنب! والطغاة هم من يخلقون الجلاد والضحية، وهم من يمهدون لفكرة انقلاب الضحية إلى جلاد، في رغبة لدى الضحايا للانتقام من الجلاد ومن ذواتهم التي كانت مستكينة له. هذا ما يجعل تاريخ البشرية عبارة عن سلسلة متوالية من تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية. فتوليد العنف يكون من قبل الذين تمّ تعنيفهم (الأولاد المعنّفون مثلاً غالباً ما يعنفون أولادهم فيما بعد)، وهكذا يمرّر العنف السيكولوجي من جيل إلى آخر.</p>
<p dir="rtl">والضحية هنا قد تكون أناساً وشعوباً وبلاداً وأحزاباً وقوميات، ومن هنا، من هذه النظرة الفوقية الإحتقارية، يتولّد التمظهر الثالث للأنتي يوتوبيا وهي نظرية الامتياز العرقي: أي التأكيد على الاختلافات التفصيلية التي يملكها شعب ما عن الشعب الآخر، حتى يعتبره أدنى منه وغير إنساني فيسوّغ قتله وإبادته، وكما يسميها إيريك فروم: "النرجسية الجماعية".</p>
<p dir="rtl">المقابل لذلك هي حالة الشرنقة التي تعيشها الأقليات المضطهدة، والتي تنظر إلى نفسها باعتبارها مصطفاة إلاهياً، تنتظر اللحظة التي تستطيع الانتقام فيها من الأكثريات التي اضطهدتها عبر الزمن. فالامتياز العرقي تمظهر أساسي من تمظهرات العنف ومن نتائجه كذلك، فكل ذلك العنف ضد الأعداء يرتد إلينا كعنف داخل المجتمع، لأن الأجيال تتربى على أن القوة والعنف هما الحل، وأنهما جزء لا يتجزأ من الواقع الاجتماعي وشرط الوجود.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٣- ارتكاب المجازر</span></h3>
<p dir="rtl">دائماً ما يكون إيذاء الآخرين أو ارتكاب المجازر كتنفيذ لأوامر عليا أشبه بإعفاء النفس من المسؤولية. الأمر الذي يذكّرنا بتجربة د. ستانلي ملغرام بجامعة يال الأميركية. والتجربة بيّنت أن 60% من الأمريكيين يمكن أن يصلوا إلى القتل إذا كانوا ينفذون أوامر سلطة عليا يحترمونها أو يهابونها! السؤال هنا إلى أي مدى يمكن أن يصل الأمر بالبشر لإيذاء آخرين لا يعرفونهم، وليس هناك أية صلة إيجابية أو سلبية بينهم. ففي المجزرة يقوم الديكتاتور بتوزيع المسؤوليات والواجبات فيخفف هذا من نصيب كل شخص أو طرف ومن العبء الناجم عن مسؤولية عمليات التقتيل الجماعي، وبالتالي يخفف الناس من عبء (إنسانيتهم) بتجيير المسؤولية إلى السلطة التي أعطت الأوامر بالقتل.</p>
<p dir="rtl">فمفهوم الطاعة ساهم في صنع الحضارة بالتأكيد ولكنه غيّر من طبيعة الإنسان، وعمّق من أهمية المصادفة الأخلاقية، التي تجعل الحاجة إلى سلطة تقي بأوامرها ضميرنا الهش وتدافع عنه من أهم أسس استمرارنا، في زمن صارت غريزة الطاعة عند الإنسان من أهم الغرائز.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٤- التمتع بالعنف</span></h3>
<p dir="rtl">التمتع بألعاب وأفلام العنف تعبير عن تمتّعنا بالعنف كثقافة، هذه حقيقة ينبغي أن نفكّر بها، تماماً كما علينا التفكير في تاريخ كامل من تبرير العنف عاشه الإنسان على مر الزمان، استعان فيه بالمقدّس لتبرير عنفه، وكمثال على ذلك الأضحيات والثأر والطقوس الدينية والتبارك بالدم وغيرها. والتعذيب العلني للضحايا، الذي نشهده على مرّ الوقت، ليس نوعاً من العبرة والتخويف للغير كي لا يقترفوا ما اقترفته الضحية فحسب، بل المطلوب من التعذيب أيضاً الإذلال وسحق الكبرياء والكرامة، حيث يستمتع الجلاد بالذعر والخوف لدى من يسحقهم، كما أتى هو من مجتمع مسحوق ومن تربية مذعورة شكّلته كجلاد.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٥- الاستسلام الأخلاقي</span></h3>
<p dir="rtl">في ظل حكم الطغاة يصبح الخوف هو المسيطر، ينتصر الباطل فيعتقد الناس أن كل القيم الخيرة هي أوهام، فلا يثق المرء بأقرب العالم إليه. تخرج الكوامن الخبيثة ليستطيع الناس معايشة السلطة، ويصبح أغلبهم جبناء وانتهازيين وقتلة، وهذه هي حالة الاستسلام الأخلاقي التي تحوّل طبائع الناس وعاداتهم وأخلاقهم وقيمهم، وترسّخ مقولات التفكير المزدوج (مبدأ التقية). فحسب رأي الكواكبي لا يملك أسير الاستبداد شيئاً ليحرص على حفظه، لا وطن ولا عائلة ولا أصدقاء، وبالتالي لا شيء ليدافع عنه!</p>
<p dir="rtl">من حالة الاستسلام الأخلاقي هذه يأتي أنواع من البشر هم: الشبيحة أو البلطجية، وقد سماهم ممدوح عدوان: المتسلبطون. ملوك العالم السفلي الذين يرهبون المجتمع، وعملتهم الوحيدة هي العنف: قوة الجسد والسلطة والعصابة. هم أداة فوق القانون لإثارة الفزع، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف، احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له والمحافظين عليه، واحتاج إلى الدقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان، حسب رأي الكواكبي.</p>
<p dir="rtl">فعل السلبطة هذا موجود في بلاد الأنتي يوتوبيا في أماكن كثيرة: الوظيفة والمجتمع والمدرسة والبيت، وهؤلاء المتسلبطون يحولون الوطن إلى سجن فيه كل أنواع التعذيب والإذلال المادي والمعنوي.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="454" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/9083_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">٦- العلاقة النفعية بين الدين والطغيان</span></h3>
<p dir="rtl">علاقة الديني بالسياسي هي علاقة الوارث بالموروث، كما يقول لينين، ذلك أن الطبقات الحاكمة تحتاج للحفاظ على سيطرتها إلى وظيفتين اجتماعيتين هما: الجلاد والكاهن. وكما رأى كلود ليفي شتراوس: لا شيء يشبه الفكر الأسطوري أكثر من الأيديولوجيا السياسية، وقد تكون الأخيرة حلّت محل الأول فحسب في مجتمعاتنا المعاصرة. من هنا يتوضّح كنه تاريخ طويل من الغزل السياسي الديني أفضى إلى مجتمعاتنا المعاصرة التي بقي فيها عنف المؤسسات السياسية المتواشجة مع المؤسسات الدينية ولكن بشكل أكثر خفاء ورمزية، فكلا الخطابين الديني والسياسي يميل إلى خلق صيغة لغوية بصيغة الأمر.</p>
<p dir="rtl">في نهاية هذه المقاربة يبدو كتاب الراحل ممدوح عدوان أشبه بصرخة أخيرة أطلقها وهو يرى البشرية تتجه بتسارع إلى فنائها، صرخة عميقة وأخيرة يقول فيها إنه مازال هناك أمل لنعود بشراً، فليس قدر البشر أبداً أن يكونوا جلادين وضحايا، وإن العنف لعنة لن نستطيع أن ننعم بعيشنا إلا في تفكيكها، تماماً كما نحارب ذلك الوحش الكامن في دواخلنا.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19536">في زمن الأنتي يوتوبيا: التوحش مجرد صفة إنسانية!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«تهويد المعرفة»... تكوين عقل العالم</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19533</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سومر شحادة]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 06 Jan 2019 21:16:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ممدوح عدوان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%aa%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%a9-%d8%aa%d9%83%d9%88%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يتعاطى الباحث في إرث ممدوح عدوان الأدبي، وبالنظر إلى إنتاجهِ، كما لو أنّه يبحث في أرشيف لمركز أبحاث، لا لغزارة الإنتاج وتنوعهِ وحسب، وإنّما جراء إخلاصه للصنوف التي كتب فيها كافةً. نتعرف عليهِ في كتابهِ "تهويد المعرفة" باحثًا استقصائيًا ومفككًا، في الآن نفسهِ، لأكاذيب قام عليها المشروع الإسرائيلي. يعلمنا ممدوح عدوان كيف يكون الكاتب مشتغلًا [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19533">«تهويد المعرفة»... تكوين عقل العالم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">يتعاطى الباحث في إرث ممدوح عدوان الأدبي، وبالنظر إلى إنتاجهِ، كما لو أنّه يبحث في أرشيف لمركز أبحاث، لا لغزارة الإنتاج وتنوعهِ وحسب، وإنّما جراء إخلاصه للصنوف التي كتب فيها كافةً. نتعرف عليهِ في كتابهِ "تهويد المعرفة" باحثًا استقصائيًا ومفككًا، في الآن نفسهِ، لأكاذيب قام عليها المشروع الإسرائيلي.</p>
<p dir="rtl">يعلمنا ممدوح عدوان كيف يكون الكاتب مشتغلًا رفيعًا وموضوعيًا في الثقافة، إنّه إذ يعري الزيف الإسرائيلي، فهو يكشف الآليات التي قام الإسرائيليون عبرها بتزييف التاريخ وتلفيقهِ، بما يخدم فكرة أنّهم "التاريخ"، أنّهم آباؤه ومصادره الأولى. بالتالي، يصير وجودهم في فلسطين حتمية تاريخية لا جدال فيها حتى بالنسبة للباحثين والمختصين الغربيين، علاوة على الناس غير الاختصاصيين.</p>
<p dir="rtl">عمل ممدوح عدوان على كتابهِ تهويد المعرفة ليكون مقدمة الترجمة العربية لكتاب كيت وايتلام "تلفيق إسراءيل التوراتية: طمس التاريخ الفلسطيني". وكتابة إسراءيل بهذا الشكل لتمييزها عن إسرائيل/ الكيان المعاصر. إذ إنّ كتاب وايتلام، يتحدث عن إسرائيل القديمة، وهي ما أسست عليهِ إسرائيل/ الكيان المعاصر أكبر أكاذيبها "أرض الميعاد".</p>
<p dir="rtl">يظهر الانشغال بمعرفة الماضي أساسًا لتفسير الحاضر، ولفهم تلك المقولة الإسرائيلية بأنّهم "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب". إذ يزعم الإسرائيليون أن لا وجود في تلك الأرض لأي تاريخ سوى اليهودي، والتوراة هو المرجعية الوحيدة للتاريخ المتعلق بهذه المنطقة. لقد حاكى المنطق الإسرائيلي المتعالي الطبيعة الغربية لـ "الإنسان الأبيض"، والتي تعتبر أن لا وجود للشعوب الأخرى إلا كما يتصورها الغربي. وتاريخ أية منطقة يبدأ بوصول الإنسان الأبيض إليها، حال أمريكا التي اكتشفها الغرب، وباكتشافهم لها؛ كأنّهم قد أوجدوها من الصفر، وأخرجوها من العدم.</p>
<p dir="rtl">يأخذ ممدوح عدوان، صاحب العقل النقدي الشجاع والتفكيكي، الذي عرفناه في كتابهِ "حيونة الإنسان"، اقتباسات من مراجع عدة تنتمي إلى حقول معرفية مختلفة، ويضع هذه الخلاصات ضمن رؤية وسمت أعماله البحثية، إنّها رؤى نافذة ومحذرة. كانت في حيونة الإنسان تستنطق الإنسان ببسالة تردع الوحش في داخلهِ، وفي تهويد المعرفة تستنطق العدالة وتضيء للعقلية العربية واحدة من أكبر مثالبها؛ إنكار العمل الثقافي لصالح العمل السياسي/ السلطوي والحزبي. إنّ ممدوح عدوان يرمي عبر "تهويد المعرفة" إلى حث العرب على بناء معرفة مقابلة، إذ إنّ كل معرفة، بصورة ما، تكتسب هوية حامل شعلتها وتنتصر لهُ وبهِ.</p>
<p dir="rtl">يفنّد عدوان المقولات التي قامت عليها إسرائيل، ويسلسل بطريقة متتالية وسلسة ومفهومة، الخديعة الكبرى التي احتالت إسرائيل من خلالها على العالم. يعتمد في بحثهِ على نفس أدوات "صناعة الوحش"، وإنّما يخبرنا الآن، كيف صُنع كيان الصلف والأمر الواقع، باستغلال حشدٍ من الآليات الأكاديمية الأدبية والدينية. يخبرنا كيف مثلت إسرائيل دور المعتدي، لا على الأرض والحقوق وإنّما على التاريخ أيضًا، إنّه بهذا يستنطق التاريخ، ويقرأه قراءة باحث محايد ورصين. حيث بسيطرة الإسرائيليين على العقل الأوروبي، سيطروا على "عقل العالم"، وسيطروا بالتالي على القرار الأوروبي أو أثروا بهِ. بعيدًا عن التأثير السياسي المباشر، يستعرض عدوان جانبًا آخر من التأثير، بالاقتباس عن سلسلة طويلة من الشواهد في الأدب الإنكليزي، يُظهِر كيف تم تغيير صورة اليهودي من شايلوك/ "اليهودي المرذول" إلى درجة التماهي مع العقل المسيحي، وتصوير اليهودي على أنّه "مخلص" وصانع سلام وبطولات، حتى صارت قضية اليهود جزءًا من قضايا التحرر في الفكر الغربي.</p>
<p dir="rtl">يبحث عدوان مكونات الوعي عند الإنسان الأمريكي كنموذج، إذ إنّ "النظام العالمي الجديد" بحسب بات روبرتسون يعتدّ بالكتاب المقدس، ويزعم روبرتسون وفق قراءة خاصة له، أنّ من واجب العالم القضاء على أعداء إسرائيل. لكن هل يصور عدوان العالم ضحية ولعبة في يد الحركة الصهيونية؟! إنّه يقدم قراءة محددة الوظيفة فحسب، لأثر اليهود في العالم. ويشير إلى الدهاء الإسرائيلي، فقد يطلق يهودي في موقع علمي رأيًا يصبّ في صالح إسرائيل، ما يلبث أن يتلقفه آخرون ويرددونه على أنّه رأي علمي ومرجعي، ثم تشتغل الماكينة الإعلامية على تعميمهِ ونشرهِ بين الطلاب والدارسين.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="360" src="https://rommanmag.com/ckfinder/userfiles/images/%D8%AA%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9---%D9%85%D9%85%D8%AF%D9%88%D8%AD-%D8%B9%D8%AF%D9%88%D8%A7%D9%86_Fotor.jpg" style="float:left" width="230"></p>
<p dir="rtl">إنّ العالم برمته عرضة للابتزاز الإسرائيلي، يتجلى ذلك، أيما تجلي، في الهولوكوست، كما لو أنّ العالم كاملًا، مسؤول عن المجزرة التي قام بها النازيون. لقد عزز الإسرائيليون صورة أنّهم شعب مظلوم ومعذب، في المقابل، لم يتوقفوا عن تكرار ضرورة "أن يفنى شعب من طينة أنقص ليظل الشعب ذو القدرات الأعلى". وفق هذه المقولة العنصرية يتم قتل الفلسطينيين، ووأد تاريخهم وحرمانهم منه. إذ يخبرنا عدوان، أنّ كلّ تاريخ يستمد معناه وقيمته من علاقته بإسرائيل أو العبرانيين، إنّنا في النتيجة إزاء "تاريخ مهود ومعرفة مهودة"، والعرب الذين تم اقتلاعهم من أراضيهم، قبل ذلك، تم اقتلاعهم من التاريخ.</p>
<p dir="rtl">ينبّه عدوان في نهاية كتابهِ الصادر عن دار ممدوح عدوان في طبعات عديدة: "نحن لم نخسر الأرض والوطن والبيوت والمزارع فقط، بل خسرنا التاريخ ومنابع المعرفة أيضًا. وهذا يكشف لنا عن الاتساع الحقيقي لميدان الصراع"، ويذكر أنّه صراع لتكوين عقل هذا العالم.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19533">«تهويد المعرفة»... تكوين عقل العالم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مسرح ممدوح عدوان... عن العنصرية والوجودية والتحريضية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19531</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[علاء رشيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 04 Jan 2019 18:05:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ممدوح عدوان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad-%d9%85%d9%85%d8%af%d9%88%d8%ad-%d8%b9%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في ملف خصصته له مجلة "الحياة المسرحية"، العدد 56 / 2005، حين تسأل أمينة عباس، في لقاء المسرحي ممدوح عدوان: ما هو العمل المسرحي الذي كتبته وتشعر بكماله؟، أجاب: هناك أكثر من عمل مثل: محاكمة الرجل الذي لم يحارب،  ليل العبيد ، هاملت يستيقظ مؤخراً، زيارة الملكة." نشوء الإسلام برواية العبيد: لوهلة يبدو لنا خيار [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19531">مسرح ممدوح عدوان... عن العنصرية والوجودية والتحريضية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">في ملف خصصته له مجلة "الحياة المسرحية"، العدد 56 / 2005، حين تسأل أمينة عباس، في لقاء المسرحي ممدوح عدوان: ما هو العمل المسرحي الذي كتبته وتشعر بكماله؟، أجاب: هناك أكثر من عمل مثل: محاكمة الرجل الذي لم يحارب،  ليل العبيد ، هاملت يستيقظ مؤخراً، زيارة الملكة."</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">نشوء الإسلام برواية العبيد:</span></h3>
<p dir="rtl">لوهلة يبدو لنا خيار ممدوح عدوان في مسرحية "ليل العبيد"، هو كتابة مسرحية تروي حكاية صعود الإسلام، وانتشار دعوة محمد خلافاً لإرادة أسياد قريش. إنها القصة المتعارف عليها في بدأ محمد بالتبشير، ولحاق الأتباع به، صراعه مع قريش، انتهاءاً بانتصاره وتزعمه على العرب. يعتقد المتلقي للوهلة الأولى أنه أمام  نسخة مسرحية من فيلم "الرسالة" لمحمد العقاد (1976).</p>
<p dir="rtl">لكن هذا الحدث التاريخي، يختار ممدوح عدوان أن يرويه من رؤية شخصيات ثلاثة أساسية في المسرحية، ثلاثتهم عبيد يعانون من الرق بأنواع متفاوتة. من هنا تأتي أهمية إعادة رواية صعود الإسلام والسلطة التي انبثقت منه وحكمت العرب، في "ليل العبيد"، نحن نرى الحدث من وجهة نظر العبيد. ذلك يصنع مفارقة للقارئ، ويجعله يعيد النظر في تأويل الحدث التاريخي ومساءلته، ما يبحث عنه ممدوح عدوان جاهداً في مسرحه ككل.</p>
<p dir="rtl">لا يلبث قارئ مسرحية "ليل العبيد" أن ينتبه إلى أن العوامل الإقتصادية والتجارية لعبت دوراً هاماً في هذا الحدث التاريخي الذي غيبت عنه. في بعض مقاطع "ليل العبيد"، نشعر أن الصراع بين محمد وقريش ممثلاً بأبي سفيان، كان يتعلق بالسيطرة والتحكم بطريق التجارة بين مكة والشام. خصوصاً إذاً أضفنا الغنى والثراء المادي الذي كان عليه محمد، مما يجعله فعلاً منافساً لأسياد قريش التقليديين على تجارة الشام.</p>
<p dir="rtl">في "ليل العبيد" يحاول عدوان أن ينقل لنا تلك الأحداث التاريخية من خلال ثلاث شخصيات أساسية في المسرحية، وثلاثتهم يعانون العبودية بأنواع مختلفة، (الحطيئة، بلال، ووحشي)، الحطيئة كان شاعراً متنفعاً، يركز اهتمامه بكسب المال لعيشه وإعالة عائلته، هو من بين الثلاثة ليس رقاً، لكنه لا يمانع من التبعية وحتى أحياناً التذلل لكي يستمر على قيد الحياة ويعيل أسرته، إنه يمثل شخصية براغماتية تدرك أن عليها متابعة الحياة وفق الشروط المفروضة عليها، ولذلك فهو ضحية نظام ما قبل الإسلام وما بعده.</p>
<p dir="rtl">في حين يجسد (بلال) شخصية العبد المثالي الذي ما إن أعطاه الإسلام حريته، بعد أن اشتراه (أبو بكر)، حتى منح نفسه بالكامل للدعوة الإسلامية، مؤذناً ومقاتلاً ومدافعاً ووفياً. هل يزكي كاتب المسرحية هذا النموذج؟ كلا. الشخصية الرئيسية في "ليل العبيد" هو (وحشي).</p>
<p dir="rtl">(وحشي) عبد عند آل قريش يحلم بالحرية، ينتظر من قوته وقدراته القتالية أن يحصل عليها، يقول: أنت يا حريتي، أنت يا حريتي، إنهم يحاربون من أجل ثأرهم وتجارتهم وأنا أحارب من أجلك أنت. تمنحه (هند) حريته حين يقتل (حمزة) برمحه. يعتبر أنه نال حريته وعتقه بجهده، لكن حريته وتحقيق ذاته مرتبط بإمتلاك ما يمتلكه الأسياد حسب رأيه، إنه يشتهي سيدته (هند)، ولكنه لا يصل إليها أبداً. يكتشف (وحشي) بدايةً، أن الحرية لا تعني امتلاك ما يملكه الأسياد. وحين يسأله الحطيئة: أتقتل رجلاً في سبيل حريتك؟ يبدأ وعي (وحشي) بالتشكل، عبر التواصل مع هذا النوع من أسئلة (الحطيئة).</p>
<p dir="rtl">يقول الحطيئة، لوحشي: ها أنت حر وأن تموت جوعاً. هذه هي حريتك الوحيدة الآن. لقد تحررت من سيادة جبير عليك فوقعت تحت سيادة الناس كلهم.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">التمييز العنصري</span></h3>
<p dir="rtl">في مقاله بعنوان "النمور تتعلم الرسم" (1974)، يتطرق ممدوح عدوان بوضوح صارخ لموضوعة التمييز العنصري، وهو لا يكتفي بإدراك أهمية المساواة في الحقوق، بل يذهب أبعد من ذلك، ويطالب بالتنبه لوجودها في الخطاب الثقافي اللغوي العربي، فيخاطب القارئ: حين تقرر موقفك ضد التمييز العنصري، وتقرر أنك، كتقدمي، تؤيد حركة الزنوج في العالم، فهذا يعني أن عليك أن تعيد النظر في مجموعة القيم الراسخة عبر التاريخ، والمتسللة إلى لغتك وأمثالك الشعبية وحكاياتك، ثم إلى القيم المرتبطة بالعنصرية. فالتاريخ الذي صنعه أبيض فرز قيماً بيضاء معادية للسود.</p>
<p dir="rtl">يطالب هنا عدوان التنبه إلى المصطلحات العنصرية التي يتأسس بها الخطاب اللغوي: القلب الأسود، سود الله وجهك، سوداوي، ويرى عدوان أن ما ينطبق على مسألة الزنوج ينطبق على مسألة متعلقة بالمسحوقين، من نساء وفلاحين وعمال وفقراء ومنبوذين. ويأخذ مثالاً من من أحد أناشيدنا الوطنية: لا يطيق السادة الأحرار أطواق الحديد – إن عيش الذل والإرهاق أولى بالعبيد.</p>
<p dir="rtl">ويكتب عدوان عن هذا النشيد: إن هناك موروثاً ثقافياً جعلنا نردد هذا النشيد دون الإهتمام إلى هذه المسألة، وهذا الموروث طبقي وعنصري ومستمد من مجتمع الفروسية الجاهلي والبدوي والقائم على الرق.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">الشخصية الوجودية</span></h3>
<p dir="rtl">في الفصل الثاني من مسرحية "ليل العبيد"، تنتصر الدعوة الإسلامية لكن الصدمة تأتي للطبقات الفقيرة والعبيد حين يُنادى بالناس حين دخول محمد إلى مكة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. إذاً، إن السلطة الإقتصادية المهيمنة قبل الإسلام ستستمر من بعد نشوئه. هذه الإشارة الأولى للعبيد على أن السلطات والقوى والطبقات ستتكرر ذاتها حتى بعد انتصار الإسلام. وهنا تجري أجمل حوارات المسرحية بين (الحطيئة، بلال، ووحشي) أصبح لكل منهم رؤية حول الإسلام، وأصبحوا متباينين في الحماس أو الارتداد عنه.</p>
<p dir="rtl">يترك الحطيئة الدعوة الإسلامية بعد أن يدخلها لبعض الوقت، وذلك لأن محمد قد منعه عن قول الشعر الذي يريده، تجري حوارات مميزة عما يجب أن يكون عليه الشعر، وما هي موضوعاته بين (الحطيئة) و (حسان بن ثابت). أما (بلال) فيبقى مأخوذاً بمثالية الدعوة الإسلامية دون أن يرى عيوبها وأخطاءها. أما (وحشي)، فيقول: أنا لم أصبح حراً، فتحت باب سجني وخرجت متوهماً أنني حر، فوجدت نفسي في سجن أوسع.</p>
<p dir="rtl">هذه هي حكاية شخصية (وحشي) في المسرحية، إنه الباحث عن معنى الحرية: هل الحرية بأن تحب من تشاء؟ هل الحرية بأن تجالس الأحرار والأسياد؟ هل الحرية أن تموت إيماناً بعقيدتك؟ هل الحرية سلوكيات؟ هذه الأسئلة التي تحاول شخصية (وحشي) أن تتلمس إجابة عنها دون جدوى. إنه شخصية وجودية.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="431" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/27408738_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">في مسلسل «الزير سالم» (2000، إخراج: حاتم علي)، أيضاً يعود كاتب السيناريو ممدوح عدوان إلى التاريخ، وأيضاً ليقدم معالجة وجودية لشخصية تاريخية. إنه (الزير سالم) الذي كان سكيراً لاهياً فحوله مقتل أخوه (كليب) أول ملوك تغلب وبكر، راغباً في الإنتقام. استمرت الحرب أربعين عاماً، امتدت لأجيال، وولدت وماتت في أثنائها قرابات باتت لا تذكر السبب الرئيسي الذي قامت لأجله الحرب. لكن (الزير سالم) يرغب الإستمرار في القتال: لم أعد أعرف لما نقاتل، صار الثأر بعيداً، لكنني آمركم ألا تتوقفوا عن القتال، هذا اللاهي السكير في ماضيه، وجد ما يمنحه شعوراً بوجوده وذاته، إنها الحرب. ينهي ممدوح عدوان مصير (الزير سالم) مقتولاً من أعرابي مجهول، عابر سبيل، يُقتل البطل المحارب الشبه أسطوري من قبل مجهول عابر سبيل، هي (خفة الكائن التي لا تحتمل) التي كتب عنها (ميلان كونديرا)، في رواية تحمل هذا العنوان.</p>
<p dir="rtl">رسم ممدوح عدوان، (الزير سالم) شخصية وجودية باحثة عن الذات في القتال والحرب، أما شخصية (وحشي) في (ليل العبيد)، فسؤالها هو الحرية. ماذا يعني أن يكون المرء حراً؟ سؤال حري بالشخصيات الذهنية عند (فيودور دوستويفسكي)، أو بوضوح أكثر عند ما أسسه له أدباء التيار الوجودي (ألبير كامو، وجان بول سارتر).</p>
<p dir="rtl">في مقاله «المثقف الزعيم» كتب أنور محمد عن شخصية (وحشي): وحشي الذي قتل حمزة عم الرسول ثمناً لحريته، وجد في نفسه أن هذه الحرية لم تمح عبوديته. بقيت الحرية في هذه الحالة، مثل العبودية، فهي لم تلزمه، ماذا يفعل بها؟ الموت لم يعد موتاً، مثلما الحرية لم تعد حرية.</p>
<p dir="rtl">يبين الناقد أبي حسن أن هناك دوماً عوامل سوسيولوجية وسيكولوجية تربط بين ممدوح عدوان وبين شخصيات مسرحياته: عالج مفهوم البطل بأكثر من طريقة وعلى أكثر من مستوى، والرابط الذي كان يجمع بين هذه الطرق المتباينة أن البطل كان لديه دائماً تراجيديا، فضلاً عن انطواء حياته التي – غالباً ما كانت تنتهي نهاية فجائعية – على عنصر مأساوي في سيرورتها.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">كيف تركت السيف؟</span></h3>
<p dir="rtl">في "ليل العبيد"، يختار عدوان الحدث التاريخي نشوء الإسلام وانتشاره، ليعالج موضوعة الحرية كما رأينا. أما في مسرحية "كيف تركت السيف"، فتذهب إلى مرحلة تالية، إلى نشوء الدولة الأموية، مما يسمح بمراجعة مرحلة الخلفاء الراشدين الأربعة أيضاً.</p>
<p dir="rtl">في مسرحية "كيف تركت السيف؟" تظهر بوضوح القراءة الإقتصادية لنشوء الإسلام وانتشاره. في هذه المسرحية يحاكم الحاضر الماضي، وتحضر شخصيات من التاريخ على المسرح مثل (أبي ذر الغفاري، عثمان بن عفان، ومعاوية، ومروان) في هذه المسرحية تظهر بوضوح رؤية عدوان عن استمرارية السلطة لأغنياء وتحكمهم بمصير الناس حتى بعد انتصار الإسلام وانتشاره، وتشييد حكمه. فيها يكشف المؤلف عن ممارسات حكام المسلمين بمحاباة الطبقات الغنية، والتصرف بأموال الناس دون رقابة، ما يمكن أن نطلق عليه حالياً عنوان "الفساد"، ويبين بوضوح أن الحكم الإسلامي فشل في التغيير الاجتماعي الذي أراده، وأن الحكام حين أصبحوا بالسلطة أصبجوا مجبورين على محاباة الأقارب والحلفاء، على حساب باقي فئات الشعب.</p>
<p dir="rtl">ومن هنا يأتي عنوان المسرحية، "كيف تركت السيف؟"، السؤال الموجه إلى الشخصية التاريخية التي تحضر في المسرحية أي (أبو ذر الغفاري)، الذي كان رائياً للوضع التي آل إليها الإسلام، وكان صادقاً في قول آرائه وانتقاداته، إلا أنه آثر التشبث بفكرته على الدوام: تعيش وحدك وتقاتل وحدك وتموت وحدك. بدلاً من التفاته إلى الناس كي يقاتل بهم، بغية رد الإعتبار إليهم. كتب أنور محمد عن المسرحية: كان ممدوح يريد أن يقول: كل حق لا تسنده قوة هو باطل.</p>
<p dir="rtl">في مسرحية "محاكمة الرجل الذي لم يحارب" يعود ممدوح عدوان إلى فترة تاريخية ثالثة، هي فترة هجوم التتار بقيادة هولاكو على العراق وسورية، ليبين حال المواطن العربي المسلم المكسور حينها، التابع، والمسيّر وغير القادر على الإنتصار، من شدة القمع وغياب المساواة، والعدالة الإجتماعية.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">الشعر في المسرح</span></h3>
<p dir="rtl">في مقاله "الشعر والمأساة في مسرح ممدوح عدوان"، يتابع الناقد أُبي حسن حضور الشعر في نصوص مسرحيات ممدوح عدوان، يكتب: بدأ ممدوح عدوان كتاباته أواسط ستينيات القرن الماضي بمسرحية شعرية بعنوان "المخاض"، لكن بعد نصيه "هاملت يستيقظ مبكرا" و "ليل العبيد"، تخلص عدوان من الشعر في المسرح نهائياً. وكان حضوره فيما تبقى من منجزه المسرحي بما يخدم البنية الدرامية للنص حصرا. وهذا ما نجده في مسرحيتيه "أيام الجوع / سفر برلك" و "حكي السرايا وحكي القرايا" إذ طعمهما بتوابل من الشعر العامي.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="440" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/27224506-1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">دور المسرح: (المسرح التحريضي)</span></h3>
<p dir="rtl">في كتابه "دفاعاً عن الجنون"، يكتب ممدوح عدوان عن رؤيته للعديد من الفنون، ومنها المسرح: إن المسرح جزء من المعرفة البشرية ومن وسائل نقل هذه المعرفة. ولما كان العمل المسرحي دائماً عملاً جماعياً فقد احتاج دائماً إلى المؤسسات للوصول إلى الناس. وهذه المؤسسات كانت مؤسسات رسمية بقيمها ومصادر تمويلها، مما جعل المسرح يخدم فكر الطبقات المسيطرة، أو يعمل على الأٌقل، على أن لا يعارض هذا الفكر ولا يصطدم به. من حيث المضمون، كان المسرح دائماً يهدف إلى تكريس الوضع السائد في العالم، أو على الأقل، لم يكن المسرح يحاول التطرق إلى شرعية هذا الوضع القائم.</p>
<p dir="rtl">في هذه المقالة يدافع ممدوح عدوان عن المسرح السياسي، أو ما يمكن أن نطلق عليه أدب الإلتزام: المسرح السياسي هو المسرح الذي يطرح مقولات سياسية أو يعالج أوضاعاً سياسية.</p>
<p dir="rtl">يوضح عدوان أن الفن السياسي المطلوب هو ذلك الفن الذي يهتم بهموم الإنسان في العالم، ويحاول مساعدتهم على تخطي هذه الهموم والخلاص منها، لا بالهرب منها أو بالقفز فوقها، بل بالصراع مع أسبابها ومواجهة هذه الأسباب. وبرأيه من هنا تتحدد أهم مواصفات المسرح السياسي: أنه يثير في الناس رفض الأمر الواقع، وأن يساعدهم على اكتشاف مساوئ الأوضاع السائدة من حولهم. وهذا يجعل المسرح السياسي مسرح فضح وتحريض ضد العالم كما هو الآن. وهو موجه بالدرجة الأولى إلى أولئك المتضررين من العالم كما هو الآن، وبالتالي فإنه لابد سيصطدم بأولئك المستفيدين من العالم كما هو.</p>
<p dir="rtl">ولكن هنا تبرز مشكلة يضيء عليها عدوان هي أن الجمهور الذي يتضامن معه فنان المسرح السياسي غير موجود في الصالة. الجمهور الموجود في الصالة هو جمهور البرجوازيين والطبقة الوسطى، أي الذين يملكون ثمن البطاقة، إنه الجمهور الخصم بالنسبة لرؤية عدوان للمسرح: يجب أن يذهب المسرح إلى جمهوره في المرحلة الأولى. حين لا يفعل ذلك يجب أن يعي هذه المسألة، وهي أنه يتعامل مع الجمهور الخصم.</p>
<p dir="rtl">هذه الرؤية عن دور المسرح في المجتمع، تمتد لتؤثر على تقنيات الكتابة والإخراج المسرحي لدى ممدوح عدوان، وكذلك عن رؤيته لعلاقة المسرح مع الجمهور داخل الصالة: وهذا يعني أن المسرح لم يعد يهمه توحد الجمهور وانسجامه، كما كان المسرح الكلاسيكي البرجوازي، معنياً بتوحيد الجمهور أمام عاطفة موحدة كالحزن أو الإعجاب أو التعاطف، بل هو يهدف إلى تحقيق الإنقسام بين الجمهور، وإلى إثارة أحقاد قسم منه على القسم الآخر. أو تأليب الجمهور على من هم خارج الصالة.</p>
<p dir="rtl">أخيراً، يكتب عدوان: هو إذاً مسرح تحريض على الفعل ومسرح تعميق الوعي. إنه ليس مسرح تنفيس عن الكبت والقهر، لأنه ليس المسرح الذي يقدم المشاكل محلولة على الخشبة، فيعطي الجمهور حماساً وإنطباعاً خاطئين يوحيان لهم بأن المشكلة في حياتهم أيضاً قد حلت. إنه المسرح الذي يخرج منه المتفرج مشحوناً بالرغبة في فعل شيء لتغيير الأوضاع المجحفة في هذا العالم .</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19531">مسرح ممدوح عدوان... عن العنصرية والوجودية والتحريضية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«أعدائي» لممدوح عدوان... ذاكرةُ تاريخٍ لم تنقضِ آثاره بعد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19530</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عماد الدين موسى]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 02 Jan 2019 12:43:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ممدوح عدوان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a3%d8%b9%d8%af%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d9%84%d9%85%d9%85%d8%af%d9%88%d8%ad-%d8%b9%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1%d8%a9%d9%8f-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8d-%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في عملهِ الروائي «أعدائي» (دار ممدوح عدوان- دمشق 2016)، يتصدّى الكاتب السوريّ ممدوح عدوان (1941-2004) لمرحلةٍ تاريخيّة حسّاسةٍ وحرجة، لا في الشرقِ الأوسط والعالم العربيّ فحسب، بل والعالم أجمع؛ تلك الأيّام الأخيرة من عمر الدولة العثمانية بالتزامن مع بدء الحرب العالميّة الأولى، إنّها مرحلة الزلزال الأكبر في تاريخ البشريّة، حيثُ يطرق الكاتب باب التاريخ ذاك؛ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19530">«أعدائي» لممدوح عدوان... ذاكرةُ تاريخٍ لم تنقضِ آثاره بعد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">في عملهِ الروائي «أعدائي» (دار ممدوح عدوان- دمشق 2016)، يتصدّى الكاتب السوريّ ممدوح عدوان (1941-2004) لمرحلةٍ تاريخيّة حسّاسةٍ وحرجة، لا في الشرقِ الأوسط والعالم العربيّ فحسب، بل والعالم أجمع؛ تلك الأيّام الأخيرة من عمر الدولة العثمانية بالتزامن مع بدء الحرب العالميّة الأولى، إنّها مرحلة الزلزال الأكبر في تاريخ البشريّة، حيثُ يطرق الكاتب باب التاريخ ذاك؛ ليخرجه من الذاكرة مرة أخرى؛ ويعيده إلى الواقع الراهن بكل تجليّاته؛ تفاصيله وأحداثه، في مقاربة لربطهما معاً، ليجسّده في صورة لحاضر مازال يعاني من الآلام والمآسي التي مرت على هذا المجتمع، وجعلته يعاني من الحروب والدمار لسنوات كثيرة، رسمت خطوطها العريضة في تفاصيل حياة أبنائه الذين ما زالوا يدفعون ثمن تذكرة العبور من ذلك الماضي إلى الحاضر؛ لتكون إرهاصات الماضي عسيرة؛ والولادة أصعب منها.</p>
<p dir="rtl">تتناول الرواية في مجمل سردها سيرة دولة أو كيان مهزوز، ذات جسد متعب، كانت السبب في إلحاق الأذى عبر قرون طويلة على الشعوب التي احتلتها، وخلفت بين ظهرانيها الظلم والاستبداد اللذين كانا السبب في ولادة تلك الدولة وموتها معاً؛ إذ حملت بذور موتها منذ أول لحظة وطأتْ أقدامها الأرض التي احتلها، لتزول بعد تلك القرون مثلما بدأت؛ كجسدٍ، وتبقى آثارها المدمرة في هذه الأرض؛ باعثة على التخلّف والتفرّق والتراجع في كافة الميادين الحياتية للمجتمع.</p>
<p>هكذا كانت الدولة العثمانية بداية ونهاية، هذه الدولة التي تشير إليها الأحداث في الرواية بكلّيتها، بحجم الكارثة التي جعلتها تحلّ غازية ومحتلة للدول العربية التي دفعت ثمن احتلالها لها، إذ استمرت في محاولة فرض السيطرة عليها باشتراكها في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا ضد فرنسا وانجلترا؛ لعلها تتمكّن من النجاح، والحفاظ على آخر خيط يجنبها السقوط والهزيمة في هذه البلاد، لتُظهر الرواية آثار انضمامها إلى تلك الحرب في جميع المجالات، ولتعبّر عن وعي دقيق لدى الروائي/ الراوي ممدوح عدوان وعميق في قدرته على نقل الأحداث التي جرت في تلك المرحلة؛ من خلال الاطّلاع على التاريخ، ووقائعه التي حدثت في تلك المرحلة، وبكل ما فيه من حقائق وتجلّيات؛ ساهمت في خلق راهنٍ يعيش فيه المجتمع معانياً من نتائجها. </p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">الشخصيّتان الرئيسيتان</span></h3>
<p dir="rtl">تركّز الرواية على شخصيّتي عارف إبراهيم؛ قائد شرطة القدس، وجمال باشا السفاح؛ حاكم الدولة العثمانية في سوريا في تلك الفترة، حيثُ لكل منهما خطّ سيرٍ مختلف، وبعد نفسيّ، وطبيعة متناقضة تماماً في أحداث الرواية عن الآخر؛ فعارف إبراهيم كان الشخصية المدركة للوقائع، والمطلعة على مآلات الحدث الذي يجري، وتدبّر لها؛ من خلال التآمر بين أطراف من الدولة العثمانية مع الدول الكبرى في ذلك الوقت، وخاصة انجلترا؛ من أجل إقامة دولة يهودية في فلسطين، ويحاول عبثاً من خلال عمله في الثورة أولاً؛ وبحكم منصبه الوظيفي ثانياً؛ للوقوف في وجه هذا المشروع؛ من أجل ألا يتحقق على أرض الواقع، واستطاعت الدول أن تجعلها حقيقة ماثلة أمام أعين الجميع؛ ليصاب بخيبة أمل كبيرة؛ حيث تذهب كل محاولاته سدىً في سبيل فضح المشروع، ومنعه من التحقق؛ كما ورد في الرواية: فـ"البلد يعج بالجواسيس، ولديه انطباع شبه مؤكد أن الجاسوس مطلق الصلاحية في البلد أكثر من ابن الحكومة، هذا إن لم يكن الجاسوس نفسه ابن حكومة. ولا كان اليهود جديدين عليه. فهو مغتاظ مسبقاً من الامتيازات التي يتمتعون بها. هم يهود يريدون حرية ممارسة طقوسهم وعبادتهم. وهم مزارعون يريدون استصلاح الأراضي. وهم في أعلى مناصب الدولة. وهم محميون بامتيازات فرضتها علينا الدول العظمى، وهم جواسيس للدول كلها. لألمانيا وفرنسا وبريطانيا".</p>
<p>وشخصية جمال باشا السفاح؛ الذي كانت له محاولات كبيرة في فرض السيطرة مجدداً على سوريا، والاستقلال بهذه الولاية؛ بأية وسيلة كانت؛ حتى ولو أدى به الأمر إلى التعاون مع أطراف أخرى؛ هم بالدرجة الأولى أعداء لدولته نفسها؛ الدولة العثمانية، يبين الكاتب طبيعته بقوله: "خائن لحلفائك، خائن للألمان الذين يقدمون دماءهم على هذه الأرض، وأنت تريد أن تفاوض الإنكليز لكي تنقلب علينا، وعلى اسطمبول". ومن أجل أن يبلغ غايته هذه ارتكب الكثير من المجازر والفظائع في حق أبناء هذه الولاية أولاً؛ وكل من نالته قبضته ثانياً، ودفع هذا الأمر به إلى إعدام الكثير من الشخصيات العربية المعروفة في مناهضة حكم الدولة العثمانية؛ وهم شهداء أيار؛ الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل التخلص من سقوط هذه الدولة، وظلمها، نتيجة تبلور الوعي القومي لدى العرب، وتشكيلهم جمعيات مناهضة لها.  </p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">اتفاقيّة سايكس بيكو</span></h3>
<p dir="rtl">تتبدد الأحلام العربية كما تظهرها الرواية، وتقع الدول العربية فريسة لتآمر فرنسا وانجلترا؛ بتوقيع اتفاقية سايكس بيكو، وتطبيقهما وعد بلفور، ليصاب عارف ابراهيم بألم نفسي عميق، ولتتعمق المحنة العربية، ويدفع الناس مجدداً ثمن هذه الاتفاقية الكثير من التضحيات للخلاص عبثاً، وتصبح المعاناة متوارثة من الخلف إلى السلف.</p>
<p dir="rtl">وعي كبير بالمرحلة إذاً؛ جاء من خلال رسم الراوي لشخصياتٍ حاولت لعب دورها في تلك المرحلة، وأخرى تآمرت على مستقبل المجتمع، وشعب ضائع يدفع ضريبة تلك الخيانة، وأماكن في الرواية هي بيروت والقدس ودمشق، استطاع الكاتب عدوان أن يجسّدها بصورة متمكنة، أبعدتها عن معضلة الوقوع في فصام مع أحداثها، وتفاصيلها، لتغدو الرواية التي تروي عن الزمان والمكان، ويتداخل فيها الشكل مع المحتوى، والمحتوى مع الشكل؛ في كلّ واحدٍ، لا ينفصلان عن بعضهما.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="418" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/item_XL_35207419_136908548_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">نقرأ من الرواية:</span></h3>
<p dir="rtl">"والله العظيم نحس كأننا دائخون لا نفهم ما يجري. يا ليتها كانت حرباً صليبية. كنا فهمناها. مسيحيون ضد إسلام. أوروبيون ضد مشرقيين. كانت سهلة. ولكنْ مسلمون وإنكليز وفرنسيون يهاجموننا ومسلمون وألمان يدافعون عنا. عرب في الجيش الإنكليزي وفي جيش الشريف يهاجموننا. وعرب في الجيش العثماني يقاومونهم. خليفة المسلمين في اسطمبول يعلن الجهاد المقدس باسم الإسلام. والشريف حسين، سليل الرسول، يعلن الجهاد ضد العثمانيين الكفرة. حتى اليهود لم نعد نستطيع أن نفهمهم. يهود يتبرعون للجيش العثماني ويدعون إلى التطوع فيه. ويهود يتجسسون لصالح الإنكليز ضد العثمانيين. يهود يحتالون لسرقة الأراضي ويهجّرون سكانها العرب، ليقيموا فوقها مستوطنات تتحول إلى ملاجئ للعرب الهاربين من الأتراك. احكِ. لماذا لا تحكي؟.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19530">«أعدائي» لممدوح عدوان... ذاكرةُ تاريخٍ لم تنقضِ آثاره بعد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«تقرير إلى غريكو».. عندما جمع كازنتزاكيس البحر في زجاجة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19529</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أحمد مجدي همام]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 02 Jan 2019 11:29:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ممدوح عدوان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%aa%d9%82%d8%b1%d9%8a%d8%b1-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ba%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%88-%d8%b9%d9%86%d8%af%d9%85%d8%a7-%d8%ac%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%a7%d8%b2%d9%86%d8%aa%d8%b2%d8%a7%d9%83%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يصعب تقديم تصنيف واضح للمعزوفة السردية الكبرى «تقرير إلى غريكو»، 1961،  لليوناني نيكوس كزانتزاكيس (1883 – 1957)، والصادرة في نسختها العربية عن دار ممدوح عدوان، وبترجمة تحمل توقيع الشاعر السوري الراحل (1941 – 2004). تحليلات كثيرة حاولت إيجاد تصنيف لـ "التقرير"، فقيل إنها تندرج تحت السيرة الذاتية، اليوميات، الرواية، ورواية التخييل الذاتي، والمذكّرات... إلخ. غير [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19529">«تقرير إلى غريكو».. عندما جمع كازنتزاكيس البحر في زجاجة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">يصعب تقديم تصنيف واضح للمعزوفة السردية الكبرى «تقرير إلى غريكو»، 1961،  لليوناني نيكوس كزانتزاكيس (1883 – 1957)، والصادرة في نسختها العربية عن دار ممدوح عدوان، وبترجمة تحمل توقيع الشاعر السوري الراحل (1941 – 2004).</p>
<p dir="rtl">تحليلات كثيرة حاولت إيجاد تصنيف لـ "التقرير"، فقيل إنها تندرج تحت السيرة الذاتية، اليوميات، الرواية، ورواية التخييل الذاتي، والمذكّرات... إلخ. غير أن هذا ليس ما يعنينا بشأن هذا الكتاب.</p>
<p dir="rtl">في مقدمة الكتاب، كتبت هيلين زوجة كازنتزاكيس، الظروف التي كتب فيها اليوناني نصه هذا بداية من 1956، وكيف كان يدعو الله أن يمد في عمره حتى ينتهي من تفريغ نفسه، ومن كتابة كل شيء: "كان يطلب من ربه أن يمد في عمره عشر سنوات أخرى يكمل بها عمله، يقول فيها ما كان عليه أن يقول... عشر سنوات تكفي أو هذا ما كان يظنه".</p>
<p dir="rtl">حاول الكاتب اليوناني، في تقريره، الموجه إلى جده أو سلفه القديم، الفنان الإسباني من أصول يونانية "غريكو" (1541 – 1614)، أن يجمع البحر في زجاجة، ويكتب لجده، تقريراً عن نفسه، تقريراً ليس سيريّاً، فقط ينمو أفقياً مع خط الزمن من نقطة بداية ما وحتى الممات، وإنما ينمو رأسياً بالمثل، ويحفر عميقاً في الذات الإنسانية، الفلسفة، التاريخ الوطني اليوناني الكريتي، والتاريخ في مطلقه. وربما يكون هذا الانفتاح على اتساع الإنسانية، واحدة من أهم الصفات التي ميّزت أدب كازنتزاكيس.</p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">الأسلاف في زمرة الدم</span></h3>
<p dir="rtl">- تكتب؟ ماذا تكتب؟</p>
<p dir="rtl">- حياة القديسين. وحياة جدي</p>
<p dir="rtl">- وهل كان جدك قديساً؟ ألم تقل لنا أنه كان يحارب الأتراك؟</p>
<p dir="rtl">- أليس هذا الشيء نفسه؟</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">صـ 60</span></p>
<p dir="rtl">صراع بين سلفين، أولهما ناري، والآخر ترابي، أسلاف قراصنة من جهة الأب، وأسلاف فلاحون من جهة الأم، والمواءمة بين هؤلاء وهؤلاء كان يقع داخل قلب وعقل الكريتي الصغير، ابن الكابتن ميخائيل. الذي بمرور الوقت قرر الانتصار لنفسه ومواصلة التقدم وتحويل كل هذا الموروث الجيني الفكري والإنساني إلى ثمار ناضجة وخالدة: "طوال حياتي كانت هناك كلمة تعذبني وتجددني وهي كلمة الصعود، وسأقدم هذا الصعود، وأنا أمزج الخيال بالواقع، مع آثار الخطى الحمراء التي خلفتها ورائي وأنا أصعد."</p>
<p dir="rtl">سرعان ما تتشعب ساحات الصراع، وتنتقل من دخيلة الطفل البطل الراوي بضمير المتكلم، لتجتاح كل شيء، علاقته بالناس ورجال الدين والمدرسة الكاثوليكية، صراع الكريت لنيل حريتها من الأتراك وصراع التعرف على الحياة، السفر، التمرد على الموروث وتجديد الرؤية... يسرد صاحب "زوربا اليوناني" كل ذلك بأسلوب الخاص، السهل جداً والممتنع بالمثل. إن للغة كازنتزاكيس سمة واضحة، فسرده يتدفق بسهولة وانسيابية، بصمة سردية تندرج بفخار تحت العنوان الكبير "الأسلوب هو الرجل"، تلك المقولة التي تنسب لاسمين فرنسيين هما سانت دينيف، وجورج لويس (بوفون)، أو مقولة الكاتب المصري مصطفى زكري: "الأسلوب شرف الكاتب"، ووفقاً لهذا القياس، فإن كازنتزاكيس أحد أشرف كتّاب العالم.</p>
<p dir="rtl">بهذا التدفق يحكي اليوناني طفولته، وتدريجياً، ينتقل إلى الصبا والفتوة والشباب، ويمضي في رحلته<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="ممدوح عدوان" height="794" src="https://rommanmag.com/ckfinder/userfiles/images/%D9%85%D9%85%D8%AF%D9%88%D8%AD2.jpg" width="1200"></div>
<h3 dir="rtl">
<span style="color:#ff0066">قدّيس الأفكار</span></h3>
<p dir="rtl">المحاولة الأولى التي قام بها نيكوس كازنتزاكيس للتحول إلى قديس كانت عندما فر من المنزل إلى الميناء وطلب من البحارة أن ينقلوه إلى جبل آثوس البعيد ليصير راهباً. مرة ثانية أكثر نضجاً ووعياً قام بها عند زيارته إلى سيناء وفلسطين.. تلك كانت محاولات صادقة، لكن هذا التحول في ظني لم يكتمل، إلا بنشره هذا الكتاب، فكازنتزاكيس، لا يتحول معه إلى قديس مسيحي، وإنما إلى قديس إنساني، قديس باتساع البشرية، يستطيع أن ينصف حتى عدوه التركي ويقدم جانبه الإنساني البسيط كما قدّم جانبه الدموي المحتل.</p>
<p dir="rtl">تكتمل اشتراطات هذا التحول على مدار الكتاب، عندما يعكس مؤلف "الإغواء الأخير للمسيح"، لا سيرة شخصية، وإنما سيرته الباطنية، المنحنى العاطفي لنفسيته، وأفكاره، وخبراته، وخروجه من مرحلة إلى أخرى، مرحلة أساطير القديسين في الطفولة، ثم مرحلة أيامه في إيطاليا، والقدس، والقوقاز، وباريس، وروسيا وغيرها من البلدان، وتأثره بكتاب بعينهم مثل نيتشه وبرغسون.. وهذا ربما ما حاول أن يقوله استباقياً في المقدمة القصيرة جداً التي كتبها قبل الشروع في الرحلة: "كانت هناك أربع درجات حاسمة في صعودي. وتحمل كل منها اسما مقدساً: المسيح، بوذا، لينين، أوليس. ورحلتي الدامية بين كل من هذه الأرواح العظيمة والأرواح الأخرى هي ما سوف أحاول جاهداً أن أبين معالمه في هذه "اليوميات".</p>
<p dir="rtl">ولا تخلو هذه العناوين الكبرى من خفة الدم اليونانية المعروفة، وبصمة الكاتب التي لا ينقصها الظرف، يقول: "بفضل تدخل طالبة جامعية مجهولة، كان قدري ينصب لي كمينا في مكتبة سانت جنفياف. كنت منكباً على أحد الكتب حينما جائتني فتاة وهي تمسك بكتاب كذلك يحتوي على صورة رجل وقد غطت أسفل الصفحة بكفها لكي تخفي اسمه، انحنت فوقي، ثم أشارت إلى الصورة، وسألتني من هو؟</p>
<p dir="rtl">هززت كتفي: وكيف لي أن أعرف؟</p>
<p dir="rtl">ألا تعرفه؟ أهي المرة الأولى التي تراه فيها! إنه نيتشه. خلال دقائق قليلة عادت ومعها زرادشت وقالت ضاحكة: هاك، ها هنا غذاء قوي لعقلك، إن كان لديك عقل وإن كان جائعاً.</p>
<p dir="rtl">كانت تلك واحدة من اللحظات الحاسمة في حياتي". <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="457" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/9079_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<h3 dir="rtl"><span style="color:#ff0066">زوربا</span></h3>
<p dir="rtl">يفرد نيكون كازنتزاكيس في الصفحات الأخيرة من «تقرير إلى غريكو» فصلاً بعنوان "زوربا"، دوّن فيها تفاصيل التقائه بتلك الشخصية الفريدة والاستثنائية، والتي ألهمته واحدة من أفضل رواياته «زوربا اليوناني». كان ذلك اللقاء إبان اشتغال كازنتزاكيس في مشروع للحفر والتنقيب عن الغرانيت، لم يسفر ذلك التنقيب إلا عن زوربا، الفيلسوف البسيط والملهم الكبير، قال عنه المؤلف: "ولو أن سؤال العمر كان مطروحاً أمامي حول اختيار دليل روحي، أو غورو كما يسميه الهندوس، أو أب، كما يسميه كهنة جبل آثوس، فلا شك أنني كنت سأختار زوربا. لأنه كان يتمتع بكل ما يحتاج إليه الموجه للخلاص: النظرة الأولية التي تصل إلى هدفها كالسهم من عل، والانعدام المبدع للفنية، والتجدد كل صباح".</p>
<p dir="rtl">كواليس العلاقة الشخصية بين كازنتزاكيس وزوربا، المراسلات، المشروع الفاشل، ثم سفر العجوز ألكسيس زوربا ناحية صربيا للعمل، الهدايا التي كان يرسلها لنيكوس والبطاقات البريدية القبعات المزركشة... لقد كانت علاقة كزانتزاكيس بزوربا علاقة زلزالية، وقد قال العجوز للشاب أثناء الحفر للتنقيب عن الغرانيت إنهم يحفرون على الأرجح ليكتشفوا الشياطين الكامنة في أنفسهم..</p>
<p dir="rtl">كان اللقاء، وكما قال الكاتب اليوناني، بمثابة كأس ماء بارد في يوم صيفي قائظ.</p>
<p dir="rtl">في المجمل، "تقرير إلى غريكو" سيرة رجل حاول البحث عن الله والشيطان معاً، ولا ندري على وجه الدقة ما إذا كان قد نجح في الوصول لهما أم لا، لكننا نوقت في المقابل أنه خاض رحلة طويلة، وأن الكنز على الأرجح، يكمن في الرحلة.</p>
<p dir="rtl">اختتم كازنتزاكيس تقريره الفريد إلى جده غريكو قائلاً:</p>
<p dir="rtl">أقبل يدك يا جدي.</p>
<p dir="rtl">أقبل كتفك اليمنى. وأقبل كتفك اليسرى.</p>
<p dir="rtl">جدي!</p>
<p dir="rtl">مرحباً!</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19529">«تقرير إلى غريكو».. عندما جمع كازنتزاكيس البحر في زجاجة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«خارجي قبل الأوان»... عن الشاعر الذي دافع عن الجنون</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19528</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سامر مختار]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 01 Jan 2019 12:47:13 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ممدوح عدوان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d8%ac%d9%8a-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%af%d8%a7%d9%81/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"للشعر وظيفة واحدة هي "الدفاع عن إنسانية الإنسان في هذا العالم" كما يقول الشاعر فوزنيسنسكي. والفنان المبدع هو الإنسان الصافي. وسعيه نحو النضج هو سعيه نحو هذا الصفاء... نحو أن يكون "الكل" في نفسه. أنه السعي نحو كشف الحقيقة: حقيقة نفسه... حقيقة كونه "إنسانًا" حقيقة إنسانيته، ولهذا يتساقط الكثيرون في طريق النضج.. وذلك حين ينفصل التطور الشكلي عن التطور في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19528">«خارجي قبل الأوان»... عن الشاعر الذي دافع عن الجنون</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">"للشعر وظيفة واحدة هي "الدفاع عن إنسانية الإنسان في هذا العالم" كما يقول الشاعر فوزنيسنسكي. والفنان المبدع هو الإنسان الصافي. وسعيه نحو النضج هو سعيه نحو هذا الصفاء... نحو أن يكون "الكل" في نفسه. أنه السعي نحو كشف الحقيقة: حقيقة نفسه... حقيقة كونه "إنسانًا" حقيقة إنسانيته، ولهذا يتساقط الكثيرون في طريق النضج.. وذلك حين ينفصل التطور الشكلي عن التطور في المضمون.. أو عندما تكون أفكارهم الجديدة ملصقة على حياتهم ولا تكون نابعة منها"<span style="color:#ff0066">*</span></p>
<p dir="rtl">عند بداية الثورة السورية عام 2011 وبينما كانت تتهاوى أسماء أدبية كبيرة، كان متوقع منهم موقف معبّر عن سخطهم من الواقع المتردّي في سورية قبل الثورة من خلال «التنظير» الذي لا يخلو عند بعضهم من نبرة استعلاء وفوقية، وهم يشرّحون تاريخ «التخلّف»، عند الشعوب العربية. بالمقابل كان هناك حالة من استحضار و«استدعاء» كتّاب وأدباء سوريين، أموات منهم، وأحياء، ممن يعبّر نتاجهم الأدبي والفكري، عن رفض للاستبداد، والقمع، وغياب العدالة.</p>
<p dir="rtl">والشاعر ممدوح عدوان كان من أبرز الكتّاب السوريين، ممن حضروا بنتاجهم الأدبي في السنوات التي تلت الثورة، ليس فقط في شعره، وهو الذي كانت تجربته عابرة للنوع، ليكون حاضرًا روائيًا، ومترجمًا، وباحثًا ومتأملًا.</p>
<p dir="rtl">فكتابه «حيونة الإنسان» والصادر عام 2003 ستصبح قراءته ضرورة، لفهم آليات القمع، التي تمارسها السلطة المستبدة، على المجتمع والفرد. وكان قد سبقه كتاب من ترجمته وهو «التعذيب عبر العصور» لبرناديت ج هروود.</p>
<p dir="rtl">أتى كتاب «خارجي قبل الأوان –  ممدوح عدوان – قصائد» اختيار وتقديم: صبحي حديدي، والصادر عن دار ممدوح عدوان للنشر عام2017، في أوانه ربما. إذ أن الناقد السوري صبحي حديدي أراد بهذا الكتاب أن يُلقي الضوء على التناص الذي يجري ما بين نصوص وكتابات عدوان، والاحتجاجات، وردّ فعل السلطة عليها في السنوات الأخيرة، وفي معرض كلامه في مقدمة الكتاب عن كتاب آخر هو «حيونة الإنسان»، يقول حديدي: "… وثمة فصل بعنوان «السلبطة السلطوية»، كتب قبل اندلاع الانتفاضات العربية، لكنه بعدها اكتسب دلالات بالغة الخصوصية، لأنه ببساطة أثار شخصية «البلطجي» و«الشبّيح»، وأدوار كلّ منهما في تحريك آلة القمع، ورسم لكلّ منهما قسمات مفصّلة جعلت المقالة معاصرة تمامًا، تكاد تصف بدّقة عالية ما فعله «البلطجية» في مصر، وما فعله ويفعله «الشبيحة» في سورية".   </p>
<p dir="rtl">لكن، الكتاب لا يستحضر عدوان بزخم إنتاجه الأدبي، العابر للنوع، كما أشرنا أعلاه فحسب، بل بتجربته الشعرية، والتي لوحدها، من الممكن، أن تكشف عن شاعر متفرد؛ كانت قصيدته دائمًا كاشفة وحاضرة، لتشتبك مع  المناخ السياسي، والاجتماعي، في سورية، وترى الواقع وتحولاته وأزماته بعين بصيرة.</p>
<p dir="rtl">يشير صبحي حديدي في ختام مقدمته، بأن ما اختاره من قصائد "قد نهض على مزيج من ذائقة شخصية" ويوضح أيضًا أن اختيار قصائد دون سواها "خضع لعامل تقني محدد: أي الاستعاضة عن القصائد الطويلة، لصالح تلك المتوسطة أو القصيرة، وذلك لإفساح المجال أمام عدد أكبر من النصوص المعبّرة عن التجربة، وبما يتناسب مع الحجم المقترح للمختارات".</p>
<p dir="rtl">وبالفعل ساعد هذا العامل التقني في الاختيار، أن يسمح للقارئ أن يقرأ قصيدتين أو ثلاث، وأحيانًا أربع قصائد، من كل ديوان لممدوح عدوان، بدءاً من ديوانه البكر «الظل الأخضر» 1967، حتى ديوانه الأخير «حياة متناثرة» 2004. لنكون أمام موضوعات مختلفة، وأشكال وأساليب متعددة أتبعها عدوان في شعره، وبالأخص القصائد التي ترمز إلى الواقع السياسي، أو تحيل لمآلاته المأساوية. فنرى في قصيدة يرثي فيها الشاعر نهر بردى يقول:</p>
<p dir="rtl">"في كل مجرىً  جفّفوه، وجرّبوا بالسرّ إحراقه</p>
<p dir="rtl">حقنوه بالأقذار، دسّوا فيه ذاكرة بلا ذكرى</p>
<p dir="rtl">دسّوا عليه هوية أخرى</p>
<p dir="rtl">قنّوه في باحاتهم</p>
<p dir="rtl">وتسامروا ليلاً على أنّاته</p>
<p dir="rtl">غسلوا به الأقدام والمخدع</p>
<p dir="rtl">وتداولوه فقطّعوه وأرجعوا الأشلاء للمجرى"</p>
<p dir="rtl">سيشير صبحي حديدي أيضًا في معرض مقدمته إلى ما سماه "ميل عدوان الدائم إلى «تسييس» موضوعات قصائده"، فيقول: "أن جماليات القصيدة عند عدوان ليست، البتة، مترفعة عن هواجس السياسية، أو الاجتماع السياسي في معنى أدقّ؛ ابتداءً من مختلف أزمات الحياة اليومية، مرورًا بمشكلات الحرّية والتحرّر والتحزّب والانحياز، وليس انتهاءً بالقضايا الكبرى المحلية والوطنية والكونية."</p>
<p dir="rtl">في قصيدة «النسر» من ديوان «كتابة الموت»، هناك اشتغال على الكتابة الرمزية، فـ«النسر» في هذه القصيدة، إشارة واضحة إلى «الرئيس» الديكتاتور. وهنا مقطع من القصيدة:</p>
<p dir="rtl">"بغتة رف جنحيه،</p>
<p dir="rtl">ضاق به البيت</p>
<p dir="rtl">حوّل كل أثاثٍ لدينا حطام</p>
<p dir="rtl">صار عبئًا ثقيلًا  علينا</p>
<p dir="rtl">وفي بيتنا صرت أشكو الزحام</p>
<p dir="rtl">سقفنا واطئ</p>
<p dir="rtl">والفضاءات ما بين جدرانه ضيّقه</p>
<p dir="rtl">وهو لا يدخل القفص المقتنى لينام</p>
<p dir="rtl">وهو حين يرى كارهًا</p>
<p dir="rtl">لا يداري</p>
<p dir="rtl">فيفضحنا..."</p>
<p dir="rtl">وفي قصيدة «لا بدّ من التفاصيل»، والتي تبدأ بجملة "إلى أمل دنقل بلا مناسبة"، تكون النبرة السياسية أعلى. وإعادة تعريف معنى الوطن/السجن/السجان/الجهاد، في لغة ترثي تارة، وتسخر سخرية سوداء تارة أخرى، كأن يقول عدوان:</p>
<p dir="rtl">"هذا وطن الفقراءْ</p>
<p dir="rtl">هذا وطنٌ عادَ</p>
<p dir="rtl">لكي يغسل يُتمَ الأبناءْ</p>
<p dir="rtl">قلنا: نفتح بابَ جهادٍ</p>
<p dir="rtl">كي نلجَ الوطنَ</p>
<p dir="rtl">فيورق تحت ظلال سيوف الشهداءْ</p>
<p dir="rtl">عشر سنين نزرع فيه ونتعبْ</p>
<p dir="rtl">نشقى</p>
<p dir="rtl">وتكون حصيلتنا طحلبْ</p>
<p dir="rtl">نزرعه ليلًا</p>
<p dir="rtl">يحصده الجابي للوالي</p>
<p dir="rtl">“قبل صياح الديكْ</p>
<p dir="rtl">هناك إشارة واضحة لفساد الدولة، وازدهار طبقة اجتماعية معينة على حساب انهيار باقي شرائح المجتمع في سورية، وهذا الطبقة التي تضم أيضًا رجالًا  في الدولة، والتجار المستفيدين من الوضع القائم، التي يرمز لها عدوان بمقطع من قصيدة بحي أبو رمانة الراقي في دمشق، والذي لا يبعد كثيرًا من مقر القصر الجمهوري في دمشق، فيقول:</p>
<p dir="rtl">"عشر سنين</p>
<p dir="rtl">لم يتوسّع فيك سوى جرح وخيانهْ</p>
<p dir="rtl">لم تزدَدْ إلا أسعارُ الخبز،</p>
<p dir="rtl">وأسباب الخوفْ</p>
<p dir="rtl">لم يزدَدْ غير بهاءِ (أبي رمّانهْ)</p>
<p dir="rtl">لم نضمن في أزمة هذا السكن الخانِق</p>
<p dir="rtl">إلا أن صار لكل منا زنزانهْ"<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="494" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/item_XL_36702819_143781868_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">وإذا عدنا لمقدمة ديوان «لا بد من التفاصيل» 1981، والتي هي أشبه ببيان ثوري غاضب، تستحق الوقوف عندها، والتي أعيد نشرها في كتاب ممدوح عدوان «دفاعًا عن الجنون – مقدمات» سنجد أنه عنون تلك المقدمة بـ«لا بد من الشعر» يقول في مطلعها: "ولماذا الشعر الآن؟! نحن نعيش في عصر الخيانات والمؤامرات والاغتيالات. نلهث عبر أربع وعشرين ساعة مزدحمة قاتلة في إطار من الزمن الممطوط المهمل الذي لا يعطي أية أهمية لحياتنا كلها. نعيش دوامات ومتاهات واستلابات. نعيش القهر والخوف والجوع. فلماذا الشعر الآن؟!... » بالطبع هنا عدوان يتحدث ساخرًا من خطاب السلطة وتفريغها لمعنى الأدب والثقافة، والتقليل من أهميتهما، في زمن "المؤامرات". في المقطع الثاني سيجيب عدوان عن هذا التساؤل: "هم ليسوا مهتمين بتثقيف الناس... هم لا يريدون أن يتعمق وعي الناس، ولا يريدون أن تكون حساسية الناس مرهفة مشحوذة لأنهم لا يريدون شعبًا مساهمًا ومتسائلًا. بل يريدون رعية تابعة."</p>
<p dir="rtl">وإذا كان طموح كتاب «خارجي قبل الأوان»، هو دفع القارئ لقراءة شعر ممدوح عدوان، إنما يتحول إلى فاتحة لقراءة تجربة ممدوح عدوان ككل، إذ أنه جعل، بشكل من الأشكال، تجربته بأكثر من حقل معرفي، عصية على التجزئة. وبالأخص عند قراءة المقدمة الشاملة التي قدم فيها صبحي حديدي المختارات، والتي تساءل فيها: "هل من الممكن تخيّل المشهد الأدبي السوري المعاصر، بدون هذا الرجل؟"</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">*</span><span style="color:#7f8c8d"> مقطع من مقدمة ديوان «الظل الأخضر» 1967. وأعيد نشر المقدمة في كتاب«دفاعًا عن الجنون- مقدمات» – دار ممدوح عدوان</span></p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19528">«خارجي قبل الأوان»... عن الشاعر الذي دافع عن الجنون</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-29 23:58:37 by W3 Total Cache
-->