<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>وسام جبران - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/1456450rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/1456450rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Thu, 29 Jan 2026 09:44:12 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>وسام جبران - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/1456450rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>&quot;لم يكن موتا&quot; لنعمة حسن: بين الحياة المؤجلة والموت المتحول</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37352</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وسام جبران]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 27 Jan 2026 06:06:11 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37352</guid>

					<description><![CDATA[<p>مقدمة تندرج رواية "لم يكن موتًا" للروائية الفلسطينية نعمة حسن (غزة) ضمن المتن السردي الفلسطيني الذي يكتب من داخل الجرح لا من هامشه، ومن قلب التجربة اليومية لا من موقع التأريخ الخارجي. فهي رواية لا تسعى إلى تمثيل الحدث السياسي تمثيلًا مباشرًا، بقدر ما تشتغل على أثره العميق في النفس الإنسانية، وعلى التحوّلات الوجودية التي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37352">&quot;لم يكن موتا&quot; لنعمة حسن: بين الحياة المؤجلة والموت المتحول</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h3><span style="color: #ff0000;">مقدمة</span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">تندرج رواية "</span>لم يكن موتًا"<span style="font-weight: 400;"> للروائية الفلسطينية نعمة حسن (غزة) ضمن المتن السردي الفلسطيني الذي يكتب من داخل الجرح لا من هامشه، ومن قلب التجربة اليومية لا من موقع التأريخ الخارجي. فهي رواية لا تسعى إلى تمثيل الحدث السياسي تمثيلًا مباشرًا، بقدر ما تشتغل على أثره العميق في النفس الإنسانية، وعلى التحوّلات الوجودية التي يُحدثها العيش الطويل تحت الحصار والفقد. ومن هنا، لا يبدو الموت في الرواية بوصفه خاتمة، بل حالة متحوِّلة، أو صيغة أخرى للحياة، تتشكّل داخلها الذكريات، والواجبات، والتنازلات، والقدرة المحدودة على الاستمرار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُثير الرواية أسئلة مركزية حول معنى النجاة، وحدود الصبر، وعلاقة الفرد بجسده وبذاكرته في سياق جماعي مُثقل بالموت. كما تقدّم نموذجًا سرديًّا لكتابة نسائيّة/نسوية فلسطينية هادئة، بعيدة عن الشعارات، لكنها شديدة الكثافة من حيث الإيحاء والدلالة. </span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="alignleft wp-image-37354" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/01/يفافغعغف-1741508761.jpg-2.webp" alt="" width="252" height="252" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/01/يفافغعغف-1741508761.jpg-2.webp 640w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/01/يفافغعغف-1741508761.jpg-2-300x300.webp 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/01/يفافغعغف-1741508761.jpg-2-150x150.webp 150w" sizes="(max-width: 252px) 100vw, 252px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تهدف هذه المقالة إلى تحليل أهم المحاور الجمالية والفكرية في الرواية، من خلال مقاربة سردية-ثقافية تضيء بنيتها، وثيماتها، ولغتها، وتمثيلها للمرأة والمكان والموت.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span></p>
<h3><span style="font-weight: 400;">البنية السردية، العنوان: تعدّد الأصوات والموت المتحوّل</span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">تقوم الرواية على بنية سردية غير خطيّة، تتوزّع على مقاطع أو أقسام تتناوب فيها الأصوات السّاردة، ولا سيما صوت الأب، وصوت ريما، وصوت الأرملة. هذا التعدّد لا يعمل على تنويع زوايا الرؤية فحسب، بل يساهم في تفكيك مركزية السرد الواحد، ويمنح التجربة الإنسانية أبعادها المتداخلة: الفردية، والعائلية، والجمعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُلاحظ أن السرد بضمير المتكلم يهيمن على أغلب فصول الرواية، ما يخلق علاقة حميمة بين القارئ والنص، ويحوّل القراءة إلى فعل إصغاء داخلي. غير أن هذا الضمير لا يُستخدم بوصفه أداة اعتراف عاطفي فحسب، بل كوسيلة لتمثيل التمزّق النفسي، والتردّد، والفراغ الذي يخلّفه الغياب. إن الصوت السارد لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يقدّمها بوصفها تجربة متشظّية، تتكوّن من الذاكرة، والندم، والاعتياد القاسي على الخسارة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما أن تفكك الزمن السردي، واعتماد الاسترجاع (الفلاش باك) بوصفه تقنية مركزية، يعكس طبيعة الوعي المصدوم، حيث لا يعود الماضي منقضيًا، بل يظل حاضرًا، يقتحم اللحظة الراهنة باستمرار. هكذا تتحوّل الذاكرة من مخزون ساكن إلى قوة فاعلة في تشكيل الحاضر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يحمل عنوان الرواية (لم يكن موتًا) شحنة دلالية عالية، تقوم على النفي، لا بوصفه إنكارًا للحدث، بل إعادة تعريف له. فالموت في هذا النص ليس لحظة نهائية، وإنما حالة ممتدّة، تتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتعيد تشكيل العلاقات، والاختيارات، ونظرة الشخصيات إلى ذواتها والعالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتكرّر في الرواية حضور الموت بأشكال مختلفة: موت الأب، استشهاد الزوج، الغياب القسري، التهديد الدائم، والعيش في فضاء قابل للانفجار في أي لحظة. غير أن الكاتبة لا تتعامل مع الموت كحدث درامي صاخب، بل كحقيقة شبه عادية، تتجاور مع إعداد الطعام، والحديث العائلي، والزواج، والإنجاب. هذا التطبيع القسري للموت لا يُقدَّم بوصفه قبولًا، بل بوصفه نتيجة حتمية للاستمرار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومن هنا، يصبح الموت عنصرًا بنيويًّا في الوعي، لا يُلغِي الحياة، بل يُفرغها من يقينها السابق، ويجعلها حياة مؤجَّلة، أو ناقصة، أو معلّقة. إن الشخصيات لا تعيش بعد الموت كما كانت قبله، لكنها أيضًا لا تموت بالكامل، بل تدخل في منطقة رمادية بين الفقد والنجاة.</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;">المرأة، الجسد، والذاكرة</span></h3>
<p><img decoding="async" class="alignleft wp-image-37353" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/01/e66fddc5-35f4-4287-8913-b61b2bab486d.png" alt="" width="352" height="529" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/01/e66fddc5-35f4-4287-8913-b61b2bab486d.png 555w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/01/e66fddc5-35f4-4287-8913-b61b2bab486d-200x300.png 200w" sizes="(max-width: 352px) 100vw, 352px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحتلّ المرأة موقعًا مركزيًّا في الرواية، لا بوصفها رمزًا مجردًا، بل بوصفها ذاتًا تعيش التناقض بين رغباتها الفردية ومتطلبات المجتمع. فريما، والأرملة، وغيرهما من الشخصيات النسائية، يتحرّكن داخل فضاء اجتماعي يفرض عليهن أدوارًا محدّدة: الصبر، الاحتمال، الاستمرار، والتضحية الصامتة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتحوّل الجسد الأنثوي في الرواية إلى حامل للذاكرة والألم، لا بوصفه موضوعًا جنسيًّا، بل كمساحة يتراكم فيها التعب النفسي، والحرمان، والخوف. فالجسد هنا ليس حرًّا، بل مراقَب، ومقيَّد بالتقاليد، وبفكرة "ما يجب" على المرأة فعله بعد الفقد. ويظهر ذلك بوضوح في معالجة الكاتبة لموضوع الترمّل والزواج الثاني، حيث يُطرح السؤال الأخلاقي والاجتماعي لا من زاوية الإدانة، بل من زاوية الحيرة والضغط.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اللافت أن الرواية لا تتبنّى خطابًا نسويًّا صداميًّا، بل تشتغل على تفكيك البنية الذكورية بهدوء، عبر إظهار أثرها النفسي على النساء، لا عبر إدانتها المباشرة. وهذا ما يمنح النص عمقه الإنساني، ويبعده عن المباشرة الأيديولوجية.</span></p>
<h3><span style="color: #ff0000;">المكان بوصفه ذاكرة حيّة</span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يظهر المكان في الرواية بوصفه خلفية محايدة، بل بوصفه فاعلًا سرديًّا أساسيًّا. فغزة ليست مجرد موقع جغرافي، بل فضاء نفسي وثقافي يُعيد تشكيل الشخصيات باستمرار. البيوت الضيّقة، الأزقّة، المستشفى، المقبرة، كلها أمكنة مشحونة بالدلالة، تحمل آثار من مرّوا بها، ومن غابوا عنها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يضيق المكان ماديًّا، لكنه يتّسع دلاليًّا، ليحتوي الذاكرة الجمعية، والخوف المتوارث، والشعور الدائم بالتهديد. ويُلاحظ أن الأمكنة المغلقة تهيمن على الرواية، ما يعكس الإحساس بالحصار، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستوى الوجودي أيضًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من حيث الأسلوب واللغة، تتميّز الرواية بالبساطة الظاهرية، لكنها بساطة مخادعة، تخفي تحتها كثافة شعورية عالية. فالجمل قصيرة نسبيًّا، خالية من الزخرفة البلاغية، لكنها مشحونة بالإيحاء. تعتمد الكاتبة على الاقتصاد اللغوي، وعلى الصمت، والحذف، والبياض النصي، بوصفها أدوات تعبير لا تقل أهمية عن الكلام.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما أن غياب الخطابة، حتى في أكثر اللحظات مأساوية، يمنح النص صدقيته، ويجعل الألم أكثر حضورًا. فالرواية لا تصرخ، بل تهمس، وهذا الهمس هو مصدر قوتها الجمالية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبالعودة إلى الذاكرة، يمكن النظر إلى "لم يكن موتًا" بوصفها شكلًا من أشكال كتابة الذاكرة، لا الذاكرة الرسمية أو البطولية، بل الذاكرة اليومية، الهشّة، التي تحتفظ بالتفاصيل الصغيرة، وتقاوم النسيان عبر السرد. إنها رواية لا تمجّد الألم، ولا تحوّله إلى بطولة، بل تكتبه بوصفه جزءًا من الحياة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، يصبح السرد فعل مقاومة هادئة، لا تستهدف العدو مباشرة، بل تحافظ على الإنسان من التلاشي، وعلى التجربة من الاختزال.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span></p>
<h3><span style="font-weight: 400;">إعادة صياغة الزمن: من الخطّي إلى المُعلَّق</span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في رواية "لم يكن موتًا" لا يُستدعى الزمن بوصفه إطارًا محايدًا تتحرّك داخله الأحداث، بل بوصفه جوهر التجربة الفلسطينية ذاتها، وأداة أساسية لإعادة تشكيل معنى الهوية. فالزمن هنا ليس خطًّا مستقيمًا يمتد من ماضٍ منتهٍ إلى حاضر قابل للفهم ثم إلى مستقبل منتظر، بل هو زمن مكسور، معلّق، ومفتوح على التكرار؛ زمن يعيش داخله الفلسطيني، ولا يعيشه "بعده". بهذا المعنى، تعيد الرواية صياغة ما يمكن تسميته بالزمن الفلسطيني/الغزّاوي بوصفه زمن النكبة المستمرة، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا وقع وانقضى، بل بوصفها حالة وجودية ممتدة تُعيد إنتاج ذاتها في كل فقد جديد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُفكك الرواية منطق الزمن الحداثي القائم على التعاقب والتجاوز والشفاء، وتستبدله بزمن لا يسمح بالقطيعة. فالموت، كما تقترحه الرواية، لا يُغلق لحظة ولا يُنهي مسارًا، بل يظل حاضرًا في اليومي، في الذاكرة، وفي الجسد. الأب الميت لا يغيب، والزوج الشهيد لا يتحوّل إلى ماضٍ منجز، واللحظة الأولى للفقد لا تُستوعَب لتُترك خلف الوعي، بل تعود مرارًا، بأشكال مختلفة، وكأن الزمن نفسه يرفض أن يمضي. هنا لا يعود الاسترجاع تقنية سردية فحسب، بل تعبيرًا عن وعي لا يستطيع الفصل بين ما كان وما هو كائن، لأن الجرح لم يُغلق أصلًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، يتحوّل الزمن الفلسطيني إلى زمن ارتدادي، دائري، يعيش فيه الأفراد داخل الحدث لا بعده. فلا وجود حقيقي لـ "ما بعد" الاستشهاد، ولا لفكرة التعافي أو العودة إلى الحياة الطبيعية. الحياة نفسها تستمر داخل الكارثة، لا خارجها. الزواج يحدث في ظل القصف، والأمومة تُمارَس في غياب الزوج، والذاكرة تُستدعى أثناء إعداد الطعام أو ترتيب البيت. هذا التداخل بين العادي والكارثي يخلق زمنًا خاصًا يمكن وصفه بـ</span> <span style="font-weight: 400;">"زمن البقاء"؛ زمن لا تحكمه فكرة الانتصار أو الهزيمة، بل ضرورة الاستمرار، والتكيّف القاسي، والعيش رغم انكسار المعنى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومن اللافت أن الرواية لا تعيد صياغة الزمن الفلسطيني من منظور بطولي أو ملحمي، بل من منظور نسائي يومي، يشتغل على التفاصيل الصغيرة لا على اللحظات الفاصلة. فالزمن هنا ليس زمن "الحدث الكبير" ولا "الذروة الوطنية"، بل زمن الانتظار، والتراكم، والصمت، والإرهاق الجسدي والنفسي. إنه زمن أنثوي بمعناه الجمالي لا البيولوجي: زمن بطيء، غير احتفالي، غير قابل للاختزال في تاريخ أو خطاب. وبهذا، تقاوم الرواية اختزال التجربة الفلسطينية في لحظة رمزية واحدة، وتعيدها إلى عمقها الإنساني المركّب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من خلال هذه البنية الزمنية المكسورة، تعيد الرواية صياغة مفهوم الهوية الفلسطينية. فالهوية هنا لا تُقدَّم بوصفها شعارًا سياسيًا، ولا بوصفها وعيًا أيديولوجيًا جاهزًا، ولا حتى بوصفها سردية وطنية مكتملة. إنها تُبنى بوصفها </span>خبرة وجودية تُعاش داخل الزمن المعلّق<span style="font-weight: 400;">. الهوية ليست ما تقوله الشخصيات عن نفسها، بل ما تتحمّله: الفقد المتكرر، الغياب القسري، الخيارات المحدودة، والاضطرار إلى الاستمرار دون وعد بالخلاص.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في "لم يكن موتًا"، لا تسأل الشخصيات سؤال الهوية بصيغته المباشرة: "من نحن؟"، بل تعيش سؤالًا (هاملتيًّا) أعمق وأقسى: "كيف نستمر دون أن نفقد إنسانيتنا؟". ومن هنا، تتحوّل الهوية الفلسطينية من تعريف رمزي إلى ممارسة يومية؛ من قيمة مجردة إلى تجربة معيشة. إنها هوية تتشكّل في القدرة على العيش مع التناقض، لا في تجاوزه: الرغبة في الحياة مقابل الوفاء للغائب، الحاجة إلى الحب مقابل ثقل الذاكرة، والسعي إلى المستقبل مقابل الارتهان الدائم للماضي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما تُقدّم الرواية الهوية الفلسطينية بوصفها عبئًا أخلاقيًا لا امتيازًا. فالنجاة نفسها تصبح عبئًا حين يموت الآخرون، والاستمرار يُصبح عبئًا حين يُنتظَر منك الصبر الدائم، والقوة تتحوّل إلى قيد حين تُفرض بوصفها واجبًا لا خيارًا. بهذا المعنى، لا تُحتفى الهوية، بل تُساءَل، لا تُرفَع إلى مرتبة البطولة، بل تُعاد إلى هشاشتها الإنسانية. وهذا ما يمنح النص صدقه العميق، إذ يرفض تحويل المعاناة إلى رمز مريح، أو الألم إلى خطاب قابل للاستهلاك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتصل الرواية، عبر هذا الاشتغال الزمني والوجودي، إلى إعادة تعريف النكبة نفسها. فالنكبة لم تعد حدثًا مؤرَّخًا في 1948، بل بنية زمنية مستمرة، تسكن الجسد والعلاقات والاختيارات اليومية. إنها نكبة تتجدّد في كل فقد، وفي كل بيت مهدّد، وفي كل مستقبل مؤجَّل. وداخل هذا الزمن النكبويّ المفتوح، تتشكّل الهوية الفلسطينية لا بوصفها ذاكرة الماضي فقط، بل بوصفها محاولة مستمرة للحفاظ على الذات في زمن لا يمنح اكتمالًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا، يمكن القول إن "لم يكن موتًا" تعيد صياغة الزمن الفلسطيني عبر كسره، وتعيد صياغة الهوية الفلسطينية عبر إنزالها من مستوى الرمز إلى مستوى التجربة. إنها رواية لا تبحث عن خلاص، ولا تقدّم يقينًا، لكنها تمنح صوتًا للعيش داخل الزمن المكسور، وتكتب الهوية الفلسطينية بوصفها </span>فنّ الاستمرار تحت النكبة، لا بعدها<span style="font-weight: 400;">.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37352">&quot;لم يكن موتا&quot; لنعمة حسن: بين الحياة المؤجلة والموت المتحول</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مانيفست الشعر العربي في القرن الواحد والعشرين: نحو انفلات الوعي من كونه</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36794</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وسام جبران]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 26 Oct 2025 22:45:54 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36794</guid>

					<description><![CDATA[<p>يبدو أن العالم اليوم لا يعاني نقصًا في المعلومات بقدر ما يعاني فائضًا منها، حيث الحقائق تتكدس في شبكة كونٍ عنكبوتيٍّ سريع الاتّساع، لكن ثمّة ما يتراجع في الوعي، كما لو أن الإدراك قد فقد مركز توازنه وقدرته على استيعاب هذا الازدحام المتعاظم. لم تعد اللّغة مرآةً تُبصر عبرها النفسُ نفسَها، بل شبكةً من إشاراتٍ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36794">مانيفست الشعر العربي في القرن الواحد والعشرين: نحو انفلات الوعي من كونه</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">يبدو أن العالم اليوم لا يعاني نقصًا في المعلومات بقدر ما يعاني فائضًا منها، حيث الحقائق تتكدس في شبكة كونٍ عنكبوتيٍّ سريع الاتّساع، لكن ثمّة ما يتراجع في الوعي، كما لو أن الإدراك قد فقد مركز توازنه وقدرته على استيعاب هذا الازدحام المتعاظم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم تعد اللّغة مرآةً تُبصر عبرها النفسُ نفسَها، بل شبكةً من إشاراتٍ تُنتَج خارجها، في فضاءٍ رقميٍّ يضاعف المعلومة ويفتّت المعنى. في مثل هذا الزمن، يصبح الشِّعر، ربما، آخر فضاءٍ يحتفظ بقدرة اللّغة على أن تفكّر في ذاتها بذاتها، وأن تجرّب الوعي لا بوصفه محتوىً، بل بوصفه حركةً حيّة في النَّفَس الإنسانيّ الذي يشكّل الإيقاع الموسيقي الأعمق للحياة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا الأفق الملبّد، تقف اللّغة العربية على عتبةٍ نادرة. لغة ضاربة في عمق الزمن، تبدو كأنها لم تُخلق لتصف العالم، بل لتُقيمَه في القول. غير أن هذا الامتداد في التاريخ لا يمنحها سُلطة، بل يُلقي عليها سؤالًا ثقيلًا: هل ما زالت اللّغة العربية قادرة على أن تُنتج الوعي كما كانت تصنعه حين كان الشعر أوّل جهازٍ تأويليٍّ للوجود في يدها؟ هل ما زال في جذورها اللغويّة ذلك الوميض الخفي الذي يربط الصوت بالمُمكن، والنَّفَس الإنسانيّ بالحقيقة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في اشتقاقات اللغة العربية وبُنيتها، ما يشبه الحراك المستمرّ القلق للجُسيمات الأوليّة في وضعيّاتها الكموميّة الفائقة: انبعاثاتٌ وانطواءات، تشعباتٌ لا تنتهي تلتفُّ وتتفترّق حول جذرٍ واحد. لكن، هل هذا التّشابك الاشتقاقي هو مجرّد أثرٍ لغويٍّ لماضٍ بعيد، أم أنه، في جوهره، نظامٌ احتماليٌّ قادر على توليد المعنى كما تولّد الطاقةُ شكلَها المنبثق من "الّلامادّة"؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ربما كانت اللغة العربية تُفكّر من داخل منطق الموجة الشّبحيّة المتدفّقة، لا منطق الخطّ الجسيمي القابل للاصطدام والارتداد. لكن هذا القول لا يدّعي الحقيقة، بقدر ما يحاول أن يصغي إلى ما تفعله الكلمات حين تتحرك باندفاعاتها الأولى وحرّيتها الأصليّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في اللغة العربية، لا يمكن فصل الاسم عن الفعل إلا لحظة حدوث الوعي، لحظة انهيار الدّالّة الموجية الفائقة، ولحظة إمساك الوعي المُراقب لأحد احتمالات خزائن الصّمت الّلانهائيّة، وكأنّ الكلمة لا تشير إلى الشيء بقدر ما تُعيده إلى طور التكوّن. هنا، تصبح اللغة حدثًا مستمرًّا لا نتيجة، وتتحول الكتابة إلى نوعٍ من المراقبة الدقيقة لذلك الحدث في الذهن، كما يراقب الفيزيائي اهتزاز الجسيم قبل أن يثبُت في معادلة. لكن، هل ما زال بإمكاننا أن نكتب بهذا الوعي الإمساكيّ القابض على المعنى؟ وهل تسمح طبيعة العصر، المليء بالأجهزة التي تُعيد إنتاج النّصوص وتوليدها ضمن تشابكاتٍ لامتناهية، بأن تعود الكتابة إلى أصلها بوصفها تجربةً حُرّةً في الوعي المُنفلت من قيوده، لا بوصفها استنساخًا للمعنى الذي يخضع لشروط الرّصد؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الذكاء الاصطناعي، بما يملكه خوارزميًّا وتقنيًّا من قدرةٍ وسرعةٍ على التحليل والمحاكاة، يذكّرنا بأن المعرفة لم تَعُد حِكرًا على الإنسان. ومع ذلك، لا بدّ أن يظلّ في الإنسان شيءٌ نفترض (أو نتمنّى) ألا يمكن للآلة أن تلتقطَه: ذلك التردّد الداخلي بين الفهم والدهشة، بين الانضباط والفوضى، بين ما يُقال وما لا يُقال، بين ما يُعقل وما ينفلت. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هل يمكن أن تكون اللغة العربية، بنظامها الجذريّ الاشتقاقيّ المرن، اللغةَ التي تحتضن هذا التردّد بدل أن تلغيه؟ هل يمكنها أن تفتح حوارًا جديدًا مع التِّقنية، لا لتقاومها، بل لتجعلها مرآةً ثانية للنّفس البشريّة وهي تحاول أن تفهم نفسها عبر اللّغة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ربما لم يَعُد الشِّعر العربي مدعوًّا إلى الدفاع عن التراث، ولا إلى مجاراة الحداثة، بل إلى شيءٍ أعمق: أن يجرّب إمكانياته الخاصة في إنتاج وعيٍ جديدٍ بالعالم، وعيٍ لا يرفض التقنية، لكنه يرفض أن يُختزل بها؛ وعيٍ يعرف أنّ المعرفة دون معنى ليست سوى ضجيجٍ مُنظَّم، وأن المعنى، في النهاية، لا يُقاس بما نملكه من معلومات، بل بما نستطيع أن نحيا به من أسئلةٍ تخلقنا فيما نخلقها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لعل "حداثة الوعي الكوني باللغة العربية" ليست مشروعًا لتجديد اللغة بقدر ما هي محاولة لإعادة الإصغاء إليها؛ إلى الطريقة التي تتنفّس بها فينا، والطّريقة التي تُفكّر بها في العالم. ربما نحتاج ألاّ نكتب بها فحسب، بل أن نتركها تكتبنا، أن نسمح لها بأن تعيد ترتيب وعينا وفق منطقها الخَلقيّ الجمعيّ التّراكميّ، حيث الكلمة لا تُعبّر عن الواقع إلا بقدر ما تُعيد هندسته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حينها فقط، قد نكتشف أنّ الشعر، كما اللّغة، لم يُخلَق لينقل معنى، بل ليصنع شكلًا جديدًا للإدراك. وأن الكتابة باللغة العربية ليست فعل انتماءٍ إلى ماضٍ لغويّ، بل انخراطٌ في حركة الوعي وهو يكتشف نفسه من جديد، في ضوءٍ لم نرَه بعد.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>بين النّفس البشريّة والآلة: القصيدة بوصفها انفلات الوعي من ذاته</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يكون الشِّعر العربيّ اليوم هو آخر محاولة للوعي كي يفلت من نفسه، كي يتنفّس خارج حدود الحساب والخوارزمية، خارج ما صار ممكنًا مسبقًا. وبعد أن طالت معاركه مع </span><b>ذهنيّة التّقديس</b><span style="font-weight: 400;">، بات عليه أن يخوض الآن معاركه ضدّ </span><b>عنكبوتيّة التّكديس</b><span style="font-weight: 400;">.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في عالمٍ تصنع فيه الآلة النّصوص أسرع من أن يشعر بها الإنسان، تصبح القصيدة مساحةً للاختلاف، لحظةً يلتقي فيها النَّفَس البشري بالاحتمال، حيث تتجسّد المعاني قبل أن تُقيّدها القواعد أو تُحوَّل إلى مجرّد بيانات في كونٍ عنكبوتيّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">القصيدة التي نتوق إليها هنا ليست مجرّد شكل، ولا اللغة مجرد أداة.؛ إنها </span><b>انفلات الوعي من ذاته</b><span style="font-weight: 400;">. وهي محاولة لإعادة اكتشاف الإنسان في ضوء ما لم يُكتشف بعد. كلّ كلمة عربية تتنفّس، تتفرّع، تتشعّب، وكأنها موجةٌ محتملة، غير مقيَّدة، تنقلنا من الذَّكريّ إلى الأنثويّ، ومن الجسد الماديّ إلى الحقل الكُموميّ، ومن المعنى القابض إلى التجربة القلقة. فهل يمكن للّغة العربيّة أن تكون أكثر من كلام، أن تتحوّل إلى حدث حيّ، يقود النفس إلى مكانٍ لم تزره بعد؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا الانفلات، يصبح الشعر العربيّ اختبارًا للوعي قبل أن يكون عملًا جماليًّا. الآلة قد تنتج النّصوص، لكنها لا تعرف الخطأ الخلّاق الذي يولّد المعنى، ولا تتلمّس الدهشة في الخلل، ولا تسمع الرّجفة الأولى للحرف حين يخلق نفسه من أصفارٍ ترجف. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">القصيدة هنا ليست منافسة للآلة، بل تعلّمها كيف تتوقف أمام الاحتمال والإحصاء، وأن تشهد لحظة الخلق أثناء حدوثها في العقل البشري دون أن تُمسك بها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اللغة العربية، بنظامها الجذري، تمنح هذا الاحتمال مساحةً واسعة، حيث لا ينفصل الاسم عن الفعل، ولا الفعل عن الوعي الذي يخلقه. كل حرفٍ يُنطق ليس وصفًا، بل تجربة، ليس معلومة، بل نبضة، ليس واقعًا، بل احتمال متحرّك. في هذا الاحتمال، يلتقي الإنسان والآلة، لا ليتنافسا، بل ليكوّنا تجربة جديدة: تجربة وعيٍ لا يمتلكها أحد سوى من يجرؤ على الكتابة باللّغة دون أن يلوي ذراعها، ودون أن يمنعها من أن تكتبه هي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">القصيدة، إذن، ليست نهايةً، بل هي </span><b>رحلة انفلاتٍ مستمرة</b><span style="font-weight: 400;">: انفلات من الإملاءات السابقة، من حدود المعنى، من هيمنة الخبرة المكرَّرة، ومن المنطق الخالص للآلة. إنها محاولة أن نسمح للوعي بأن يتشكّل من جديد، أن يحسّ بنفسه في كلّ كلمة، في كل جذر، في كل حركة صوتية، كما لو أن العالم يُخلق من جديد مع كلّ نطق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا، بين النَّفَس البشريّ وبرودة الآلة، تصبح اللغة العربية أكثر من كلام: تجربة إدراك صامتٍ، انفجار احتمالات كامنة، رحلة مستمرة لإعادة الإنسان إلى نفسه، والوعي إلى مكانه الذي لا يُقاس ولا يُحكم عليه، بل يُعاش ويُستكشف مع كل قصيدة تتلفّظ، مع كل لحظة كتابة تحيا فيها الكلمةُ حرّيتها خارج اليقين، وخارج المعاجم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الشِّعر غير معنيّ بتفوّق الآلة على البشر، لا لشيء سوى أنّه فعلٌ إنسانيّ، يصنعه الإنسان للإنسان. الشّعر، بهذا المعنى، هو حاجةُ الإنسان إلى إنسان.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>طرد كلاب الحراسة عن بوابة العقل الشعريّ</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هل يمكن للعقل أن يتحرّر من كلّ الكلاب التي تحرس أبوابه؟ كلاب اليقين، كلاب المنطق المقيِّد، كلاب السُّلطة الذّكورية، النّصوص المقدّسة، الخطابات الأيديولوجية، العبارات الممجوجة المُتَوارَثة، قواعد اللغة، الصِّيغ التي تحدّد ما يُسمح لنا أن نفكر به وما لا نفكر به، في السّياسة، وفي المُقدّس، وفي الجنس، وأخيرًا في التّكديس الاصطناعيّ الذكيّ للبيانات والمعرفة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان الإنسان هو لغته، (بحسب هايدجر)، فكيف له، إذن، أن يتحرّر من نفسه، من قواعد اللُّغة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الجذر اللُّغوي في العربية ليس مجرد رمز، بل هو أُنشوطة </span><b>جذموريّة<sup class="modern-footnotes-footnote modern-footnotes-footnote--hover-on-desktop ">1</sup></b><span style="font-weight: 400;"> من صُنع الحياة ذاتها، والتي تشتقّ إيقاعاتها من أنفاس الإنسان ذاته، من أنفاس الشّاعر ونبضه؛ إنّه تلك الخليّة الأولى التي تنظّمت انطلاقًا من الفوضى، وامتلكت القُدرة "الاستقلابيّة" على مقاومة الاضطراب عبر تدفّق طاقة المعنى والّلامعنى في آنٍ معًا، وقدرةَ التّخزين والتّضاعُف ذاتيًّا متحدّيةً الزّمن. فما الذي يمكّن "الكلمة" من العيش أو الأفول إذن؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين يتحرّر العقل من كلاب الحراسة يستعيد أنوثته، يستعيد نسبيّته، ويستعيد حُلُمَه، فلا يظلّ أداة للهيمنة، بل يصير حقلًا حيًّا للتجربة، للاختلاف، للانزياح، للولادة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">القصيدة، إذن، ليست إعلان سُلطة، بل تحرّر اللّغة، وتحرر العقل، تحرّر الأنفاس من آليّاتها المُحكمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عند الانصياع للّغة، حين لا تُفرض علينا سلطة، حين تُترك الكلمة لتجرّب نفسها، نكشف الفضاء الاحتمالي للعقل، حيث كل احتمال ممكن، وكل معنى يطفو، ثم يختفي، ثم يعود بطريقة جديدة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأنثوي، النّسبيّ، الّلاواعي، والحالم ليسوا مجرد صوت أو رمز داخل اللغة، بل حركة، ونبض، وقدرة على خلق لحظة وعي جديدة في كل لفظة. هنا، تصبح اللغة جسدًا أنثويّا للوعي، (بحسب أدونيس)، ويصير الفكر مساحة للتجريب، والعقل نافذة مفتوحة على الاحتمالات الكمومية وحقولها الفائقة، حيث المعنى لا يملكه أحد، والوعي لا يحرسه أحد سوى التجربة الإنسانيّة نفسها، بوصفها تجربةً تخضع للأنفاس، لا للخوارزميّات.</span></p>
<figure id="attachment_36801" aria-describedby="caption-attachment-36801" style="width: 1111px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-36801" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/10/Untitled-design-2.png" alt="" width="1111" height="1942" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/10/Untitled-design-2.png 1111w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/10/Untitled-design-2-172x300.png 172w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/10/Untitled-design-2-586x1024.png 586w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/10/Untitled-design-2-768x1342.png 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/10/Untitled-design-2-879x1536.png 879w" sizes="(max-width: 1111px) 100vw, 1111px" /><figcaption id="caption-attachment-36801" class="wp-caption-text">اللوحة كاملة</figcaption></figure>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>القصيدة ما بعد الجندريّة، ما بعد النّرجسيّة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا امتدّ الفكر إلى ما بعد الجندريّة، فهل يصبح الانفلات أكثر عمقًا؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">السّؤال هنا يقودنا إلى أن نتساءل مجدّدًا عن طبيعة اللغة، فهل هي تلتزم بالهوية البيولوجية أو الاجتماعية بالضّرورة؟ هل وظيفة اللغة أن تعيد إنتاج الفروق التقليدية بين الذكر والأنثى؟  إذن، كيف للعقل الشِّعري العربي أن يتصرّف، خارج تاريخه السّائد، بوصفه </span><b>مساحة لاثنائية</b><span style="font-weight: 400;">، حيث تتحرك القوى والاحتمالات بحُرّية لا يقيدها نموذج واحد للمعنى أو للوعي؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">القصيدة هنا لا تكون انعكاسًا للذات، بقدر ما تكون امتدادًا للوجود نفسه؛ مساحة تتخلّلها الكائنات والمواد والأجساد غير البشرية، حيث تتحول التجربة إلى وعي ما بعد الإنساني: عقل يتعدى حدود الفرد واللغة، متشابك مع البيئة، مع المادة، مع الصورة، مع الصوت، مع الشّبكات الكونيّة للمعنى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا الانفلات المنفتح، تتحرر القصيدة من قيود التاريخ الذكوري، وتصبح فعلًا حيًا، وتجربة احتمالية، ولحظة يعيش فيها العقل بوصفه كائنًا لاجندريًّا، متجددًا، حيويًا، ومتجاوزًا للحدود التقليدية للإنسان بوصفه هويّة بيولوجية تختزله في كلّ أبعاده الأخرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كل كلمة عربية، كل جذر لُغويّ، كل اشتقاق، يفتح نافذة للوعي لا يمكن للآلة أن تحاكيها، ولا للسلطة أن تقيّدها، ولا للهُويّة الجندريّة المولودة أن توجّهها، حيث يصبح المعنى تجربة تعيش في الحقل المشترك بين الإنسان، والآلة، والطبيعة، والكون.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">القصيدة، من هذا المدخل، ليست تعبيرًا عن شيء، بل انفلات للوعي من ذاته، لقاء بين النفس واللغة، بين الاحتمال والوجود، بين الإنسان والآلة، بين الكائنات المختلفة، وبين الماضي والمستقبل في رجفة الحاضر المستمر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا، في فضاء جذموريّ، يُعاد للعقل تعدّديته الجندرية المُستلَبة، وتُفتح لكل كلمة فرصة أن تولِّد نفسها من جديد، كما لو أن العالم لم يُخلق بعد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">القصيدة هنا تصبح جهازًا لتجريب الوعي الكوني: تجربة تتجاوز الفرد، تتجاوز الجنس، وتفتح الاحتمال لكل ما يمكن أن يكون لتتجاوز الإنسان/ الشّاعر ذاته بوصفه كائنًا نرجسيًّا. إذ أنّ تحرّر القصيدة من الجندريّة لا يكتمل إلا بتحرّرها من النرجسيّة الكامنة في بنية الوعي الشِّعري العربي ذاته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد ظلّ الشاعر العربي، عبر قرون، كائنًا نرجسيًّا بالمعنى الوجوديّ؛ يرى في القصيدة مرآةً لذاته أكثر مما يراها مرآةً للعالم. كانت القصيدة، في كثير من الأحيان، فعلَ تمركزٍ حول الأنا، حول الصوت الواحد، حول صورة الشاعر المتعالي الذي يتكلّم باسم الحقيقة أو باسم الجَمال أو باسم الجماعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن هذا النّمط من النرجسيّة لم يكن مجرّد عُقدةٍ نفسيّة، بل بنية معرفيّة حكمت علاقة الشاعر باللغة وبالعالم، حيث تحوّل الشِّعر إلى ساحةٍ لتأكيد الوجود الذاتيّ بدل أن يكون حقلًا لتجريبه وتوسيعه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في زمن الانفلات الكونيّ، لم يعد ممكنًا أن يظلّ الشاعر مركز المعنى، ولا أن تبقى القصيدة خادمةً لتمجيد صورته أو استعادة سلطته القديمة. المطلوب هو تحوّل نوعيّ في بنية الوعي: أن تُفلت اللغة من قبضة الأنا، وأن تتحوّل القصيدة من مرآةٍ إلى شبكةٍ، من تمثيلٍ إلى مشاركةٍ، من صوتٍ واحدٍ إلى تعدّدٍ يحتضن ما يتجاوز الإنسان ذاته.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>بين الصواب والبرهان: الوعي خارج المنطق</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الرياضيات، يُقال إنّ كلّ ما هو قابل للبرهان صحيح، لكن ليس كلّ ما هو صحيح يمكن برهنته. غير أنّ هذه المفارقة التي شقّها غودل في بنية المنطق ليست بعيدة عن بنية الوعي نفسه، ولا عن اللغة التي تُفكّر في احتمالاتها أكثر مما تُفكّر في يقينها. فكما أنّ المعادلة لا تكتمل إلا بغيابها، كذلك الكلمة لا تصدق إلا حين تتجاوز معناها المبرهَن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يحيلنا ذلك إلى فكرة أنه بين المعنى (semantic) والصياغة (syntactic) فجوة تشبه تلك التي تحدّثنا عنها سابقًا بين اللغة والمعنى، بين النفس والآلة، وبين الكلمة والحدث.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الوعي الشعري، في جوهره، لا يسكن في الصواب، بل في المسافة بين الصواب وإمكان البرهان. إنه يختبر اللغة في لحظة تردّدها، قبل أن تستقرّ في شكل، قبل أن تنغلق على معنى. هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين الإمكان والتعيين، يتحرّك الشعر كما تتحرّك الجسيمات في الحقول الكموميّة: احتمالٌ يصنع نفسه من عدم، معنى يُجرّب أن يولد دون أن يُمسك به المنطق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الشعر، بهذا المعنى، ليس نفيًا للعقل، بل هو تجاوز العقل من داخل العقل؛ إذ يُعيد للمعرفة "أنوثتها" المفقودة، ويذكّرنا بأنّ الحقيقة لا تُقاس بما يمكن إثباته، بل بما يمكن الإحساس به. فالكلمة التي لا تُبرهن قد تكون أصدق من معادلةٍ مغلقةٍ على اكتمالها، والوعي الذي لا يُثبت ذاته قد يكون أعمق من عقلٍ يثق بكلّ استنتاجاته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا الأفق، تتحرّر اللغة من اكتمالها المنطقي، وتستعيد وظيفتها الأولى: أن تكون بيتًا مفتوحًا للوجود، لا برهانًا عليه. وما القصيدة إلا لحظةُ انهيارٍ لمعادلةٍ في قلب العقل، لحظةُ انفلاتٍ من اكتمالٍ مستحيل، تذكّرنا بأنّ ما لا يمكن برهنته قد يكون، في النهاية، هو وحده ما يستحق أن يُعاش.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>هوامش</strong></p>
<div>1&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; لغويًا: هي النظر إلى الجذر العربي بوصفه وحدة طاقية أساسية، لا مجرد أساس للكلمة، بل خزان احتمالات لا نهائية يمكن أن تتفرع إلى اشتقاقات متجددة، تحمل معها توليد المعنى والحركة والوعي. كل جذر يمثل نواة احتمالية، كما لو كان لبنًا أوليًا للغة وللفكر. فلسفيًا: تعني استحضار الأصل كمصدر للطاقة والخلق المستمر. الجذر لا يحدّد المعنى النهائي، بل يفتح فضاءً احتماليًا متحركًا للغة والفكر، يشبه الحالة الكمومية في الفيزياء، حيث كل نطق وكل حركة صوتية يمكن أن تولّد تجربة وعي جديدة. شعريًا: هي وضع اللغة في حالة تجريبية مستمرة، حيث لا تُقيد الكلمة بالقواعد التقليدية أو التاريخية، بل تُترك لتخلق نفسها، لتولد إحساسًا، انفعالًا، أو وعيًا جديدًا مع كل استخدام.</div><p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36794">مانيفست الشعر العربي في القرن الواحد والعشرين: نحو انفلات الوعي من كونه</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الفن في زمن الحرب: نحو جمالية معاصرة للخراب</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34055</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وسام جبران]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 28 Nov 2024 08:08:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[فلسفة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34055</guid>

					<description><![CDATA[<p>في أوقات الحرب، كتب هيرمان هِسِّهْ (سبتمبر 1914) عن كيفية تدمير الحرب لأسس التراث الثقافي الثمين في أوروبا، وبالتالي مستقبل الحضارة نفسها.  يمثل هِسِّهْ ما يسميه نهجًا "فوق وطني" (Supranational) من الثقافة الإنسانية، والذي تنبع منه أفكار إنسانية بحتة، وإيمان بجمالية فنية تتجاوز الحدود الوطنية.  حتى في خضم الحرب، يؤكد هِسِّهْ أنه يجب على الألماني [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34055">الفن في زمن الحرب: نحو جمالية معاصرة للخراب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في أوقات الحرب، كتب هيرمان هِسِّهْ (سبتمبر 1914) عن كيفية تدمير الحرب لأسس التراث الثقافي الثمين في أوروبا، وبالتالي مستقبل الحضارة نفسها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يمثل هِسِّهْ ما يسميه نهجًا "فوق وطني" (Supranational) من الثقافة الإنسانية، والذي تنبع منه أفكار إنسانية بحتة، وإيمان بجمالية فنية تتجاوز الحدود الوطنية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">حتى في خضم الحرب، يؤكد هِسِّهْ أنه يجب على الألماني أن يفضل كتابًا إنجليزيًا جيدًا على كتاب ألماني سيء. بعد ثلاث سنوات، يكتب بطريقة مشابهة إلى أحد وزراء الحكومة، يخبره أنه سيكون قائدًا أكثر إنسانية في هذا الوقت من الصراع لو قرأ "العظماء من المؤلفين" واستمع إلى عبقريات موسيقية من مثل بيتهوفن (1).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في وقت لاحق (1946)، يعلق هِسِّهْ على هذه الكتابات وغيرها من كتاباته المماثلة:</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">" عندما أطلق على (هذه) [الكتابات] صفة "سياسية"، فإنني أضعها دائمًا بين قوسين، إذ ليس هناك ما هو سياسي فيها سوى السياق الذي كُتِبت فيه. بينما في جميع جوانبها الأخرى، هي نقيض السياسة، لأنني في كل واحدة من هذه المقالات سعيت لتوجيه القارئ، لا إلى مسرح العالم بمشكلاته السياسية، بل إلى أعماق كيانه، واضعًا إياه فوق منصة ضميره الشخصي. هنا، أجد نفسي في صراع مع المفكرين السياسيين من جميع الاتجاهات، وسأعترف دائمًا، بلا أمل في التغيير، بوجود مساحاتٍ داخل النفس البشريّة، لا تصل إليها الدوافع والبُنيات السياسية"</span><span style="font-weight: 400;">.(2)</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ثمة تعبير صارم عن تلك الفردانية الروحية، الجذرية، التي كانت تدعم إنسانية هِسِّهْ العالمية بقدر ما تجعلها متشنجة. كذلك، تتجلى النتيجة المترتبة على كلٍّ من الإنسانية والفردانية في التشكيك العميق بالسياسة والسياسيين؛ ثمة خطابٌ سياسيّ نفعيّ لاأخلاقيّ وهدّام، وثمّة خطابٌ ثقافي أخلاقيّ بنّاء. في هذا الفرز الثّنائي العامودي إجحافٌ يُبسّط على حساب الحقيقة الأكثر تعقيدًا، لكن يمكن فهمه وضبطه في سياق مقاربة هِسِّهْ، وهو سياق الحرب، حيث يتعاظم الاستقطاب بين خطاب الحرب السياسي التجييشي من جهة، وخطاب المثقف المستقل الفرداني من جهة ثانية؛ أقول يمكن فهمه، لا الاتفاق معه بالضرورة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كان هِسِّهْ معارضًا بلا هوادة للقومية الوحشية في بلاده منذ حوالي عام 1914 فصاعدًا. دخل في منفى اختياري عام 1919، ولم يعد إلى ألمانيا أبدًا. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1946، لكنه قضى معظم حياته كاتبًا منفيًّا مكافحًا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هل يموت الفن إذًا زمن الحروب؟ هل تنكسر روح الفنان؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في عام 1943، تم حظر كتبه في ألمانيا، مما شكل ضربة شديدة له. يبدأ رسالة شكره لجائزة نوبل بأسباب عدم تمكنه من الحضور شخصيًا: "صعوبات فترة النازية الوطنية، التي دُمِّرت خلالها مُنجزات حياتي في ألمانيا، وأُثْقِلْتُ، يومًا بعد يوم، بواجبات شاقة أدت إلى تدهور صحتي إلى الأبد. ومع ذلك، فإن روحي لم تنكسر..."(3)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في حوارها مع الفنان التشكيلي سمعان خوام،(4) استهلت نور حطيط(5) أسئلتها بسؤال هام: سؤال "موت الفن". فبعد الربيع العربي وتداعياته (بدءًا من 2010)، وبعد ثورة 17 تشرين في لبنان وشعارها "فن الثورة، ثورة على الفن"، وبعد انفجار بيروت الكارثي وما خلفه من دمار وأسئلة كبرى تمّ إسكاتها (قضائيًّا)، يقول سمعان خوام، إن "ما كان قبل ذلك ما عاد ممكنًا، فنيًّا"، وإن "لا من لوحة يمكنها أن تحمل هذا المشهد". إن الفن، من منظور خوام هو فعل لا-عُنفيّ يظلّ عاجزًا أمام هول العنف والانتهاك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ليس الفن في مواجهة العنف فقط، بل هو السؤال "الجويسيّ"، إن صحّ التعبير، حول إمكانية الكتابة عن لحظةٍ يعيشها الفنان هنا والآن، أم إن الفن مُطالبٌ بالخروج من لحظة "الشعور/ الصّدمة/ الانعتاق..." كي يكتب عنها؛ إن لغة الفن، بحسب جويس، هي لغة الماضي والمستقبل، أما الحاضرُ فهو المُعاشُ وحسب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ثمة نبرة هامة ترافق حوار حطيط/ خوام الذي يلخص ويؤسس لمرحلة هامة في تاريخ لبنان الفني الحديث، هي نبرة "التواضع" في التعاطي مع دور الفن، ربما بحكم هول المرحلة وتدحرج الكوارث فيها، لكنها تتخطى "التواضع" بالمعنى الأخلاقي البسيط، نحو "المراهنة على الذات" و"المراهنة على الجماليّ" وسط هذا الخراب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">"رجل العصفور" في حالة سمعان خوام، هو الصورة التي يختزل فيها الفنان الفرد هُويّته، لا انطلاقًا من انتماءاتها الموروثة، بل انطلاقًا من فعل الإبداع الشخصي، المحض شخصي. على ضوء هذه النبرة التي تتخلى عن الشعارات الكبرى، والمراهنات على الآخر الوهمي، لصالح العودة إلى الذات بوصفها وحدة البناء الأصغر، لكن الأكثر وعدًا، في معمارية المجتمعات الإنسانية - على ضوء ذلك ينبغي أن نبحث في خصائص الفن للمرحلة الآتية.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">الشعور بالعجز؛ عجز الفن، اللاعُنفيّ، أمام هول شهده ويشهده لبنان من انتهاك وتدمير وكوارث، يُعيدنا بالزمن إلى السؤال الذي طرحه ألبرت أينشتاين على سجموند فرويد عام 1932، وهو: "هل ثمة وسيلة تنقذ البشرية من كارثة الحرب؟"، وهو سؤال ينبثق عند أينشتاين عن الشعور بالعجز، والبحث، ربما في تجربة وخبرة فرويد التحليليّة، عن إجابةٍ نافعةٍ يُستدَلُّ بها. وبالفعل، جاء ردّ فرويْد ليؤكّد "فكرة العجز" هذه، حين أجاب في مستهلّ ردّه: "لكنّكم فاجأتموني عما يمكن القيام به لدرأ كارثة الحرب عن البشريّة. فأُصبتُ بالرّعب في البدء بفعل انطباعي، وكدت أقول بفعل انطباعنا، بأننا عاجزون عن ذلك...".(6)</span><b><br />
</b></span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>الفن في زمن الحرب: التعدديّة الثقافية والعُدوانيّة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يشير عنوان "الفن في زمن الحرب" إلى اللقاء بين مقولتي الفن والحرب. كذلك، يُشير إلى الطريقة التي أجبرت بها الحروب في القرن الماضي الفنانين والمفكرين على إعادة التفكير في الجمالية - نطاقها، قوتها، ومخاطرها. هناك سؤال أساسي: هل يكون الفن أو الأدب أكثر إقناعًا عندما يتماهى مع "الأخلاق" الإنسانية ويخدمها، أم عندما يميّز نفسه عنها؟ </span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">ثمة أهمية كبيرة للجمالية الإنسانية التي تزداد وضوحًا بالنسبة لفنانين كثر بطريقة لم تتضح في المشاحنات داخل التقليد النقدي الأدبي الإنجليزي في الربع الأخير من القرن العشرين، على سبيل المثال. على نحو أدقّ، فإن النقد الموجه نحو الإنسانية</span> <span style="font-weight: 400;">(Humanism) الذي ساعد في إثارة تلك المشاحنات لم يتعامل بشكل صحيح مع أمثال هيرمان هِسِّهْ، مفضلًا بدلًا من ذلك أهدافًا أكثر سهولة في النقد الأدبي الأكاديمي. للتوضيح، دون إسهاب، فقد كان هيرمان هِسِّهْ، المعروف بموضوعاته الوجودية والإنسانية في أعمالٍ مثل "سيدهارتا" (Siddhartha) و"ذئب السهوب" (Steppenwolf)، يمثل تحديًا للنقد الأدبي التقليدي. فقد وجد النقاد الذين تبنوا الجماليات الإنسانية معنى أعمق وأهمية في استكشاف هِسِّهْ للفردانية والنمو الروحي والأزمات الوجودية.</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الآن، بات من المهم إعادة النظر في حياة وكتابات دعاة الإنسانية الأوروبية العالية أمثال هيرمان هِسِّهْ. وهناك عدة أسباب لذلك، بما في ذلك الحقيقة الواضحة بأن النقاشات حول صلة الثقافة الفنية بالعديد من الصراعات المعاصرة باتت أكثر إلحاحًا وتناقضًا من أي وقت مضى، وبعد حربين عالميتين طاحنتين، وسلسلة أحداث دراماتيكية كبرى في الشرق الأوسط، وهو الذي يهمنا، والذي ما زال عالقًا في مُقارباتٍ أيديولوجية عُنفية مدمّرة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">اخترت هيرمان هِسِّهْ والفضاء الأوروبي كمدخل لأتساءل عن الدور الثقافي والجمالي فوق الوطني، إن وجد، الذي يلعبه الفنان في خضم الصراعات والحروب. هذا الدور الذي تم "تبنّيه" سياسيًّا في إعادة صياغة أوروبا "فوق وطنية" موحّدة (تدريجيًّا) بعد حربين تهارست فيها النزعات القومية والأيديولوجيات والعصبيات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">نعلم الكثير عن طبيعة التمركز حول الذات واللامبالاة الإنسانية الغربية بالاختلافات الثقافية والعرقية، لا سيما داخل فضاءاتها الاستعمارية. هذه إحدى الأسباب التي تجعل الإنسانية اليقينيّة والاستعلائية في الديمقراطيات الغربية تفسح المجال لأخلاق التعددية الثقافية؛ بالتأكيد، لا يمكن إنكار افتراض وجود تشابهات أساسية، لكنها تأتي في مرتبة ثانوية مقارنة بقبول حذر للاختلاف الثقافي. وهذا هو السبب في أن رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، بينما كان يجوب العالم في أكتوبر 2001 لدعم التحالف ضد الإرهاب، سمح بأن يُعرف أنه خلال رحلاته، كان يقرأ ترجمات للقرآن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هنا، نفتح قوسًا على الفوارق بين رؤية النُّظم الكولونيالية المهيمنة لمفهوم التعدد الثقافي (Cultural Pluralism) وأهداف هذه النُّظم من خلفه وكيفية توظيفه، وبين رؤية الفن وتوظيفاته المتعددة والإبداعية التي أزاحت الدوافع الخبيثة عن مساراتها المرسومة في كثير من الأحيان، وأنتجت فنونًا مناهضة للمنظومة السياسية الاقتصادية المهولة التي تقف خلف كليشيه "التعدد الثقافي".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هنا مربط التقاطع بين ما يُسمى "فوق وطني" وما يُسمى "إنساني"، وهو ما يقف في وجه الرأسمالية التي رأى إليها عدد من المفكرين والأدباء والفنانين بوصفها عدوًّا للإنسانية. على نحو ما، تحتاج الرأسمالية العالمية إلى التعددية الثقافية، بل وتغذيها، وقد حلت محل الإنسانية؛ وفي مستوى آخر، تعزز الإمبريالية الثقافية التي تتسم بقدر أكبر من الغرور مقارنة بالإنسانية، مدعومة بالثقافة الشعبية بدلًا من الثقافة الرفيعة. هذه الإمبريالية الاقتصادية والعسكرية إنما تعمق العُدوانيّة (antagonisms) الثقافية. وهذا يعني أن التعددية الثقافية (أو الهجانة فيما بعد) يمكن أن تتحول بسرعة من كونها تأثيرًا مهدئًا على تلك العُدوانيّة إلى فرصة لتصعيدها وتأزيمها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">قد يزدهر الإرهاب تحت ظلال التعددية الثقافية؛ فبعض أنواع الإرهاب تفترضها التعدّدية ذاتها. مثالًا ليس حصرًا، فإن العُدوانيّة "العالمية"، من النوع الذي تكثف في قضية سلمان رشدي، قد تم طمسها إلى انفجرت مرة أخرى في الحادي عشر من سبتمبر، وبشراسة مروعة. </span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">إن صورة هيسه للإنسانية فوق الوطنية (Supranational humanity) التي تعمل كوحدة فوقية عبر الصراع وفوقه، تحل محلها هنا صورة توحي بوجود كيان تحت الأرض يختبئ منه؛ كيان المجزأين والمشتتين. وثمة وصف لهذه الاتصالات بأنها "ساخرة": ربما، في نظرة إلى الوراء، لم يكن هناك شيء أكثر دلالة على تضاؤل </span><span style="font-weight: 400;">​​</span><span style="font-weight: 400;">الإيمان بالخلاص الإنساني لأوروبا من التحول إلى السخرية. في الفن، وبما لا يقل عن الإيمان بالخلاص الإنساني لأوروبا، لا سيما في كتابات زميل هيسه المعاصر والمنفي، توماس مان، حيث تصبح السخرية جزءًا من الاعتراف بفشل هذه الرؤية، وجزءًا من مناهضتها. هنا، تصبح السخرية عكاز الإنسانية "المتأخرة"، وضمانة لتطورها، واعتراف بعدم اليقين في آنٍ معًا. ليس من المستغرب إذن أن يقلل أودن (Auden) لاحقًا من أهمية الفن والفنان؛ "نحن نعيش في عصر جديد"، كما كتب بعد عقد من الزمان، "حيث لا يمكن للفنان أن يتمتع بتميّزٍ بطوليٍّ فريد، ولا يؤمن بإله الفن بما يكفي ليرغبه.(7)</span><b><br />
</b></span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>سؤال الجمال وسؤال الأخلاق: مشهديّة 11 سبتمبر، داعش و"حُوّارة"</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تطرق كارل هاينس شتوكهاوزن، المؤلف الموسيقي الألماني، إلى أحداث 11 سبتمبر بشكل أثار الجدل عند الكثيرين ممن لم يحبذوا الفصل بين الجمالي والأخلاقي. في تصريحاته، أشار إلى أن الهجمات كانت أعظم مشهد جمالي يمكن صناعته، وفي حديث شخصي لي معه (بوصفه أحد أساتذتي السابقين) قال إنها بمثابة "عمل موسيقي" درامي بالمعنى الواسع للكلمة. وقد رأى أن الجمالية المتفجرة في تلك اللحظة كانت تعكس عناصر من الفن والموسيقى. ألا يمكن أن يكون في داخل الصدمة التي قوبلت بها تصريحاته، والقرارات السريعة لإلغاء عروض أعماله، ثمة إنكار؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">شتوكهاوزن اعتبر أن الطريقة التي تم بها تنفيذ الهجمات، من خلال اختطاف الطائرات وضربها للأبراج، حملت أبعادًا جمالية معقدة. تعليقات مثل هذه أثارت ردود فعل قوية واحتجاجات، حيث اعتبر الكثيرون أن مثل هذه الرؤية تُظهر عدم حساسية تجاه الضحايا وأسرهم؛ ثمة لا أخلاق في هذه المقاربة! هنا، يصير من المهم أن نتساءل حول تميّز سؤال الفن عن سؤال الأخلاق، وكيف يفترق عنه دون أن يُلغيه!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">نعلم أن الملايين حول العالم تابعوا أحداث الحادي عشر من سبتمبر بشكل قهري، مرارًا وتكرارًا، معبرين عن مجموعة من المشاعر: الغضب، والصدمة، والرحمة، والفتنة المرعبة بمشهد بدا أنه يتجاوز أكثر المؤثرات الخاصة روعة في السينما، مما أعطى معنى جديدًا، فظيعًا، لفكرة أن الحياة قد تحاكي الفن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">حين يرغب الفنان بتصوير "حوارة" (المدينة الفلسطينية) تحترق وقد غزاها المستوطنون الفاشيون، فإنه (في كتابته، موسيقاه، رسمه، رقصه أو سينمائيته أو مسرحه الخ...) سيطرح على نفسه سؤالًا واحدًا: كيف يمكنني أن أعبر عن هذه البشاعة بأجمل وأبلغ الطرق الفنية؟ كيف نرى إلى "جمالية الخراب"! (التي تناولها حوار حطيط/ خوام سابق الذكر). هنا، البحث عن الجمالية بمعناها الرّفيع (Profound) يأتي لرفع منسوب الأثر لا لإلغاء الأخلاقيّ؛ إنه يأتي كي يُشعر المتلقي بأكبر قدرٍ من القرف والغضب، ليؤثر في نفسه ويحرّضها شعوريًّا وأخلاقيًّا، بأبلغ لغة فنيّة جمالية محرّضة وممكنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">الإمعان في البشاعة يستدعي إمعانًا في التعبير الجمالي. أليس كذلك!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إننا لا نتحدثّ عن المؤثرات (الحرائق، الانفجارات، سقوط الأبنية، الدمار، الدخان، الدماء، الأشلاء البشرية، الدموع، لُهاث طواقم الإنقاذ والصحافيين، صمت الرّكام الخ...) هذا كلّه كفيلٌ بمشهديّة لها ما لها من أثر في الأعمال الفنيّة، لكننا نتحدّث هنا عما هو أعمق؛ عن التقاطعات التي تشكّل ما نسميه "الدّور" أو "الأثر"، بمعنى سبر تقاطعات القيمة الفنية، دورها وأثرها، في السياقات الإنسانية للحرب: الاجتماعية، النفسية، الأخلاقية الخ... لكن، هذا كله يجري تحت سقف السؤال الفني، لا فوقه. هذا ما يفسّر نظرة أمثال هِسِّهْ حين يميزون بين عملٍ فنيٍّ رفيع أنجزه "الجلاد"، وعمل فنيٍّ سخيفٍ وركيك أنتجته "الضحيّة". وهذا ما لاحظه والتفت إليه شتوكهاوزن في وصفه لمشهديّة 11 سبتمبر التي بدت وكأنها من إخراجٍ هوليووديٍّ مُتقن وباهظ الكُلفة. الفارق بين "تُحفة" صانعي الكوارث و"تُحفة" الفنان المناصر لصانعي الكوارث، أن ما يحدث على أرض الواقع لا يُراعي الفعل الجمالي، لا يأبه بكماله واستكماله، لا ينشغل بإحكام تفاصيله؛ هنا، يأتي دور الصُّدفة، والفوضى، وزاوية نظر الكاميرا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كم من الملايين يحتاج سينمائي بارع لإعادة إنتاج مشهد قطعان المستوطنين يقتحمون بلدة فلسطينية مثل "حوّارة"، يحرقون جمادها وحيّها، يقتلعون أشجارها، يبيدون ويُرعبون عائلاتٍ بأطفالها ونسائها؟ كيف يُقاس السؤال الفني هنا إن لم يكن بالأثر؛ هذا الأثر الذي يوجّه الفن نحو لعب دورٍ في الحرب بقصدٍ أو بغير قصد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;"> تذكروا! من منكم بحث عن الصورة الأكثر أثرًا لانفجار بيروت! من منكم عدّد نظرته مع زوايا الكاميرات المختلفة للمشهد ذاته، مشهد سقوط بناية في غزة! من منكم حرص، رغم كلّ المشاعر الضديّة المتخيّلة، أن يعثر على مشهد قطع رأس صحفيٍّ أمريكيٍّ على يد داعش! كم منكم أعاد مشاهدة سقوط التوأمين فوق رأس نيويورك؟ لكن، من منكم سأل نفسه لماذا؟ ما الذي أبحث عنه في هذه المشاهد؟ ما الذي "يجذبني" فيها رُغم البشاعة والخراب وسادية الدماء؟ فهل نتوقف عند الفضول؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا داعي للفن في هذا الزمن، بعد أن بتنا نشاهد الحدث مُخرَجًا بزمنه الجاري والحيّ عبر نشرات الأخبار وزوايا التصوير المتعددة لكاميرات شهود العيان المُتناقلة فوريًّا عبر وسائل الإنترنت التفاعلية. فهل تم إلغاء الفن فعلًا في مشهدية تتصاعد فيها الوسائل التكنولوجية الحديثة وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي، على حساب المعرض أو السينما أو الكتاب، وجميعها ستلحق بالحدث متأخرة، ومتأخرة جدًّا أمام وتيرة إيقاع هذا الزمن وتكنولوجياته الحديثة المتسارعة؟ ما الذي "يجذبنا" إذًا لمتابعة نشرات الأخبار، والعَوْد التكراري متعدّد الزوايا للمشهد ذاته حيث الدمار والدم في "أبهى" تجلياته الدراماتيكية المُفجعة؟ ما الذي يجعلنا، نحن الذين ما زلنا على قيد الحياة، نتلذذ سرًّا عند المشاهدة، ولو كان تلذّذًا بالألم؟ كيف تتفاعل ساديّتنا المكبوتة، مازوخيتنا الخجولة، شعورنا بالخلاص والنجاة، إطفاء حقدنا بتضرر "عدوّنا" أو موته، استثارة كُرهنا أو رغبتنا بالثأر عند تفجّعنا وانهزامنا، الخ...؟ كيف تتفاعل كل هذه المشاعر مع منسوب الأثر الفنيّ في هذه المشهديّة المركبة والمتسارعة؟ ثمة بعد ذهني ونفسي شخصي هنا، يُضاف إلى كلّ ما سبق، أليس كذلك؟</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt; color: #ff0000;"><b>إنسانية / لاإنسانية: الفردانية بوصفها سؤالًا</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالعودة إلى هيرمان هِسِّهْ، فعلى الرغم من أن إيمانه لم يتزعزع أبدًا، إلا أنه في نهاية الحرب العالمية الثانية بات إيمانًا مشوبًا. في رسالة القبول لجائزة نوبل، وكذلك جائزة غوتة، التي حصل عليهما عام 1946، يؤكد مرة أخرى اعتقاده بأن "الثقافة فوق وطنية ودولية"، لكنه يتحدث أيضًا عن "أوروبا المريضة حتى الموت" وإغراءه بالتخلي عن الثقافة الأوروبية تمامًا والتحول إلى حكمة الشرق. لم يكن انزياحه نحو "الشرق" انزياحًا استسهاليًّا، كما لم يكن هروبًا من واقع مُقلقٍ إلى غيْبٍ مُطمئن وواعد، إنه إغراء قاومه هِسِّهْ بشدة، وعبر مكابداتٍ فكرية وذهنية عميقة، إلى أن أصبح للشرق تأثيرًا مركزيًا في إدراكه الجديد، وبأن الرسالة الأساسية لأعظم لمعلمي الإنسانية هي الرّواقية، أي التنكر الروحي للأشياء الدنيوية كشرط مسبق لتمييز الوحدة الصوفية في كل كائن. ثمة رهان على الذات الفردانية هنا، وربما على حساب "الأفكار الكُبرى"، كما في "الرجل العصفور" الخواميّ. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في سنواته الأخيرة، اتضح إصرار هِسِّهْ أكثر فأكثر على الروح الفردية كمعيار للنزاهة، والآن، ربما على حساب الإنسانية (Humanism). (8)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالنسبة للكثيرين، أكدت الحرب العالمية الثانية إفلاس الإنسانية التنويرية. والآن نتحدث ليس فقط عن عجزها عن منع البربرية، بل عن تواطؤها معها. اكتشف ثيودور أدورنو وآخرون في مدرسة فرانكفورت أن الإنسانية التنويرية تحمل في طياتها أصول المشاكل التي تخيل هِسِّهْ أنه أجاب عنها. (9) </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أعلن أدورنو عن عدم قيمة "الثقافة التقليدية"، حيث أصبحت الآن "محايدة وجاهزة"، مضيفًا أن "كتابة الشعر بعد أوشفيتس هو بربرية".(10) لاحقًا، أخذ آخرون، مثل بودريار، هذه الوجهة النقديّة إلى حدها الأقصى: "الـ 'إنسان' هو من البداية مؤسسة ثنائية الهيكلية، الـ 'غير إنسان'. هذا هو كل ما في الأمر: تقدم الإنسانية والثقافة هما ببساطة سلسلة من التمييزات التي تُستخدم لوصم 'الآخرين' باللاإنسانية وبالتالي بالعدم".(11) حتى كملخص بسيط للإنسانية الغربية، فإن هذا يظل مختزلًا بشكل كبير؛ بالفعل، هذا التأكيد – "هذا هو كل ما في الأمر... ببساطة سلسلة من التمييزات" – هو مختزل للغاية ليكون نوعًا من الإرهاب، وهو النظير الفكري للاختزالية الأصولية للإرهابيين الفعليين. هل جربنا أن نطبق ذلك على خطاب "الصهيونية الدينية" أو خطاب "ولاية الفقيه" وإسقاطاتهما على واقعنا الشرق أوسطي مثلًا!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا أعتمد على مقاربة مشبوهة مثل مقاربة بودريار، أو حتى على وجهات نظر أمثال أدورنو؛ لكنني أتجاوز هذا الاستقطاب في حروب الثقافة من خلال استحضار مقالات جورج ستاينر (Steiner) العاطفية والرائدة في الستينيات التي تم جمعها في "الأدب والصمت". </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يقدم ستاينر توضيحًا صريحًا وغير نظري لحجة أدورنو: لم يدمر النازيون "الإنسانية الأوروبية المركزية" فحسب، بل إن بربرية القرن العشرين "قد سادت على أرض الإنسانية المسيحية، وثقافة النهضة، والعقلانية الكلاسيكية". نذكر هنا بنصيحة هيرمان هِسِّهْ الواثقة لذلك القائد الحربي في عام 1917، ونقارنها بما كتبه ستاينر في عام 1966: </span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">"نعلم الآن أن الرجل يمكنه قراءة غوته أو ريلكه في المساء، وفي الصباح يمكنه عزف باخ وشوبرت، ثم الذهاب لممارسة عمله في أوشفيتس. القول بأنه قرأهم دون فهم، أو أن أذنه خرقاء، هو كلام فارغ." يتساءل ستاينر: "ما هي الروابط، التي لا تزال غير مفهومة، بين العادات النفسية العقلية للممارسات الرفيعة، وإغراءات اللاإنسانية؟". </span><span style="font-weight: 400;">(12) </span></span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>في النزعات الشيطانية للعقل الإبداعي </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لا يتوقف الأدب عن انتهاك المسألة الإنسانية من خلال استحضار آراء أولئك الذين أرادوا رقابة الفن، بدءًا من أفلاطون، مرورًا بالتحيزات المناهضة للمسرح وصولًا إلى مؤيدي الرقابة الحكومية الحديثة. لكن مرة أخرى، فإنني أبرر هذه الجمالية، ليس بالإشارة إلى أعداء الفن، بل من داخل ممارستها وقدرتها على التأثير والإقناع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالمثل، يمكنني تقديم حجتي حول النزعات الشيطانية للعقل الإبداعي بالإشارة إلى أنواع الكتابة المشبوهة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">سأعود إلى هذا، لكن أولاً، كوسيلة لمتابعة مصير الإنسانية بشكل أكبر، أود أن أتناول الفرضية الأساسية للجمالية الإنسانية، وهي أن الفن قوة إنسانية عميقة. أين الانسداد هنا إذًا؟ ربما هو ليس بين الإنسانيين والمناهضين للإنسانية، بل بين إنسانية محافظة وأخرى تقدمية!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالإضافة إلى ذلك، من مثال إنساني حديث مثل ريتشارد أ. إيتلين (Richard A. Etlin)، يمكننا أن نرى كيف أن الإنساني قد تنازل بالفعل عن بعض الأرض لصالح الأجندة السياسية/الأخلاقية للماديين. يدافع إيتلين عن روائيي القرن التاسع عشر ضد ادعاء إدوارد سعيد بأنهم كانوا متواطئين مع الإمبريالية. لكن بعيدًا عن القول، كما كان قد يفعل أسلافه، بأن هذه الاعتبارات السياسية غير ذات صلة بالجمالية، لا يكتفي إيتلين بتجميع المشاعر المناهضة للإمبريالية ومناهضة العبودية لدى هؤلاء الروائيين، بل يقرأ رواياتهم بحثًا عن أدلة على ذلك. ومن ثم، فإنه يمد الأجندة الإنسانية بشكل ضمني لتتوافق جزئيًا مع أجندة خصومه، حتى وهو يحاول تفنيد حججهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">من الصعب ألا نستنتج أن الماديين قد فازوا بالفعل بالأرضية العالية، على الرغم من أنهم قد وسعوا أيضًا من نطاقها. على الأقل، فإن الحجة القديمة بأن مثل هذه الاعتبارات السياسية غير ذات صلة بالرؤية الجمالية قد انتهت إلى الأبد. بينما يرفض إيتلين قبول تأكيد سعيد بأن السياسة والثقافة، بعيدًا عن كونهما مجالات مختلفة، هما "في النهاية نفس الشيء"، لا يمكنه إلا الرد عليها بتعميم متملص: يرفض الإنساني دمج المجالين "في جميع الأوقات وفي جميع الجوانب".</span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>الجماليّ في موقع "العدوّ"</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في معرضها "لحظات متبقيّة" عرضت يُخباد ليشبيتس، بنت الثالثة والثمانين، في متحف إسرائيل ما تبقى من مجموعة صورها بعد أن تعرض بيتها للدمار والحرق في كيبوتس "نير عوز"، في السابع من أكتوبر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ليشبيتس يسارية داعمة لحقوق الفلسطينيين. أُسرت لمدة 17 يومًا من قبل حماس بينما لا يزال زوجها في الأسر مجهول المصير (حتى لحظة كتابة هذا المقال). </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في حوار معها بعد عودتها من الأسر في غزة سُألت: "ما الحل؟"، فأجابت ببساطة وحسم: "السلام".</span></p>
<ul>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">السلام مع من؟ مع هؤلاء البرابرة؟</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">أوَلا تقيم سلامًا الألمان الآن؟ أنسيت ماذا فعل بك النازيون الألمان؟ هل آذاك الفلسطيني كما فعل النازيون؟!</span></li>
</ul>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في معرض ليشبيتس صور من تظاهرات كيبوتس نير عوز ضد الحرب على لبنان عام 1982، وصور من حياة الكيبوتس اليومية، معظمها كان محفوظًا عند ابنتها الفنانة المقيمة في لندن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تمثّل حالة ليشبيتس، وهي نادرة في المجتمع الإسرائيلي، صدمة لكل من يوظف الجمالي والأخلاقي في اصطفافاته السياسية والأيديولوجية. ثمة صعوبة في تحليل مثل هذه الحالات المركّبة على ضوء هذه المقاربات التقاطبيّة، التي لا تميز الطيف الواسع من التعقيدات الممتدة بين ما هو إنساني ولا- إنساني في سلوك البشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في المقابل، غزة مدمّرة؛ لا فنانين ولا فن. أما "جمالية الخراب" فتحتاج إلى ناظر، ربما، ذات يوم خارج اللحظة الكارثة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في كتاب بعنوان "غزة - مكان وصورة في الحيز الإسرائيلي"، تأليف عمري بن يهودا (باحثة في الأدب اليهودي في جامعة ليل الفرنسية)، ودوتان هاليفي (مؤرخ ومعيد في أكاديمية بولنسكي في معهد فان لير في القدس)، والذي صدر في تموز 2023، أي قبل السابع من أكتوبر، والذي تؤكد مجموعة المقالات فيه ما قاله سمعان خوام في حواره مع نور حطيط، عن أن "الخراب" في بيروت كان سابقًا للرابع من آب (انفجار بيروتُشيما)، واضعًا بذلك حدث 4 أب، كما هو 7 أكتوبر، فوق الخراب المنهجي المستمر؛ إنه الحدث الذي يقف الفنّ أمامه عاجزًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;"> خراب غزة الممنهج يتجلى في هذا الكتاب، الصادر عن دار جاما العبرية، ويرسخ فكرة "التسجيل" أو "التوثيق" بوصفهما من وظائف الفن الأساسية زمن الحروب. وإليكم بعض من عناوين المقالات داخل الكتاب والتي سأكتفي بعرضها لتترك انطباعًا:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">* غزة بوصفها فضاءً إسرائيليًّا انتباذيًا (هيتروتوبيا)/  اللاجئ بوصفه عدوًّا/  حين تنتهي الحرب/  غزة آتية: المدينة البيضاء والمدينة التوأم/  رحلة صيد: نظرة بصرية على أرشيفات غزة التي بحوزة إسرائيل/  أمام أبواب غزة/  تعساء البحر/ المكان الذي ينبغي طرد الناس منه": تشجيع هجرة الفلسطينيين من قطاع غزة 1967-1969/  أبي يعمل في غزة/  اللغة والتصوير في غزة: نقد الاحتلال لرونيت مطلون/  في ذكرى الانتفاضة الفلسطينية/  في الهامش كما في المركز: غزة بوصفها ميكروكوزموس فلسطيني/  كي نعرف غزة: التقريب والإبعاد في ظل سياسة الحصار الإسرائيلي/  أخي المصلوب على جرافة/ من مسافة صعبة: غزة في الشعر الإسرائيلي/  أنفاق غزة: الحلم الرّطب للواقعيّ/  رغم كل شيء: غزة/  صلاة لسلام غزة، وغيرها...</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt; color: #ff0000;"><b>خاتمة شيطانية: فانتازيات فاشية مكبوتة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إن أولئك الذين يحبون الفن ويعيشون من أجله يرفضون الاعتراف بهذا التحدي المحتمل، معتقدين بدلًا من ذلك أن الفن هو التعبير الأسمى عن الحياة المدنية. ينشرون أكاذيب حسنة النية، قائلين لنا إن الفن العظيم والثقافة الرفيعة التي تخدمه يمكن أن تعزز فقط حياة أولئك الذين يقدرونها حقًا؛ وأن هذا النوع من الفن – على عكس، على سبيل المثال، الدعاية أو الثقافة الشعبية أو الإباحية – غير قادر على إلحاق الضرر بنا أو "إفسادنا". مثل هذا الموقف لا يفشل فقط في أخذ الفن على محمل الجد، ولكنه يعتمد أيضًا على عملية سابقة من الرقابة المؤيدة للفن، أكثر فعالية من الرقابة الحكومية المناهضة للفن. دفاعهم عن الفن هو غالبًا دفاع ضد الفن، واحترامهم المبالغ فيه له يصبح وسيلة لعدم الانخراط معه. أولئك الذين يحبون الفن أكثر هم أيضًا الأكثر رقابة عليه. الاقتراب من الأدب مع الإصرار على توافق الضمير الأخلاقي والخيال الإبداعي هو أن نكون عميانًا عن حقيقة أن بعض من أكثر الكتابات إقناعًا تتعلق بالتوتر بين، إن لم يكن عدم توافق، هذين الأمرين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إذا أشرت مرة أخرى إلى "الجنس، الأدب، والرقابة" هنا، فذلك ببساطة لأنني الآن فقط أملك الوقت لتلخيص وتطوير الحجة التي تم طرحها هناك. نحن نعلم أن الرؤية الجمالية يمكن أن تتحدى الأجندات الاجتماعية الرجعية. في الواقع، بالنسبة لمعظم المدافعين عن الفن اليوم، على الرغم من عدم وجودهم جميعًا، فإن ذلك مرحب به بما يكفي لأن أجندتهم معتدلة ليبرالية. لكن الفن يمكن أيضًا أن يتحدى الأجندات الاجتماعية التقدمية والمسؤولة إنسانيًا. ولهذا السبب، فإن أخذ الفن على محمل الجد يعني الاعتراف بأن هناك بعض الأسباب المعقولة (أي العقلانية) للرغبة في السيطرة عليه. لا أزعم أن الفن غير إنساني بالمعنى الذي تشرع به بشكل خفي مصالح الأقوياء على حساب المظلومين والمستغلين، على الرغم من أن هناك بالفعل بعض الأعمال الكلاسيكية التي يمكن قراءتها بمثل هذه الشروط. كما أن حجتي ليست حجة تاريخية شاملة عن كل الفن، أو حتى عن كل الأدب. من الواضح أنها أكثر تطبيقًا على بعض الأنواع والفترات والحركات التي يكون فيها معرفة ما يزعج التوازن النفسي والاجتماعي بشكل عميق، وما يهدد المفاهيم السائدة للحياة المدنية، أمرًا مركزيًا – مثل التراجيديا اليونانية، والدراما والملحمات في عصر النهضة الإنجليزية (خاصة سبنسر وميلتون)، والعديد من النصوص الحديثة، بما في ذلك بعض التي تم تفسيرها بشكل مختلف تمامًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">مرة أخرى، لقد حدثت نصف إدراك مزعج لهذا الأمر غالبًا حتى ضمن وجهات النظر الجمالية المحافظة. يمكننا اكتشافه في أبسط فئة من الجمالية الإنسانية، وهي فئة "الشخصية". مرارًا وتكرارًا، وعبر القرون إن لم يكن الآلاف من السنين، كانت أكثر الإبداعات الفردية إقناعًا هي تلك الشيطانية: كانت شخصيات الرذيلة في الأخلاقيات الوسطى تتمتع بالحيوية والذكاء؛ وكانت الشخصيات الساخطة في التراجيديات الإليزابيثية والجاكوبية بطولية، وذكية، وأبطالًا مضادين يتمكنون من فهم الفساد بعمق من خلال تواطؤهم معه؛ ولدى الشيطان في "الفردوس المفقود" لملتون نزاهة معكوسة تعقّد، على أقل تقدير، مشروع التعليم الأخلاقي للملحمة بأكملها، بل وقد تُسقطه في نظر بعض القراء. في "الفردوس المفقود"، الشيطان موجود في الهيكل بقدر ما هو موجود في التفاصيل. لطالما حاول النقاد تجنب هذا من خلال الادعاء بأن مثل هذه التعريفات التخيلية مع اللاأخلاقي وغير الإنساني محصورة، أو موضوعة، أو مُعطلة من قبل رؤية أخلاقية شاملة أو إغلاق هيكلي للعمل الفني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هناك علاقة غريبة بين التعريف الجمالي مع الشيطاني والدافع اللاهوتي والأخلاقي لتحقيق نظرة كاملة على الأسوأ. على سبيل المثال، ما نواجهه في "الفردوس المفقود" هو الشجاعة – أو الغطرسة، وربما جنون العظمة – من نوع اللاهوت الأكثر هيمنة، الذي يعتقد أنه يمكنه التغلب بفعالية على ما يهدده فقط من خلال معرفته بشكل كامل. في حالة ملتون، ستزداد الحاجة إلى مثل هذه المواجهة بسبب تجربة الهزيمة الثورية. في "الفردوس المفقود"، تنبع الأضرار التي تلحق بالنوايا التعليمية من تجسيد هذا الدافع ليس فقط كلاهوت، بل كأدب تراجيدي، وهو الوسيلة التعبيرية المحددة للهزيمة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">مع ذلك، كانت مثل هذه القراءات للشيطان خطيرة بما فيه الكفاية لله وإلى أتباعه، إذا لم تكن كذلك لبقية الناس. وهذه هي نقطتي: نحن نسمح بمثل هذه القراءات عندما لم تعد تتحدانا. ومع ذلك، الأدب مليء بالمعرفة التي تشكل خطرًا علينا: إنه يكشف عن فهم للعالم لا تستطيع، أو لا تريد، أن تعترف به أنماط حياتنا المدنية، وربما ينبغي علينا ألا نعترف بها. أجادل، على سبيل المثال، بأن الحداثيين مثل ييتس ولورانس، تحت تأثير نيتشه، يقدمون احتفالًا مثيرًا للجماليات اللاأخلاقية للطاقة. عندما أعجب القراء بصوت ييتس الشعري وتماهوا معه، وجدوا أنفسهم قريبين بشكل غير مريح من جماليات سمحت للفنانين والمفكرين بالتعاطف مع الفاشية. لكن ادعائي ليس أن تُفرض الرقابة على ييتس بوصفه فاشيًا، بل أن شعره يقدم لنا بصيرة مختلفة ومزعجة حول التاريخ الحديث وذواتنا. فهم الشعر لا يعني تجاوز عنفه، بل يعني الدخول في تجلياته المغرية. عندما يكون الشاعر حرًا من السياسة بالمعنى الضيق، يمكنه أن يكون أكثر فعالية في التعبير عن بعض الفانتازيات الأعمق التي ساهمت في جعل الملايين يتخذون بعض الهويات السياسية والانتماءات التي أدت بدورها إلى موت وتعذيب الملايين من الآخرين. هذه الفانتازيات لا تزال حية جدًا اليوم. وللتعبير بوضوح، يكشف قراءة معينة لييتس ولورانس عن الفانتازيات الفاشية كعنصر مكبوت أكثر أو أقل في الثقافات الحديثة. لذا، الإصرار على أن الفن لا يهرب أبدًا من السياسة يختلف تمامًا عن المطالبة بأن يكون سياسيًا بشكل مسؤول؛ بالنسبة لي، قيمة ييتس ولورانس تكمن بشكل مركزي في عدم كونهما مسؤولين سياسيًا، لأن كل مسؤولية من هذا النوع تتضمن بشكل صحيح كبتًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بالطبع، هذه حجة تلتزم برؤية تقدير الجماليات باعتبارها في بعض النواحي معرفية، أي أنها تمتلك محتوى من الحقيقة أو المعرفة. هذا الرأي يرتبط بشكل مباشر بأدورنو، لكنه، مرة أخرى، له تاريخ أطول، وهو تاريخ تقليدي كفرض عمل وكنظرية. حتى النظريات الجمالية المحافظة تحتضنه، على سبيل المثال، تلك التي تشمل الكلاسيكية الجديدة، والتي تعتبر الفن يقدم حقائق عامة وعالمية عن العالم، على الرغم من أن السؤال عن نوع الحقيقة المقدمة هو سؤال نادرًا ما يتوقف أحد للإجابة عليه أو حتى طرحه. من الممكن القول إن الفن غالبًا ما كان يُفترض أنه يمتلك محتوى معرفي من نوع ما، ولا يصبح الأمر قضية إلا فيما يتعلق بالنظريات التي تصف الفن بأنه غير مرجعي. إن انفصال الفن عن المعرفة هو أمر نسبي حديث. كما يقول ج. م. برنشتاين في "مصير الفن": "تجربة الفن كجمالية هي تجربة الفن كمن فقد أو حُرم من قوته في قول الحقيقة... سأطلق على هذا الفقد 'اغتراب جمالي'؛ إنه يدل على اغتراب الفن عن الحقيقة الناتج عن تحول الفن إلى جمالي، وهو تحول اكتمل تمامًا فقط في المجتمعات الحديثة". رؤية الفن كمعرفي لا تمنع أن يكون له أنواع محددة وحتى فريدة من الخصائص الشكلية (اللغة، الأسلوب، النوع، وما إلى ذلك)، ولا تقلل من أهميتها. لكنها تتحدى الادعاءات التي تقول إن هذه الخصوصية الجمالية تجعل العنصر المعرفي للعمل ثانويًا أو حتى غير ذي صلة. ونظرًا لأن مثل هذه الادعاءات حديثة نسبيًا، فإن عبء الإثبات يقع على من يطرحونها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">هناك جانب آخر يحتضن فيه البعد "المحافظ" أو المُؤَسَّس من الجمالية تحديًا للأجندة الإنسانية التي يُفترض أنها تدعمها، وهو كامن داخل نظرية تقدير الجماليات بوصفها "غير مهتمة". مثل هذا التقدير ينطوي على تفرّد عميق في الإدراك الذي ينفصل عن العالم العادي للسياسة والمصالح ويرى ما وراءه – بمعنى آخر، فكرة الإدراك الجمالي كما وصفه كانت: "غير مهتم وحُر". هذه الفكرة لها مسارها الفريد نحو غير الإنساني أو غير الإنساني، كما في إعادة صياغة شوبنهاور لكانط؛ حيث يحررنا عدم الاهتمام الجمالي من الإرادة للعيش ويتطلب موت الذات – أي القضاء على فرديتنا وحتى إنسانيتنا. هذه الجمالية تجذبنا نحو السامي وتلك الفتنة بجمال غير إنساني قوامه شيء من اللامبالاة تجاه الإنسان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بعد ذلك، تحولت الجمالية غير المهتمة إلى كراهية إنسانية محددة، أو لامبالاة تجاه الإنسان – مجددًا بطريقة مشهورة عندما يكون الجمال هو موضوع نظرها. هناك العديد من الأمثلة من القرن العشرين: تخيلات لورانس/بيركين عن كون جمالي خالٍ من "النجاسة القذرة" التي هي الإنسانية؛ الشاعر الرمزي الذي صرح عن هجوم بقنبلة أناركية: "ما الذي يهم الضحايا إذا كانت الإيماءة جميلة؟" أو ملاحظة وايلد عن توماس وينرايت: "عندما لومه صديق على قتل هيلين أبركرومبي، هز كتفيه وقال: 'نعم؛ كان شيء مروع فعله، لكنها كانت تملك كاحلين سمينين جدًا'." وأخيرًا، والعودة إلى موضوع الحرب، هناك ديون موسوليني للفوتوريين عندما قارن انفجار القنابل بين المدنيين الهاربين بزهور تتفتح. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">لتلخيص ذلك – فإن الجمالية التي أوضحها هنا تتجلى بالفعل ضمن التقليد الغربي: الوظيفة الموجهة للتعليم، والانجذاب والتعريف مع الشيطاني، البعد المعرفي لعمل الفن، والطريقة التي يمكّن بها الانفصال الجمالي الإدراك اللاأخلاقي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">اعرف أن تعرف لا أكثر: المعرفة الخطرة.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">تبدو هذه الجمالية واضحة جدًا في انشغال الفن بالمعرفة الخطرة – تلك المعرفة التي تزعزع النظام الاجتماعي والنفسي بدلًا من أن تعززه. هنا نحن معنيون ليس فقط بالمنظور المعارض لبعض الكُتّاب، ولكن أيضًا بتنظيم الثقافة البشرية. الهوية الفردية هي مزيج، تنظيم جزئي معقد أكثر أو أقل، ودائمًا ما يتضمن درجة أكبر أو أقل من الكبت، والقمع، والاستبعاد</span><b>: الهوية تتكون مما ليس عليه الشيء، بالإضافة إلى ما هو عليه جوهريًا.</b><span style="font-weight: 400;"> وكذلك الثقافات والحضارات، وإن كانت أكثر تعقيدًا بشكل لا يُتصور من حيث تنظيمها واستبعادها.</span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">كلما كانت الوحدة المنظمة أكثر تعقيدًا، أصبحت أكثر عرضة لعدم الاستقرار، خاصة بسبب استبعادها أو بالنسبة له. علاوة على ذلك، فإن ما يتم استبعاده يظل غير منفصل عما يتم تضمينه، مما يعني أنه ليس خارجًا تمامًا. هذه واحدة من الأسباب التي تجعل التهديد الأكثر قوة لشيء ما يعمل داخليًا، من حيث هيكله وتنظيمه؛ الهلاك هو عملية داخلية وليست خارجية، والانهيار من الداخل بدلاً من التدمير من الخارج. قد يكون الوحش الغريب يتجه نحو بيت لحم، لكن الخطر الأكبر يكمن في حقيقة أن الأمور تنهار وأن المركز لا يمكنه الثبات. من الناحية الفكرية، أصبح هذا شائعًا في العصر الحديث، وذلك بفضل أمثال داروين، وماركس، ونيتشه، وفرويد. هناك مصطلحات أخرى لنفس العمليات أو العمليات المرتبطة بالهلاك الداخلي، معظمها محملة بالاستنكار: التدهور، التحلل، الذوبان (الانحلال، المفسد)، التفكك، الرجوع للخلف. وبالطبع الثورة، بمعناها القديم والجديد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في كل حالة من حالات التفكيك المدرك، تظهر أسئلة سياسية عاجلة: هل يمثل هذا حقًا تهديدًا لطرق تنظيمنا الثقافي، أم يمكن دمجه مع تغييرات طفيفة؟ وإذا كانت التغييرات المطلوبة أكثر شمولًا، فهل تعد بالاعتماد والبقاء، أم الانهيار وفقدان الهوية؟ إن حقيقة أن مثل هذه الأسئلة ستُجاب بشكل مختلف اعتمادًا على الموقف، والمصالح المكتسبة، والعلاقات الحالية للسلطة والصراع، تشير إلى تعقيد كل من العملية وإدراكها. من الواضح أن بعض الأدب يُجسد التفكيك: لماذا الرقابة إذن؟ لكننا نعلم أيضًا أن الأدب الذي يتبنى الربط أيضًا يستكشف بالضرورة القوى التي تفكك، وغالبًا ما تكون هذه القوى هي الأكثر جاذبية: تصوير المدينتين المثالية (يوتوبيا) لا يتطابق مع تصوير الكابوسية الخرائبية (ديستوبيا)، ويصبح الكتاب أكثر حيوية عندما يستكشفون تقاطع الرغبة المحظورة والمعرفة الخطرة.</span></p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><span style="font-weight: 400;">كما أظهر روجر شاتوك وآخرون، كانت المعرفة المحرمة دائمًا جزءًا من الثقافات البشرية، ومن الواضح بشكل خاص في مفاهيم المحرمات والهرطقة. نقول إن الجهل نعمة. في "الفردوس المفقود"، يقدم ميلتون لنا صورة عن آدم وحواء وهما نائمين ببراءة.(13)</span><span style="font-weight: 400;"> </span></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وعلى جسديهما العاريين تساقطت الورود من السقف الزهري الذي أصلحه الصباح. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ناما، أيها الثنائي المبارك؛ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">وأوه، سيكون الأجمل لو لم تبحثا عن حالة أكثر سعادة، </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">ولتعلما أن لا تعرفا أكثر."(14)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">بعبارة أخرى، "كن حكيمًا متواضعًا". آدم وحواء يعصياني، ورغبتهما المتجاوزة في المعرفة المحرمة تجلب الموت والتفكك إلى العالم، إلى الرغبة. بمعنى آخر، إنها تبدأ التاريخ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يُنظر إلى الالتزام بالوصية بعدم المعرفة، وعلى أنه شرط مسبق للصحة الاجتماعية والنفسية، ولنجاة الحضارة نفسها - وهو ما يتجلى ضمنيًا في فكرة الرقابة. في المقابل، يُعتبر كسر هذه الوصية تحريرًا عميقًا، رغم أن له عواقب مأساوية، لكنه في بعض الأحيان يؤدي أيضًا إلى ثورات. يربط بين هذا الانقسام بعض الشخصيات الكبرى المتجاوزة في الأساطير والأدب، بما في ذلك حواء، وبروميثيوس، وفاوست، وماري شيلي في "فرانكشتاين"، وفلاوبر في "مدام بوفاري"، وتوماس مان في "أشنباخ"، وجوزيف كونراد في "كورتز".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">تعكس شخصيات أخرى، مثل "جيكل/ هايد" لروبرت لويس ستيفنسون، إدراك أن معرفة الشر هي أكثر ارتباطًا بالعبقرية منها بالهمجية، بينما تؤكد شخصيات مثل "ماكبث" لشكسبير، و"راسكولنيكوف" لدستويفسكي، و"نيتشه" كخالق وكفنان بلا أخلاق، على ملاحظة لباسكال (Pascal) بأن هناك نوعًا من الشر الذي غالبًا ما يُعتبر خيرًا لأنه "يتطلب نفس القدر من العظمة الاستثنائية للوصول إلى مثل هذا الشر كما للوصول إلى الخير."(15)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;"> ألم يقل فاوست غوته "أنا هو الشرّ الذي لا يفعل إلا الخير"؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في الواقع، إذا كانت معظم هذه الشخصيات تحمل إحساسًا بالخطر، فضلًا عن الإمكانات التحريرية للمحرّم، فذلك لأن المعرفة المحرمة تكشف غالبًا عن القرب الأساسي بين الشر والخير. ويُرجع فرويد سبب ذلك إلى:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">"الأشياء التي يفضلها الرجال، ومثلهم العليا، تنبع من نفس التصورات والتجارب التي يكرهونها أكثر، وإنها كانت في الأصل متميزة عن بعضها البعض من خلال تعديلات طفيفة... في الحقيقة، من الممكن أن يُقسم الممثل الغريزي الأصلي إلى قسمين، بحيث يخضع أحدهما للكبت، بينما يخضع الآخر، بالضبط بسبب هذه العلاقة الحميمة، للتقديس."(16)</span></p>
<p><span style="color: #ff0000; font-size: 18pt;"><b>المعرفة الخطرة </b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في الأمثال والأساطير، وفي اللاهوت والفلسفة، تخبرنا لغةٌ إنسانية بعد أخرى أن هناك أشياء لا يجب أن نعرفها، وأشياء لا يجب أن نفعلها، وأشياء لا يجب أن نراها، (17) وأماكن لا يجب أن نذهب إليها، وبالطبع رغبات لا يجب أن نحققها. وهكذا، تأتي أهمية نيتشه في تباين التصور الديونيسي للفن مع التصور الإنساني، وذلك من حيث وجود نوعين مختلفين من المعاناة – أولئك الذين يعانون من فائض من الحياة، وأولئك الذين يعانون من افتقار للحياة. الأولون "يرغبون في فن ديونيسي كما يرغبون في نظرة مأساوية وبصيرة في الحياة"، ويواجهون "المخاطر والتساؤلات... كل رفاهية التدمير، والانحلال، والنفي"؛ بينما يحتاج الآخرون إلى "اللطافة، والسلم، والخير في الفكر والفعل... نوع من الحبس الدافئ، الذي يبعد الخوف ويغلق في آفاق متفائلة".(18) عند نيتشه، نرى بوضوح أن الرغبة المتجاوزة، حتى عندما تكون إيروسية بشكل صريح، تهدف ليس فقط إلى المتعة المحرمة، بل إلى المعرفة المحرمة أيضًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">يريد الإنسانيون من الفن أن يؤكد من نحن عليه وما ينبغي أن نكون. أما الجماليات التي أستكشفها، فتواجهنا بما لسنا عليه؛ أو بالأحرى، تواجهنا بالتكلفة النفسية لكوننا ما نحن عليه، أو ربما التكلفة الاجتماعية لأن نصبح ما نود أن نكون، لو كانت الشجاعة لدينا تساوي الرغبة. هذا يعني أننا لا يمكن أن نكون راضين عن التأثير الخيّر للفن، تمامًا كما لا يمكننا أن نكون كذلك بشأن المعرفة بحد ذاتها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">في حوار حطيط سمعان، تتكرر فكرة "عدم تحميل الفن أكثر مما يحتمل"، ففي زمن الحرب، وحتى في الروتين الديستوبي المنهجيّ، كما في لبنان، لا يمكن التعويل على الفن، لأن الفن لا يقدم الحلول بقدر ما يطرح الأسئلة ويُحرّك الفكر والوجدان، يُخلخل في النفوس وفي النظام، يؤمن للبشر فرصةً ناعمةً للنجاة، لكن بإرادتهم إن توفرت، لكن ليس أكثر من ذلك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; font-size: 18pt;">إن ذهبنا بهذا الحوار خطوةً إلى الأمام، فإن أخذ الفن على محمل الجد يعني معرفة أنه يأتي دون الضمانات الإنسانية التي تخنقه. قد نتفق على أن قمع "الحقيقة" ضارٌّ اجتماعيًا وأخلاقيًا، مع تذكّر أنه يحدث في جميع الثقافات، بما في ذلك "الديمقراطيات". كان السؤال "لماذا يكرهوننا بهذا الشكل؟" هو رد فعل بعض الأمريكيين المرتبكين والمتألمين في 11 سبتمبر، دون وعي بالكثير: دون وعي بأن بلادهم كانت فعلًا مكروهة بوحشية من نوع ما حدث في ذلك اليوم؛ ودون وعي بأنهم كانوا عرضة لمثل هذا الهجوم؛ ودون وعي حتى بمن كانوا أعداؤهم في الواقع. في هذه الحالة، نشعر بالحزن للجهل كما نشعر بالخسارة في الأرواح، لأنه إذا كان المزيد من الناس قد كانوا أكثر اطلاعًا، لكان التاريخ، ربما، مختلفًا. لكن لا يتبع ذلك أن الوصول الكامل إلى المعرفة دائمًا ما يكون مفيدًا اجتماعيًا وأخلاقيًا. الاعتقاد بأن ذلك صحيح يجب أن يكون من قلة السذاجات المتبقية في إنسانية عصر التنوير. مع تراجع تلك الإنسانية، تُسمع العديد من الأصوات القديمة التي أزاحتها مرة أخرى، بعيدة لكنها مثيرة. واحدة منها تلاحقني بشكل خاص: في كثير من الحكمة يوجد حزن كثير، ومن يزداد حكمة يزداد حزنًا. لقد زاد الفنانون كليهما.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-size: 18pt;"><b>هوامش<span style="color: #808080;">:</span></b></span></p>
<ol>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">H. Hesse, If the War Goes On: Reflections on War and Politics [1946], trans. R. Manheim (London: Pan Books, 1974), pp. 20.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">Ibid., pp. 11.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">Ibid., p. 141</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="color: #808080; font-size: 12pt;"><a style="color: #808080;" href="https://www.facebook.com/28magazine/videos/1001589557030634?locale=he_IL"><span style="font-weight: 400;">https://www.facebook.com/28magazine/videos/1001589557030634?locale=he_IL</span></a></span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">سمعان خوام هو فنان تشكلي (منزوع الانتماءات) يعرّف نفسه بفنه وإبداعه لا بموروثه. يقول عن نفسه "أنا رجلٌ حرٌّ/ في جسد عصفور/ في قفصٍ أبيض/ في غرفة سجان".</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">نور حطيط، كاتبة ومحررة لبنانية من جنوب لبنان. درست العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية. عملت في عدد من المجلات الورقية والإلكترونية. محررة وكاتبة في الشأن الفكري والثقافي والاجتماعي. حاليًّا مُغتربة في إستانبول.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">Albert Einstein and Sigmund Freud. New York: The Modern Library, 1933.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">Hesse, If the War Goes On, pp. 123–4, 145, 149.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">I’m thinking here of not only T. W. Adorno’s and M. Horkheimer’s seminal Dialectic of Enlightenment, trans. J. Cumming (New York: Seabury Press, 1972) but also Herbert Marcuse’s important collection Negations: Essays in Critical Theory, trans. J. J. Shapiro (Harmondsworth: Penguin, 1968).</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">T. W. Adorno, Prisms, trans. Samuel and Shierry Weber (London: Neville Spearman, 1967), p. 34.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">J. Baudrillard, Symbolic Exchange and Death [1976], trans I. Hamilton Grant, introd. Mike Gain (London: Sage Publications, 1993), p. 125.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">G. Steiner, Language and Silence: Essays on Lang</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="color: #808080; font-size: 12pt;"><span style="font-weight: 400;">See R. Shattuck, </span><i><span style="font-weight: 400;">Forbid</span></i><span style="font-weight: 400;">den Knowledge: From Prometheus to Pornography (New York: St Martin’s Press, 1996); T. Ziolkowski, The Sin of Knowledge: Ancient Themes and Modern Variations (Princeton: Princeton University Press, 2000).</span></span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">J. Milton, Paradise Lost, Book IV, lines 771–5, in Milton: Poetical Works, ed. D. Bush (Oxford: Oxford University Press, 1969).</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">B. Pascal, Pensées, trans. and introd. A. J. Krailsheimer (Harmondsworth: Penguin, 1966), p. 215.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">S. Freud, ‘On repression’ in The Pelican Freud Library, vol. 11, On Metapsychology: The Theory of Psychoanalysis, ed. A. Richards, trans. J. Strachey (Harmondsworth: Penguin, 1984), p. 150 (my emphasis).</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">On ‘ocular prohibition’ in myth see especially Shattuck, Forbidden Knowledge, pp. 18–21.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400; color: #808080; font-size: 12pt;">F. Nietzsche, The Gay Science, ed. B.Williams, trans. J. Nauckhoff (Cambridge: Cambridg University Press, 2001), p. 234.</span></li>
</ol>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34055">الفن في زمن الحرب: نحو جمالية معاصرة للخراب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-05-01 21:28:46 by W3 Total Cache
-->