وراء شاشات معبر الكرامة: "وظائف غريبر التافهة" تنتج نظاما من الذل

AHMAD AND HIS FATHER, Khaled Hourani, 2018

ماسة عورتاني

باحثة قانونية فلسطينية

وهكذا تدور العجلة البيروقراطية في دوامة رأسمالية مستمرة: تنتج المعاناة لتبيع الحلول، تخلق المشاكل لتقدم الخدمات، وتحول الحقوق الاساسية الى امتيازات تمنح لمن يدفع الثمن. في هذه الدائرة المغلقة، يتحول الفلسطيني من انسان الى رقم في جدول، من صاحب حق الى متسول خدمات،

للكاتب/ة

في ظل هذا المشهد الكابوسي، يصبح السؤال الاكثر الحاحا: إلى متى؟ إلى متى يستمر هذا المسرح المهين الذي يحول البشر إلى مجرد قطع في آلة بيروقراطية لا تعرف الرحمة؟ الى متى ستعتزل ابسط احلام العبور الكريم على الحدود إلى مجرد سلعة تباع وتشترى في سوق الفساد الممنهج؟ 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

23/08/2025

تصوير: اسماء الغول

ماسة عورتاني

باحثة قانونية فلسطينية

ماسة عورتاني

في الثالثة فجرا في كل يوم ما عدا السبت، تفتح ادوار جديدة من طقوس الذل عند بوابة معبر الكرامة: صفوف بشرية متراصة، عيون منهكة تترقب، واجساد هامدة تحت وطأة انتظار لا احد يعرف مداه. هذا التوقيت المبكر ليس اختيارا عمليا، بل هو أولى حلقات سلسلة العنف البيروقراطي الذي يحول الفلسطينيين إلى أرقام في سجلات نظام لا يعترف بانسانيتهم. 

تتراكم الحقائب عند البوابة، بينما يتكئ المسنون على الجدران والاطفال يبكون من شدة الإرهاق. سبع ساعات من الانتظار قد تكون "حظا جيدا" في هذا المكان، حيث يمكن أن تمتد المحنة الى اثنتي عشرة ساعة، أو تنتهي إجبارك على العودة من حيث اتيت. الانتظار هنا ليس عارضا جانبيا، بل هو آلية مصممة بعناية لتحقيق هدفين: اشعار الفلسطيني بالعجز، ودفعه لقبول فكرة أن حقوقه ليست مكتسبة، بل هي امتيازات تمنح لمن يدفع او يعرف احدا.

المشهد اليومي في المعبر يكشف عن نموذج واضح لما سماه ديفيد غريبر "الوظائف التافهة". موظفون يجلسون خلف شاشاتهم، ينقرون على لوحات المفاتيح بايقاع ميكانيكي، يطلبون وثائق سبق تقديمها مرارا، ثم يختفون فجاة في غيابات لا يعمل فيها ان كانوا في استراحة ام انقطاع كامل عن هذا العالم. اعمال بلا معنى، يعترف حتى القائمون عليها بأنها لا تقدم أي قيمة،  لكنها تستمر لخدمة غرض واحد: إبقاء الآلة البيروقراطية تدور في حلقة مفرغة.

ومع ولادة المنصة الالكترونية الجديدة، لم يختف التعقيد، بل تضاعف. أضيفت طبقات إضافية من "الوظائف التافهة" : مبرمجون يصممون منصات لا تعمل، ومشرفون يراقبون تعطلها، و "لاصقين" بشر يتعاملون لاصلاح اعطال لم يجب أن تكون موجودة اصلا. أصبحت الرقمنة هنا مجرد وجه رقمي لنفس الفوضى البيروقراطية القديمة. ومن الطبيعي أن يعيش الموظف وسط كل هذا كله حالة اغتراب وجودي او اكتئاب او ارهاق - ليس من شدة العمل، بل من خوائه. 

وهنا يتجلى أحد أكثر جوانب العنف البيروقراطية خطورا: تذويب المسؤولية داخل سلسلة غير قابلة للمساءلة. الموظف يقول: "انا فقد أنفذ التعليمات" والمسافر يرضخ لأنه لا يريد أن يتأخر والوسيط يربح لأنه "يعرف من أين تؤكل الكتف"، والنظام ينتصر لأنه يقنع الجميع ان ما يحدث لا يتحمل مسؤوليته أحد. العطل لا يأتي من جهة محددة، بل من "المنظومة"، وهذه المنظومة ليست سوى شبكة علاقات ومصالح وقواعد غير مرئية، يختبىء خلفها الجميع بينما يتحمل عبء الفشل من لا صوت له.

في كتابه "يوتوبيا القواعد" ، يطرح ديفيد غريبر فكرة أن البيروقراطية ليست مجرد نظام إداري يسعى إلى التنظيم والكفاءة، بل هي في جوهرها آلة معقدة لإنتاج القواعد التي تحكم كل شيء، بما في ذلك الفشل ذاته. هذه القواعد لا تهدف إلى تسهيل الإجراءات، بل إلى التحكم بالناس وإبقائها تحت سلطة لا تنتهي من التعقيدات والضوابط. في هذه "اليوتوبيا"، تصبح القواعد هدفًا في حد ذاتها، والنظام ينتج المزيد من القوانين والإجراءات لتبرير وجوده حتى عندما تفشل مهمته الأصلية أو تتعطل آلياته. فالمهم في المنصة الجديد  لمعبر الكرامة ليس عبور المسافر، بل وجود المنصة، حتى لو كانت هذه المنصة مشلولة. 

المنصة الالكترونية التي كان من المفترض أن تسهل عملية العبور، تحولت الى اداة اخضاع جديدة حيث تتمثل بها أساليب البيروقراطية القديمة في إذلال الفلسطينيين. استمرارية انهيار الموقع ليس ضحية لسوء الصيانة، بل اداة مبرمجة لخلق "ندرة مصطنعة". فكلما أعلنت الشاشات عن انعدام التذاكر او خلل في النظام، يتم فتح الباب أمام سوق سوداء للوسطاء الذين يصبحون جزءًا لا يتجزأ من النظام نفسه. المواطن المحبط يصبح مستعدا لدفع أي ثمن لتخطي الطوابير، والموظف المحبط يصبح مستعدا لقبول أي رشوة لتحريك الملفات. وهكذا يتحول الفساد الى جزء عضوي من النظام ليس عيبا فيها، بل ضرورة لاستمراره. 

في هذا السياق، لم يعد عبور الحدود بتذكرة عادية أمرا بديهيا، بل تحول الى مهمة شبه مستحيلة. إحدى السيدات حجزت اربع تذاكر لعائلتها عبر المنصة، لكنها لم تتلق سوى تذكرتين عبر البريد الالكتروني. آخرون لم تصلهم أي تذاكر رغم إتمام الدفع، بينما الآخر وجد نفسه يواجه رسالة: "لا توجد أماكن متاحة". هكذا، وبشكل غير مباشر، يدفع الفلسطينيين دفعا نحو خيار واحد: قاعة الـVIP.

لكن قاعة الـVIP لم تعد تعني "شخصا مهما" بقدر ما تعني "شخصا مضطرا"، الساحة التي كانت متخصصة بالسابق لنحو 200-300 مسافر يوميا، اليوم اصبحت تستقبل 2000 مسافر حسب موظف في شركة جت. تكلفة العبور دون الرسمية هي 90 دينارا اردنيا للفرد، ما يعني أرباحا يومية تلامس 180 ألف دينار دون احتساب ما يدفع تحت الطاولة. هذا لا يتعلق فقط بالمال، بل بنظام فرز طبقي يبنى باسم "التحول الرقمي"، فالمنصة الإلكترونية لا تقبل حجوزات إلا لحاملي البطاقات البنكية، في مجتمع لا تزال نسبة كبيرة بلا حسابات مصرفية، أو حتى الإلمام بالحد الادنى من المهارات الرقمية. هنا، لا يطلب منك أن تكون قادرا على السفر، بل ان تكون متصلا بوسيط او "عارف حدا" او تدفع عمولة لأحدهم للحجز بدلا عنك. 

في إحدى الشهادات المؤلمة، كتب أحد المسافرين: "سافرت مع زوجتي عائدين إلى الضفة، دفعنا لعامل ليسهّل دخولنا إلى ساحة الـVIP المزدحمة. بعد خمس ساعات من الصراخ والفوضى والانتظار، لا أحد يجيب على تساؤلاتنا، ولا أحد يشرح ما يحدث. فقط موظفون يتصرفون وكأنهم يديرون مزرعة ماشية." هذه ليست شهادة فردية، بل نمطا يعيد نفسه بلا نهاية، حيث تتحول معاناة البشر وكرامتهم إلى سوق مربح.

في ظل هذا المشهد الكابوسي، يصبح السؤال الاكثر الحاحا: إلى متى؟ إلى متى يستمر هذا المسرح المهين الذي يحول البشر إلى مجرد قطع في آلة بيروقراطية لا تعرف الرحمة؟ الى متى ستعتزل ابسط احلام العبور الكريم على الحدود إلى مجرد سلعة تباع وتشترى في سوق الفساد الممنهج؟ 

هذا النظام لا ينتج خاسرين وحسب، بل يدمر المجتمع بطريقته الخاصة: المواطن يفقد كرامته واعصابه، الموظف يتخلى عن ما تبقى من انسانيته، والمجتمع يفقد إيمانه بإمكانية التغيير. لكن المفارقة الأكثر ايلاما تكمن في أن ما نراه فشلا في التنظيم هو في الحقيقة نجاح باهر لمنظومة مصممة خصيصا لإبقاء الفلسطيني رهين الانتظار، خاضعا لمن يملك الفيزا أو الواسطة أو القدرة على دفع ثمن تحريره من الالم. 

وهكذا تدور العجلة البيروقراطية في دوامة رأسمالية مستمرة: تنتج المعاناة لتبيع الحلول، تخلق المشاكل لتقدم الخدمات، وتحول الحقوق الاساسية الى امتيازات تمنح لمن يدفع الثمن. في هذه الدائرة المغلقة، يتحول الفلسطيني من انسان الى رقم في جدول، من صاحب حق الى متسول خدمات، من مواطن إلى زبون في سوق المعاناة. هذه ليست ازمة ادارة، بل هي ادارة الأزمة نفسها كمنتج نهائي. 

الكاتب: ماسة عورتاني

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع