<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>ماسة عورتاني - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/10388764rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/10388764rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Fri, 31 Oct 2025 18:42:01 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>ماسة عورتاني - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/10388764rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>سيمون دو بوفوار على أنقاض غزة: الجنس الآخر في إعادة الإعمار</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36787</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ماسة عورتاني]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 25 Oct 2025 07:41:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36787</guid>

					<description><![CDATA[<p>في الرابع من آذار/مارس 2025 اجتمعت القمة العربية الطارئة في القاهرة لتبني "خطة إعادة إعمار غزة". كانت الوثيقة، بميزانيتها التي تبلغ 53 مليار دولار، سرداً طموحاً مليئاً بالأرقام الصلبة: 400 ألف مسكن، 120 مستشفى، ميناء، مطار. لكن هذا السرد، بكل ضخامته المادية، أخفق في أن يكون نصاً شاملاً. لقد قام بتأطير المستقبل من خلال قاموس [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36787">سيمون دو بوفوار على أنقاض غزة: الجنس الآخر في إعادة الإعمار</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في الرابع من آذار/مارس 2025 اجتمعت القمة العربية الطارئة في القاهرة لتبني "خطة إعادة إعمار غزة". كانت الوثيقة، بميزانيتها التي تبلغ 53 مليار دولار، سرداً طموحاً مليئاً بالأرقام الصلبة: 400 ألف مسكن، 120 مستشفى، ميناء، مطار. لكن هذا السرد، بكل ضخامته المادية، أخفق في أن يكون نصاً شاملاً. لقد قام بتأطير المستقبل من خلال قاموس ذكوري صرف، مُنتِجاً بذلك غياباً آخر، غياب المرأة، ليس كإغفالٍ عارض، بل كنتيجة حتمية لبنية سردية أبوية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا، تقدم لنا البروفيسورة والكاتبة سينثيا إنلو إحدى أهم استعاراتنا النقدية: "Later is a patriarchal time zone". ليست "اللاحقة" مجرد زمن، بل هي "منطقة زمنية أبوية"، بناء سردي يُستخدم لتأجيل قصة المرأة إلى فصول لاحقة، بينما تُكرس الفصول الأولى لقصة الرجل البطل: البناء، الإصلاح، إعادة التأهيل. تقول إنلو إن هذا التأجيل ليس حيادياً، بل هو خيار أيديولوجي. خطة غزة، بهذا المعنى، هي تكريس لهذه المنطقة الزمنية الأبوية: فقصص السلامة من العنف المبني على النوع الاجتماعي سواء على يد الاحتلال أو الرجل الفلسطيني، والصحة الإنجابية، والأمن الاقتصادي للمرأة، كلها مؤجلة إلى ذلك الحيز الغامض المُسمّى "ما بعد الاستقرار"، وهو حيزٌ، كما يخبرنا التاريخ، قد لا يأتي مطلقا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي قلب هذا التحليل، تقف سيمون دو بوفوار وشعارها الوجودي المؤسس من كتابها "الجنس الثاني": "المرأة ليست مولودة امرأة، بل تصبح كذلك"، حيث تصف دو بوفوار كيف يتم تشييد المرأة كـ"الآخر" (The Other) من خلال السرديات الاجتماعية والسياسية التي يهيمن عليها الرجل وبالتالي تصبح مكانة المرأة الاجتماعية الجنس الثاني حيث أن الرجل هو الجنس الأساسي ومعيار القياس. في سياق إعادة الإعمار، تُعاد كتابة هذه المعادلة الوجودية ببراعة: الرجل هو "الذات" الفاعلة (المهندس، المموِّل، المفاوض)، بينما تُختزل المرأة إلى "الآخر" السلبي، موضوعٌ للرحمة أو "المساعدة"، وليست فاعلةً في صنع مصيرها. إن إقصاءها من غرف التصميم هو، في جوهره، إنكارٌ لوجودها ككيان مستقل، وتكريسٌ لوضعها ككيانٍ مُعرَّفٍ دائماً بالتبعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يهمنا أيضا كتاب "النساء غير المرئيات" (Invisible Women) لكارولين كريادو بيريز، ليكشف عن أداة السرد الأبوية الأكثر أساسية: فجوة البيانات. إن عدم جمع البيانات المصنفة حسب النوع الاجتماعي هو بمثابة حذف متعمد لشخصيات كاملة وفصول بأكملها من القصة. إنه يسمح للكاتب (المخطط، صانع القرار) بادعاء "الحياد" وكتابة نصٍ يعتبر "الإنسان" مجرداً وكونياً، بينما في الواقع، هذا "الإنسان" هو ذكر. هذا الحذف يجعل النساء "غير مرئيات" حرفياً في عملية كتابة المستقبل، مما يسمح بإعادة إنتاج أخطاء الماضي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تسجل بيريز حلقة مفرغة: غياب البيانات المجزأة حسب النوع الاجتماعي ليس مجرد إغفال – بل هو لامبالاة مقصودة. تستخدم الحكومات والمؤسسات هذا الفراغ كسلاح، متذرعة بـ"عدم وجود أدلة" لتبرير استبعاد النساء من التخطيط لمرحلة ما بعد الصراع، سواء في التعافي الاقتصادي أو العدالة الانتقالية. ومع ذلك، فإن الحل واضح: فرض جمع البيانات بشكل منهجي حول مشاركة المرأة في كل اجتماع حوكمة. لقد زادت نسبة النساء اللواتي يدخلن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، ولكن لا توجد بيانات عن كمية الاستفادة التي تحصل عليها النساء، ولا توجد بيانات عن الاختلافات في جودة الاستفادات وتغطيتها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تخبرنا سينثيا إنلو أن الأمن مفهومٌ جندريٌّ عميق. وتجسّد هذه الحقيقة حادثة مأساوية سببتها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين (UNHCR) في معسكرات التنزانيين للاجئين عام 2000. عندما نفد الصابون، لم تكن الأزمة مجرد نقص في المستلزمات، بل كانت فشلاً ذريعاً في "الخيال الأمني" الأبوي. بالنسبة للمخططين، كان الصابون بنداً ثانوياً في الميزانية. لكن لنصف مليون لاجئ – وخاصة الفتيات المراهقات – أصبح غيابه كارثياً. دون هذه الأساسية، تسربت الفتيات من المدارس أثناء الحيض، بينما برزت تقارير عن استغلال جنسي، حيث أجبرت بعضهن على تبادل أجسادهن فقط للحصول على قوالب الصابون. هذه الصفقات المذلة لم تكن فقط للحصول على الرفاهية، بل لمحاولة يائسة لتجنب الأمراض النسائية الناتجة عن غياب النظافة الشخصية، وهنا تكمن الطبقة الأكثر قسوة من هذه المعاناة: العار المزدوج الذي تواجهه النازحات واللاجئات. عار أول عند محاولة الحفاظ على النظافة الشخصية لتجنب الأمراض النسائية  في ظل ظروف لا إنسانية، وعار ثانٍ عند السعي للعلاج من هذه الأمراض الناتجة عن هذه الظروف. لقد حولت هذه الديناميكية جسد المرأة إلى ساحة معاناة مزدوجة: معاناة من المرض، ومعاناة من وصمة اجتماعية تلاحقها حتى وهي تحاول حماية صحتها وكرامتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا لم يكن فشلاً في الموارد، بل كان فشلاً في التصوّر. لو تمت استشارة النساء في قرارات التوريد، لكنّ حذّرن من كيف أن نقص الصابون سيعرّض الفتيات للخطر بشكل غير متناسب. بدلاً من ذلك، كشف هذا الإغفال كيف أن برامج "الحماية" تركز غالباً على التهديدات المرئية (مثل العنف المسلح) بينما تهمش الاحتياجات اليومية التي تحدد سلامة المرأة وكرامتها. الأمن الحقيقي لا يتعلق بحفظة السلام والأسلاك الشائكة فقط؛ بل يتعلق بسؤال النساء عن احتياجاتهن للبقاء على قيد الحياة – قبل وقوع الأزمة. فضيحة الصابون تثبت: عندما تستبعد النساء من التخطيط، حتى أصغر الاخفاقات يمكن أن تتحول إلى كارثة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتكرر هذا النمط المؤلم في كل مكان: من جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة - الرجال الذين أُرسلوا أصلاً للحماية، والذين تحولوا هم أنفسهم إلى جناة (بما في ذلك 72 حالة اغتصاب موثقة في الكونغو الديمقراطية، بعضها لأطفال)، إلى برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، التي توزع الواقيات الذكرية الأنثوية بينما تتجاهل الاحتياجات الأساسية للنساء مثل الفوط الصحية. هذه الإخفاقات تكشف حقيقة مريرة: لا يمكن للرجال تصميم الأمان للنساء. استراتيجيات الحماية التي تُصمم بدون مدخلات النساء ليست غير فعالة فحسب، بل غالباً ما تكون مميتة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه الديناميكية لا تقتصر على المساعدات الإنسانية، بل تمتد إلى أعلى مستويات صنع السلام. ففي اتفاقيات السلام في الكونغو، مُنح العفو للمتمردين الذين لديهم سجلات موثقة جيداً في العنف الجنسي في هدنة هشة. لكن هذا "السلام" المزعوم جاء بتكلفة – ليس بالنسبة للمفاوضين، ولكن للنساء اللواتي اعتُبرت تضحية مقبولة لإغلاق هذا الملف والاحتفال باتفاقية السلام المصطنعة. ملاحظة سينثيا إنلو حول الأرامل العراقيات تنطبق هنا: الموت في وقت الحرب له بعد جندري، وكذلك ما بعده. عندما تربط البنوك والحكومات والأنظمة القانونية بقاء المرأة بعلاقتها بالرجل، فإن "مرحلة ما بعد النزاع" تتحول إلى ساحة معركة أخرى. حصل المتمردون على العفو؛ بينما تم محو النساء. هذه هي نفاق عمليات السلام التي تفضل الاستقرار على المساواة – إنها لا تنهي العنف بقدر ما شرعنه بشروط جديدة. حتى قرار مجلس الأمن 1889 يشبه مخطوطة جميلة ولكنها غير مكتملة، تفتقد إلى الآليات الملزمة لتحويل كلماتها إلى واقع. حقيقة أن 67% من طلبات التمويل للتدخلات الخاصة بالعنف لم تُلبَّ في 2017 ليست هامشاً، بل هي مؤشر على أن قصة المرأة لا تُعتبر "قصة رئيسية" تستحق التمويل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في غزة، نرى هذا السرد المأساوي يعيد كتابة نفسه. فبعد خمسة حروب، تم حذف شخصية المرأة المناضلة، صانعة الشبكات ومُديرة شؤون البقاء، من فصول إعادة الإعمار. وبدلاً من ذلك، كُتبت كشخصية ثانوية: الضحية، أو مساعدة البطل. العنف القائم على النوع الاجتماعي هو فصل مظلم ومُختزل في الإحصائيات التي لا تنقل العمق. 37 جريمة "شرف" على مدار سنتين فقط من 2012-2013، 15% من المتزوجات يتعرضن للعنف الجنسي – هذه أرقام، لكن القصة الحقيقية هي قصة الخوف والصمت والوصم التي لا تروى. </span></p>
<p>اليوم، تُختزل معاناة نساء غزة في إحصاءات: 93% يعشن في خوف دائم، 80% اكتئاب، 66% أرق. لكن الأدب يعلمنا أن الإحصاءات هي أقصوصة باردة لا تنقل سردية الخوف: الرعب الهادئ لطابور الماء، القلق من الذهاب إلى الحمام ليلاً، الحرب التي تُشحذ أسنان المخاطر اليومية. في السرد الكلي للحرب، يهرب الرجال من ساحات القتال، لكن سرد المرأة أكثر تعقيداً: فهي تهرب من الحرب ومن الرجال داخل الحرب.</p>
<p><span style="font-weight: 400;">الآن، إعادة إعمار غزة تحتاج إلى تغيير السرد من جذوره. لا يمكن أن تظل المرأة "الآخر" في القصة. تحتاج العملية إلى أن تكون إعادة كتابة وجودية، وليس مجرد بناء مادي، فالنهج النسوي في العلاقات الدولية، كما يتم توضيحه من قبل إنلو ودو بوفوار، يتطلب الإصغاء ليس فقط لما يُقال، بل للغيابات الصاخبة أيضًا – المقاعد الفارغة حيث كان ينبغي أن تجلس النساء، والعنف غير المعترف به المدفون تحت اتفاقيات العفو، والطريقة التي تعزز بها السياسات "المحايدة" هيمنة الذكور بصمت. تتنكر الذكورة في صورة غياب النوع الاجتماعي، موضعة نفسها كالإعداد الافتراضي بينما تجعل تجارب النساء عرضية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقط عندما تصبح النساء كاتبات ومحررات لإعادة الإعمار، عندما تُسمع أصواتهن في تصميم المساكن والأحياء والبرامج الاقتصادية، عندما تُجمع البيانات التي تجعل تجاربهن مرئية - فقط عندها يمكن لغزة أن تنهض من الأنقاض ليس فقط ببناء جديد، ولكن بمجتمع جديد قائم على العدالة والمساواة الحقيقية. هذه ليست مجرد إضافة نسوية للقصة، بل هي إعادة كتابة جذرية للقصة ذاتها.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36787">سيمون دو بوفوار على أنقاض غزة: الجنس الآخر في إعادة الإعمار</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>وراء شاشات معبر الكرامة: &quot;وظائف غريبر التافهة&quot; تنتج نظاما من الذل</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36225</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ماسة عورتاني]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 23 Aug 2025 04:29:48 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36225</guid>

					<description><![CDATA[<p>في الثالثة فجرا في كل يوم ما عدا السبت، تفتح ادوار جديدة من طقوس الذل عند بوابة معبر الكرامة: صفوف بشرية متراصة، عيون منهكة تترقب، واجساد هامدة تحت وطأة انتظار لا احد يعرف مداه. هذا التوقيت المبكر ليس اختيارا عمليا، بل هو أولى حلقات سلسلة العنف البيروقراطي الذي يحول الفلسطينيين إلى أرقام في سجلات نظام [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36225">وراء شاشات معبر الكرامة: &quot;وظائف غريبر التافهة&quot; تنتج نظاما من الذل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في الثالثة فجرا في كل يوم ما عدا السبت، تفتح ادوار جديدة من طقوس الذل عند بوابة معبر الكرامة: صفوف بشرية متراصة، عيون منهكة تترقب، واجساد هامدة تحت وطأة انتظار لا احد يعرف مداه. هذا التوقيت المبكر ليس اختيارا عمليا، بل هو أولى حلقات سلسلة العنف البيروقراطي الذي يحول الفلسطينيين إلى أرقام في سجلات نظام لا يعترف بانسانيتهم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتراكم الحقائب عند البوابة، بينما يتكئ المسنون على الجدران والاطفال يبكون من شدة الإرهاق. سبع ساعات من الانتظار قد تكون "حظا جيدا" في هذا المكان، حيث يمكن أن تمتد المحنة الى اثنتي عشرة ساعة، أو تنتهي إجبارك على العودة من حيث اتيت. الانتظار هنا ليس عارضا جانبيا، بل هو آلية مصممة بعناية لتحقيق هدفين: اشعار الفلسطيني بالعجز، ودفعه لقبول فكرة أن حقوقه ليست مكتسبة، بل هي امتيازات تمنح لمن يدفع او يعرف احدا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المشهد اليومي في المعبر يكشف عن نموذج واضح لما سماه ديفيد غريبر "الوظائف التافهة". موظفون يجلسون خلف شاشاتهم، ينقرون على لوحات المفاتيح بايقاع ميكانيكي، يطلبون وثائق سبق تقديمها مرارا، ثم يختفون فجاة في غيابات لا يعمل فيها ان كانوا في استراحة ام انقطاع كامل عن هذا العالم. اعمال بلا معنى، يعترف حتى القائمون عليها بأنها لا تقدم أي قيمة،  لكنها تستمر لخدمة غرض واحد: إبقاء الآلة البيروقراطية تدور في حلقة مفرغة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ولادة المنصة الالكترونية الجديدة، لم يختف التعقيد، بل تضاعف. أضيفت طبقات إضافية من "الوظائف التافهة" : مبرمجون يصممون منصات لا تعمل، ومشرفون يراقبون تعطلها، و "لاصقين" بشر يتعاملون لاصلاح اعطال لم يجب أن تكون موجودة اصلا. أصبحت الرقمنة هنا مجرد وجه رقمي لنفس الفوضى البيروقراطية القديمة. ومن الطبيعي أن يعيش الموظف وسط كل هذا كله حالة اغتراب وجودي او اكتئاب او ارهاق - ليس من شدة العمل، بل من خوائه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهنا يتجلى أحد أكثر جوانب العنف البيروقراطية خطورا: تذويب المسؤولية داخل سلسلة غير قابلة للمساءلة. الموظف يقول: "انا فقد أنفذ التعليمات" والمسافر يرضخ لأنه لا يريد أن يتأخر والوسيط يربح لأنه "يعرف من أين تؤكل الكتف"، والنظام ينتصر لأنه يقنع الجميع ان ما يحدث لا يتحمل مسؤوليته أحد. العطل لا يأتي من جهة محددة، بل من "المنظومة"، وهذه المنظومة ليست سوى شبكة علاقات ومصالح وقواعد غير مرئية، يختبىء خلفها الجميع بينما يتحمل عبء الفشل من لا صوت له.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتابه "يوتوبيا القواعد" ، يطرح ديفيد غريبر فكرة أن البيروقراطية ليست مجرد نظام إداري يسعى إلى التنظيم والكفاءة، بل هي في جوهرها آلة معقدة لإنتاج القواعد التي تحكم كل شيء، بما في ذلك الفشل ذاته. هذه القواعد لا تهدف إلى تسهيل الإجراءات، بل إلى التحكم بالناس وإبقائها تحت سلطة لا تنتهي من التعقيدات والضوابط. في هذه "اليوتوبيا"، تصبح القواعد هدفًا في حد ذاتها، والنظام ينتج المزيد من القوانين والإجراءات لتبرير وجوده حتى عندما تفشل مهمته الأصلية أو تتعطل آلياته. فالمهم في المنصة الجديد  لمعبر الكرامة ليس عبور المسافر، بل وجود المنصة، حتى لو كانت هذه المنصة مشلولة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المنصة الالكترونية التي كان من المفترض أن تسهل عملية العبور، تحولت الى اداة اخضاع جديدة حيث تتمثل بها أساليب البيروقراطية القديمة في إذلال الفلسطينيين. استمرارية انهيار الموقع ليس ضحية لسوء الصيانة، بل اداة مبرمجة لخلق "ندرة مصطنعة". فكلما أعلنت الشاشات عن انعدام التذاكر او خلل في النظام، يتم فتح الباب أمام سوق سوداء للوسطاء الذين يصبحون جزءًا لا يتجزأ من النظام نفسه. المواطن المحبط يصبح مستعدا لدفع أي ثمن لتخطي الطوابير، والموظف المحبط يصبح مستعدا لقبول أي رشوة لتحريك الملفات. وهكذا يتحول الفساد الى جزء عضوي من النظام ليس عيبا فيها، بل ضرورة لاستمراره. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، لم يعد عبور الحدود بتذكرة عادية أمرا بديهيا، بل تحول الى مهمة شبه مستحيلة. إحدى السيدات حجزت اربع تذاكر لعائلتها عبر المنصة، لكنها لم تتلق سوى تذكرتين عبر البريد الالكتروني. آخرون لم تصلهم أي تذاكر رغم إتمام الدفع، بينما الآخر وجد نفسه يواجه رسالة: "لا توجد أماكن متاحة". هكذا، وبشكل غير مباشر، يدفع الفلسطينيين دفعا نحو خيار واحد: قاعة الـVIP.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن قاعة الـVIP لم تعد تعني "شخصا مهما" بقدر ما تعني "شخصا مضطرا"، الساحة التي كانت متخصصة بالسابق لنحو 200-300 مسافر يوميا، اليوم اصبحت تستقبل 2000 مسافر حسب موظف في شركة جت. تكلفة العبور دون الرسمية هي 90 دينارا اردنيا للفرد، ما يعني أرباحا يومية تلامس 180 ألف دينار دون احتساب ما يدفع تحت الطاولة. هذا لا يتعلق فقط بالمال، بل بنظام فرز طبقي يبنى باسم "التحول الرقمي"، فالمنصة الإلكترونية لا تقبل حجوزات إلا لحاملي البطاقات البنكية، في مجتمع لا تزال نسبة كبيرة بلا حسابات مصرفية، أو حتى الإلمام بالحد الادنى من المهارات الرقمية. هنا، لا يطلب منك أن تكون قادرا على السفر، بل ان تكون متصلا بوسيط او "عارف حدا" او تدفع عمولة لأحدهم للحجز بدلا عنك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في إحدى الشهادات المؤلمة، كتب أحد المسافرين: "سافرت مع زوجتي عائدين إلى الضفة، دفعنا لعامل ليسهّل دخولنا إلى ساحة الـVIP المزدحمة. بعد خمس ساعات من الصراخ والفوضى والانتظار، لا أحد يجيب على تساؤلاتنا، ولا أحد يشرح ما يحدث. فقط موظفون يتصرفون وكأنهم يديرون مزرعة ماشية." هذه ليست شهادة فردية، بل نمطا يعيد نفسه بلا نهاية، حيث تتحول معاناة البشر وكرامتهم إلى سوق مربح.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ظل هذا المشهد الكابوسي، يصبح السؤال الاكثر الحاحا: إلى متى؟ إلى متى يستمر هذا المسرح المهين الذي يحول البشر إلى مجرد قطع في آلة بيروقراطية لا تعرف الرحمة؟ الى متى ستعتزل ابسط احلام العبور الكريم على الحدود إلى مجرد سلعة تباع وتشترى في سوق الفساد الممنهج؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا النظام لا ينتج خاسرين وحسب، بل يدمر المجتمع بطريقته الخاصة: المواطن يفقد كرامته واعصابه، الموظف يتخلى عن ما تبقى من انسانيته، والمجتمع يفقد إيمانه بإمكانية التغيير. لكن المفارقة الأكثر ايلاما تكمن في أن ما نراه فشلا في التنظيم هو في الحقيقة نجاح باهر لمنظومة مصممة خصيصا لإبقاء الفلسطيني رهين الانتظار، خاضعا لمن يملك الفيزا أو الواسطة أو القدرة على دفع ثمن تحريره من الالم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهكذا تدور العجلة البيروقراطية في دوامة رأسمالية مستمرة: تنتج المعاناة لتبيع الحلول، تخلق المشاكل لتقدم الخدمات، وتحول الحقوق الاساسية الى امتيازات تمنح لمن يدفع الثمن. في هذه الدائرة المغلقة، يتحول الفلسطيني من انسان الى رقم في جدول، من صاحب حق الى متسول خدمات، من مواطن إلى زبون في سوق المعاناة. هذه ليست ازمة ادارة، بل هي ادارة الأزمة نفسها كمنتج نهائي. </span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36225">وراء شاشات معبر الكرامة: &quot;وظائف غريبر التافهة&quot; تنتج نظاما من الذل</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-12 19:00:38 by W3 Total Cache
-->