<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>حنين عودة الله - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/329rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/329rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:42:38 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>حنين عودة الله - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/329rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الفن السياسي الفلسطيني وزمن التعرية الجميلة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20853</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حنين عودة الله]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 27 Apr 2022 06:12:07 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[فدائيين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%b2%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في ملفنا عن فنون الثورة وآدابها:</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20853">الفن السياسي الفلسطيني وزمن التعرية الجميلة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">نشهد في أيّام الإنترنت زوبعات جدل شعبيّ فلسطينيّ وعربيّ إلى حدّ ما، حول العديد من الأعمال الفنّيّة الفلسطينيّة والعربيّة، خاصّة السينمائيّة منها، التي تتقاطع وتتشابك فيها إشكاليّات عديدة، تنطلق بالأساس من مقاربتها السرديّة والجماليّة للصراع الفلسطينيّ في موضوعها. تثير هذه الأعمال جدالات تتنازع فيها الآراء على حرّيّة الفنّ وحدوده السياسيّة، لاسيّما أنّ الموضوع الفلسطينيّ، بطبيعة الحال، مُسيّس بالضرورة. من عمل لآخر ومن جدل إلى آخر، لا يسعنا؛ نقادا وفنّانين ومشاهدين فلسطينيّين إلّا أن نكتفي بنقد يُدين ما يجمع الصوت الشعبيّ الوطنيّ على كونه تمثيلا غير منصف للقضيّة، ويدافع عن حرّيّة الفنّ والفنّان فيما عدا ذلك. ومن الطبيعيّ أن تبرز أصوات تؤكّد على حريّة الفنّ والتعبير، لأنّ بعض القضايا المثيرة للجدل التي تحضرها تلك الأعمال إلى النقاش قد تبدو في ظاهرها غير متعلّقة بطرحها السياسيّ، كجدل العري في فيلم "صالون هدى" مؤخّرا، أو مسألة حرّيّة خيال الفنّان في ابتكار الفانتازيا حتّى لو شكّكت في أطفال "النطف المحرّرة" في فيلم "أميرة". <br />
<img fetchpriority="high" decoding="async" alt="The Red Army/PFLP: Declaration of World War 1971" height="228" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screen-Shot-2022-03-28-at-15-2.png" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">لكنّ الفنّ السياسيّ لا يقف عند حدّ تمثيل القضايا فقط، بل إنه لا يستطيع أن يفصل أدواته التعبيريّة عن موضوعه أو قضيّته السياسيّة، ولو فعل، لما كان إعلان "رفض" هذه الأعمال "المسيئة للقضيّة" ولو جزئيّا، واجبا ملحّا تستشعره التيّارات الاجتماعيّة باختلاف توجّهاتها؛ سواء كانت "منفتحة" أم "محافظة"، "مثقّفة" أم "بسيطة". فبغضّ النظر عن طبيعة الجزئيّةات المرفوضة من العمل، يعبّر "الرفض" عن حاجة لتجسير فجوة معيّنة بين الفنّ المطروح والجمهور العامّ، لذا يمكن تشخيص إشكاليّة تلك الأعمال على أنّها شرخ بين الفنّ السياسيّ والجماهير، وهي إشكاليّة سياسيّة قبل أن تكون فنّيّة. فالفنّ السياسيّ يشكّل ضمنا فنّا للجماهير يعبّر عن طبيعة علاقاتها القوميّة أو الوطنيّة أو الجمعيّة أو الثقافيّة. لذلك دأب الكثير من المفكّرين على دراسة العلاقة بين الفنّ والمنظومات الاجتماعيّة والسياسيّة المختلفة، بل إنّ المفكّر والتر بنيامين يدعو الفنّانين إلى الالتزام بخلق "صور سياسيّة" حتّى ولو جاء على حساب فنّهم، أو "حرّيّتهم الفنّيّة"(1). لكنّ الاكتفاء برفض تلك الأعمال بعينها، بسبب العيوب "الفنّيّة" في كلّ منها، يحوّل هذه الإشكاليّة السياسيّة إلى فنيّة، أي محصورة في القالب الفنّيّ للعمل الواحد، بينما المشكلة الحقيقيّة في جميع تلك الأعمال تكمن في علاقتها السياسيّة مع الجمهور. هذا الالتباس المتكرّر يدعونا للتأمّل في جوهر علاقة الفنّ بالسياسة بشكل عام، واستعادة تاريخ الفنّ السياسيّ الفلسطينيّ بشكل خاص، وارتباطه الأزليّ بالنضال الشعبيّ.</p>
<p>لطالما كان سؤال الفنّ السياسيّ سؤالا عن "منفعته" في النضال والفعل السياسيّ، وإمكانيّة تحوّله إلى اشتباك سياسيّ قائم بحدّ ذاته: متى يصير الفنّ سلاحا أو متى يكون الفنّ "نافعًا" في الحلبة السياسيّة، وبالتالي متى يكون "مضرّا"، بالضرورة. يلعب الفنّ السياسيّ دورا أساسيّا في تشكيل "المنظومة الخياليّة" للجموع، أي أنّه يشكّل مرآة تعكس صورة للناس أو للصراع يتطلّبها النضال الشعبيّ، وتساهم في تحقّقه، وبالتالي تحقّق الثورة بخلق علاقة أيديولوجيّة معها. فالأيديولوجيا أو الفكر السياسيّ لا يطرحان "واقعا" تحكمه علاقاتنا كما هي مفروضة في الواقع، بل يطرحان علاقة متخيّلة مع تلك العلاقات الواقعيّة التي نعيش فيها (2)، وهو ذلك البُعد الذي قد يُستغلّ ويطوّع أيضا لما يسمّى "البروباغاندا" أو الدعاية السياسيّة المتحيّزة لصالح طرف ما، الذي يكون عادة الطرف الطاغي، وهو ما يجعل الفنّ السياسيّ حقلا شائكا. لذلك يجب أن يكون الفنّ السياسيّ واعيا ودقيقا في العلاقة التي ينشئها مع الموضوع الواقعيّ الذي يتناوله، في إنتاجه كما في تلقّيه؛ فلا يكفي أن ننتج فنّا بمواضيع سياسيّة، كما يتبيّن لنا من الجدالات العديدة التي تنشأ حوله، بل يجب "أن ننتج الأفلام (أو الفنون) بشكل سياسيّ" على حدّ تعبير المخرج الفرنسيّ جان لوك غودار.</p>
<p dir="rtl"> لعل فيلم "الجيش الأحمر/الجبهة الشعبيّة: إعلان الحرب العالميّة" The Red Army/PFLP: Declaration of World War(1971) مثال واضح على إنتاج الأفلام بشكل سياسيّ. فيه يوثّق المخرج اليابانيّ مساو أداتشي وزميله كوجي واكاماتسو يوميّات الفدائيّين الفلسطينيّين في مخيّمات الأردن ولبنان في أوج "الثورة الفلسطينيّة"، وفيه يستعرضان الكفاح الفلسطينيّ المسلّح ثورة تمثّل "الثورة العالميّة على الإمبرياليّة" بشكل عام. بعد لقطة لفتاة من المخيّم تقلي فيها البطاطا، يعرض الفيلم مقابلة مع الفدائيّة ليلى خالد تصرّح فيها بأنّ: </p>
<p dir="rtl">واجبي كفدائيّة هو إنجاز كلّ ما يتطلّبه الكفاح المسلّح، كاختطاف الطائرات أحيانا وإجراء المقابلات أحيانا، وكلّ ما بينهما… لذا أتعلّم العديد من جوانب الحرب العمليّة. لا يمكنني الإشارة إلى جانب واحد منها والقول هذا ما أفعل، لكنّني أؤمن الآن بأنّني أشارك في كفاح للترويج لقوّتنا</p>
<p dir="rtl">يختزل تصريح ليلى خالد محاولات الفيلم لموضعة أولويّة النضال الفلسطينيّ، والذي يأتي فيه الكفاح المسلّح قالبا لكلّ شكل من أشكال "الحياة" بالضرورة، فلا يخجل الفيلم من التحوّل لأداة لحشد الناس؛ صغارا وكبارا للمشاركة في حركة ثوريّة أمميّة لمجابهة الإمبرياليّة والصهيونيّة والاحتلال الإسرائيليّ. يأطّر الفيلم هذا التحوّل تحت مقولة أو شعار "الكفاح المسلّح هو بروباغاندا الشعب"، أي ترويج سياسيّ للشعب ولمطلبه، وسعيه لحياة كريمة لا يهدّدها الاحتلال ومشتقّاته. <br />
<img decoding="async" alt="The Red Army/PFLP: Declaration of World War 1971" height="227" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screen-Shot-2022-03-28-at-151-2.png" style="float:left" width="300"></p>
<p>تنطوي البروباغندا عادة على علاقة غير متكافئة بين الطرف المروّج والجموع المخاطبة، إذ أنّها تشكّل نداء حشد سياسيّ يوظّف فيه الطرف المروّج هيمنته على وسائل وأدوات إنتاج الوعي السياسيّ لصالح منفعته السياسيّة العمليّة، أي يشكّل الإنتاج الثقافيّ والفنّيّ السياسيّ في جوهره أداة للتلاعب بوعي الجماهير وتوجيههم دون أن يعوا ذلك. يكسر فيلم أداتشي وواكاماتسو هذه العلاقة بإعادة موضعة "الشعب" أو الجماهير في عمليّة الإنتاج الثقافيّ، أي أنّ الفيلم لا يطرح "الشعب" موضوعا سياسيّا فحسب، بل يجعل من عمليّة إنتاج الفيلم موقفا سياسيّا من الشعب، من خلال إتاحة جسم الفيلم ليكون منصّة يستطيع صوت الفدائيّ الشعبيّ من خلالها التأثير في الوعي العام. ينعكس هذا في طرح الفيلم بوضوح وجهوريّة لحياة الفدائيّين في المخيّمات ويوميّاتهم، التي تتنقّل بشكل عضويّ بين الاشتباك المسلّح، ونشاطات الحياة خلف "خط المواجهة" في مخيّم اللاجئين من طهي وغسيل وقراءة وغناء وتدريبات قتاليّة؛ يتجمهر حولها الأطفال وينطلق منها المراهقون إلى المواجهات. الفدائيّون هم نفسهم الفلسطينيّون الذين هجّروا من بيوتهم؛ وهم أيضا صنّاع هذا العمل كما يتجسّد في الفيلم الذي لا يقتصر على تقديم موقف "الفنّان" فحسب، فأداتشي نفسه يصرّح في فيلم لإيريك بودلير(3) أنّ صناعة الفيلم النضاليّ بالنسبة له لا تختلف في طريقة إعدادها عن العمليّة الفدائيّة التي يرويها وينتجها "خياليّا" في العمل. </p>
<blockquote>
<p dir="rtl">“Shooting a gun or shooting with a camera, it doesn’t make a difference to me”</p>
<p dir="rtl">"أَضرب بالسلاح أو أَضرب بالكاميرا، لا فرق بالنسبة لي"</p>
<p dir="rtl">مساو أداتشي</p>
</blockquote>
<p dir="rtl">يتعدّى دور أداتشي، الذي مكث مطولّا بين الفدائيّين ورافقهم، كونه مخرجا ليصبح مناضلا ومتحدّثا رسميّا باسم الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين لاحقا، ويمكن ملاحظة هذا "التحوّل" في تحوّل الفيلم، وهو الغاية الأصليّة لوجوده بينهم هناك، من عمل "سينمائيّ" حصرا إلى منصّة إعلاميّة للحركة الفدائيّة. في مقاله "نحو سينما نضاليّة" يكتب ستوفل ديبويسر Stoffel Debuysere عن واجب السينما السياسيّة وتساؤلاتها حول "ترجمة الصراع دون إعادة إدراج re-inscribe علاقات الهيمنة السياسيّة التي أنتجته"، فيقول "لا ينبغي تحويل النضالات السياسيّة إلى مجرّد عمل: بل يجب تحويل الفيلم نفسه إلى موضوع للنضال والنقد"، كما في فيلم أداتشي وواكامتسو مثلا، الذي أصبح محلّا للتفاوض السياسيّ شكلا ومضمونا.<br />
<img decoding="async" alt="" height="194" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/ayyamsyria-1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">كان عمل أداتشي وواكامتسو واعيا لطبيعة العلاقة الخياليّة المطلوب منه إنشاؤها مع الواقع السياسيّ، فقد أدركا أنّ النضال الفنيّ هو نوع من "التعريّة" السياسيّة؛ تعرية تكشف الواقع بعلاقات مخالفة لما تطرحه الهيمنة القائمة (أو الطرف الطاغي) على أنّه حقائق سياسيّة، والتي يؤدّي انكشافها إلى توجيه الفعل السياسيّ الواقعيّ بموجبها، مثل علاقة المشاهد بالفدائيّ والكفاح المسلّح وبالتالي مواقفه السياسيّة المبنيّة عليها؛ يدعمه أو يتصدّى له مثلا. يبدأ الفيلم بتعرية نفسه من أيّ بروباغندا أو هدف سياسيّ من تسويقه الكفاح المسلّح، خارج سياق الهدف الشعبيّ الثوريّ من هذا الكفاح. فالفدائيّ في الفيلم هو الشعب، هو ابن المخيّم وليد الصراع الذي سلبه وطنه، والذي ينطلق من شحن البندقيّة في مطبخ المخيّم إلى خطّ المواجهات، ولا تتعدّى أهدافه حرّيّته المسلوبة. والفدائيّ ليس "فردا" واحدا، بل كتلة ثوريّة كادحة "من الناس وإلى الناس" (ليلى خالد)، فلا ينفصل نضال الفلسطينيّ الفدائيّ عن نضال البروليتاريا العالميّة، بل يشكّل تماهي النضال الفلسطينيّ مع نضال طبقيّ، شرطا أساسيّا لوجوده على حدّ تعبير المناضلة ليلى خالد. </p>
<p dir="rtl">على هذا النهج يتحوّل شكل العمل السرديّ و"الجماليّ" (السينما) إلى شكل وظيفيّ (الإعلام)، فتنعكس عملية التعرية السياسيّة هذه في المفعول والأثر السياسيّ الذي يحدثه العمل الفنيّ. يعرّي الفيلم الإعلام السائد من نفوذه السياسيّ بإيجاد صوت إخباريّ بديل لصالح العمل النضاليّ الفلسطينيّ والشعبيّ العالميّ في قلب العمل الفنّي، فالفيلم أنتج باليابانيّة وعرض للشعب اليابانيّ آنذاك دعوة للانضمام للحركة الأمميّة لمقاومة الإمبرياليّة بجميع أشكالها وأجناسها.</p>
<p dir="rtl">طغت هذه النزعة لتحرير الأدوات الفنيّة بتعريتها من أيّ وظيفة سياسيّة تحيد عن طريق الكفاح المسلّح، على الفنّ النضاليّ الفلسطينيّ ما بين ستينيّات القرن الماضي وبداية الثمانينيّات، فكانت الإنتاجات الثقافيّة المختلفة من الملصق الفلسطينيّ إلى السينما والأغنيّة الثوريّة تلبس زيّ الفدائيّ الكادح قلبا وقالبا، والذي أجمع عليه الشعب الفلسطينيّ طريقا واضحا وحيدا لفلسطين، وصورة شاملة للنضال الفلسطينيّ. </p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="225" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/كاريكاتير-ناجي-العلي-البيت-الفلسطيني-1646049638847_large-1.jpeg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">
مع توسّع نفوذ "تيّار التسوية" في صفوف منظّمة التحرير، التي كانت مرّة وليدة نهج الكفاح المسلّح، توسّع الانشقاق في الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ العام، حين سعت الهيمنة السياسيّة "السلميّة" لتعرية النضال الفلسطينيّ من الكفاح المسلّح، بينما أصرّت القاعدة الشعبيّة على التمسك به، والتي كانت تعاني من ويلات اللجوء والاحتلال بعيدا عن صالونات القيادة السلميّة الفخمة. انعكس هذا الانشقاق في الإنتاج الثقافي الفلسطينيّ على شكل رقابة وتهديد للمحتوى الذي ينادي بالكفاح المسلّح وتفضيل للفنّانين الأكثر انسجاما مع تيّار التسويّة، كما في حالة  تبنّي المنظمة لشعراء مثل محمود درويش، الذي عيّن في اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير ولقّبه ياسر عرفات بـ "الشاعر العام" تيمنّا بلقبه هو "القائد العام"، ومن الجهة الأخرى واجه فنّانون مثل ناجي العلي التهديد والملاحقة والنفي بسبب تكريس ممارسته الفنّيّة لانتقاد فساد القيادات الفلسطينيّة والعربيّة الذي جاء على حساب ثورة الشعب الفلسطينيّ. </p>
<blockquote>
<p dir="rtl">"اللي اسمه ناجي، لو بضل يرسم، رح أحط أصابيعه بالأسيد" </p>
<p dir="rtl">ياسر عرفات</p>
</blockquote>
<p dir="rtl">تحوّل همّ النضال الفنّيّ إلى تعرية النضال السياسيّ من بذلة السلام التي اشترتها الإمبرياليّة، فليس غريبا أنّ تلد هذه الأزمة رمزا مثل "حنظلة"، ابن المخيّم مرقّع الثياب البالية وحافي القدمين، الذي خلقه الفنّان الفلسطينيّ ناجي العلي لأول مرة في 1969 في مناخ سياسيّ يعرّي الفلسطينيّ من زيّ الفدائيّ. عندما رسم ناجي "الفلسطينيّ"، رسمه حافي القدمين الكبيرتين بصورة ملحوظة، وهي صورة لا تمثّل حالة الفلسطينيّ اللاجئ فحسب، بل إنّ كشف ناجي لقدميه الكبيرتين هو أيضا تعرية سياسيّة؛ لقوّة الشعب التي يستطيع بها معس القيادات العميلة، وهي التي جعلها في أعماله "ثريّة" تمتلك الأحذية التي لا يُشترى بها الشعب، وبالتالي لا تستطيع حصر قوته المتمثّلة في الأقدام الحافية الكبيرة التي ميّز بها ناجي الشخصيّات الفلسطينيّة "الجيّدة" في رسوماته. تمسّك ناجي العلي بنهج التعرية السياسيّة لذلك الواقع الذي تفرضه الحلول السلميّة، واستعمل فنّ الكاريكاتير، الذي جاءه كمتطلّب شكليّ سياسيّ يعرّي الحقيقة، فهو فنّ يعتمد في جوهره على كشف الحقائق من خلال تضخيم ملامحها والمبالغة فيها. فالكاريكاتير يعرّي أيّ موضوع من هيمنة التفاصيل الهامشيّة التي تحجب حقيقته.</p>
<blockquote>
<p dir="rtl">"أنا برسم عن أي إشي، حتى لو بعرف إنه حياتي مقابله، لأن العيوب على مد عينك والنظر، ورسّام الكاريكاتير برسم العيوب"</p>
<p dir="rtl">ناجي العلي </p>
</blockquote>
<p dir="rtl">يعرّي ناجي القيادات "العميلة" من نفوذها السياسيّ على الشعب بتنميطها في شخصيّة "شرّيرة"، كبيرة بسمنتها. حجم الشخصيّة الشرّيرة الكبير هو سمنة مفرطة فحسب، أي شحم زائد لا فائدة منه، في إشارة إلى قيادتها السياسيّة الفارغة. الشحم الزائد هو أيضا مؤشّر على استبدادها أي ثرائها الفاحش الذي يأتي على حساب ثورة الشعب، ففي المقابل كثيرا ما تعبّر شخصيّة "الفلسطينيّ" في رسومات ناجي العلي عن جوعها الشديد وفقرها. ورغم أنّ الشخصيّة الشريرة تمتلك الأحذية، فهي لا تمتلك "أقداما" بل مؤخّرات كبيرة مكانها، تمثيلا لافتقارها للقاعدة الشعبيّة التي تدعمها وتحفظها بين الفلسطينيّين ذوي الأقدام الكبيرة، وتأكيدا على تشعّب طريق الفلسطينيّ نحو "تلحيسها" بوجهه أو "ركلها" بقدميه الكبيرتين. </p>
<p dir="rtl">التعرية التي ينفذّها ناجي لا تقتصر على المضمون السياسيّ بل يجرِّد بها فنّه أيضا من الرقابة السياسيّة التي فرضت عليه، بابتكار لغة رمزيّة بينه وبين القارئ، تتيح له خلق علاقات سياسيّة جديدة، مثل علاقة "ركل المؤخّرة" والتي تحيل إلى الثورة الشعبيّة دون الوقوع في فخّ الرقابة. فاستمرار ناجي بالكاريكاتير، رغم نواياه الأوليّة في ممارسة الفنّ التشكيليّ، كان بسبب ملاءمته الشكليّة لمتطلّبات النضال الفنّي آنذاك، أي قدرة الكاريكاتير على تمويه التعرية السياسيّة التي يقوم بها ناجي من خلال قالب المبالغة الكاريكاتوريّة أولا، وسهولة وقوع العمل الفنّيّ بين يدي القارئ ثانيا في قالب الجريدة اليوميّة، بدل أن يكون فنّا تحتكره الصالونات والصالات الفخمة. </p>
<blockquote>
<p dir="rtl">"بدّيش أكون فنّان صالونات"</p>
<p dir="rtl">ناجي العلي</p>
</blockquote>
<p dir="rtl">بخلق هذه الديناميكيّة بين الرمزيّات والشخصيّات الفنيّة وبين الناس، يخلق ناجي ديناميكيّة سياسيّة بين الشعب وبين العمالة، فيحرّض عليها، وبينه وبين الشعب أيضا، فيدعو للوحدة، فحنظلة "يعرّي" ظهره للقارئ الذي يقف معه وفي صفّه شاهدا على المؤامرات السياسيّة عليهما وعلى النضال الفلسطينيّ، وتقف البندقيّة (الثورة) أداة بجانبهم حتّى وإن عرّتهما العمالة من زيّ الفدائيّ.  <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="210" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/11886178_508015796016201_3963405907689374193_o1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl"> هذا ما جعل فنّ ناجي ممارسة سياسيّة فعّالة وتحدّيا حقيقيّا  للنظم السياسيّة المهيمنة. في آخر أعماله والتي، كما يبدو، أدّت إلى اغتياله، يفضح ناجي العليّ علاقة ياسر عرفات، رئيس المنظّمة آنذاك، بالمصريّة رشيدة مهران، والنفوذ السياسيّ الذي اكتسبته منها، فيشير إليها بالاسم ويصفها بأنها من يحلّ ويربط في شؤون التعيينات والمناصب. حيث كانت أوّل مصريّة تعمل في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وأوّل مصريّة تحصل على عضويّة اتحاد الكتّاب والصحفيّين الفلسطينيّين، وراكمت ثروة كبيرة من أموال الثورة الفلسطينيّة. وانتشرت فضائح علاقتها بعرفات بشكل غير مدوّن، فشيع مثلا أنها كانت ترافقه إلى الإفطار والطائرة الرئاسيّة، بل يشهد حرسه الشخصيّ أنّها فتّشت حقيبة ملابسه الخاصّة التي كان يسافر بها بكلّ ما فيها من أسرار.  </p>
<p dir="rtl">أثار ناجي جدلا شعبيّا وسياسيّا كبيرا بهذا العمل، لكن بالرغم من نشره لـ"الغسيل الفلسطينيّ الوسخ" في هذا الكاريكاتير، لم تكن التفاصيل العاطفيّة والجنسيّة المتعلّقة بالفلسطينيّ الفاسد موضوع هذا الجدل، بل كان يتمحور حول الفعل السياسيّ الذي أدّى إليه العمل وهو اغتيال الفنّان السياسيّ/الفلسطينيّ. وذلك أنّ ناجي العلي، لم يفصل نفسه ولا موقعه بصفته فنّانا "حرّا" عن الفلسطينيّ الذي كان يرسمه، والذي يتفوّه مصارحة بـ "فضيحة جنسيّة" في تاريخ الثورة كما يتفوّه بغيرها من المواضيع غير "الإشكاليّة" من ناحية قيم المجتمع الفلسطينيّ "المحافظة" والتي قد تترفّع عن "محافظتها" إذا وقف أمامها العميل عاريا لا يغطّيه سوى شحم فساده. بل إنّ "التزام" ناجي الفنّان بإنتاج الثورة السياسيّة في فنّه، من خلال ترجمة الصراع بشكل يسترجع الهيمنة السياسيّة للشعب في الخيال تحريضا على استرجاعها في الواقع، يؤكّد أنّ للفنّ السياسيّ الحرّيّة المطلقة في استعمال أدواته لتحرير الفلسطينيّ من كافّة أنواع القيود، وأوّلها العمالة التي تقف بينه وبين البندقيّة والحرّيّة. <img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="180" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/nagi-151.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">ربّما تكمن إشكاليّاتنا الحقيقيّة مع أعمال فنيّة سياسيّة حاليّة في تعريتها لما يعيد إدراج علاقات الهيمنة على الفلسطينيّ حتّى في الخيال الطموح، فبدل أن يدفعنا باتجاه الثورة على الواقع، يحتّم علينا البقاء حتّى في خيالنا، تحت سقف الطموحات السياسيّة الذي يفرضه الاحتلال."صالون هدى" على سبيل المثال، يعرّي "الضحيّة الفلسطينيّة" من تآمرات القيادات العليا التي أسقطتها، بداية كفدائيّة ومن ثمّ كوحدة شعبيّة، إلى أفراد يتقاطع العنف والظلم الواقع عليهم ويتلاعب بهم للإطاحة بأيّ بوادر مقاومة سياسيّة. هكذا عندما تسأل الضحيّة في الفيلم "مين إنتوا"، تجيب هدى بـ "مخابرات" وتؤكّد الضحيّة "احتلال؟"، ولا يتجرّأ الفيلم على تعرية هذا الاحتلال لكشف "الأجسام" الواقعيّة التي تمارسه من قيادات و"مقامات" عليا وغيرها، بل إنّ "صالون هدى" يسترها، مثلما ستر الاحتلال الاسرائيليّ بجدار الفصل العنصريّ.  </p>
<blockquote>
<p dir="rtl">"في عام ٢٠٠٢ بدأت سلطات الاحتلال ببناء جدار الفصل العنصريّ حول المدينة. وأصبح جنود الاحتلال محجوبين خلفه. وكان سكّان المدينة أكثر عرضة للخطر، خصوصا النساء منهم" </p>
<p dir="rtl">صالون هدى</p>
</blockquote>
<p dir="rtl">يدفعنا الفيلم، بطرحه للعمالة بهذا الشكل المنقوص وغير الدقيق، "لتخيّل" قهرنا كشعب مرّة بعد مرّة، إلى أن نطبّع مع وجود العمالة حولنا في كلّ مساحاتنا الاجتماعيّة في حياتنا اليوميّة البائسة، والآن، مع انتشار الفيلم والالتباس حول إشكاليّته، في يوتوب وعلى شبكات التواصل ضخمة الجمهور… فموضة "الصالونات" انتهت كما قالت هدى بذاتها. الفيلم يدفعنا لتخيّل واقع تتفشّى فيه عقدة الفرد العاري من أيّ مواساة جماعيّة، أي يعرّي الفلسطينيّ من أيّ كيان اجتماعي شعبيّ، ويتركه لينطح رأسه، ويديه كما تفعل الضحيّة في الفيلم، بحائط الاحتلال الذي أصبح "جنّا" يوسوس في عقولنا مباشرة ولم يعد بحاجة لوساطة القيادات العميلة ليخترق جسد الشعب المكدّس  خلف هذا الجدار. بكلمات أخرى، لو كان "صالون هدى" فيلما واقعيّا، لكان "الاحتلال" رجلا أو "قائدا" ولكان على المؤلّف أن يقتله.</p>
<p dir="rtl">فلا عجب أنّ الفيلم يقتل "هدى"، أي منال عوض صاحبة الأداء الأصدق أو الأكثر "واقعيّة" في الفيلم، والتي لطالما مثّلت ما يسمّى بفلسطينيّي "الضفّة الغربيّة". تتكلّم هدى/منال بلهجتها وتتصرّف بطبيعيّة وتلقائيّة عاملة فلسطينيّة "ضفّاويّة عايفة حالها"، تقف وحدها "عارية" بهويّتها السياسيّة والطبقيّة أمام كاميرا وسيناريو وشخصيّات عليها أن تتصنّع أو تلبس قيودا جيو-سياسيّة وطبقيّة لا تنطبق عليها، بصفتهم من فلسطينيّي "الداخل". نرى هذا التصنّع في لهجات الشخصيّات الأخرى التي تفضحهم هنا وهناك، وتصل ذروته في  شخصيّة قائد المقاومة، التي بدت في تعاملها القذر مع ضحايا هدى، أقرب بكثير إلى ضابط مخابرات إسرائيليّ من مقاوم فلسطينيّ، فأوضح ما نشهده عن قرب من قائد المقاومة هو وحشيّته غير المتحفّظة مع الضحايا مصحوبة بشهوانيّة فظّة في التحقيق، فيعلّق على صور الإسقاط قائلا "شو؟ نقّيتيهن حلوات وصغار". وربّما يعود ذلك لتغييب صورة المقاومة عن الأعمال الفنيّة الفلسطينيّة منذ تغلغلت الانتهازيّة والعمالة في القيادة الرسميّة، فمعرفتنا عن مشاهد التحقيق مع العملاء والمقاومة الفلسطينيّة تأتي بغالبيّتها من بروباغندا اسرائيليّة مثل مسلسل"فوضى". لذلك ترى القائد يستعمل مصطلحات مثل"العمالة في مجتمعنا" بدل "عند شعبنا" مثلا وهي لغة فلسطينيّي "الضفة الغربيّة"، فالأنكى من ذلك، أنّ "المجتمع العربيّ في إسرائيل" هي تسمية ابتكرها فلسطينيّو "الداخل" لتبديل المصطلح الاستعماري "الوسط العربيّ". وربّما لأنّ الفيلم يعرّي المقاومة من تاريخها ويختزلها في التراوما والتكفير عن خيانات فرديّة مبعثرة، فجميع الفلسطينيّين نتاج تراوما، هم ليسوا شعبا في أفلام أبو أسعد. <img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="194" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/nagi-13-1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">ولا يمكن قراءة تخاذل "جسمه الفنيّ" عن تعرية القيادة الفلسطينيّة المهيمنة ودورها في تمكين آفة "العمالة" لدى عامّة الشعب المقهور، بمعزل عن امتيازاته الجيو-سياسيّة والطبقيّة، والتي ابتكرها الاحتلال لإسقاط "الشعب" الفلسطينيّ عندما قسّمه سياسيّا. فعندما يتعرّى "الفيلم الفلسطينيّ" من الإخلاص السياسيّ للشعب والتماهي معه، لا يتبقّى لنا ما نشاهده سوى مشهد العرّي، وهو الحرّيّة "الخياليّة" الوحيدة التي يمنحها لنا "صالون هدى" مثلا. حريّة استعمال الجسد؛ التي تتمتّع بها  نخبة محدودة من الفلسطينيّين، ولا تخطر حتّى في أحلام الشعب الغارق في التقييدات الاجتماعيّة من "المحافطة" وغيرها، والتقييدات السياسيّة بشكل لا يتجزّأ، بسبب الوضع السياسيّ القائم الذي لا يمنحنا الفيلم أمل التحرّر منه. </p>
<blockquote>
<p dir="rtl">"السلاح بيد الجاهل بعوِر"</p>
<p dir="rtl">مثل شعبيّ </p>
</blockquote>
<p dir="rtl">الحرّيّة الفنّيّة التي لا تراعي حدودها السياسيّة، قد تضرب منجزات النضالات الشعبيّة وتسلب الشعب المقاوم حريّات خلقها بنضاله، ودمه أحيانا، في "أميرة" مثلا، يعرض الفيلم "سيناريو" متخيّل يسلب فيه الاحتلال الشعب حريّته في إنشاء أسرة والبقاء، التي صنعها إبداع الأسرى السياسيّ بإتقان لا يترك للشكّ مكانا. فيقوّضها الفيلم، دون أدنى حساسيّة سياسيّة، حين يعرّي  أطفال الأسرى من حتميّة مولدهم البطوليّ والذي شكّل بنفسه، دون فضل "خيال" الفنّ والثقافة، علاقة خياليّة مع الحرّيّة تحوّلت إلى ثورة على الواقع المقيّد بقدومهم غير المحدود به. </p>
<p dir="rtl">بهذا المنطق، وسط جدل وأعمال تعقّد الواقع أمامنا أكثر مما تفكّكه وتحرّرنا منه، يمكننا أن نخلص إلى قاعدة واحدة فيما يتعلّق بحدود "الحريّة" في الفنّ، وهي أنّ الحدّ الوحيد للفنّ الفلسطينيّ هو إخلاصه لا في موضوعه بل في أثره السياسيّ على الشعب الفلسطينيّ. ولعلّ المثال الفلسطينيّ الأوضح على الفنّ السياسيّ المخلص والجريء هو فنّ ناجي العلي، فحنظلة أصبح رمزا للمقاومة الثقافيّة أينما وجد؛ في جريدة سياسيّة أيّام الثورة أو لوحة على جدار المخيّم، أم يتدلّى من عنق صبيّة جامعيّة، أو قرط في أذن شاب يتمشّى في شوارع رام الله. فحنظلة رمز يقرّبنا من حامله ويؤكّد لنا أنّ القضيّة السياسيّة التي تجمعنا، أهمّ وأكبر تفاصيلنا، وينقذنا من هيمنة تفاصيل هامشيّة، كخلاف الانفتاح والمحافظة… لعلّ هذا ما يرشّح فنّ ناجي العلي لأن يكون بوصلة الفن السياسيّ الفلسطينيّ في زمن اختلطت علينا تفاصيله المتضاربة، تلزمنا لضبط  أعمالنا، على أمل أن تكمل ما بدأت به فنون المقاومة الفلسطينيّة منذ وقت ليس ببعيد، ألا وهو توجيهنا نحو الثورة السياسيّة. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>مراجع:</strong></span> </p>
<h5 dir="ltr">(1) McLaverty-Robinson, Andy, Walter Benjamin: Culture and Revolution, An A to Z of Theory, CEASEFIRE, 18 October 2013, Accessed: 28 March 2022, https://ceasefiremagazine.co.uk/benjamin-5/</h5>
<h5 dir="ltr">(2) Debuysere, Stoffel, Notes on Militant Cinema (1967-1977), Figures of Dissent, Diagonalthoughts, 22 March 2014, Accessed: 28 March 2022, https://www.diagonalthoughts.com/?p=2075</h5>
<h5 dir="ltr">(3) The Anabasis of May and Fusako Shigenobu, Masao Adachi and 27 Years without Images, Dir. Eric Baudelaire, 2011. </h5>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20853">الفن السياسي الفلسطيني وزمن التعرية الجميلة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المكان مقاومة جماليّة عند كمال بُلّاطه</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20787</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حنين عودة الله]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 18 Feb 2022 10:42:01 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون]]></category>
		<category><![CDATA[كمال بلاطة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%85%d8%a9-%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%83%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a8%d9%8f%d9%84%d9%91%d8%a7%d8%b7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"لا يبقى بعد الحرب سوى حبّ الإنسان للجمال."(1) أخرج لنا الفنّان التجريديّ والمؤرّخ الفنيّ الفلسطينيّ كمال بلّاطة هذا التعبير صريحاً على شواطئ أوروبا، بعد ثلاثين عاماً على نفيه من وطنه ومدينته القدس، لكنّ جمالها الذي تعلّق به بلّاطة سكن شاغله الفنيّ والتعبيريّ منذ اللحظة الأولى؛ التي سلبته فيها المسافات تلك التفاصيل.    ينسب الناظر لوحات [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20787">المكان مقاومة جماليّة عند كمال بُلّاطه</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<div dir="rtl">"لا يبقى بعد الحرب سوى حبّ الإنسان للجمال."(1) أخرج لنا الفنّان التجريديّ والمؤرّخ الفنيّ الفلسطينيّ كمال بلّاطة هذا التعبير صريحاً على شواطئ أوروبا، بعد ثلاثين عاماً على نفيه من وطنه ومدينته القدس، لكنّ جمالها الذي تعلّق به بلّاطة سكن شاغله الفنيّ والتعبيريّ منذ اللحظة الأولى؛ التي سلبته فيها المسافات تلك التفاصيل. <br />
 </div>
<p dir="rtl">ينسب الناظر لوحات بلّاطة التجريديّة إلى تقليد فنّيّ حداثيّ عفى عليه الزمن، والذي كان يحتفى به في مطلعه "لنقائه البصريّ" و"استقلاله" عن اللغة التي اجتاحت اللوحات التمثيليّة، وقد يبدو هذا بعيداً عن فنّ فلسطينيّ لا يملك رفاهيّة مثل هذا الاستقلال. لكن، وكما يوضّح المنظّر دبليو ميتشل في مقاله "الفنّ التجريديّ وكبت اللغة"(2) النوعان من اللوحات يتعلّقان باللّغة، كلّ بطريقته: في اللوحات التمثيليّة على شكل سرديّة تفرضها التفاصيل أو المحاكاة في اللوحة، وفي التجريديّة على شكل "نظريّة" ما من وراء المرئيّ في اللوحة. لازمت "النظريّة" الفنّ التجريديّ تاريخيّاً وجعلت له مكاناً في عالم ما بعد الحداثة، فالكلمة أو اللغة بالنسبة لميتشل هي جزء لا يتجزّأ من الطرح العام للعمل الفنّيّ البصريّ. كذلك كان بلّاطة يؤمن بمركزيّة اللغة في ظاهرة التجربة البصريّة والإدراك الجماليّ(3). بل إنّه انتقد الفنّ التجريديّ الأوروبيّ-الأمريكيّ لابتعاده عن التفصيل دون توجّه نظريّ أعمق من خلف ذلك، فجماليّات التجريد عند بلّاطة، ليست فقط تجنبا للتفاصيل بل تعبّر أيضاً عمّا يراه حقائق عالميّة بلغّة ذات خصوصيّة ثقافيّة(4). لا شكّ أنّ رؤية بلّاطة للعالم و"نظريّته"، ارتكزتا على موقعه كفنّان في المنفى ومنظوره منه، والذي يتّجه نحو الوطن أو "مكانه في الماضي" كما يتّضح بشكل خاص في كتاباته عن ممارسته الفنيّة. وجد بلّاطة في الصورة أو "البصريّ" ما يعتبره المنظّر والتر بنيامين قدرة تفوق اللغة والاصطلاح على تصوير التاريخ(5)، فالماضي بالنسبة لبنيامين هو صورة تتجلّى للناظر في الحاضر في لحظة خطر يحيط بهما معا(6)، وكانت خسارة "المكان" لصالح الاحتلال هي ذلك الخطر الذي دفع به إلى تعبير بلّاطة. </p>
<p dir="rtl">ولد كمال بلّاطة في القدس عام 1942، ونفي منها باعتباره "دخيل"، أي المقصى من استمراريّة المكان التاريخيّة، عقب نكسة عام 1967 إلى مكان عاش فيه بصفته "الآخر" المقصى من الذاكرة الجمعيّة، فقضى حياته فنّانا انقطعت صيرورته في المكان. وجد نفسه بعدها معلّقا أبديّا فيما يسمّيه "منطقة محرّمة"؛ بعيداً عن مكانه الأصليّ (القدس) وعلى هامش مكان إقامته الحاليّ (المنفى)(7). يستوحي بلّاطة هذا الاسم من المصطلح العسكريّ الذي يطلق على المناطق التي كانت تشكّل جزءاً من مدينتهمكانه قبل أن يقتطعها الاحتلال لترسيم وتفخيخ الحدود استعداداً لتقسيم المدينة ونفيه من المكان، فيرى في هذه الواقعة نذيراً لحالة النفي التي سيعيشها طوال حياته لاحقاً(8). تلك المناطق التي امتلأت بالنفايات والألغام وأصبحت بعدها فراغا يُنفى فيه الفرد والمكان سواء، ولم يتبقّ منها سوى ما يحمله بلّاطة في ذاكرته من تفاصيل عن ساحة بيت عمّه أو لعبة كرة مع أولاد الحارة(9). فأصبح المكان عند بلّاطة يقتصر على ما تبقّى منه في داخله.  </p>
<p dir="rtl">في تلك المنطقة المحرّمة التي تفصله عن مكانين، وجد بلّاطة نفسه في حالة صراع لاختراق حدودها واستعادة المكان، أي استعادة الهويّة والتاريخ والذاكرة الثقافيّة الجمعيّة، التي تجعل أيّ فراغ مكاناً(10). هذه هي الحالة العامّة التي وجد فيها كلّ فنّان فلسطينيّ نفسه بعد ما يمكن اعتباره أقسى حوادث التاريخ؛ خسارة أرض فلسطين. فيرى بلّاطة أنّ كلّ تعبير فنيّ فلسطينيّ بعد تلك الحادثة كان محكوماً بالمسافة التي تفصل الفنّان عن المكان، أي محاولة لترسيخ تلك الاستمراريّة التاريخيّة لهويّته. لقد حرص الفنّانون الذين "نجوا" من النفي وبقوا في فلسطين المحتلّة، قريباً من أرضها، على تصوير علاقة حميميّة مع أرضهم وأرض أجدادهم في محاولة لمقاومة اقتلاعهم منها(11). بينما يمكث هؤلاء الفنّانون جغرافيّاً في "منطقة محرّمة" تفصلهم بالأسلاك الشائكة والألغام والإقصاء المُقَونَن عن استمراريّة المكان، يحاولون "تهويل علاقتهم بالمشهد الطبيعيّ"(12). فجاء تعبيرهم تصويريّاً، وذلك أنّ بلّاطة "يرى" أنّ قربهم من الأرض يتيح لهم تفاصيلها. فيكتب بلّاطة عن أعمال الفنّانة صوفي حلبي مثلا، والتي ركّزت على إظهار المشهد الطبيعيّ للقدس من إطلالاتها المفضّلة، من "مسافات مُحيِّرة في قلب الخلاء"(13)، من طرق ومشاهد تحفظها فقط ابنة القدس والمكان، والتي نقلت من خلالها "فرحة إبصار القدس من بعيد" عقب العودة إليها(14). كما ورسمت صوفي "السوسن البرّيّ والخشخاش وبخّور مريم التي جمعتها من تلال القدس، أو الورود والزنبق والأضاليا التي التقطتها من حديقتها"(15)، كما لو كانت قادرة على استحضار حتّى رائحة القدس في لوحاتها(16). أمّا الفنّانون المنفيّون من المكان، مثل بلّاطة نفسه، الذين لم تعد تفاصيله متاحة لهم سوى من الذاكرة، فقد سعوا "لاختراق المسافة التي تفصلهم عن مكان ولادتهم"(17) بإعادة إنشائه في حيّز اللوحة والتعبير. فجاء تعبيرهم تجريديّاً بسبب بعدهم عن تلك التفاصيل، واعتمادهم فقط على الذاكرة الداخليّة المحكومة بالإدراك، الذي يأتي كعمليّة تجريديّة بالضرورة. </p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" alt="صوفي حلبي، الطريق إلى القدس" height="241" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screenshot-2022-02-18-at-12-2.png" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">"تبدأ صناعة الصورة باستجواب المظاهر ووضع العلامات… إذا ما اعتبرنا المظاهر حدودا، يمكننا القول بأنّ الرسّامين يبحثون عن الرسائل التي تخترق الحدود: الرسائل التي تأتي من خلف المرئيّ. ليس لأنّ الرسّامين أفلاطونيّين، بل لأنّهم ينظرون جيّدا".(18) يتبنّى بلّاطة هذه الفلسفة البصريّة التي يطرحها الناقد والفنّان جون بيرجر، بل إنّ كلّ رحلته الفنّيّة هي بحث في ذاك الذي يخترق "مظاهر" الذاكرة، ووضع "علامات" لـ"صناعة" مسافات تاريخيّة وثقافيّة (جمعيّة) تخلق من فراغ اللوحة مكاناً، وتخلق له "القدس" و"فلسطين". فالفراغ فيزيائيّ وملموس، ولكن "المكان" هو "ما وراء الفيزيائيّ"(19)؛ الذي يمنح الشخص علاقة تاريخيّة مع الفراغ وغيره ممّن قطنوه ويقطنونه.</p>
<p dir="rtl">فيبحث بلّاطة كفنّان في المكان كمعنى وهويّة تخترق المرئيّ من تجريدات الذاكرة والبعد. فـ"المجرّد" عند بلّاطة هو الذي اخترق المسافات، ليس فقط كصور محدودة التفاصيل، بل كتقليد نظريّ وتاريخيّ شكّل "القدس" (المكان). فالمربّع، الذي يعتمده بلّاطة أساسا لعمليّته التجريديّة، والذي سمّاه الفنان التجريديّ الرائد ماليفيتش "صفر الأشكال"(20)، هو أساس تقليد التخطيط الكوفيّ الإسلاميّ والشبكة الأساسيّة التي يبنى عليها فنّ الرقش أو الزخرفة العربيّة، واللذان شكّلا جزءاً كبيراً من الموروث البصريّ في القدس وصروحها الدينيّة، مثل قبّة الصخرة التي أطلّت من شبّاك بيت بلّاطة في القدس وارتبط فيها بشكل خاص(21). والمربّع وعلاقاته وتشكيلاته المختلفة، أساس المخطّطات الهندسيّة لتلك الصروح، أي أساس تخطيط "مكانه"، فيروي بلّاطة أنّ قبّة الصخرة، وكنيسة القيامة وكنيسة الصعود، والتي رسمت مخطّطاتها على أساس مربّعين يتقاطعان بزاوية خمس وأربعين درجة، كانت من بين الصروح التي أحاطت مشهده اليوميّ من على سطح بيته(22). وكون التجريد أيضاً لغة الفنّ العالميّة آنذاك، ألهم بلّاطة ليجد فيها لغة مشتركة، يحاور بها "القدس" ومكانه الجديد في المنفى، وبالتالي تتيح له اختراق حدود المنطقة المحرّمة والعبور إلى حالة "المكان". فيعتمد بلّاطة على استخراج تلك "الرسائل" أو العلاقات التاريخيّة من "مظاهر" ذاكرة المكان وإسقاطها كمسافات جماليّة في لوحاته؛ ما يسمّيه هو بـ"التخطيط الشعريّ(23) (Poetic mapping).</p>
<p dir="rtl">يعرّف المؤرّخ والناقد دافيد دايتشز "المسافة الجماليّة" بأنّها "مجموعة من التوجيهات الضمنيّة في العمل، والتي تتعلّق بالمسافة التي يجب أن يتّخذها القارئ من العمل حتّى يراه كما هو فعلاً"، أي أنّ العمل أو "الشيء" قيد المعاينة يدعو، بتفاصيله، المعايِن لاتّخاذ مسافات حرفيّة أو نظريّة معيّنة تمكنّه من الإلمام بتلك التفاصيل الدقيقة التي تشكّل العمل ككلّ وبالتالي إدراك حقيقته(24). وهي أيضاً المسافة التي تمكّن الفنّان، أو من يصنع العمل عند اتّخاذها، من إدراك هذه الخصائص الدقيقة التي عليه أن يشكّلها، أي المسافة التي تتيح له الانفصال حسيّا عن العمل لإدراكه كاملاً، من زواياه العديدة. في حالة بلّاطة، فإنّه يدرك أنّ المسافات الشاسعة (أو المنفى) أذابت تفاصيل المكان إلى أن جعلته فراغاً مجرّداً، وبالتالي حجبت إمكانيّة إدراكه حقيقة. أيّ أنّ "المجرّد" يدعو بلّاطة لاتخاذ مسافات "أقرب" لإدراك "المكان" أو "الهويّة" فيه. لذلك نجد بلّاطة يسترجع تلك الإمكانيّة الإدراكيّة من خلال التخطيط الشعريّ للفراغ (اللوحة)؛ أي صناعة مسافات تاريخيّة دقيقة بين العناصر البصرية "المجرّدة" (عن المكان)، والمتمثّلة في الذاكرة، على شكل "درزات" بين المعنى البصريّ (القريب) واللغويّ (البعيد أو حامل العلاقة التاريخيّة) (25).</p>
<p dir="rtl">في مجموعة لوحات "الصعود" التي تعاين العبور بين المكانين "الفيزيائيّ وما وراء الفيزيائيّ"(26)، ينسج بلّاطة المكان في لوحاته من خلال مزاوجة تركيب من العلاقات الهندسيّة (للمربّع) مع عناوين تستحضر "رحلات أسطوريّة وميتافيزيقيّة يُعتقد بأنّها انطلقت من فلسطين"(27). على سبيل المثال، المربّع الذي نجا كواحد من تفاصيل المكان في ذاكرة بلّاطة، ينبثق من خيط واحد في منتصف اللوحة (فالمستطيل هو أحد أطوار المربّع منقوصة العرض حسب تصنيف بلّاطة) الذي يتّسع تدريجيّا على جانبي مركز اللوحة في سبعة أطوار ليصل إلى المربّع التام. فتتكدّس المربّعات متفاوتة الأبعاد فوق بعضها في سبع طبقات فوق قاعدة اللوحة العرضيّة، ويخلق انطباعاً بأنه ثمّة تدرّج بين المسافات بينها باستخدام تماثلها حول المركز وتدرّجات ألوانها المختلفة(28). تتخلّل هذه المربّعات مربّعات أخرى "مشوّهة" (المربّعات منقوصة العرض) ومائلة تقطع طبقات أو مربّعات اللوحة المتكدّسة فوق بعضها البعض. "فتتبّع العين العبور (بين الفضاءات المختلفة في اللوحة) من خلال هذه العلاقات الهندسيّة"(29)، أي يتحوّل فعل "العبور" إلى تجربة هندسة فراغيّة في اللوحة.</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" alt="كمال بلّاطة، المعراج" height="219" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screenshot-2022-02-18-at-121-2.png" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">يزاوج بلّاطة مثل هذا التركيب مع عنوان مثل "المعراج"، والذي يرتبط بقصّة المعراج الإسلاميّة إلى السماوات السبع والجنّة، وهو معنى يجمع مركزيّة تاريخيّة، ودينيّة وجغرافيّة خلقت "القدس". فمن خلال التزامن بين عبور "العين" الجسم الهندسيّ في اللوحة وعبورها "العلامات" التاريخيّة في العنوان، يستحضر بلّاطة سرديّات التاريخ والأسطورة لتشكّل لحظة رمزيّة في الحاضر الفلسطينيّ (30) تتجسّد من خلال الجسم الهندسيّ في اللوحة، والذي يأسر فيه حالة فراغيّة معيّنة لذلك "المربّع" الذي نجا معه من "المكان". فيشبه منطق بلّاطة هنا، منطق الماديّة التأريخيّة عند بنيامين، والتي تحاول فهم التاريخ أو أسره من خلال بلورته بـ"شكل" ما في الحاضر، فـ"الحاضر" عند بنيامين هو صدى للماض(31). فيصبح العبور من "فيزيائيّ" اللوحة إلى ميتافيزيقيّها أي من المرئيّ إلى ما ورائه، عبوراً إلى الهويّة والتاريخ وبالتالي "المكان"، أي تصبح "القدس" نقطة تماس كل تمثّلات معنى العمل أو علاماته. بإسقاط المسافة بين العلامات "اللغويّة" والبصريّة(32)، يؤسّس عمل بلّاطة الهويّة المكانيّة التي "يراها جيّداً" من خلف المرئيّ له من إطلالته في المنطقة المحرّمة. هكذا تمكّن بلّاطة من "الانتقال من الذاكرة إلى الخيال"(33)، أي خلق العلاقات التاريخيّة في "المجرّد" وبالتالي خلق "المكان". </p>
<p dir="rtl">في لوحة "الماء من لون الإناء" مثلا، تتماهى كلمات العنوان المطبوعة في اللوحة مع شبكة المربّعات التي تشكّل "الخلفيّة" لأنها تتشكّل منها أيضاً، ولا يميّزها عنها سوى اختلاف ألوان المربّعات المختلفة، والتي تأتي لامعة بتدرجّات زرقاء وخضراء وتذكّر بفسيفساء العمارة الإسلاميّة، في القدس والوطن العربيّ والأندلس التي يسمّيها بلّاطة "شرق المنفى"(34)، ولاسيّما بركها المائيّة التي ميّزتها، والتي أحبّها بلّاطة وأثّرت في تعامله مع "اللون" بشكل عام(35). هكذا جعل بلّاطة أعماله رحلة في هويّات مكانيّة مختلفة، فهو "يدعو المشاهد للعودة إلى حاضر لم يزره من قبل"(36)، من خلال إدراج تجربته الفراغيّة الحميميّة (الراسخة في الذاكرة) كتفصيل في تجربة فراغيّة خارجيّة تنقصها "التفاصيل" بسبب البعد عن المكان. </p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" alt="كمال بلّاطة، الماء من لون الإناء" height="140" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screenshot-2022-02-18-at-122-2.png" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">هذا الغموض في التجربة الفراغيّة بين الحميميّة الراسخة في الذاكرة والخارجيّة، هو حال الفنّانين الفلسطينيّين المبهم في المنفى بالنسبة لبلّاطة والذي يسمّيه "البداوة الثقافيّة"(37). والبداوة معروفة تاريخيّاً وتقليديّاً بمركزيّة الذاكرة، وبالتالي الجسد، للحفاظ على هويّة مكانيّة من خلال الحفاظ على الموروث الجمعيّ(38)، والذي يأتي شفهيّا في سياق "البداوة" والترحال؛ أي لا يؤسّس في الفراغ الخارجيّ على شكل "مكان". وبالتالي يتحتّم على الجسد تذويته ونقله مكانيّاً وزمنيّاً، أي يكون "الفراغ الحميم" (الراسخ) أساسا مجرّدا للهويّة "المكانيّة". يمكن قراءة جوهريّة الجسد في تجربة التعبير عن المكان عند بلّاطة في سياق تأريخه لأعمال فنّانات إناث بشكل خاص. على سبيل المثال عندما يصف الأعمال الأدائيّة للفنّانة منى حاطوم، التي ولدت لاجئة في بيروت، بأنّها "تعيد تعريف العالم من خلال جسدها الذي يلامس جسد المشاهد، فتخلق لغة مجازيّة تتكلّم في آن: عن المنفى والتماهي، الاضطّهاد والمقاومة، الأسر والحرّيّة"(39).<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="منى حاطوم، تحت الحصار" height="353" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screenshot-2022-02-18-at-125-2.png" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">يتحدّث بلّاطة عن أعمال حاطوم التي يشهد جسدها على "ذاكرة عنيدة" كما سمّاها إدوارد سعيد(40)، والتي تصنع من نقل تمثّلاتها عبر الجسد مسافات جماليّة تستعرض "المكان" على شكل "منطق التضاربات"(41)، أي في علاقات مفارقة بين جسدها (الحامل للهويّة المكانيّة) والفراغ الخارجي. يمكننا هنا ملاحظة تشخيص كمال بلّاطة للتأثير الجندريّ على التجربة المكانيّة بين السطور، فـ"الأنثى" هي حالة فراغيّة مفارقة بالضرورة. يذكر بلّاطة اتجاه انتصاب جسد حاطوم مثلاً في أعمالها الأدائيّة(42)، الذي كان عموديّاً في عمل "تحت الحصار" والذي يقف فيه جسد حاطوم العاري المغطّى بالوحل في غرفة ضيّقة من زجاج شبه شفّاف، حتى ينزلق ويقع مجدّداً في الوحل. وقد أدّت حاطوم هذا العمل بينما كانت تراقب حصار بيروت، مسقط رأسها، من خلف زجاج التلفاز في لندن. بينما في عمل مثل "طاولة المفاوضات"، يتحدّث بلّاطة عن انطراح أفقيّ لجسد حاطوم المقيّد والمغطّى بالدماء ومغلّف في كيس بلاستيكيّ شفاف على طاولة تحيط بها ثلاثة مقاعد فارغة لعدّة ساعات، وهو عمل أدّته بعد اقتحام بيروت عام 1982.</p>
<p dir="rtl">هكذا يضع بلّاطة اتجاه انتصاب جسدها في سياقات تاريخيّة لـ"بيروت"، وفي سياق فلسفته مع المكان كالهويّة والمعنى (الذي يخترق "المرئيّ" في الذاكرة) فيمكننا من خلال ذلك قراءة العلاقات العموديّة الأفقيّة بين المرئيّ، أو ذاكرة حاطوم "العنيدة" التي تمثّلها بجسدها، وبين المُشاهد، كتعقيد للعلاقات الفراغيّة التي يتماهى فيها الشخصيّ والسياسيّ، الخاصّ والعام الذي يحمله عمل حاطوم.</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" alt="منى حاطوم، طاولة المفاوضات" height="223" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screenshot-2022-02-18-at-124-2.png" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">في "تحت الحصار" لا تستطيع حاطوم الوقوف ويترتّب عليها أن تقع في الوحل وأن تعيد المحاولة، وبالتالي يصارع المشاهد قسراً لمواجهتها أو لإيجاد علاقة تواز معها تمكنّه من مواجهتها أو "رؤيتها"، يراها ولا يصلها من خلف الزجاج شبه الشفّاف. وفي "طاولة المفاوضات" تمتدّ أفقيّاً مع المشاهد الذي يقف عموديّاً، وإذا حاول "الاقتراب" منها، أي تعديل اتّجاه انتصابه في الفراغ "لمواجهتها"، فإنّه سيجلس على المقعد الفارغ على الطاولة، ويشارك في "جريمة" انتهاكها. هكذا تفرض حاطوم على المشاهد أن يتورّط فراغيّاً معها في تشابكات أو تضاربات "فراغها الحميميّ"، بإفشال علاقة "المواجهة" أو التوازي معه التي تفصلهما، بالتالي تُسقِط الهويّة التي يحملها جسدهاذاكرتها على جسد المشاهد نفسه، أي يصبح "النفي" الواقع على حاطوم وبيروت جزءاً من هويّة المشاهد نفسه. يمتدّ الفراغ الحميميّ لجسد حاطوم ليتّصل مع الخارجيّ من خلال المشاهد، أي ينفى المشاهد من "مكانه" الحاليّ إلى مكان يمتدّ من جسد حاطوم، بل يصبح تسلسل "النفي" هويّة "جمعيّة" وتاريخيّة، أو "مكانا" يجمعها والمشاهد في الحاضر. </p>
<p dir="rtl">في مقالة "الابتكار في الفنّ الفلسطينيّ"(43)، يختم بلّاطة بالتساؤل عن معنى بحثه في التاريخ الفنّي الفلسطينيّ كفنّان يقف على "مسافة آمنة" من وطنهمكانه الذي يمرّ بظروف عصيبة آنذاك (كما اليوم)، فيجيب بلّاطة باقتباس من بنيامين من مقالة "أطروحات حول فلسفة التاريخ" الذي يكتب فيها أنّ "كلّ صورة من الماضي لا يقرّها الحاضر كإحدى اعتباراته، تهدّد بالاختفاء دون رجعة"(44)، وهذا الاختفاء هو لصالح العدوّ بالنسبة لبنيامين ومفتاح ضياع معاناة الماضي التي شكّلت معاناة حاضرنا، فيكمل بأنّه "وحده ذلك المؤرّخ يستطيع أن يحفظ بصيص الأمل في الماضي، المؤرّخ الذي يؤمن بأنّ حتّى الموتى لا يسلمون من العدوّ إذا انتصر، ولم يتوقّف عن الانتصار"(45). على ضوء هذا كلّه يمكننا قراءة "المكان" عند بلّاطة كمقاومة جماليّة، كجزء "حاضر" في منفاه، الذي ينفي (يلغي) مكانه أو ماضيه، أو كنتيجة توليف بين تاريخه و"تجريده" منه. فقد أدرك أنّ ضياع التاريخ أو نفي "نفيه" يفرض قسوة تذيب حتّى أقسى تجاربنا، ألا وهي تجربة "النفي" أو "المنفى" بذاتها، فهي مهدّدة بالضياع إن لم تجد في الحاضر ما "ينفي" اختفاءها. </p>
<div dir="rtl">
<span style="color:#ff0066"><strong>الهوامش</strong></span></div>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">1 Kamal Boullata, There Where You Are Not, ed. Finbarr Barry Flood, Munich: Hirmer Verlag GmbH, 2019. p 47. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">2 Mitchell, W. J. T. “‘Ut Pictura Theoria’: Abstract Painting and the Repression of Language.” Critical Inquiry, vol. 15, no. 2, The University of Chicago Press, 1989, pp. 348–71, http://www.jstor.org/stable/1343589.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">3 Boullata, There Where You Are Not, p 12. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">4 Boullata, There Where You Are Not, p 14.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">5 Lucero-Montaño, Alfredo, On Walter Benjamin's Historical Materialism. Astrolabio, Revista Internacional de Filosofía, Vol. 10, pp. 125-131, 2010,</span><a href="https://ssrn.com/abstract=1994998"><span style="color:#7f8c8d"> https://ssrn.com/abstract=1994998</span></a></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">6 Benjamin, Walter, “Theses on the Philosophy of History.” The Frankfurt School on Religion: Key Writings by the Major Thinkers, Routledge, 2004, p 267. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">7 Boullata, There Where You Are Not, p 28. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">8 Boullata, There Where You Are Not, p 27. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">9 Boullata, There Where You Are Not, p 27.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">10 The Cultural Courier. “Everyday Anthropology: Space vs. Place.” The Cultural Courier, 27 Mar. 2019, https://theculturalcourier.home.blog/2019/02/22/everyday-anthropology-space-vs-place/. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">11 Boullata, There Where You Are Not, p 212.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">12 Boullata, There Where You Are Not, p 213. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">13 Boullata, There Where You Are Not, p 271. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">14 Boullata, There Where You Are Not, p 272. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">15 Boullata, There Where You Are Not, p 253. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">16 Boullata, There Where You Are Not, p 253.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">17 Boullata, There Where You Are Not, p 214. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">18 Berger, John, Keeping a Rendez-vous, London: Vintage, 1991, p130. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">19 The Cultural Courier. “Every day Anthropology: Space vs. Place.” </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">20 Boullata, There Where You Are Not, p 33. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">21 Boullata, There Where You Are Not, pp 31-33. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">22 Boullata, There Where You Are Not, pp 38-39.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">23 Boullata, There Where You Are Not, p 34.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">24 Daiches, David, A Study of Literature for Readers and Critics, Ithaca: Cornell Univ. Press, 1948, p. 63.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">25 Boullata, There Where You Are Not, p 34.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">26 Boullata, There Where You Are Not, p 35. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">27 Boullata, There Where You Are Not, p 35. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">28 Boullata, There Where You Are Not, p 34.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">29 Boullata, There Where You Are Not, p 34.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">30 Boullata, There Where You Are Not, p 35.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">31 Lucero-Montaño, Alfredo, On Walter Benjamin's Historical Materialism. p 127. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">32 Boullata, There Where You Are Not, p 32. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">33 Boullata, There Where You Are Not, p 30. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">34 Boullata, There Where You Are Not, p 36. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">35 Boullata, There Where You Are Not, p 285. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">36 Boullata, There Where You Are Not, p 284. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">37 Boullata, There Where You Are Not, p 213. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">38 Boullata, There Where You Are Not, p 275. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">39 Boullata, There Where You Are Not, p 258. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">40 Boullata, There Where You Are Not, p 258. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">41 Boullata, There Where You Are Not, p 258. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">42 Boullata, There Where You Are Not, pp 258-260.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">43 Boullata, There Where You Are Not, p 214. </span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">44 Benjamin, Walter, “Theses on the Philosophy of History.” The Frankfurt School on Religion: Key Writings by the Major Thinkers, Routledge, 2004, p 266.</span></h5>
<h5 dir="ltr"><span style="color:#7f8c8d">45 Benjamin, Walter, “Theses on the Philosophy of History.” The Frankfurt School on Religion: Key Writings by the Major Thinkers, Routledge, 2004, p 267.</span></h5>
<div dir="ltr"> </div>
<div dir="rtl">
<span style="color:#4e5f70">جميع اللوحات المرفقة بالملف من مجموعة "سُرّة الأرض" (١٩٩٨، دارة الفنون) وهي متوالية أعمال مؤلفة من اثنتي عشرة لوحة، تم إنتاجها باهتمام من الفنانة سهى شومان وزوجها الراحل خالد شومان. قدّمت لنا الصور "دارة الفنون" مساهمةً منها في الملف.</span></div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20787">المكان مقاومة جماليّة عند كمال بُلّاطه</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الكارثة الفائقة في السينما الفلسطينية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20730</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حنين عودة الله]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 15 Dec 2021 14:17:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a7%d8%b1%d8%ab%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%a6%d9%82%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يتكرّر لديّ إحساس بشيء غير سويّ في أفلام "القصّة الفلسطينيّة"؛ الأفلام التي تصوّر قصّة من واقع الكارثة الفلسطينيّة. ينتابني هذا الإحساس عادة عند الانتقال من الصراع إلى الحلّ، حيث تأتي النهاية على شكل تسوية مفاجئة، بين الفلسطينيّ والظروف المحيطة (البيئة)، تتيح للقصّة حلّا بصريّا-دراميّا، لكنّها تترك شعورا بأنّ هناك شيء مفقود أو ثغرة في تسلسل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20730">الكارثة الفائقة في السينما الفلسطينية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يتكرّر لديّ إحساس بشيء غير سويّ في أفلام "القصّة الفلسطينيّة"؛ الأفلام التي تصوّر قصّة من واقع الكارثة الفلسطينيّة. ينتابني هذا الإحساس عادة عند الانتقال من الصراع إلى الحلّ، حيث تأتي النهاية على شكل تسوية مفاجئة، بين الفلسطينيّ والظروف المحيطة (البيئة)، تتيح للقصّة حلّا بصريّا-دراميّا، لكنّها تترك شعورا بأنّ هناك شيء مفقود أو ثغرة في تسلسل السرد. في فيلم "الهديّة" (فرح نابلسي 2020) مثلا، يمنع جنود الاحتلال عبور ثلّاجة الفلسطينيّ الجديدة إلى "الضفّة الأخرى" من البلاد بسبب حجمها الفائق الذي لا یمرّ من خلال بوابة التفتيش على الحاجز "الإسرائيليّ"، ولكنّ النهاية تقدّم الحلّ على شكل عبور غير متوقّع وغير إشكاليّ للثلّاجة من الطريق المخصّص لسيّارات المستوطنين. يتكرّر هذا السلوك الدراميّ في كثير من الأفلام الفلسطينيّة؛ فالثلاجّة تمرّ، والأسير المعزول عن زوجته ينجب الأطفال (فيلم "بنبونة"، راكان مياسي)، والأحفاد يعبرون الحاجز من الضفّة الغربيّة رغم إغلاقه لزيارة جدّهم ("العبور"، أمين نايفة)... وما إلى ذلك من حلول لا يجدها الفلسطينيّ على أرض الواقع عادة.</p>
<p dir="rtl">هذه التسوية في الظروف البيئيّة التي تحدث في بيئة الفيلم (إيجاد طريق جديد يتّسع للثلّاجة مثلا أو كسر في زجاج السجن لتهريب السائل المنوي للأسير)، أقرب إلى فانتازيا أو حلول خياليّة مرجوّة يقدّمها الفيلم كوسيط لحلّ الصراع، لكنّها غالبا تفتقد في سياق كارثة مثل الاحتلال إلى ظروف بيئيّة تتيح تحقّقها. فقوانين الاحتلال لا تزال تمنع عبور الثلّاجات وتعزل الأسرى مثلا. وهذا يدلّ على تقصير معيّن أو عدم توافق بين جوهر الفيلم، بصفته وسيط يقدّم استمراريّة بصريّة تتقدّم نحو الحلّ، وبين السرديّة الفلسطينيّة مقطوعة الحلول نتيجة الكارثة الفائقة والمستمرّة. أي أنّ الكارثة تمسّ أيضا علاقة جوهريّة بين السرديّة وقدرة الفيلم على تصويرها. فما الذي يترتّب على حلول الكارثة؟ </p>
<p dir="rtl">تخرّب الكارثة جميع علاقاتنا الفراغيّة-المكانيّة والزمنيّة. فإن كان وجودنا الإنسانيّ مبنيّا على تشكيل بيئتنا وعلاقاتنا معها على نسق معيّن، فإنّ الكارثة تعبث باستمراريّة ھذه التجربة، وتحدث انقطاعا في النسيج الزمنيّ، ما بين الماضي والحاضر، فيصبح تسلسل أحداث حياتنا وإدراكنا لها كلّه معرّفا بعلاقته مع واقعة الكارثة، أي ما قبلها وما بعدها. ینعكس ھذا الانقطاع على شكل فراغ أو انسحاب للعنصر التراثيّ في التجربة الإنسانیّة، أي تعطيل تناقلھا عبر الأجيال وخلالها (intragenerations). هذا الفراغ، يخلق حالة من استحالة تصوير التجربة بعدما فقدت تماسكا جوھریّا في الكارثة، فيصبح إظهار التجربة باللغة والتعبير إشكاليًّا.</p>
<p dir="rtl">يبلور الكاتب والمنظّر جلال توفیق ھذا الانقطاع في مفھوم "عقب الكارثة الفائقة" فیكتب "إنّ مسألة معرفة ما إذا كانت الكارثة فائقة...، لا یمكن حسمھا من خلال عدد الموتى والمصابين، أو من خلال حدّة الصدمات النفسیّة أو حجم الأضرار المادیّة، بل بالأحرى من خلال مصادفتنا أم عدم مصادفتنا، في سیاقھا، لعوارض عن انسحاب التراث". يتحدث توفيق عن انسحاب القدرة على التعاطي مع الإرث الإنسانيّ في المجتمعات التي عانت كارثة فائقة، ومن ضمنه الإرث الثقافيّ واللغويّ. وھو انسحاب لا مادي، فبالرغم من الوجود الماديّ لبعض النصوص، المباني، الأفلام والأعمال الموسیقیّة وما إلى ذلك... عقب الكارثة الفائقة، لا زلنا نشهد انسحاب هذا الإرث، لأنّ عملیّة التوارث عند المجتمعات التي عاشت الكارثة الفائقة قُطعت قطعا حادا، خلق ثغرة في منطق تناول المجتمعات للتراث. </p>
<p dir="rtl">فالذاكرة والمعنى كتجربة تواصلیّة، تضمن استمراریّة العلاقة مع تلك النصوص، الأفلام، السردیّات أو المفاهيم والمعاني الإنسانيّة المتوارثة مثلا، فُقدت في الحاضر، الذي أضحى يختلف عن ذاته (ھامل). آثار الكارثة الفائقة، كالموتى والمصابين وتفكّك معاني كالوطن، المجتمع، الأخلاق والإيمان وغيرها... لا تجد مكانها في بيئة الحاضر. فهي على حدّ تعبير الباحثة السينمائيّة غادة الصايغ "آثار تتعدّى حدود إدراك الوعي لها". أي أنّ خراب تلك العلاقات البیئیّة (إثر الكارثة) يؤدي إلى "انكفاء" أو انصراف التراث إلى موضع غیر معرّف في بیئة ما بعد الكارثة، فيجعلنا نتساءل: كيف نتعامل مع الإرث الإنساني الموجود بعدما تزعزعت التجربة بصورة عنيفة وقطعت العلاقات معه في نقطة زمنیّة معيّنة؟</p>
<blockquote>
<p dir="rtl">"مثل هذا الشقّ في الزمن التاريخيّ، والذي يولِّدُ انقطاعاً في التجربة وكذلك أزمةً في التصوير، يرتبطُ بشكلٍ أكثر تحديداً، وفق جلال توفيق، بما يسمّيه &#39;الكارثة الفائقة". غادة الصايغ</p>
</blockquote>
<p dir="rtl">وصف المفكّرون عبر الزمن ھذا الانقطاع بأنّه يسبّب إشكاليّة في التصوير، سادت عقب الكوارث عبر التاريخ. فمثلا يتحدّث سوندي عن كتابة الشعر بعد كارثة معسكر الإبادة النازيّة في أوشفيتز، فيكتب عن تصريح أدورنو بأنّ الكارثة ولّدت أزمة في التصوير الشعريّ على شكل حظر جماليّ: "بعد أوشفيتز، لم يعد بإمكاننا أن نكتب القصائد". ومن ثمّ عن إعادة تشكّل هذه الأزمة: "بعد أوشفيتز، لا يمكننا أن نصوغ الشعر إلا بموجب أوشفيتز" (غادة الصایغ). لهذا يؤكّد جلال توفیق على دور الفن بالذات في كشف ھذا الانسحاب وبعث ھذا التراث أي إعادة موضعته في التجربة الإنسانيّة بعد صدمة الانقطاع.</p>
<p dir="rtl">أما القصّة "الفلسطینیّة" فتعرّف بأنّھا الكارثة بحد ذاتھا، فتسمّى النكبة. والكارثة الفلسطینیّة لا تأتي على شكل حدث أو واقعة واحدة بل ھي كارثة مستمرّة ولّدت انقطاعا مزمنا في التجربة الإنسانيّة، فراغ تتقارب وتقع عنده محاولات تصویر التجربة الفلسطینیّة. فـ "التجربة الفلسطينيّة" لم تختفِ من التصويرات المختلفة عقب الكارثة، لكنها مشروطة بانسحابها أو بعلاقة مستمرّة معه في التصوير. فتلك العلاقة تفرض عليها أسئلة شرعیّة عن كیفیّة إحياء مفهوم "الفلسطیني" في السرد؛ ھل نستنسخ قصّته من الكارثة كما شاھدناھا في الأخبار أو شبكات التواصل أو الشارع، لإحياء العلاقة مع الماضي الفلسطینيّ ما قبل الكارثة؟ وكيف نحيي تلك العلاقة في ظلّ الكارثة الممتدّة وكلّيّة الوجود؟</p>
<p dir="rtl">بشكل عام، نلاحظ تجاهل أفلام "القصّة الفلسطینیّة" لھذه الإشكالیّات في التصویر، فتستغلّ قدرة الوسیط الصوريّ على الربط الزمنيّ، لتفادي التعامل مع "التراوما الشكلیّة" التي تخضع لها السردیّة الفلسطینیّة. أي أنّ عدم قدرتنا على إدراك آثار الكارثة ينعكس بعدم قدرتنا على استعمال شكل الفيلم الدراميّ لتصوير التجربة فعلا. فمن تلك الآثار في فيلم "الهديّة" مثلا؛ أنّ الثلّاجة الجدیدة المعبّأة بالطعام الجیّد والتي استحضرت لتستبدل الثلّاجة المعطّلة (أو الخربانة) من الضفة الأخرى للبلاد، لن تعبر إلى البیت بسبب حجمها الفائق الذي لا يمرّ من بوابة التفتيش. وفي فیلم "العبور" لن یعبر الإخوة الثلاثة الحاجز "الإسرائیليّ" لزیارة جدھم في الجانب الآخر بسبب "ھویّتهم الخضراء" التي تمنعهم من دخول الأراضي المحتلة عام 1948. وفي فیلم "بنبونة" لن یعبر الأسير الفلسطینيّ/سائله المنوي من الجانب الآخر لزجاج السجن إلى زوجته لینجب طفلته/طفله معها. ربما في "الفيلم" كما شاهدناه -وبطريقة فانتازيّة ما- یعبر ھؤلاء، لكنھم في السردیّة الفلسطینیّة غالبا لا يعبرون.</p>
<p dir="rtl">إذا عاینّا الظروف التي یعبر فیها ھؤلاء نجدھا تعتمد على "محاسن الصدف"، أو على علاقات بیئیّة سویّة خالية من الفراغات (من النقاط التي يشتّ فيها الحلّ الدراميّ عن السرديّة الفلسطينيّة). فيختزل الفيلم الكارثة بخلل في أمور "تقنيّة": قسوة الجنود، الحواجز، عزل السجون… إلخ. بينما هناك ثغرات في هذه التقنيّات؛ فمثلا طريق سيّارات المستوطنين الذي يتّسع لمرور الثلّاجة، بقايا ضمير إنسانيّ لدى الجنود الذي يسمح بمرور الإخوة، ثغرة في زجاج السجن التي يمرّر من خلالها السائل المنوي للسجين. وكأنّ بيئة الفيلم، وليس بيئة الفلسطينيّ، هي التي تطرح إمكانيّة العلاقة السويّة بين الفلسطينيّ والبيئة المحيطة، بالتالي إمكانيّة العبور. كذلك تلقي هذه الظروف والثغرات بالحبكة في أمل المستقبل الأفضل، في جیل قادم سوف "یعبر" ھذه الكارثة ويجد علاقة سويّة مع معطيات البيئة المنكوبة. هكذا نجد الابنة الصغيرة تجرّ الثلّاجة (رغم حجمها وثقلها) عبر المسلك الآخر (المفتوح والمخصّص لسیّارات الإسرائیلیّین فقط)، أو زوجة السجين تتمكّن من تخصيب نفسها قبل نفاد الوقت لتنجب الطفل، وهو الذي يعبر حالة الأسر. أما في العبور فيعبر الإخوة، ورغم أنّ جدّهم الذي كانوا قد خرجوا لرؤيته توفي قبل وصولهم، فإنّهم يعبرون إلى أراضيه وينتهي الفيلم بعبورهم. أي أنّ الفيلم يؤجّل الحلّ السرديّ إلى بيئة ما بعد الانسحاب أو بيئة استعاد فيها الحلّ، دون أن يشير إلى وقوع مثل ذلك الانسحاب. فيصبح الفيلم وسيطا يتيح التنقل الزمنيّ بين ما قبل الكارثة وما بعدها فيما هو ينفي وقوعها، باستمراريّته نحو الحلّ البصريّ-الدراميّ، وتجاهله انسحاب أو انعدام مثل هذا الحلّ في إطار السرديّة الفلسطينيّة. فالعبور الوحيد (الاستمراريّة الوحيدة) الذي تضمنه بيئة الكارثة/الاحتلال هو إلى السجن/الموت/الوراء، إلى لحظة كارثيّة أخرى، وبالتالي تصبح مثل هذه الأفلام أو التصويرات للتجربة "التي تجاوزت الكارثة" أقرب إلى الخيال من الواقع. </p>
<p dir="rtl">هذا الحلّ، البصريّ-الدراميّ، يقرأه الباحث السينمائي بوريس كطريقة لتجسيد الفكرة الفلسطينيّة على أرض الواقع السينمائيّ. والفكرة الفلسطينيّة عند بوريس هي تخطّي الفلسطينيين مرحلة الكارثة، بحسب تصوّر إدوارد سعيد. فيصفها بوريس بأنّها عودة متخيّلة (فانتازيا) لما هو في الواقع ممنوع/مكبوت بسبب "تقنيّات" الاحتلال، لكنّه موجود وممكن. لذلك يرى بوريس في الأفلام الفلسطينيّة هذه القدرة على الإحياء الخياليّ لما هو غير متجسّد على أرض الواقع. فالخيال فعلا فعل طموح بالضرورة، لكنّنا قد نتسائل هنا أيضا: هل نطمح بخيالنا الجمعي لكارثة ألطف أو واقع أقلّ قسوة أم نطمح لاسترداد التجربة السويّة انطلاقا من أنّ تجربتنا تعجّ بفراغات الكارثة؟</p>
<p dir="rtl">لا يتناول بوريس الفانتازيا بتوجّه نقديّ. فذاك الخيال تجاوز السرديّة الفلسطينيّة الواقعيّة بتصادمه معها، أو وقوعه في فراغها الناتج عن الكارثة. مثل تلك الحلول التي تقدّمها الأفلام الفلسطينيّة تشعر المشاهد بركاكة ما أو تهرّب، يجعله يتساءل: لماذا لم يحطّم الجنود الثلّاجة أمامنا كما يفعلون، كيف لم يلاحظوا حركات الإغراء التي قدمتها الزوجة للأسير، وكيف لم يشعر الفلسطينيّ بمثل هذا الخطر قادم إذا تصرّف هو كما وأنّ الكارثة غير موجودة؟ فتبقى مثل تلك الحلول الفانتازيّة تمثيلا لما هو مرغوب رغما عن انقطاع التجربة في نقاط ما. فنشعر بأنّ تلك التصويرات تتغاضى عن انسحاب محتوم، حلقة ناقصة  في التجربة والخيال الجمعيّ الفلسطينيّ (القدرة على التصوّر). أي أننا نشعر بأنّ "الفيلم" كوسيط غير متاح  لتصوير القصّة الفلسطينيّة، لكونه يتطلب حلّا دراميّا لا تستطيع السرديّة الفلسطينيّة تقديمه. </p>
<p dir="rtl">هنا قد نتسائل عما يترتب شكليّاً على العمل الفلسطينيّ والفيلم بالتحديد إذا ما عمل على تصوير مثل هذا الانسحاب وإعادة موضعة التراث، كالقدرة على استعمال السرد السينمائيّ، وبعث الخيال الجمعيّ الفلسطينيّ في الأطر الرمزيّة (في أطر العلاقات البيئيّة) والتي قطعت في الكارثة، أي إعادة إحياء التجربة السرديّة في سياق انسحاب التجربة التواصليّة. </p>
<p dir="rtl">لعلّ في فیلم "المختبر" (لاریسا صنصور وسورن لیند، 2019) محاولة جديرة بالاهتمام، لتجاوز ھذا التحدّي، إذ یصوّر التجربة الفلسطینیّة كما ھي فعلا؛ كارثة "بیئیّة" دمّرت المدينة والحياة. يدور الفیلم حول حوار بین امرأتین من جیلین مختلفين؛ الأول شهد العالم ما قبل الكارثة والذي يحتضر الآن، والثاني جاء في إثرھا محمّلا بذكريات الجيل السابق عمّا كان قبلھا، ومهمّة إعادة إنشاء المدینة (أو التجربة الفلسطینیّة) كما كانت قبل الكارثة. فقد انسحب جیل ما قبل الكارثة للحیاة تحت الأرض بعدما سمّمت ودمّرت كارثة بیئیّة (فیضان من مادة سوداء سامّة) المدینة والأرض، ودفعته للرحيل عنها إلى باطنها. </p>
<p dir="rtl">فیصوّر الفیلم انسحاب تواصل التجربة الفلسطینیّة مع التجربة الإنسانیّة عامّة والتي تشكِّل الأرض موقعها التلقائيّ، بجرّ التجربة الفلسطینیّة بأكملها عقب الكارثة إلى مساحة ھامشیّة (ملجأ تحت الأرض). ینسحب جیل الكارثة إلى هناك حیث يرقبون انجلاء الكارثة البیئیّة فيما هم ینبِّتون تحت الأرض بساتین من الحیاة "الطبیعیّة" (أشجار الزيتون وغیرھا والأجيال البشریّة القادمة) على النحو الذي كانت عليه قبل الكارثة. أي أنّ التجربة الفلسطینیّة تتحوّل إلى مساحة مختبریّة لبناء المستقبل خارج وعاء البیئة الطبیعیّة له (في مساحة مؤقتة تحت الأرض، على خلاف سطحها مثلا الذي يشكّل المساحة الطبیعیّة التي تنشأ عليها التجربة الإنسانيّة عادة). اسم الفيلم بالانجليزيّة "In vitro" يشير إلى العملیّات الحیویّة التي يتم اختبارھا خارج جسم الكائن الحيّ.</p>
<p dir="rtl">فكارثة المادّة السوداء السامّة ھذه غلّفت "الأرض"، وخلّفت وراءھا الخراب على السطح والدمار الشامل للبیئة بحيث لم تعد قادرة على استيعاب "الأشكال الحیّة" فرحلوا عنها. وانسحاب الأرض كبيئة، تحت غلاف من المادّة السوداء، من "حياة" المجتمع البشريّ خلّف وراءه جسما كرویّا أسودا كبیرا يحاكي "كوكب الأرض"، يرقد في إحدى مساحات الملجأ الذي يقطنه البشر الراحلون تحت الأرض، أي أنّهم يحملون معهم صورة الأرض التي أصابتها الكارثة أو صورة الكارثة بذاتها. فیظھر هذا الجسم في الفیلم عقب الكارثة وفي كلّ مرّة یترتّب على امرأة الجیل الثاني اليافعة مواجھة الجيل الأول المتمثّل بالعجوز وماضیھا وذكریاتھا، ويصاحب بداية كلّ حوار عن محاولات إحياء المدینةالتجربة على صورة الماضي كما شهدته العجوز.</p>
<p dir="rtl">ھذا الجسم الأسود غیر المفھوم أو غير القابل للإدراك الذي قد یمثّل انقطاع التجربة الإنسانیّة على الأرض، أو انسحاب القدرة على تصوّر العلاقة مع الأرض، يبقى ملازما للمجتمع الذي عاش الكارثة، ولا یمكن أن یصوّر إلاّ باستعارة فیزیائیّة عن الجسم أو الفراغ الذي يتوقّف فيه الزمن ويُمتصّ فيه كلّ شيء أي الثقب الأسود. فنشاھد الصبيّة تقترب منه في بداية الفيلم عندما تستدعى إلى العجوز التي تحتضر. فھي وریثة العجوز التي ورثت عنها ذكریاتھا (تجربتها) لكنّھا أیضا ورثت الفقدان الذي واجهته العجوز-ورثت الانقطاع عن تجربة ماضية لم تعشها أي ورثت فراغا يُمتصّ فيه الزمن بذاته- وهذين يشكّلان معا التجربة الفلسطينيّة "الإشكاليّة" للجيل اليافع؛ فهو الذي يفترض به العودة وإعادة بناء المدینة. لذلك تتحدث المرأتان عن مستقبل الحیاة والعودة إلى سطح الأرض وتنتقلان في الحوار بین مفاهیم مثل النوستالجیا، المنفى والفقدان. وھناك یحدث تقييم للانسحاب الذي قام به الجيل الأول للكارثة أي محاولة من الصبيّة اليافعة لإدراك الماضي الذي عليها إعادة إنتاجه. </p>
<p dir="rtl">وكلّما صادف الحدیث تصادما في "وجهات النظر" بين الجيلين، كما في مسألة الانسحاب التام عن الأرض وإقحام ذكريات مصنّعة على أجیال أُنتجت في المختبرات، نشاھد المرأة اليافعة تقترب من الكرة السوداء وتنظر فیھا لتشاھد، ونشاھد معھا ذكریاتھا، أي التجربة التي أقحمت في رأسها، ما يسميه نيتشه التحديق في الھاویة اللانھائیّة، فمن يحدّق فيها طويلا يقع فيها في النهاية. الیافعة لم تعش یوما فوق الأرض ولم تشھد المدینة كما كانت علیه، لكنھا تحمل في ذھنھا صورا مزروعة فیھا، حیث حقنت في ذھنھا تجربة المرأة العجوز في مدینتھا وتجربة ھروبھا من الكارثة (انسحابها إلى الملجأ/المختبر). وھذا يحاكي مسألة إقحام إرث النكبة الفلسطینیّة التي ورثتھا أجیال لم تختبر فلسطين قبل النكبة، بل لم تعش كأجيال "فلسطينيّة" سوى في إثر النكبة.  </p>
<p dir="rtl">يستحضر الفیلم هذا الإقحام في سیاق "التخلّق" أو علم ما فوق الجینات (Epigenetics) والذي يدرس التغیّرات الوراثیّة التي تطرأ على الأجنّة من البيئة والسلوكیّات التي يتأثّر منها الوالدين مثلا ولیس من جينات ورثاها. فالمرأة الیافعة هي مستقبل التجربة الفلسطينيّة، والتي تعاني "طفرة جینیّة" أي تغیّرا في موقعھا في التجربة الفلسطينيّة الجمعیّة بسبب تراوما الكارثة التي واجهت "أمّها" (العجوز)، في إشارة إلى الذكريات المشروخة بالفقدان. فكأنّ الجيل الجديد يتساءل على لسانها عن جدوى حمل هذا الفقدان في عمليّة الإحياء الذي يصير"فشلا في التصوّر، عندما يصبح مجردا" (المختبر). ھكذا یتناول الفیلم دور التراوما الموروثة (أو الانقطاع الموروث) في "بناء المستقبل على صورة الماضي" (أنثوني داوني). </p>
<p dir="rtl">فالماضي يمتلئ بالفراغات و بالتالي يُنتَج الحاضر والمستقبل تباعا على نفس النحو. وإذا كان تصوير التجربة هو محاولة لإحيائها في الحاضر وإحياء تناقلها، أي استعادة القدرة على السرد بواسطة الفيلم مثلا، فإنّ الفراغات الموروثة تحوّر استمراريّة السرد، وعليه يأتي جسد فيلم المختبر كأداة للسرد، فالكادر أو frame مشطور إلى قسمین، بینھما فراغ أسود یحیل منذ بداية الفيلم إلى ذلك الشرخ في السرد. وكلّما اقترب الحوار (تبادل السرديّة الفلسطينيّة بين الجيلين) من المناطق التي تشوّھت فيها التجربة إثر تناقل الانقطاع (كالمنفى والماضي والفقدان) تحدّق الفتاة في الجسم الأسود/الفراغ -أي يحدّق المستقبل في فراغ الماضي- والفراغ بدوره يحدّق فيها أيضا (باستلاف من نيتشه). فعند تلك النقاط یُظھر كادر الفیلم المشطور صورتين للذكريات (الماضي والكارثة) من منظورین: الأمام والخلف، فإذا شاهدنا في الكادر ذكرى هروب الفتاة من البيت عند حضور الكارثة وهي طفلة، نشاهد هروبها من داخل الغرفة وخارجها في آن واحد (يفصل بينهما الفراغ الأسود)، ونشاهدها في الحقول بعد الهروب تقترب منّا وتبتعد عنّا في آن واحد. أي نشاهدها من نقطتي انطلاق لمراقبة التجربة: من الماضي إلى الكارثة، أي ما قبلها، ومن الحاضر إليها، أي ما بعدها. فالكادر (الفيلم) المشطور هو أيضا أحد ضحايا الكارثة.</p>
<p dir="rtl">یبحث الفیلم في النقاط التي یفشل فیها كوسیط للسرد، وبالتالي إن كانت الطفلة المزروعة في الماضي ھي المستقبل الذي نأمل منه تسویة العلاقات مع البیئة واستئناف التجربة، إن كانت ھي الحلّ الدراميّ الذي تقدّمه لنا "القصة الفلسطینیّة" كفانتازیا فقط، فإنّ "المختبر" یسحبها من ذلك التصوّر المختلّ، فیظهر لنا في النهایة أنّ كلّ ما حدث في الماضي حدث مع العجوز وحدھا: ھروبھا في الكارثة، لجوؤھا إلى الحقول… إلخ. الفیلم یسحب إقحام المستقبل في الماضي ویعید ترتیب منطق التسلسل الزمنيّ نفسه الذي تبعثر في الكارثة. من ثم یُظھر الطفلة فقط عقب الكارثة، في الحقل الذي كانت قد لجأت إلیه العجوز لوحدھا بداية، تلعب معها وتحاول التقاط ولقف الحجارة في لعبة الصقلة. العلاقة السویّة ھنا ھي بین الطفلة وأمّھا، وبهذا يقترح الفيلم أنّ تصویر القصة الفلسطینیّة في الفیلم ممكن، بتصویر علاقة سویّة مع المستقبل. وهي علاقة لا يمكن تصويرها بمعزل عن "مواجهة" ذلك الانسحاب في الحاضر.</p>
<p dir="rtl">المستقبل لیس حلاّ للماضي، بل ھو ولید اللحظة بما تحمل من انطباعات وفراغات، فمواجهة الفتاة اليافعة للانسحاب يجعلها تدرك أنّ "هون تحت الأرض التحوّلات حادّة، كبسة واحدة بتحوّل النهار لَليل"، وبالتالي تدرك فقدانها الذي يختلف عن فقدان العجوز، فهي لم تشهد أبدا شروق الشمس ولا غروبها، فقط عاشت النسخة "المصنّعة" تحت الأرض (في مساحة الانسحاب). هي في النهاية تتحدث عن "الضوء الطبيعي" وفقدانها له، أي أنّها تدرك أنّ تلك "الحلول" مثل "كبسات الإضاءة" هي فانتازيا وجود بيئة أو تجربة طبيعيّة تحت الأرض، وبالتالي تغادر دون التحديق في الجسم الأسود مجددا، أي أنّها تدرك أنّ وجهتها هي نحو "الفقدان" في الحاضر وليس في الماضي. ولربّما أنّ على القصّة الفلسطينيّة أيضا أن "تفقد" توجّهها نحو الماضي والفقدان فيه وأن تواجه فقدان الحاضر كـ "أشياء" توجّهها نحو المستقبل. فكما تكتب المنظّرة سارة أحمد "نعرف وجهتنا عندما نواجه أشياء معيّنة تساعدنا أن نجد طريقنا. وهي تلك الأشياء التي نميّزها وندركها عند مصادفتها، وبالتالي حين نواجهها، ندرك أين وجهتنا" (سارة أحمد). فربما علينا أن نفقد الثلّاجة، والطفل، والعبور في الفيلم أولا حتى تتشكّلا من هناك وجهتنا وخيالنا نحو استعادتها.   </p>
<p dir="rtl">
<span style="color:#ff0066"><strong>مراجع</strong></span></p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أنثوني داوني، التخلّق والبحث التأمليّ: محادثة مع لاريسا صنصور، 2020. </span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">بيتر سوندي، قراءة لستريت. مقالة حول شعر بول سيلان، مجلّة كريتيك، 1971.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">جان-فرانسوا هامل، رجعات التاريخ، تكرار، سرديّة، حداثة، 2006.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">جلال توفيق، انسحاب التراث عقب الكارثة الفائقة، 2009. ص12. </span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">جريجوري بوريس، الفكرة الفلسطينيّة: الفيلم، الميديا، والخيال الراديكاليّ، 2019. </span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">غادة الصايغ، عن بعض المفاهيم التُوفيقيَّة...مقالة حرّة عن "انسحاب التراث عقب الكارثة الفائقة"، مجلّة كلمن، 2011.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70"> فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر، كامبريدج 2002. ص69.  </span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">سارة أحمد، فينومينولوجيا كويريّة، 2006. ص1. </span></h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20730">الكارثة الفائقة في السينما الفلسطينية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الطفولة المُزمنة تحت الرأسماليّة في &quot;لعبة الحبّار&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20663</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حنين عودة الله]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 15 Oct 2021 08:19:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%81%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8f%d8%b2%d9%85%d9%86%d8%a9-%d8%aa%d8%ad%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"عادة ما يظهر الأطفال  في خمسة تجسيدات: كتجسيد للخير في الإنسانيّة، كالفئة التي تعاني وتتألّم، كروّاد للحقيقة، كسفراء للسّلام، وكتجسيد للمستقبل." - ليزا مالكي بينما تجتاح ثيمات الدّيستوبيا الإنتاجات الثقافيّة التي تنبئ بالمستقبل المظلم الذي تجرّنا إليه الرأسماليّة، يكشف لنا المسلسل الكوريّ "لعبة الحبّار" عن فظاعة ورعب انحسار عمليّة نضج الإنسان في النظام الرأسماليّ، أو [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20663">الطفولة المُزمنة تحت الرأسماليّة في &quot;لعبة الحبّار&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<blockquote>
<p dir="rtl">"عادة ما يظهر الأطفال  في خمسة تجسيدات: كتجسيد للخير في الإنسانيّة، كالفئة التي تعاني وتتألّم، كروّاد للحقيقة، كسفراء للسّلام، وكتجسيد للمستقبل." - ليزا مالكي</p>
</blockquote>
<p dir="rtl">بينما تجتاح ثيمات الدّيستوبيا الإنتاجات الثقافيّة التي تنبئ بالمستقبل المظلم الذي تجرّنا إليه الرأسماليّة، يكشف لنا المسلسل الكوريّ "لعبة الحبّار" عن فظاعة ورعب انحسار عمليّة نضج الإنسان في النظام الرأسماليّ، أو ما يمكن تسميته بالتأثير النكوصيّ للرأسماليّة على عمليّة إنتاج الفرد. فبدل أن تدفع المنظومة الفرد (بشكل تقدميّ) نحو حالة من النضج؛ تطوير نوع من الاستقلاليّة والمسؤوليّة العقليّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، تمارس الرأسماليّة ما يعرف ب"الاستطفال" (infantilization) وهو إطار نكوصيّ يعيد الفرد دائما إلى حالة من الانغماس في الذات. يقول بنجامين باربر في وصف هذه العمليّة: "تشكّل الرأسماليّة تنظيماتها حول "الاستطفال" أي حول صفات مثل اللهو، الاندفاعيّة، الاستهلاك، الإحساس والسرعة (مثل الوجبات السريعة)... التي تجسّد سلوك الأطفال" (باربر).</p>
<p dir="rtl">تدفع الرأسماليّة الفرد للبقاء في طوْر "النمو" المتّسم بالاندفاعيّة نحو الرغبات (أو النظم الواقعيّ، أي مرحلة ما قبل التعرّف على الذات ككيان مُكتمل (عند لاكان)، فتنتج نظاما يحثّ على ضرورة الإشباع الدائم للرغبات وسيلةً للإشباع الوجوديّ. وتضع نفسها كالمرآة (لاكان) الوحيدة التي يستطيع الفرد من خلالها التعرّف على كيانه المكتمل. فتقدّم العمل والإنتاجيّة كمقاييس للاستقلاليّة والسلطة على الذات وكمنظومة تحدّد وتشرّط العلاقات الاجتماعيّة والأداء الأخلاقيّ في المجتمع، فيصير صراع البقاء بموجبها مشروطا بالعمل والربح والخسارة الفرديّة في إطار المنافسة الطفوليّة أو البربريّة.</p>
<p dir="rtl"> في المحصلة، تنتج الرأسماليّة مجتمعا موسوما بالهشاشة ومؤهّلا للاستغلال والتصارع على الامتيازات. </p>
<p dir="rtl">لا يصوّر المسلسل، شبه-الديستوبيّ، "لعبة الحبّار" مستقبلاً بعيدًا يتراكم فيه الاستغلال واللامساواة لإنتاج نسخة بربريّة من الإنسان والعالم، بل يستعرض بصورة فجّة ما تمارسه الرأسماليّة في عصرنا الحاليّ، من استطفال (infantilization) للمجتمع ، بحيث تخضعه لحالة من الطفولة الدائمة والبربريّة معاً: ينحصر صراع البقاء في لعبة أطفال بدائيّة نتيجتها موت المئات؛ الجميع ماعدا الرابح. هكذا يقدّم "لعبة الحبّار" تمثيلات الثنايا الجهنميّة للمجتمع الرأسماليّ الحديث، لترعب جماهير "نتفلكس" الاستهلاكيّة ونقّاد الرأسماليّة على حد سواء. في المسلسل يتنافس مئات اللاعبين الغارقين في الديون للفوز في سلسلة من ألعاب الأطفال، تصل قيمة جائزتها الكبرى إلى ثمانٍ وثلاثين مليون دولار يغتنمها من  يجتاز كل الألعاب ويبقى حيّاً. حيث يقتل اللاعب الذي يفشل في إتمام التحديات، التي تعتمد على الحظّ والمصادفة كما على أداء اللاعب وقدراته الجسديّة والعقليّة في اجتياز اللعبة أو الموت محاولاً. للّعبة ثلاث قواعدٍ فقط: اللاعب الذي يفشل، يُصفّى. اللاعب الذي يرفض المشاركة في اللعبة، يصفّى. إيقاف اللعبة مشروط بموافقة الأغلبيّة. والقاعدة الأخيرة هي أن موت/فشل كل لاعب يعني إضافة مليون دولار إلى حصّالة كبيرة—خنزيريّة الشكل—تعلّق عليها أحلامهم فوق أسرّتهم المكدسّة في قاعة نوم مشتركة. </p>
<blockquote>
<p dir="rtl">"يعد البالغون الأطفال بأن التضحيات المؤلمة التي يتطلّبها الانخراط الاجتماعيّ ستثمر بشروعهم في عملية النضج الغامضة؛ وهي ألغاز يتوقون لمشاركتها، لكن الشروع فيها وحده يحقّق الإشباع المرجوّ" (كونل)</p>
</blockquote>
<p dir="rtl">يرى "كونل" في قراءة "لأدورنو" أنّ النضج أو التمتّع بالسلطة على الذات ما هو إلّا  وعد غامض بعيد المدى، تعطيه المنظومة الاجتماعيّة للأطفال الذين يكبحون رغباتهم المطلقة بما تقتضيه المنظومة، حيث تعدهم بأن الإشباع الحقيقيّ لذواتهم ورغباتها يأتي مع النضج نفسه، أي يأتي بالتزامهم بالأعراف والسلوكيّات الاجتماعيّة المقبولة. أداؤهم وحده يشعل النضج فيهم، فالنّضوج ليس له وقت محدّد لكنّه لن يأتي دون الالتزام بشروط المنظومة. هكذا تماما، تضع "لعبة الحبّار" اللاعبين أمام تحدّيات طفوليّة، كحفر الأشكال في كعكة السكّر بشرط عدم  كسرها (أو كالحصول على وظيفة في العالم غير المجازيّ) تحدّيات خاضعة لمنطق الاستحقاق الرأسماليّ (meritocracy) والذي بموجبه يتحمّل اللاعب وحده مسؤوليّة إتمام اللعبة (أو الحصول على الوظيفة وأدائها في عالمنا) بغض النظر عن العوامل التي قد تجعل بعض اللاعبين مؤهّلين "للرّبح" أكثر من غيرهم، ويصبح العجز عن الأداء أو سوء الأداء مسؤوليّة الفرد التي تقصيه من المنافسة كنوع من العقاب. هذا يجعل اللاعب الذي يتمتّع بقدرات جسديّة وعقليّة أكبر أكثر جدارة في اللعبة، فنلاحظ في المسلسل كيف ينفر اللاعبون من التحالف مع النساء والعجزة (ويقابلها في العالم الرأسماليّ القدرة على العمل لساعات أطول دون معيقات جسديّة واجتماعيّة مثلا). نلاحظ أيضا عرض شخصيّات الإناث على أنّها مخادعة واستغلاليّة تحتال لسلب الذكور الأكثر كفاءة ثمرة جهودهم. وهذه إشارة إلى تكريس النظام للتمييز الجنسيّ. ففي النهاية، عندما يكافأ اللاعبون الثلاثة المرشّحون للعبة النهائيّة بعشاء "فاخر"، يرتدي ثلاثتهم (بمن فيهم الأنثى) بدلات توكسيدو المعروفة بأنها "للرجال"، فاللاعبة الأنثى التي اجتازت الألعاب وتفوّقت على غيرها  تعامل كـ"رجل". و"الطريف" أنّها خلال العشاء كانت تعاني من نزيف في رحمها (أسفل بطنها) جرّاء إصابة عرضية؛ انفجار لم يُصب المرشحيْن النهائيّيْن الآخريْن سوى بخدوش طفيفة، كناية عن هشاشة الأنثى أو إنتاجيّتها المنقوصة بحكم الطبيعة (العادة الشهريّة مثلا)، لذلك "تستحقّ" أنّ يصفّيها أحد اللاعبيْن الآخريْن، لأنّها "كانت ستموت على أيّ حال".<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="854" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/2451999jpg-r-1920-1080-f-jpg-q-x-xxyxx-1.jpg" width="1280"></div>
<p dir="rtl">
يتطرّق المسلسل إلى تقاطعات أخرى مثل تقاطع الرأسماليّة والعرق، فالرجل الأكثر بنيّة أو الأقلّ بياضا؛ الرجل الباكستانيّ "المعاق" (علي، مبتور الإصبع) مستطفَل من الرأسماليّة ومن غيره من اللاعبين بسبب عرقه  فينادي جميع الغرباء بـ "سيّدي". ويقدَّم على أنّه الأكثر "براءة" وصاحب القلب الأكثر "بياضا" لكنّ لونه وعرقه يبيح استغلاله من غيره من اللاعبين، مثلا يفوز هو في لعبة البلي لكن اللاعب المنافس يخدعه ويسرق فوزه ويتركه ليصفّى. بصورة معاكسة يظهر اللاعبون الفلبينيّون (المهاجرون) "أطفالا سيّئين" يثيرون المتاعب، فيخلقهم النظام كال"شرّير" في اللعبة الذي ينتظر الجميع تصفيته قبل غيره. وتظهر تقاطعات الاستحقاق والعنصريّة العرقيّة والجنسيّة أيضا في  تقديم النخبة أو ال"الأشخاص المهمّين جدا"(VIPS) كرجال بيض أثرياء يلهون في ديكور الغابة التي يطلى فيها الخدم بألوان الحيوانات وينحنون كطاولة يمد النخبة أرجلهم عليها أحيانا. يتقنّع النخبة بأقنعة حيوانات كريستاليّة باهظة؛ فإن كانت لعبة الحبّار حفلة دمويّة لتعرية الواقع، يتقنّع صنّاع هذا الواقع العاري لأنّه في "الواقع" لا يمكننا تمييز المتورّطين في ترسيخ النظام بل يظهرون كسائر الأفراد (كحيوانات مثلنا)، لكنّ المسلسل يدعونا لتمييزهم من أقنعتهم الباهظة (حياتهم الفارهة). "نجد في الأطفال آثارا وبذوراً لما سيصبح يوما تركيبة نفسيّة سويّة، لكن الطفل بالكاد يختلف في تركيبته النفسيّة عن الحيوان" (بيرجر). يرى جون بيرجر أن الحالة الحيوانيّة أو الحيوانات هي أيضا حالة من الطفولة، الجميع أطفال في اللعبة: رجال، شيوخ، نساء، بيض، سود، بنّيين... مع فارق الإنتاجيّة. هكذا تحدد إنتاجيّة الفرد في النظام جائزته أو عقابه، تماما كما يحدّد سلوك الطفل جائزته وعقابه. وهكذا يصبح الفشل موتاً في النظام. وتصبح "المسؤوليّة" نفسها مرعبة. يقدّم المسلسل فظاعة أو رعب هذا الاستطفال في ثلاث لحظات أساسيّة:</p>
<p dir="rtl">اللحظة الأولى، لحظة الرعب "الدراميّ"، عندما يدرك اللاعبون لأول مرّة في لعبة "ضوء أحمر- ضوء أخضر" أن الفشل في اللعبة يعني الموت، أي أنّ الخيارات المطروحة  هي الاستمرار في اللعبة/ الفوز أو الفناء. وهذا يعيدنا إلى الرأسماليّة التي تطرح نفسها على أنها الخيار الوحيد القابل للتطبيق (أي الشروع في المنافسة). بالإضافة إلى أن الأداء وحده يحدّد مصير الفرد سواء كان الفوز أو الخسارة، ربح الملايين أو الموت. وهذا يرتبط بعمليّة النضج الغامضة، التي تدفع التنشئة الاجتماعيّة الأطفال نحوها، حيث أنها تجعلهم يهذّبون أنفسهم ويكبحون غرائزهم ورغباتهم من أجل وعد النضج—المجهول بحد ذاته. </p>
<p dir="rtl">اللحظة الثانية، لحظة الرعب "الأخلاقيّ"، عندما يصل أوّل صوت يعارض إيقاف اللعبة بأصوات الأغلبيّة، بعد استعراض الخنزير المحشوّ بالملايين. في تلك اللحظة يتجلّى انحصار كل المنظومات الاجتماعيّة تحت مظلّة الرأسماليّة، بما فيها المنظومة الأخلاقيّة وقيم "الخير" و"الشرّ". الصوت الذي يختار مواصلة اللعب، يختار نظامًا سيودي بحياة الآخرين لا محالة. هكذا يصبح فعل "الخير" غير ممكن بالمنطق الرأسماليّ. يصبح أيّ فعل لا ينادي بإيقاف اللعب/النظام فعلاً عنيفاً بالضرورة. نظام الاستحقاق (الربح/الخسارة) في النظام الرأسماليّ يستبدل المنظومة الأخلاقيّة (الخير/الشر). الحقيقة تحدّدها معايير "الآخر الكبير" (لاكان) أي النظام الموضعي للأخلاقيّات والقيم. بالتالي بمنطق الربح والخسارة والاستحقاق، تقتضي أخلاقيّات اللعبة مثلا الاستمرار في المنافسة حتى يربح المستحقّون، وحقّ اللاعب في المشاركة هو مسؤوليّته على حياته حتى لو كان خروجه منها مشروطا بموافقة الأغلبيّة على الخروج أيضاً؛ أي أنّ "شرّ" المنافسة على اللاعبين خير لاستمرارية النظام وبالتالي هو "الخير" أو-الطريق إلى- "النضج". بالإضافة إلى ذلك، يتفكّك في هذه اللحظة وهم الديموقراطيّة التي تعد بها الرأسماليّة، فالنّظام لا يطرح خيارات معادية للنظام، واللاعبون الذين يوقفون اللعبة، يعودون إليها لأن اللعبة لم تنتهِ بخروجهم، أو أنهم لم يخرجوا منها حقّا عندما أوقفوها، بل إن عودتهم كانت للشقّ الآخر من اللعبة، والذي يقتل فيه الفرد بشكل بطيء وأقل صراحة في القواعد. وتظهر منظومة الدين أو الإيمان (منظومة "الخير والشرّ") بصورة كاريكاتوريّة؛ يستهزئ اللاعبون بالرجل الذي يصلّي في داخل اللعبة حيث لا سلطة إلّا لإله المال، ويركلونه من على الجسر الزجاجيّ إلى الهاوية في اللحظة التي يتحول فيها لعقبة تحول بينهم وبين الجائزة. </p>
<p dir="rtl">اللحظة الثالثة كانت لحظة الرعب" الوجودي" عندما يقدّم "هيكل" اللعبة الثانية بعد إقرار اللاعبين باستكمال اللعبة. عندما يصل اللاعبون إلى ملعب أطفال ضخم يحوي أرجوحة ومنزلقات فائقة الحجم، يرتمي اللاعبون في الفراغ وعلى الألعاب الفائقة لإتمام تحدّي اللعبة الثانية، التي يتبيّن أنها غير متعلّقة بهذه المنشآت، لكنّ وجودها هناك يجعلها صرحيّة (monumentality) عابرة لحالة الطفولة، فتشكّل اللاعبين كأفراد في فراغيّة الرأسمالية. حيث أن فشل أو تصفية اللاعب بعد هذا المرحلة، لا ينفذّه النظام مباشرة، بل اللاعبون بأنفسهم على أنفسهم. هكذا يسحبون بعضهم للهلاك في لعبة شدّ الحبل، يسلبون بعضهم البلي في لعبة البلي (الكرات الزجاجيّة) ويقفزون إلى هلاكهم في لعبة جسر الزجاج. من الجدير بالذكر أنّ إدخال البلي إلى اللعبة التي تتلو لعبة شدّ الحبل التي تعتمد على الفرق الجماعيّة، يلمّح إلى دخول النقود إلى لعبة الحياة؛ شرط اجتياز لعبة البلي بسيط: افعلوا ما يحلو لكم، الفائز هو الذي يستولي على كرات منافسه. فنجد منهم من يلعب بنزاهة، منهم من يسرق، يخدع أو يستسلم لينجو منافسه في حالات نادرة… لكنّ جميع الفائزين يأخذون نصيب غيرهم ليربحوا، وهم "يخترعون" الألعاب التي ستيسّر ذلك بأنفسهم (كالوظائف والسرقة والاختلاس والنصب). الأراجيح والمنزلقات والهياكل الضخمة غير المستعملة في الملعب الثاني تشكّل صروحاً للمتعة الموعودة، والتي تفوق الجائزة الكبرى بمجرّد الفوز وتخطّي المخاطر، بل بالمشاركة نفسها (التي لا تُربح إلّا الفتات كما في لعبة البلي الذي لا يحقّق ربحه في اللعبة سوى تصفية المنافس واستمرار المنافسة).  </p>
<p dir="rtl">بالفعل، يقترح "لعبة الحبّار" ثلاث فراغات حياتيّة في ظلّ الرأسمالية: السكن؛ وهو هيكل مؤقت من السقالات التي تحمل الأسرّة، حيث ينام اللاعبون ويأكلون ويتصارعون ليقصوا (يقتلوا) بعضهم بسبب الموارد الشحيحة. الملعب؛ حيث يقصي اللاعبون بعضهم وأنفسهم بإتمام اللعبة  أو المهمّة. ما بين هذين الفراغين هو متاهات النظام (البيروقراطيّة، الاجتماعيّة، الهيكليّة) أي متاهات الأدراج الصاعدة والهابطة وغرف التحكم، والتي تطلى بلونيْن؛ الأخضر وهو لون بدلات اللاعبين الذي يذكّر بلون النقود (الدولار) في الثقافة الشعبيّة (لون الموارد الخصبة)، واللون الأحمر/الزهريّ الغامق وهو لون بدلات عمّال اللعبة الذي يذكّر بالدماء، لون السلطة والقوّة (والذي يقابل اللون الأخضر في عجلة الألوان). ويعطى الموت حالة لامكانيّة، حيث يغطّى الحدث بمشهديّة استطفاليّة (زهريّة الغلاف)، متمثّلة بوضع الموتى في علب هدايا وسحبهم من ساحة المنافسة إلى وجهة غامضة، لكن "التغليف" يبقيها مطمئنة، والحقيقة أنّ النظام لا يتّسع للفشلة—للموتى في هذه الحالة، فيحرقون إلى رماد.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="902" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/squidgame-unit-101-001-1.jpg" width="1600"></div>
<p dir="rtl">
أمّا سرقة أعضاء الموتى والتجارة فيها يتناولها "لعبة الحبّار"  مثالا على محاولة "الغشّ" أو تحقيق الأرباح داخل النظام بالتآمر على النظام، فيصفّى فيها المتآمرون؛ الفاسدون من العمّال (الذين يلبسون أقنعة برتب إشارات وحدة التّحكم في البلايستيشن أي يظهرون كأدوات تحكّم) ويصفّى اللاعبون الغشّاشون المتعاونون معهم (الغش مسموح إذا لم يكن ضدّ النظام). لكنهم لا يحالون إلى اللامكانية، بل يعلّقون كالقطعة المفهومة (الصريحة) الوحيدة في متاهات السيستم والتي يشدّد خلفها الصوت على مصير المتآمرين على النظام. وتذكّر التركيبة اللي تعلّق فيها جثث المتآمرين بالألعاب التي تعلّق فوق أسرة الرضّع التي تعمل كمهدّئات (pacifiers) وكألعاب تعليميّة لتطوير وعي الرضيع بالأشكال وعادة ما تكون مصحوبة بالموسيقى، من أجل تعويد الرضيع على العالم من حوله.</p>
<p dir="rtl">أما الفراغ الثالث فهو غير متاح لأغلب لللاعبين، حيث تقعد الأقليّة الثريّة من النخبة، الفائزون الحقيقيّون في لعبة الرأسماليّة، للاستمتاع بالملذّات المطلقة، وأحدها مشاهدة الأغلبيّة تصارع على حياتها في اللعبة. فراغ للنّاضجين؛ الذين تصبح مشاركتهم في اللعبة مشهديّة نرجسيّة. لهذا يأتي إفشاء أنّ الرجل العجوز، اللاعب رقم واحد، هو صاحب اللعبة تأكيدًا على زيف المساواة التي يعتقد بها في نظام الاستحقاق. قد يشاهد النخبة اللعبة وقد يشاركون فيها، لكنّهم لا يواجهون خطر التصفية، لأنهم يفرضون ديناميكيّة اللعبة، فهم قصص النّجاح أو تجسيد لوعد الجائزة ولحياة الفائز، تحصيل المتعة الفائقة التي لا يتصوّر الأغلبيّة وجودها، والتي أُثمرها "شروعهم في عملية النضج"؛ بالمنافسة. هكذا نرى كيف يقرضهم الربح/المال قوة؛ نضجاً يتيح لهم اختيار جوائزهم بأنفسهم بينما يعفون من العقاب لأنهم "ال" فائزون. رغبة الثريّ العجوز في التمتّع بملذّات حالة الطفولة بصورة حقيقيّة قبل أن يقضي عليه المرض في رأسه (والتي لم تعد متاحة بسبب "نضجه" كممارسة ألعاب الطفولة مع "أطفال" جادّين مثلاً) تدفعه لتصميم العالم (وبناء اللعبة) بحيث يدور حول إشباع رغبته والانخراط -المشروط- فيه.</p>
<p dir="rtl">لهذا يركّز المسلسل على "الذكريات" المشتركة بين العجوز وبقيّة اللاعبين؛ كصندوق الغداء المزيّن، الألعاب، شلّة الطفولة... لأنّ الماضي، حالة الطفولة القمعيّة، هي الأرض المشتركة بينهم فعلاً،  بينما بإمكان النخبة تخطي هذه المرحلة فقط على حساب بقاء الأغلبيّة عالقين فيها حتى الموت. يدرك الرابح، جي-هيون، أنّ النضج الموعود لن يتحقّق بالربح، فالثمن سيكون موت منافسه (سانغ-وو) والذي هو أيضا شريك ذكريات "طفولته" الذي "لعب" معه لعبة الحبّار مرارا. بل إنّ جي-هيون، الذي جعلته اللعبة يفقد إيمانه ب"الخير" فتحوّل مثلا من مناصر لللاعب العجوز في اللعبة إلى المنافس الذي يسلبه حياته فيها، يدرك في النهاية، أنّ النضج يأتي بتطوّر حسّ المسؤوليّة الاجتماعيّة، إنقاذ رفيقه من التصفية. لكنّه لا يجد نداءا بالخلاص، لأن منافسه الأخير سانغ-وو عالق في اللعبة،  لا يرى سوى هلاكه القادم—فشله في اللعبة، فينتحر بالسكّين التي قدّمتها اللعبة ليُقتَل بها. وهكذا يحرم جي-هيون من صوت لإيقاف اللعبة. لا يستطيع جي-هيون، بطل اللعبة، سوى أن يربح لأنّ القواعد تقتضي ذلك؛ أي تفرض عليه وجودا محايثا للواقع. </p>
<p dir="rtl">عندما يربح جي-هيون يكتشف حقيقة اللعبة؛ يتحقّق كونه رابحا بإيمانه بـ "الخير" الإنسانيّ، في لعبة خارجيّة ارتجاليّة أخيرة مع الرجل العجوز الذي يكشف له أنه هو مهندس اللعبة، ويبرر ذلك "لهيون" بأن العالم كله خاضع لمنطق اللعبة، ويتحداه بسؤاله إن كان لا يزال يؤمن بالخير، وليثبت له انعدام الخير يراهنه على أن الناس سيتركون المتسوّل يموت على حافّة الطريق دون مساعدته. يقبل جي-هيون المشاركة في هذه اللعبة الأخيرة  ويراهن على حس المسؤوليّة الأخلاقيّة والاجتماعيّة عند الإنسان، ويربح الرهان. ويموت العجوز، مصمم اللعبة. عندها يتصرّف جي-هيون كرابح/ناضج فعلا ويصرف لأول مرّة من مال الجائزة (ويصبغ شعره بالأحمر-بلون السلطة والقوّة). وكجزء من نضجه الجديد يتصرف بمسؤوليّة تجاه من يعرفهم فيعطي أمّ سانغ-وو مالا وابنا جديدا (أخو منافسته التي قتلها سانغ وو في اللعبة). وبينما يمشي البطل نحو الحلّ الدراميّ (زيارة ابنته في أمريكا-مسؤوليته الأخلاقيّة)، يعيده مشهد رجل يُصفَع على وجهه بدلا عن خسارته في لعبة* (بنفس الطريقة التي استُقطِب فيها هو إلى اللعبة الدمويّة). في تلك اللحظة، يدرك جي-هيون أنّ النضج/المسؤوليّة الأخلاقيّة لن تتحقّق بأعمال خيريّة صغيرة (مثل مساعدة الجارة أم سانغ-وو) ما دامت اللعبة مستمرّة. هنا تتحول العلاقة بين المسلسل وشخصياته وبين المشاهدين. فالعمل يسلبنا الحلّ الدراميّ، ويعيد نظرنا ليركّز على اللعبة؛ على الرعب في استطفالنا كما أعاد جي-هيون. هذا هو نداء الخلاص الذي يقدّمه العمل؛ أنّ نثق بمخاوفنا في ظلّ نظام الاستطفال. فبينما نشاهد رعب الواقع في بيئة تجاريّة لطيفة (نتفلكس مثلا) لتشبع فينا رغبة الخلاص دون المواجهة الحقيقية مع هذه المخاوف التي يرسّخها النظام، يطلب منا المسلسل أن نتمسّك بهذه المخاوف بدل أنّ نهرب منها، بل أن نرى حالتنا المستَطفَلة والمرعَبة في جميع "منافسينا" (مثل جي-هيون). ف"الرعب" أقوى تأثيرا على الأطفال، والنضج الحقيقيّ، هو المواجهة الحقيقيّة لهذه المخاوف. </p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong>مراجع</strong></p>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">Adrian, Johnston. “Jacques Lacan.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Metaphysics Research Lab, Stanford University, 2018.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">Barber, Benjamin. “Challenges to the Common Good in the Age of Globalism.” Social Education, vol. 64, no. 1, 2000, pp. 8-13.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">Berger, John. About Looking. Vintage, 1992.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">Connell, Matt. “Childhood experience and the image of utopia.” Radical Philosophy, no. 99, 2000.</span></h5>
<h5 dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">Malkki, Liisa. The Need to Help: The Domestic Arts of International Humanitarianism. Duke University Press, 2015.</span></h5>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20663">الطفولة المُزمنة تحت الرأسماليّة في &quot;لعبة الحبّار&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-10-17 22:03:20 by W3 Total Cache
-->