<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>إميل حبيبي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%d8%a5%d9%85%d9%8a%d9%84-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/إميل-حبيبي</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:40:47 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>إميل حبيبي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/إميل-حبيبي</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>خمس صور عائلية لإميل حبيبي...</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19026</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 15 Dec 2017 11:59:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ae%d9%85%d8%b3-%d8%b5%d9%88%d8%b1-%d8%b9%d8%a7%d8%a6%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%a5%d9%85%d9%8a%d9%84-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>مجموعة صور عائلية لإميل حبيبي أهدتنا إياها حفيدته، ننهي بها الملف      </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19026">خمس صور عائلية لإميل حبيبي...</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div><span style="color:#7f8c8d">مجموعة صور عائلية لإميل حبيبي أهدتنا إياها حفيدته، ننهي بها الملف</span><br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img fetchpriority="high" decoding="async" alt="" height="487" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/42_Fotor-1.jpg" width="807"></div>
<p></p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="643" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/41_Fotor-1.jpg" width="1034"></div>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="1023" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/26_Fotor-1.jpg" width="1600"></div>
<p> </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="978" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/20_Fotor-1.jpg" width="1600"></div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19026">خمس صور عائلية لإميل حبيبي...</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تخوين الموتى</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19014</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[جولان حاجي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 05 Dec 2017 08:14:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<category><![CDATA[هرطقات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%aa%d8%ae%d9%88%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa%d9%89/</guid>

					<description><![CDATA[<p>بيت الحطيئة إميل حبيبي حكواتي كتب متواليات صحفية متقطّعة، تفرّقت أجزاؤها والتأمت في كتب قليلة. حكاياته مقالات توالدتْ من التجارب والمحن في "مدرسة الحياة" حيث تصعلك الكاتب وتمرّد وآمن وارتدّ، وشرع بالكتابة من دون معلّمين ومن دون احتياج إلى سعة الاطلاع. محتويات كتبه مبعثرة، شوّشتها هيجانات التاريخ العربي المعاصر ونوائبه، مثلما شتّتتْ كاتبها وكثيراً ما [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19014">تخوين الموتى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color:#ff0066">بيت الحطيئة</span></p>
<p>إميل حبيبي حكواتي كتب متواليات صحفية متقطّعة، تفرّقت أجزاؤها والتأمت في كتب قليلة. حكاياته مقالات توالدتْ من التجارب والمحن في "مدرسة الحياة" حيث تصعلك الكاتب وتمرّد وآمن وارتدّ، وشرع بالكتابة من دون معلّمين ومن دون احتياج إلى سعة الاطلاع. محتويات كتبه مبعثرة، شوّشتها هيجانات التاريخ العربي المعاصر ونوائبه، مثلما شتّتتْ كاتبها وكثيراً ما دفعتْ بسرده إلى "اللغة الشعرية" و"الشطحات"، فسمّى اندفاعاته "انطلاق العقل الباطن" في "تيار اللاوعي"، والأرجح أنه لم يصطد في هذا التيار الأدبيّ إلا دارج المفارقات.  </p>
<p>وإذا ما شُبّهت أعماله الأدبية بالمرايا المنصوبة أمام التاريخ والواقع والذات، فلعلها أقرب إلى "مرآة المجانين" لدى غ. ك. تشسترتن، حيث يكتشف الراوي أن كل الوجوه المقلوبة في منامه الطويل ليست إلا وجهه. هكذا، رواة إميل حبيبي وشخصياته ليسوا أحداً سواه. كل الذين أظهرهم بكلماته ظلّوا محكومين بالنقصان، ربما لأن بخار الشعارات والمقولات الكبرى وكثيراً من الضباب اللفظي-الغنائي غطّى سطوح هذه المرايا.</p>
<p>غير مرة، أصرّ إميل حبيبي على "الصدق" بوصفه الطريق الأصعب والمعيار الأوحد في الكتابة، ولعله عثر في الصدق والبساطة على ذريعة وتبرير أسلوبيين أيضاً. ذكر إنه يشبِه الشعراءَ "بتفريجه عن الكرب في عمل أدبي"، وغير مرة أشار إلى «رسالة الغفران» بوصفها نصّاً هزلياً. يذكر المعرّي إن بيت الحطيئة يقع في أقصى الجنة، و"فيه رجلٌ ليس عليه نورُ سكّان الجنة، وعنده شجرةٌ قميئة ثمرُها ليس بزاكٍ". لربما استملح حبيبي كلمة "زاكٍ" هذه لتصاديها مع المحكية الفلسطينية التي طعّم بها أعماله وذاد عن دورها في الأدب ما استطاع، ولربما وجد فيها مسوّغاً جديداً لسخريته التي لم يصوّبها على نفسه إلا لماماً وبشيء من المضض. يستغرب المعرّي وجود هجّاء كالحطيئة في الجنة، لم يسلمْ من لسانه أحد حتى أمّه، فيسأله: ""بمَ وصلتَ إلى الشفاعة؟" فيقول" بالصدق"". الصدق لدى الحطيئة ماثل في بيتين من الشعر هجا فيهما نفسه، بهما نال المغفرة.</p>
<p><span style="color:#ff0066">عذاب الضاحك في مأتم</span></p>
<p>وصف إميل حبيبي السخريةَ بأنها سلاحٌ لمقاومة الضعف وتعبير عن المأساة تداعب به الروح الفواجع والنكبات. كتبه زاخرةٌ باللفتات اللمّاحة. نجد لنهجه الساخر هذا ديمومة وظلالاً وأصداء في الأدب الفلسطيني الراهن، لدى محمود شقير في "صورة شاكيرا" مثلاً أو علاء حليحل في "كارلا بروني عشيقتي السرية"، ولعلّ الأصداء نفسها تناهت إلى كتاب ساخرين في سورية والأردن، كمحمد طمّليه. سخرية حبيبي هي فكاهة الصحافة، مسخرة المضحك المبكي، وشخصياته مطايا الولع بالمفارقات. لا نكاد نلمس العفوية التي لطالما نادى بها ونشدها مؤلف النقائض أو ملتقطها، المتمسك بمذهب "الصدق المنفلت" في الكتابة، إذ كيف يمكن لمن ينادي بتوخّي الصدق ألا يقع في فخاخ التلقين والموعظة؟ في جنوحه الدائم إلى تلخيص ما لا يُلخّص، كان يوازن المواضيع الشائكة بمقابلاتها من الطرائف لتستقيم معادلة الأضداد التي تتصارع وتتكامل. كان لا بد من خفّة الدم، لا بد من ضحك أسود لتحلّق على ارتفاع منخفض القضايا الثقيلة المحمّلة بالآلام. </p>
<p><span style="color:#ff0066">مقامات الشيوعي ّوشيخوخة شهرزاد</span></p>
<p>استلهم حبيبي «كليلة ودمنة» و«مروج الذهب»، وعلى الأخص «الساق على الساق في ما هو الفارياق» والمقامات. «سرايا بنت الغول» حكاية حب ضائع يسترجعها عاشق هرِم، يتصدرها هذا المأثور الشعبي "سرايا يا بنت الغول، دلّي لي شعرك لأطول". كتب حبيبي عمله هذا في سنيّه الأخيرة، وسماه "خرافية"، وهي في فلسطين الحديث المستملَح المهجّن بالأساطير ويرويه المسنّون عادة. كاتبنا الشيخ استوفى الشروط، غير نادم ندمَ بعض المناضلين الشيوعيين على ما فوّتوه من سِنِيّ شبابهم وتضحيتهم بمواهبهم. عاود من جديد خلط الفصحى بالمحكية، وطعّم النصوص بالحكم والخواطر والعِبر والذكريات الشخصية وأشعار ابن الفارض وأكثر من الاستشهادات.</p>
<p>تبدو طاقة الكلام هائلة لدى حبيبي، وربما كانت أكبر من أن تسعها الكتابة فتفتّتتْ معها الأخيرةُ وتذرذرت في نصوص قصار وأفكار متطايرة، رغم حديثه الدائم عن ضرورة ولادة الكتابة من اختمار التجربة. حماسته، ونارية طباعه الملاحظة في المقابلات، تولّدان انطباعاً بالاستعجال. كان الحكّاء أعظم من الكاتب بما لا يقاس، اعتمد نبرات تتباين وتهذي أحياناً وقد تحوّل عمله الأدبي إلى رواية تعليمية، إذ سرعان ما ينضب خزين الكاتب من التجارب والذكريات فلا تسعفه مخيلته حين تستعصي الكتابة. الهوامش "العجيبة" التي أثقل بها حواشي صفحاته تكشف وجهاً تبسيطياً، فأثناء عبوره من عالم المشافهة إلى عالم التدوين انهمك بالكثير من الأمثلة التوضيحية والإسقاطات السياسية والشروحات وغرائب الحواشي المخيّبة، كأن تجده يشرح "غزل البنات" أو "رحلة ابن جبير" بالتواريخ والأرقام. كانت تلك الحقبة الأدبية، بعد صدور «المتشائل» وما تلاها، ضاجّةً برواج المعادل الرمزي والمعادل الموضوعي في تأويل الأدب، ولم يكن العجائبي إلا ذريعة سياسية غالباً، ولهذا لا يستغرب أن تصادف في أدب حبيبي شخصية متيقّظة اسمها "سرحانة"، ولا تفسير تشتّت البنية الروائية لديه بالشتات الفلسطيني، ولا الربط بين الهوامش والتهميش، ولا كتابة جملة من هذا القبيل: "رحتُ أنبش جبال النسيان محاولاً، قدر طاقتي، الإيغال في أغوار الذاكرة". لا ننسى طموحَ جوناثان سويفت إلى هجاء الإنسان في «رحلات غوليفر»، ثم انتهاءَه بتأليف كتاب اعتبرته الأجيال اللاحقة أدباً للناشئة. </p>
<p>على أية حال، لم يكن هناك في استخدام حبيبي للتراث الشفوي خروج واضحٌ من أسر الواقعية الأوروبية، ولا استمرار للحكاية الشعبية الفلسطينية التي تتجلّى أنصع تمثلاتها في عمل «قول يا طير..»، هذا الكتاب الفريد لشريف كناعنه وإبراهيم مهوّي. ظلّ أدب إميل حبيبي معلّقاً بين الواقع والفانتازيا، بين الحكاية الشعبية والتحليل السياسي. كان يلهو بالحكايات ويهدم بنيانها، منساقاً وراء شهوة الكلام وغواية التهكّم والتلاعب بالألفاظ ومواجهة الألم بالقهقهات والهزائم المتلاحقة بفيضٍ من النوادر. كانت الثغرة تتّسع أكثر حين يقفز خارج إطار النكتة ليلتفت إلى الفكر ويبتكر الرموز، فتبدو "الإشراقات" ثقيلة الوطأة في ظل الطرافة المهيمنة، إذ حينذاك تتبدّى غالباً اللغةُ الجاهزة للمقال، بكل مزاعمها من تمثيل الواقع والغوص في لجج الحياة اليومية وهموم الناس، كما ينكشف منطق الثنائيات والمتضادات الذي استحكم طويلاً في مقاربات حبيبي للواقع والفن معاً. استغربتُ "النكات الرمزية" حين أعدتُ قراءته مؤخراً، ولم ألمس حسّ الدعابة الذي عُرف به الكاتب. فكرتُ بندرة الضحك، وبأن تقديري لعمله عائد إلى محبة غامضة أكنّها لذكريات بعيدة أكثر من اقتناعي بأهمية منجزه أو أهمّية الصراع في تاريخ الأدب. استرجعته بشيء من الحنين، كمن يفتقد أنس المسامرات مع معلّمين رحلوا، ملامساً شيئاً من طفولتي في أرض طفولته وجدّته التي وصفها بأنها "شهرزاد وقد شاخت بعد ألف ليلة وليلة". سأختم هذا المقال بما قاله واحدٌ من روّاد الرمزية، موريس ماترلينك:</p>
<p>"حالما نصوغ شيئاً بالكلمات، فإننا نبخس قيمته بطريقة غريبة. نعتقد أننا غُصنا إلى أعماق الهاوية، وعندما نرجع إلى السطح لا تعود قطرة الماء على أطراف أناملنا الشاحبة تشبه البحر الذي جاءت منه. نوهم أنفسنا بأننا قد اكتشفنا مغارة كنز مدهش، وعندما نرجع إلى ضياء النهار نجد أننا لم نجلب معنا غير أحجار زائفة وشظايا زجاج؛ ولكن الكنز يبقى متلألئاً في الظلمة، ولا يتغير أبداً".</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19014">تخوين الموتى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إنه الأسلوب يا حبيبي!</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19011</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[إياد برغوثي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 02 Dec 2017 08:31:39 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a5%d9%86%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%84%d9%88%d8%a8-%d9%8a%d8%a7-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في نهاية روايته الأخيرة، أو للدقة "خرّافيته" الأخيرة، «سرايا بنت الغول»، أو للدقة أكثر وأكثر في نهاية فصول حياته الشخصيّة، وصل الكاتب إميل حبيبي إلى نتيجة أذهلته، نتيجة تُناقِض نهجَ حياته كلّها، من حيث اعتقاده السابق أنّه من الممكن "حمل بطيختين بيدٍ واحدة: أي الانشغال بالسياسة والانشغال بالأدب"، قال هذا ودخل إلى صومعة النهاية، ذات [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19011">إنه الأسلوب يا حبيبي!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>في نهاية روايته الأخيرة، أو للدقة "خرّافيته" الأخيرة، «سرايا بنت الغول»، أو للدقة أكثر وأكثر في نهاية فصول حياته الشخصيّة، وصل الكاتب إميل حبيبي إلى نتيجة أذهلته، نتيجة تُناقِض نهجَ حياته كلّها، من حيث اعتقاده السابق أنّه من الممكن "حمل بطيختين بيدٍ واحدة: أي الانشغال بالسياسة والانشغال بالأدب"، قال هذا ودخل إلى صومعة النهاية، ذات القبة الزجاجيّة، يراجع تجربته بعد انهيار عالمه الفكريّ، منتظرًا أن يردوا له “سرايا”، أي حبّه للأدب والإبداع بصدق وسذاجة، التي أهملها بعد أن اختطفها منه غول الحياة السياسيّة الحزبيّة الصاخبة وما فيها من كذب وقسوة ووسخ، كما وصفها، وتساءل: “هل نقبل عذرًا لشجرة إجاصٍ أثمرت باذنجانًا أنّها توفّر للفقراء “لحم الفقراء”؟”.</p>
<p>“ليس مصادفة أنّ شجرة الإجاص موجودة”، يقول إميل حبيبي في مقابلة أعادت نشرها مؤخرًا مجلة الدراسات الفلسطينيّة، ويضيف “صحيح أنّ الباذنجان أهمّ للحياة، لكن الإجاص ضروري أيضًا. أنا لا أفصل السياسيّ عن الثقافيّ”.</p>
<p>صحيح أنّه لا يمكن الفصل بين السياسيّ والأديب في حالة إميل حبيبي تحديدًا، فقد حمل البطيختين بقوّة طيلة حياته، كما أنّه لا يمكننا عمومًا تجاوز تأثير السياسة، بكونها فكرًا وموقفًا من الشأن العام ونسقًا قيميّا وعلاقات قوة وسيطرة وسرديات، على الأدب كتعبير عن التجربة الفرديّة والجماعيّة ومحاولة لإعادة صياغة الوعي والذاكرة في سياق محدّد. إلا أنّ عدم الفصل بينهما، عليه أن لا يمنع منا أن نحمل كل بطيخة من بطيخات إميل لوحدها ونتأمل في تفاصيل تشعباتها، ونشمّ رائحة التراب التي نبتت جذورها فيه، قبل أن نعيدها إليه.</p>
<p>وللصراحة، فإنّ ما دفعني إلى هذه الاستعارة هو حاجتي للبحث الجادّ عن مكمن القيمة الأدبيّة والفنيّة التي أعطت مكانة خاصة لنتاج إميل حبيبي في الأدب العربيّ المعاصر، حيث أنّه من أهمّ أدبائنا العرب والفلسطينيّين، بعيدًا عن كلّ الجدل الصاخب حوله دوره ومواقفه وخلافاته كقائد سياسيّ حزبيّ وكتاباته الصحفيّة اللاذعة ضد خصومه، وبعيدًا عن الأوصاف المألوفة حول "المتشائل"، إذ كان لدي دومًا انطباع أنّ أمر هذه المكانة الأدبيّة لا يرتكز أساسًا إلى المضمون السياسيّ والإيدلوجيّ لهذا النتاج، ولا حتى خصوصية السياق، سياق "الباقين في وطنهم”، فلم يكن قلمًا وحيدًا في عصره هنا، في الأرض المحتلة، كما نعلم جميعًا، بل اعتقد، إلى حدٍ معيّن، أنّه نال المكانة الأدبيّة عربيًا رغمًا عن هذا كله. وهنا أوافق الرأي الذي يرى بأنّ أسلوب السرد الخاص الذي صاغه حبيبي لنفسه، المعتمد على التراث الأدبيّ العربيّ القديم، ببلاغته وسحره، والحكايات الشعبيّة وعلى أسلوب السرد الشفويّ، وأثر أصحاب البيان القدماء في لغته وسخريته، مكمن قيمته، ومصدر قوته، وهو ما ميّزه في فترته. </p>
<p>ففي المقابلة التي نشرتها “<a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=4623" target="_blank" rel="noopener">رمّان</a>”، يقول حبيبي: “وإذا أردت أن أشدّد على ناحية أو مصدر أدبيّ فإنني أقول إنني تأثرت كثيرًا بالمقامات والأدب الهزلي الكلاسيكي العربي، أدب الكشاكيل… وأنا عندما أكتب أعمل كثيرًا في القواميس القديمة، قاموس الفيروز أبادي، وبعض الكتب كـ «العقد الفريد»، كما أنني أشعر بأن الجاحظ يشجعني على اختراع الكلمات”. ففي مقابل مدرسة “الواقعية الاشتراكية” الطاغي على “الرفاق” في العصبة، وعلى الحقبة، كانت لإميل حبيبي وجهة أخرى، فقد فتّش “عن أسلوب جديد في الأدب يتفق وإمكانية الاستيعاب الجماهيري العربي الخاص”، ويضيف “أما لجوئي للأدب الساخر فإنه يعود إلى أمرين: أرى في السخرية سلاحًا يحمي الذات من ضعفها. كما أرى فيها تعبيراً عن مأساة هي أكبر من أن يتحملها ضميري الإنساني. ولقد وجدت في التراث العربي معيناً لا ينضب في هذا المجال، وكم من أعمال عربية كلاسيكية لم يفهمها جيلنا باعتبارها أدبًا ساخرًا، وعلى رأس هذه الأعمال تأتي «رسالة الغفران»، للمعرّي، و«ألف ليلة وليلة»”.</p>
<p>وصحيح أنّ حبيبي كان مهتمًا بالمنجزات الأدبيّة العالميّة ويعترف بفضلها على كتابته وأهميتها لكل كاتب، لكنه لاحظ بأنّ “كثيرًا ما يتم نقل ميكانيكي لمكتسبات الآداب العالمية بما لا يتلاءم، لا مع أذواقنا الجماعية الخاصة، ولا مع الحاجة إلى الاستمرار في رفع مستوى هذه الأذواق. وبهذا يختلف الأدب عن بقية فروع المعرفة، من حيث أن علم الحساب هو علم الحساب في كل مكان، أما الأدب وبقية الفنون، فتظل في الأساس تعبيرًا عن خصوصية الإسهام الذي يقدمه شعب من الشعوب للتراث العالميّ. ومن هنا اهتمامي الخاص بلغتنا وأسلوبنا…من الواضح بالنسبة لي أن الأسلوب الأدبي هو الذي يميز الأدب عن غيره من الأعمال الكتابية، وأنا لا أسمح لنفسي بارتكاب أي خطأ في اللغة حين أكتب الأدب. وأسلوبنا معرض ونحن ومعرضون سياسيًا للتلوث، وإننا نعتز في بلادنا بأننا أسهمنا في منع مأساة شبيهة بمأساة شمالي أفريقيا (من حيث قضية إحلال لغة أخرى مكان لغتنا العربية)”.</p>
<p>فلنأخذ «سرايا بنت الغول»، بما أننا قد بدأنا بها، فهذا العمل استلهم بالأساس من حكاية شعبيّة فلسطينية، وهي تحكي، كما لخّصها حبيبي، عن فتاة قرويّة جميلة لم يمسّ المقصّ شعرها، وكانت فضوليّة، تذهب إلى الغابات والوديان تبحث عن الزهور وعن أعشاش الطيور، وكان هناك غولٌ يراقبها، ثمّ أحبها. ويبدو أنّ الناس في القرية كانوا يعرفون أمور هذا الحبّ. لهذا صارت الفتاة تسمى “سرايا بنت الغول”. وفي يومٍ من الأيام، خطبها الغول وبنى لها قصرًا من الذهب والبلور وحبسها فيه. وكان لها ابن عمٍ في مثل عمرها يحبها أيضًا. فراح يجول في الوديان وفي الجبال يبحث عنها وينادي: “سرايا يا بنت الغول، دَليلي شعرك لأطول”. وظلّ يبحث عنها حتى سمعته في أحد الأيام، فدلّت له جديلة شعرها، فتمسّك بها وصعد إليها في القصر وأنقذها.</p>
<p>وفي أحد فصول هذه “الخرّافية”، التي يكون مجرد إطلاق هذه التسمية عليها دلالة على سعي الراوي إلى صوغ أسلوب سرديّ أدبيّ يشبه أسلوب السرد الشفويّ، ففي فلسطين نقول “نتخرف” أي نحكي أو نتحدث، و”خرّافية” هي قصة مثيرة فيها قدر لا بأس به من التشويق والتأزم. وهو بسرده ينتقل، مثلما نفعل في جلساتنا، من “خرّافية” إلى أخرى ويستطرد و”يشطح” ثمّ يستعيد “الخرّافية” التي يدور “الخرّاف”، أي الحديث، الأساس حولها، وهو أسلوب يذكر، بنفس الوقت، بأسلوب سرد القصص في «ألف ليلة وليلة» مثلاً، فهناك قصص دخل قصص في إطار قصة محورية، كأنها أزقة مدينة عربية قديمة. </p>
<p>فمثلاً، في مطلع «سرايا بنت الغول»، كان الراوي، هاوي الصيد العجوز، يجلس على صخرة أهملها الصيادون الجادّون على شاطئ الزيب المهجرة، حين لم يفاجأ من ذلك “الشيء” الذي فاجأه بظله علـى البحر المضطرب! فيبدأ بالحديث عن مولده وعلاقته بالبحر وحيفا وصيد الأسماك، وقصة جرت معه حين انقضت عليه النوارس وبعدها الغربان بينما اصطاد السمك علـى شاطئ البحر الأسود. ثمّ ما يلبث يعود للظلّ، الذي ظنّه ظلّ سمكة قرش، فكان ظلّ جسم نحيل ضامر لصبية في مقتبل العمر تخطو نحوه فوق رمل الشاطئ بمشية مسحورة، خال أنّها تناديه: “يا يابا”. هرب من “الشيء” فزِعًا، وبعد سقوطه من على الدرجات الحجرية، على هضبة شاطئ الزيب، التي تنيرها الكشافات العسكريّة الدائرة، “وإذ بيدٍ تأخذ يدي وتسحبني وراءها شمالاً نحو مصب “وادي القرن”. وتصعد في الوادي وأنا أسير وراءها مأخوذًا”. عادت سرايا فأنقذته، ليعود إلى نفسه، ولو قبل النهاية بقليل. مدت لها شعره ليطول..نفسه.</p>
<p>في السطر الأخير من خطبة (مقدمة) رواية (خرّافية) «سرايا بنت الغول» يجيب إميل حبيبي، في الفصل الأخير من حياته، أجاب عن سؤاله أعلاه عن جرة الإجاص: “لقد وُلِدتْ لإطعامنا إجاصًا!” إنّ الإجاص الذي أثمرته شجرة إميل حبيبي فاكهة لذيذة الطعم والأسلوب، حتى لو لم نشتهي الباذنجان الذي أنبت.  </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19011">إنه الأسلوب يا حبيبي!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>وقد حُرّم قتل الآباء دون محاكمة عادلة!</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19009</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مرزوق الحلبي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 01 Dec 2017 12:10:08 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%88%d9%82%d8%af-%d8%ad%d9%8f%d8%b1%d9%91%d9%85-%d9%82%d8%aa%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%a8%d8%a7%d8%a1-%d8%af%d9%88%d9%86-%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%83%d9%85%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d8%af%d9%84%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>لست منشغلا بإميل حبيبي بقدر ما أنا متأثر منه. وعليه، لا تهمنّي كثيراً تلك المقاربات والأحكام الصادرة بحقّه بأثر رجعي، من محبّين ومِن خصوم، بين فينة وأخرى. أتابعها وأنا مُعجبٍ بقُدرة غالبية الذين يدّعون مراجعة التجربة وأداء القيادات على مواصلة ادّعاءاتهم هذه بينما الواضح من نصوصهم المبطّنة أنهم إنما يتمنّون أن يحضروا ولو على حساب [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19009">وقد حُرّم قتل الآباء دون محاكمة عادلة!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>لست منشغلا بإميل حبيبي بقدر ما أنا متأثر منه. وعليه، لا تهمنّي كثيراً تلك المقاربات والأحكام الصادرة بحقّه بأثر رجعي، من محبّين ومِن خصوم، بين فينة وأخرى. أتابعها وأنا مُعجبٍ بقُدرة غالبية الذين يدّعون مراجعة التجربة وأداء القيادات على مواصلة ادّعاءاتهم هذه بينما الواضح من نصوصهم المبطّنة أنهم إنما يتمنّون أن يحضروا ولو على حساب اسمه وذكره وفذاذته. كثيرون من الذين انبروا يُدافعون عنه مؤخّراً لم يجايلوه ولم يعايشوه، وأراهن، لم يقرأوه. فيأتي الدفاع عنه من قبيل العصبية الحزبية أو العقيدية المُفترضة مع إن إميل حبيبي قضى سنواته الأخيرة "منفياً" عن حزبه بل إن بعض المدافعين عنه الآن، كان كتبَ اعتداء على اسمه وذكراه وإرثه أسوأ كلام وأمقته.</p>
<p>إميل حبيبي، لا هو فوق نقد ولا في منأى عن مراجعة لفكره وإرثه. لكنه بعد عشرين عاماً على رحيله يستحقّ أن نُنصفه إذا حكمنا وأن نعدل إذا قرأنا تجربته وتجربة جيله. كلّ رأي غير مسوّغ لا يُعوّل عليه. كلّ وجْهة نظر غير مسنودة بادّعاء منطقي أو دليل مادي واضح، ستكون متجنّية. وكذلك الأمر بالنسبة لهذا الجيش من المدافعين عنه على العمَى. ومن هنا غير مقبول عليّ لا هذا التشبيح ضده ولا هذا التسبيح باسمه. فكلاهما يُسيء له وإن بدرجة متفاوتة.</p>
<p>إحدى التحليلات المحبّبة في العلوم السياسية ـ الاجتماعية الحداثية هو قراءة دور الفرد/القائد في التاريخ من خلال التمحور حول شخصه وعالمه الجوّاني ـ نفسيته. تنافسها قراءة منهجية أخرى تنطلق في عملية القراءة من المبنى (Structure) الذي نشط فيه القائد وانحكم لشروطه لتنتقل إلى القائد كعنصر فاعل ضمن هذا المبنى. بمعنى يتمّ التركيز على أهمية المبنى وسطوته على حساب أهمية الفرد. وأنا، أنحاز لمنهجية القراءة الثانية لأنها تقرّبنا من الإنصاف إذا حكمنا، خاصة وإننا أبناء ثقافة مولعة بإصدار الأحكام، ولدينا جميعاً ميزان وطني مُحكم لا يميل! ففي نهاية كل عملية وزن سنصل بالتأكيد إلى التصنيف النهائي بين "وطني" و"بطل" و"مُشرّف" وبين "متعاون" و"خائن" و"مُعيب"! وهي الثنائية التي أحبّوا رؤية إميل حبيبي من خلالها. وليس إميل حبيبي وحده، محمود درويش وعزمي بشارة وإميل توما، أيضاً، وكل قيادات شعبنا الفلسطيني وصولاً إلى عرفات وأبو مازن وسواهما.</p>
<p> لكن أسوأ ما في مثل هذه المحاكمات الميدانية السريعة هذه العادة السيئة في النظر إلى تجربة إميل حبيبي كلّها من مِطلّ اللحظة الراهنة وإسقاط مكونات تجربتنا اليوم على إميل ذلك الوقت. بمعنى، أنه يتمّ محاكمته بخطاب اليوم، أو بأدوات الحقبة الراهنة وشروطها ومفاهيمها ومشاعرها. مثلاً، هناك مَن يُحاكم إميل حبيبي والقيادات من أبناء وبنات جيله وهم يعيشون النكبة ومفاعيلها من بُرج عالٍ في الجامعة الإسرائيلية، أو من زاوية طاولة عامرة في سهرة كأس ووجبة ملوكية مع الأصدقاء في شارع "بن جوريون"، في حيفا. هناك مَن يُحاكمهم مِن موقعه الآمن الآن المحميّ بالقانون وسلطته، بينما هم مرعوبون من خطر التهجير كبقية شعبهم، يُحاكمهم، وهم الذين ظلمهم التاريخ وحسابات الأقوياء، من موقعه باحثًا مُرفّها في خارج البلاد في العام 2017. بمعنى أن "القُضاة الوطنيين" و"سَدَنة المعبد الوطني" يُحيون العظام ويستحضرون الأموات ويعاقبونهم باعتبارات اليوم ورؤاه. كأنه ليس هناك زمن فاصل من سبعة عقود أو أكثر! يُغريني هذا الوضع أن أصرخ في وجوههم ـ نكبة يا أهل الله نكبة، مجازر هنا، مجازر هناك، شعب وحضارته يُبتران على مرأى من العالم، وأنتم، من زمانكم ومكانكم الآمنان، تحاكمون! </p>
<p>لا تحاول هذه المُحاكمات أن تتقمّص شروط تلك المرحلة ولا انعكاساتها في الناس، عاديين كانوا أم قيادات. وهي شروط هزيمة شاملة و"تراوما" شخصية وجماعية. و"القُضاة الوطنيون" لا يسعون أبداً إلى فهم خطاب الانكسار والخوف والرعب لدى البقية التي رأت هزيمة عربية نكراء وجرائم حرب وتشريدًا وذُلاً. لا يرون هاجس التهجير في النفوس المكلومة المرضوضة تماماً. محاكمات لا تحاول أن تفهم معنى الانكسار والتشظي كمجتمع ومدى الضعف الإنساني الذي يؤدّي بصاحبه إلى تربية الأمل أو قُل التعلّق بالأوهام بما فيها الآتية من لدن المحتلّ المنتصر. وكما في حلبة الملاكمة ـ أنت مضطرٌ أحياناً لمعانقة خصمك كي تتقي لكماته التي يُمكن أن تكون قاتلة! هكذا يتصرّف الناس في حالات الأزمة والانكسار والإصرار على البقاء رغم الظلم!</p>
<p>والمُحاكمة هنا تضمرُ "عقدة الأب" عند الجيل الثالث بعد النكبة. الأبناء يُحاسبون آباءهم على الهزيمة، يمقتون آباءهم لأنهم هُزموا، ويحمّلون الآباء مسؤولية هذه الهزيمة. فكل أب في المخيّلة الباطنية للابن بطل مخلّص، قادر مقتدر. فإذا هُزم، فلأنه لم يُقاتل، أو لأنه تقاعس أو تخاذل! ينتابني هذا الشعور وأنا أقرأ لائحة الاتهام ضد إميل وجيله. وهي لائحة اتهام ظالمة، لا استقامة فيها. لأنها توجّه في العادة إلى إميل وحزبه فقط دون غيرهم، ربما لأنهم قادوا مرحلة البقاء في الوطن بحلوها ومرّها وبتشاؤلها. كأنه لم تكن للشعب قيادات أخرى، ذات نزعات قومية أو رجعية أو إقطاعية أو دينية. هذه هي القيادات التي خسرت الحرب وانهزمت. وهذه القيادات ذاتها، كانت في صراع ضد الشيوعيين والاشتراكيين العرب قبل اتحادهم مع الشيوعيين اليهود في حزب واحد! </p>
<p>يبدو لي، أحياناً، أن منتقدي إميل حبيبي لم يقرأوا "المتشائل"، رائعته، وهو أضعف الإيمان إذا ما حضرت الرغبة في الفهم ـ ولماذا يقرأون ما دام الميزان الثنائي جاهزا للحُكم؟ كم كان إميل حبيبي وجيله بحاجة إلى التشاؤل كي يظلوا هنا، كي يربحوا الوقتَ والمكان، أو ما بقي منه؟ أو أنهم ـ المنتقدون ـ لم يفهموا التشاؤل البنيوي في تجربة الجيل الأول من الباقين في وطنهم! والتشاؤل سِمة الناس في تلك الأيام وسِمة النفوس المنكوبة بما رأت وعاشت وبما أرادته من بقاء مشروط على متن وقت مستقطع تماماً قد يغدر بهم ويفرّ. </p>
<p>في إحدى المرات سألت والدي بنوع من العتب وأكثر: كيف استطعتَ أن تفعل، أن تهاجم "كمبانية" "كريات حروشِت" مساء الأربعاء مع "الثوار"، وأن تنزف قدماك ساعات طويلة من فلقات "الثُوار" مساء الخميسِ لرفضك تسليم مسدّسك، ثم تذهب صباح الجمعة إلى سيلة الحارثية مع "مِدّين" من الخبز وخمسة كيلوغرامات من الدُخان المفروم سرّا لتقدّمه معونة لـ"الثوار"؟ كنتُ أغلي وأنا أسأله. ابتسم طويلاً وأجابني باقتضاب ـ "هكذا فقط أمكننا أن نردّ أذاهم عن أهلنا وعيالنا"! وصمتُ إلى الآن! أبي، لم يكن محزّبًا ولا مؤدلجًا لكنه كان قائداً محلّيا ضمن مجموعة شبابية عائلية كل همّها أن تسْلَم القرية بسكانها مهما تكن خاتمة الصراع. وهو ما فعله ومجموعته بكلّ ما أوتي من ذكاء فطري وحنكة وإرادة هُزمت في امتحان الحرب ولُعبة القوى.</p>
<p>أحياناً لا يكون لك خيار سوى الذي اخترته. وأقدّر أنه لم يكن أمام المهزومين من جيل النكبة سوى خيارات مهزومة. كأن يُنقذوا ما يُمكن إنقاذه. أو أن يقبلوا قرارَ التقسيم. أو أن يختاروا أهون الشرّين. أو أن يُراهنوا على ما طرأ واستجدّ، أن "يقبلوا" الهزيمة مثلاً ريثما يطرأ أمر آخر. فأبي الذي ذكرته، ظلّ يُراهن على أن الفرج لا بدّ آتٍ. لكن النكسة جاءته شخصياً كما كان يقول. فصحا وانفتح قلبه على الحقيقة فتوقّف عن الانتظار وتربية الأمل والأماني. وجدَنا ثمانية أخوات وأخوة متطلّبين في حوش بيته. كان عليه أن يُعيلنا ففعل كادحاً في البناء وفي الإبقاء على سؤدده، ولو في تخوم الحي، مسلّما بأنه ربما يكون خرج من التاريخ الكبير كما خرج، خالي الوفاض معتقداً أننا نحن، ذرّيته، سنعود إلى التاريخ ونصحّحه. </p>
<p>رحل هو وإميل حبيبي وبنات وأبناء جيلهم على أمل أن نستطيع نحن العودة إلى التاريخ بما وفّروه هم من تجربة. وكانت تجربة القابضين على الجمر وعلى نارِ الحِكمة. ناوروا بين كيّ الجمرِ ووهج الحِكمةِ فأصابوا في المواقف كثيراً أو أخطأوا كثيراً كنتيجة حتمية للتشاؤل. وقد حُرّم قتل الآباء ـ الطواطم ـ دون محاكمة عادلة!</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19009">وقد حُرّم قتل الآباء دون محاكمة عادلة!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إميل حبيبي: ماض لا يختفي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19006</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أنطوان شلحت]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 29 Nov 2017 07:59:00 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a5%d9%85%d9%8a%d9%84-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a-%d9%85%d8%a7%d8%b6-%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d8%ae%d8%aa%d9%81%d9%8a/</guid>

					<description><![CDATA[<p>في أي مناسبة يُذكر فيها الأديب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي (1922- 1996)، نستعيد على الفور أن إبداعه في شتى مضامير كتاباته الأدبية، والذي يُتيح للقارئ إمكان الإطلالة على مذاق الكينونة الفلسطينية عامة وفي داخل أراضي 48 خاصة، حافل من بين أشياء أخرى بتوصيفات للمكان الذي عاش تبدّلاته في منعطفات المصير الإنساني. ومن الطبيعي أن يكون [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19006">إميل حبيبي: ماض لا يختفي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>في أي مناسبة يُذكر فيها الأديب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي (1922- 1996)، نستعيد على الفور أن إبداعه في شتى مضامير كتاباته الأدبية، والذي يُتيح للقارئ إمكان الإطلالة على مذاق الكينونة الفلسطينية عامة وفي داخل أراضي 48 خاصة، حافل من بين أشياء أخرى بتوصيفات للمكان الذي عاش تبدّلاته في منعطفات المصير الإنساني. ومن الطبيعي أن يكون متصلًا اتصالًا وثيقًا بمدينة حيفا، التي اختار أن تكون فيها رقدته الأبدية داعيًا إلى نقش عبارة "باقٍ في حيفا" على شاهد قبره عند سفوح جبل الكرمل، وعلى مقربة من موج البحر.</p>
<p>وحيال استعادة ميراث حبيبي الآن، بالأساس على خلفية مواقف التيار السياسيّ الذي انتمى إليه أثناء تلك المنعطفات، وما رافق ذلك من لغط كبير، وجدت من الأنسب أن أعود إلى نصّ كتبه قبيل رحيله، وجرى تأطيره بأنه بمنزلة وصية. </p>
<p>نُشر هذا النصّ/ الوصيّة بعد وفاة حبيبي عام 1996، بين دفتيّ كتاب منفرد ضمن مجموعة أعماله الأدبية الكاملة. ولفت الناشر ("دار عربسك" المسؤولة عن إرثه) إلى أنه كان انتقى له في حياته عنوانين هما: "سراج الغولة"، و"لا تطفئوا هذه الشمعة"، من دون أن يرجّح كفّة أحدهما على كفّة الآخر.</p>
<p>في هذا النص قرأ حبيبي تجربته الأدبية، مُستعينًا على نحو مستفيض ببعض الصور من أعماله الناجزة.</p>
<p>وفي واقع الأمر، فإن قراءته لهذه التجربة تتمظهر- في وعيه التام- في هيئة قراءة أخرى، موازية ومكملة، للتجربة السياسية الشخصية التي تحاول أن تشتقّ مفرداتها ومستحصلاتها واستشرافاتها من مستويات التجربة السياسية الفلسطينية، ولا سيما التي خاض غمارها ذلك الجزء من الشعب الفلسطيني الباقي في الوطن.</p>
<p>ولئن كانت هذه القراءة تشفّ عن شيء جوهري بائن، فهذا الشيء هو نزعة يستبطنها حبيبي لا تحيل فقط إلى الموقف النظريّ الذي يتبناه وفحواه أن على الأدب، بالضرورة، أن يزامل السياسة ويتحالف معها، وإنما أيضًا تحيل إلى أن خصوصية الحالة الفلسطينية لا تسمح بذلك الفراق بين الأدب وبين السياسة، بشرط أن تتبدّى تلك الأخيرة في مداليلها النبيلة، وعلى وجه الدقّة مدلول خوض صراع مفتوح من أجل بلوغ حالة أفضل على المستوى الإنساني العام.</p>
<p>ومثلما شهد حبيبي على حاله، فقد آل على نفسه ألا يظل منحصرًا في أي قفص، وأرخى لجناحيه العنان، ووقف بالمرصاد للوثات كثيرة، في مقدمها اغتيال العقل، وقطع اللسان. </p>
<p>وعندما نطلّ على مشهدنا الحاضر- الثقافي والسياسي- ندرك مدى حاجتنا وضرورتنا في الآن معًا، إلى تجاوز الكثير من الأقفاص، والوقوف بالمرصاد للعديد من اللوثات. </p>
<p>في أعماله كافة- بدءًا من "سداسية الأيام الستة" مرورًا بـ "المتشائل" و"إخطية" و"سرايا بنت الغول" وانتهاء بـ "أم الروبابيكيا" و"سراج الغولة"-  نحا حبيبي منحى رسم عوالم وحيوات زاد جوهر معرفتنا بها، وحمل أحيانًا مصباح الحكيم ديوجين ليكشف عما اعتبر أنه "لآلئ إنسانية" زاغت عنها أعين البشر في الأرض الطيبة. وبرز في مقدمها ما أسماه "الطبيعة الإنسانية" لبني البشر كافة التي هي في عرفه "الضعف الإنساني".</p>
<p>"... وصرتُ أعتقد -يقول حبيبي- أن المهمة الأساس، أمام مبدعي الأدب والشعر ومختلف الفنون، هي البحث عن هذه اللؤلؤة -الضعف الإنساني- في أعماق البحور الإنسانية".</p>
<p>وأوضح أن هذه الطبيعة، التي في مقدرتها أن تحمل صفة الإنسانية بامتياز وعن جدارة، جعلت نظرته إلى "الآخر" تتحرّر من "إسار الأصولية الدينية والدنيوية" التي تتعارض تعارضًا عدائيًا مع الضعف الإنساني، فنقرأ عنه: "... وهذا، أيضًا، هو ما أوصلنا إلى ما نسميه باسم "أنسنة العدو". وكان بعضنا أسهم، عبر الكشف عن هذه اللؤلؤة، في الظاهرة المثيرة للاحترام- ظاهرة الطفل الفلسطيني الأعزل الذي لم يكن يتردّد في مواجهة جندي الاحتلال المدجّج بالسلاح. فقد أصبح يدرك أنه يوجد، تحت اللباس العسكري، إنسان يتميز، مثله مثله، بالضعف الإنساني. وكان على زملائنا اليهود أن يبذلوا جهدًا كبيرًا حتى يتخلص مجتمعهم من الظاهرة الشيطانية، ظاهرة الجندي الذي لا يتورع عن توجيه رصاص بندقيته نحو صدر طفل فلسطيني أو طفلة. فكيف يعود إلى بيته وإلى أطفاله بعد هذه الفعلة؟".</p>
<p>وفي سياق الوصية السالفة شدّد حبيبي على أنه لا يجوز لشعبنا الفلسطيني أن يقبل بأن يتخلّى عن ماضيه مهما يكن هذا الماضي، كذلك شدّد على أن الشعوب الحيّة تتعلم من ماضيها لتضمن مستقبلها. كما لو أنه يؤكد أنه هو نفسه ليس ماضيًا انقضى، وأننا نحن مدعوون دائمًا لأن نتعلم من الماضي كي نستمد القوة لضمان مستقبلنا.</p>
<p>وفي النصّ ذاته يقول حبيبي حرفيًا: "لا شعب يقبل بأن يتخلى عن ماضيه مهما يكن هذا الماضي... والشعوب الحيّة تتعلم من ماضيها لتضمن مستقبلها...". </p>
<p>وهذه الجملة تضعنا وجهًا لوجه أمام فكرة أخرى -له ولغيره- هي التعامل مع الزمن الحاضر على مستوى تقاطعه مع الزمن الماضي، ولو أنها لا تأتي على ذكر الزمن الحاضر، وأعتقد أن هذا لم يكن من قبيل المصادفة. وليس مبالغة الادعاء بهذا الشأن أن ما يقوله لنا نصّ حبيبي، دون روغان، أن الماضي يشكل في أحد جوانبه مرتكز الرفض للحاضر على مستوى صيرورة هذا الزمن الأخير من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا الماضي هو متكأ الكشف عن مفهوم المستقبل والجديد على صعيد الرؤيا والحلم.</p>
<p>ثمة مسألة أخرى تطرّق إليها حبيبي في وصيته هي اعترافه بأن ما بقي للفلسطيني الباقي في وطنه بعد نكبة 1948، هو رأس خازوق، كما المصير الذي آل إليه بطل روايته الأشهر "سعيد أبي النحس المتشائل"، مؤكدًا "إننا نفضّل رأس خازوق فوق تراب الوطن على رحاب الغربة كلها. فقد وجدناها، كلها، حرابًا وفراشها أشبه بفراش هندي فقير: رؤوس مسامير أو خوازيق صغيرة وكبيرة على قدر المقام". </p>
<p>يمكن التقاط الكثير من الشذرات الأخرى داخل هذا النصّ التي تخدم الفكرة التي ركزت عليها في السطور السالفة: فكرة عدم إخفاء الماضي. وهي الفكرة التي يقول بها حبيبي بل ويوصينا بها فعلًا. بيد أنه في الوقت عينه يلمّح إلى أن هذا الماضي قابل للمراجعة والنقد والنقض، وحتى للمحاكمة. </p>
<p>ومنذ أن ترجّل حبيبي عن حصانه جرت مياه كثيرة في النهر تستوجب مثل هذه المُراجعة، وخاصة فيما يرتبط باجتهاداته السياسية التي يأتي على ذكرها بالتفصيل الكبير في نص الوصيّة نفسه.</p>
<p>لماذا أقول هذا الكلام؟ </p>
<p>لكي أؤكد على مسألتين ذواتي صلة في هذا الاستحضار المتجدّد لصاحب رائعتي "المتشائل" و"إخطيّة": </p>
<p>الأولى، أن حبيبي وقف بالمرصاد لأي محاولات يرمي أصحابها إلى إخفاء الماضي، بما في ذلك الماضي الذي كان هو جزءًا غير منفصل منه، واعترف بأن فيه "أشياء نستحي منها".</p>
<p>والمسألة الثانية، أنه بكيفية ما اعتبر الحاضر الذي عاش فيه وعايشه بكل جوارحه غير ضامن للمستقبل الذي تطلع إليه، ودعانا بموازاة ذلك إلى أن نتعلم من الماضي لضمان المستقبل. وبغض النظر عما إذا كانت هذه الدعوة تنطوي في قصديتها على تبييض للجانب الشخصي من هذا الماضي في سبيل تزكيته، أم لا تنطوي على هذا قطّ، فإن ما يبقى منها هو مطلب التعلّم من الماضي. </p>
<p>ونظرًا إلى أنه منذ رحيل حبيبي قبل أكثر من عقدين، انضاف ماض آخر إن لم يكن أكثر إلى ذلك الماضي الذي كان قبل 1948 وخلاله، فقد أضحت المهمّة أكبر وأشدّ زخمًا، والاجتهادات باتت كثيرة، ولا يجوز نزع الشرعية عن أي منها، بقدر ما إنه لا يجوز نزع الشرعية عن اجتهاد حبيبي أديبًا وسياسيًا.   </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19006">إميل حبيبي: ماض لا يختفي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عن ”البقاء في حيفا“</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19005</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 28 Nov 2017 08:21:02 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%8a%d9%81%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كالعديد من المسائل الفلسطينية هو إميل حبيبي، إشكالي مُختلَف عليه لاعتبارات لا تكون عادة في مكانها، هل كان لا بدّ أن يُغتال كي يخرج من المساحة الإشكالية؟ لدينا مشكلة نحن الفلسطينيين فلنعترف بها، هي أنّ الاستشهاد ”يجبّ ما قبله“، مثالان بارزان هنا هو محمود درويش (هو كذلك مسألة إشكالية) وياسر عرفات الذي صار، وقد اغتيل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19005">عن ”البقاء في حيفا“</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>كالعديد من المسائل الفلسطينية هو إميل حبيبي، إشكالي مُختلَف عليه لاعتبارات لا تكون عادة في مكانها، هل كان لا بدّ أن يُغتال كي يخرج من المساحة الإشكالية؟ لدينا مشكلة نحن الفلسطينيين فلنعترف بها، هي أنّ الاستشهاد ”يجبّ ما قبله“، مثالان بارزان هنا هو محمود درويش (هو كذلك مسألة إشكالية) وياسر عرفات الذي صار، وقد اغتيل بالسّم كما تبيّن، شهيداً وبطلاً ”قومياً“ فلسطينياً، أمّا درويش فبقي مسألة إشكالية لدى الكثيرين، وذلك لقربه من عرفات!</p>
<p>حسناً، كي لا تدخل المسائل في بعضها وكي لا تكون هذه المقالة هي الأخرى إشكالية (دون أي حرص منّي على أن لا تكون، بالمناسبة): لستُ هنا في وارد طرح رأي ”مزاودٍ“ لا في درويش ولا في عرفات ولا في حبيبي. ولا أقول بأنّ عرفات ليس بطلاً بل صاره لأنّه في عُرفنا شهيد، ولا أقول بأنّ درويش لدى الكثيرين من المتحفّظين على مواقفه السياسية، كان حتماً سيُتوّج كشاعر ”قومي“ لو أنّه اغتيل قبل وفاته، أو قبل إجراء العمليّة الجراحيّة بساعة. بل أقول بأنّي سعيدٌ أن ذلك لم يحصل وأنّي لا أرى في درويش أقلّ من شاعر وطني (دون حاجته ليكون شهيداً). هو أوّل من أحكي عنه كلّما عرّفت عن نفسي هنا في فرنسا، كفلسطيني (ربّما لأني كذلك أعرف أين تقع كتبه في مكتبات المدينة). أمّا عرفات الذي تخلّصتُ من ”كراهيتي“ الفصائليّة له منذ سنوات، فهو مسألة أخرى.</p>
<p>ماذا لو استُشهد إميل حبيبي إذن؟ هل سيكون في حينها بطلاً قومياً، روائياً قومياً؟ اعذروني على تكرار هذه الكلمة الغليظة: قومياً، لكنّها الأنسب في إظهار مدى فداحة التقييمات الوطنية/السياسية التي نحترفها/نقترفها نحن الفلسطينيون. أنا واثق بأنّ حبيبي سيكون في حينها (كشهيد) مجاوراً لغسان كنفاني كلّما أتى الحديث عنه فلسطينياً، وما عاد الرّجل إشكالياً. لماذا؟ لأنّ حديثنا عن أدبائنا هو حديث وطني سياسي وهذا غلط (غلط غلط)، وكذلك لأنّ تاريخ أدبائنا يتغيّر إن مات الأديب اغتيالاً. هل هذا يعني أنّ إدراكنا لغسان كنفاني هو في جزء منه إدراك سياسي لكونه شهيداً بل وقائداً سياسياً قبلها؟ نعم، للأسف نعم. المسألة بسيطة: أعطني أدباء شهداء أعطيك حديثاً عظيماً عنهم، سيكون حتماً حديثاً سياسياً!</p>
<p>لكن ما الذي بقي من كنفاني المناضل مقابل كنفاني الروائي؟ لمَ نقدّم تقييماً سياسياً لهذا وذاك في وقت يكون فيه أعظم ما قدّمه هؤلاء لفلسطين والإنسانية، وهو الباقي، هو تراثهم الأدبي؟ لنأخذ المسألة معكوسةً: ليس لاستشهاد كنفاني أي قيمة تُضاف إلى أدبه، لم يختر هو أن يتم تفخيخ سيارته، وما كان ليفضّله إن خُيّر (طبعاً!) وما قبِل يوماً أن يحمل مسدّساً، أمّا ما يُضاف إلى أدبه فهو المصداقية، هو الصدق فيه، هو اختياره بأن يكون هو بذاته جزءاً عضوياً من أدبه الذي تناول فيه المخيمات واللاجئين قبل غيرهم، دون أن يحتاج، بالمناسبة، لأن يعيش هو ذاته في المخيّم.</p>
<p>وهذا هو إميل حبيبي الذي لسوء حظّه لم يُستشهد، لسوء حظّه ولحسن حظّنا (تماماً كما أنّه لسوء حظّنا أن كنفاني استُشهد، بل وباكراً جداً)، وهذا ما أعطاه، لحبيبي، عمراً مديداً (نسبياً، فقد توفي بسبب المرض) ليكتب أكثر، ليكون، عندي وعند كثيرين، قامة أدبية فلسطينية راسخة نحكي بها كذلك كلّما أتينا على حديث فلسطيني.</p>
<p>كان إميل حبيبي صادقاً في أدبه وذلك تحديداً لأنّه كتب عن أبي النّحس ولم يكتب عن أم سعد. لأنّه كتب عن فلسطيني آخر لم نكن، كفلسطينيي اللجوء والشتات، نعرفه، لم نكن (ليس أنا فلم أكن قد وُلدت بعد) نعرف من الأدب الفلسطيني القادم من الداخل إلا ”أدب المقاومة“ الذي عرّف القراءَ العرب بهم غسّان كنفاني، لكنه كان شعراً، وكان راهناً، وكان ردّ فعل فورياً على احتلال وحكم عسكري. لاحقاً أتى إميل حبيبي بالرواية التي تحتاج وقتاً كي تُكتب، كي تستوعب ما حصل وكي تفيه حقّه. لا يمكن للرواية أن تكون راهناً كما قال مرّة (وهذا كذلك إشكالي) فكتب لاحقاً عن الفلسطيني الآخر، مَن يبحث عن هويته مِن بين الرّكام الذي أحدثته النّكبة، يبحث عن هويّته في أرضه، عمّا بقي فيه ممّن رحلوا، فلم يكن متفائلاً تفاؤل المناضلين، ولم يكن متشائماً تشاؤم المنهزمين (ولم يكن بطلاً غرامشياً ولا دونكيشوتياً)، كان ببساطة إنسانياً، كان حقيقياً وهشّاً، وكان المتشائل نسبةً عالية من أهلنا ممن بقوا في فلسطين ومن عاشوا تحت الحكم العسكري الإسرائيلي لسنوات. مصداقية حبيبي كانت في كتابة هؤلاء، لا كتابة الفدائيين في المعسكرات خارج فلسطين، في كتابة أصحاب الأرض المخذولين المتروكين لا اللاجئين في المخيمات الذين ثاروا وحملوا البندقيّة.</p>
<p>إميل حبيبي يشبه الجزء القادم هو منه من الفلسطينيين، تماماً كما يشبه غسان كنفاني الجزء القادم هو منه من الفلسطينيين. الأوّل روى لنا عن البقاء في حيفا والثاني عن العودة إلى حيفا. الأوّل روى لنا عن فلسطينيي الداخل والثاني عن الخارج. وليكون لكل منهما مصداقية كان لا بد أن يكتب كل منهما عن الناس الذين انتمى إليهم، بهمومهم ويومياتهم وتحديداً بأساليب المقاومة المناسبة لهم، ليكون مجرّد البقاء في حيفا والناصرة وعكا والقرى وغيرها، عام النكبة، وهو ما حكى عنه حبيبي كثيراً، الفعلَ الفلسطيني الأكثر جذريةً في تاريخنا، اسألونا نحن أبناء الأجيال اللاحقة من اللاجئين ونحن نكمل، مجبورين، مشوار اللجوء الذي بدؤوه منذ سبعين عاماً.</p>
<p>إن كان لا بدّ من حديث أساسيّ عن إميل حبيبي فليكن عن تراثه الأدبي وعن فكرة البقاء وعن الهوية الوطنية الفلسطينية لأهلنا الباقين في البلاد، وعن القيمة التي أضافها أدبه إلى فلسطين كتاريخ وثقافة ومجتمع، أمّا الحديث السياسي كمعيار أساسي فأجدر به أن يكون لشخصيات كياسر عرفات، دون أن يعني ذلك وجوب تجاهل المواقف السياسية الإشكالية (والتي لا أتفق معه عليها) لحبيبي، وهي اجتهادات لا تقلّل من قيمته الأدبية، اجتهادات أنا واثق أنّها ستُنسى إن صار ومات مستشهداً، اجتهادات أنا واثق على الأقل من أنّ حبيبي أراد منها الأفضل للفلسطينيين هناك (وللفلسطينيين في كل مكان)، أراد لهم البقاء.</p>
<p>الفكرة الأساس لدى إميل حبيبي كانت البقاء في حيفا، البقاء في كل الوطن، وهذا ما نقرأه في أدبه كما نقرأه في كتاباته السياسية <a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=4622&page=1" target="_blank" rel="noopener">ومقابلاته</a>، وهذا الوعي ”الحبيبيّ“ لو كان لدى أجدادنا عام النّكبة لما وُجد اليوم ما يقارب ٦ ملايين لاجئ فلسطيني في كل العالم، أحدهم أنا هنا، لا أعرف ما الذي أفعله في فرنسا.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19005">عن ”البقاء في حيفا“</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>كما في حياته هو في مماته يشعل النار فينا وينام ملء جفونه</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19003</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عادل الاسطة]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 26 Nov 2017 13:09:06 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<category><![CDATA[من وحي الأيام]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%83%d9%85%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%aa%d9%87-%d9%87%d9%88-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%85%d8%a7%d8%aa%d9%87-%d9%8a%d8%b4%d8%b9%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b1-%d9%81%d9%8a%d9%86%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أثارت الحلقة التي بثتها فضائية "الميادين" عن الكاتب الراحل إميل حبيبي تحت عنوان "في الهوامش" جدلاً عنيفاً بين محبي الرجل المتبنين أفكاره ورؤاه وبين الذين يختلفون معه ومع أطروحاته السياسية الأيديولوجية.  كما لو أن إميل حبيبي قال ما قاله المتنبي:  أنام ملء جفوني عن شواردها / ويسهر القوم جراها ويختصم  ولقد نام في 1996 نومته [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19003">كما في حياته هو في مماته يشعل النار فينا وينام ملء جفونه</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>أثارت الحلقة التي بثتها فضائية "الميادين" عن الكاتب الراحل إميل حبيبي تحت عنوان "في الهوامش" جدلاً عنيفاً بين محبي الرجل المتبنين أفكاره ورؤاه وبين الذين يختلفون معه ومع أطروحاته السياسية الأيديولوجية. </p>
<p>كما لو أن إميل حبيبي قال ما قاله المتنبي: <br />
أنام ملء جفوني عن شواردها / ويسهر القوم جراها ويختصم </p>
<p>ولقد نام في 1996 نومته الأبدية ملء جفونه وترك الآخرين يختصمون ويتجادلون، كما اختصموا وتجادلوا في حياته وكان يومها لا ينام. كان يصحو ويتدخل في الجدال ويشارك فيه ولم يكن يومها ليأخذ ببيت المتنبي ولم يكن أيضاً يأخذ بمقولة نظرية التلقي التي التفتت إلى القارئ ولم تلتفت إلى المؤلف. غدا أصحاب هذه النظرية يرددون "المعنى في بطن القارئ" خلافاً لمن سبقهم ممن كان يرى أن المعنى في بطن المؤلف. كما لو أنهم أخذوا بمقولة رولان بارت "موت المؤلف“.</p>
<p>مرة تدخّل إميل حبيبي في إبداء رأيه في بعض نصوصه. سئل إن كان قصد معنى ما فأجاب: لم يخطر المعنى ببالي ولكن أظن أنه ممكن، وهنا طلب منه بعض قرائه ألا يفسر نصوصه وأن يترك تأويلها للنقاد. </p>
<p>ليس تسلم إميل حبيبي جائزة الدولة العبرية هو العامل الوحيد الذي ألب عليه كثيرين، وليس ميله إلى جناح غورباتشوف أيضاً العامل الوحيد الذي ألب عليه كثيرين مثل رفيقه في الحزب توفيق زياد الذي هاجم إميل بقصيدة عنيفة عنوانها ”المرتد"، نشرها في ديوانه «أنا من هذي المدينة».</p>
<p>بعد تسلمه الجائزة كتب فيصل دراج في كتابه «بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية»، 1996، مقالاً عن حبيبي عنوانه "إميل حبيبي الوجه الضائع بين الأقنعة المتعددة" تساءل فيه عن تقلبات الرجل واختلاف مواقفه.<br />
 <br />
وقبل دراج وبعد زياد كتب سميح القاسم عن إميل ما لم يخطر ببال أحد. </p>
<p>اختلف رفيقا الأمس لربع قرن تقريباً وتركا الحزب وسار كل في طريق وأشار سميح إلى ما حدّثه عنه إميل عن سفره إلى براغ لتسهيل صفقة سلاح للدولة الإسرائيلية، وحول هذه الصفقة دار جدل كبير لم يقعد ولم ينته  ووصلت الأمور إلى حد الاتهام بالعمالة/الخيانة. </p>
<p>قبل سميح القاسم وتوفيق زياد كان الخلاف الكبير بين إميل حبيبي والشاعر راشد حسين، وقد اعتمد د.خضر محجز في رسالة الدكتوراه «إميل حبيبي بين الوهم والواقع» على كتابات خصوم حبيبي وتتبعها بدقة شبه متناهية ولم تكن صورة إميل في الكتاب الذي صدر في العقد الأول من القرن الحالي إيجابية. إنه كتاب أثار أيضاً ضجة كبيرة بين محبي الرجل المتبنين أفكاره ورؤاه وبين الذين يختلفون معه.</p>
<p>لم يكن التشكيك بإميل حبيبي واتهامه قبل التسعينيات عنيفاً وكبيراً كما غدا بعد انشقاقه عن ”الحزب الشيوعي الإسرائيلي“ وتسلمه جائزة الدولة العبرية. بعد هذين الحدثين اختلفت الأمور كثيراً ولم يعد الحزب وصحافته يدافعان عن إميل، وعلى العكس من ذلك أخذا يهاجمانه هجوماً عنيفاً وتشابه موقفهما مع مواقف من هاجم الرجل من قبل منذ الخمسينيات. </p>
<p>لعل ما مد مهاجمي إميل بمسوّغات أخرى إضافية إقراره في آخر لقاء أجري معه ونشر في مجلته «مشارف» أنه حين كتب روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» عام 1974، كان يكتب عن نفسه. </p>
<p>قبل الإقرار أشار في المقدمة التي كتبها لكتاب «الرسائل» بين محمود درويش وسميح القاسم أنه كان يكتب الرسائل إلى نفسه. وقوله هذا لم يلفت نظر النقاد إلى إعادة قراءة المتشائل في ضوء هذه العبارة الدالة. </p>
<p>في بداية التسعينيات نشرتُ دراسة في جريدة «نابلس» وازنت فيها بين إميل وبطله سعيد ورأيت أن سعيداً يشبه إميل. لم يعترض الرجل وبلغت به الجرأة أنه وافق على نشر الدراسة في مجلته. حقاً لقد اندهشت مما فعله، وبعد ثلاثة أشهر من نشر الدراسة نُشرت المقابلة التي أقر فيها بأنه حين كتب روايته كان يكتب عن نفسه "أنا في عمر لا يسمح لي بالكذب، حين كتبت المتشائل كنت أكتب عن نفسي“ (ببعض اختلاف).</p>
<p>بطل رواية إميل بطل متعاون قدم خدمات للدولة الإسرائيلية ثم توقف وقرر أن يبيع البطيخ على التعاون وحين هدده رجل المخابرات بأنه سيكشف أمره أمام أبناء شعبه صاح سعيد وقال لرجل المخابرات: أعطني شهادة بتعاوني معكم وسأعلقها على العريشة“.</p>
<p>إشكالية عودة إميل إلى فلسطين بعد قيام الدولة العبرية كانت أيضاً عاملاً من العوامل التي اعتمد عليها أعداؤه للنيل منه وللتشكيك في وطنيته، عدا اختلاف الرؤى والموقع والموقف. </p>
<p>هل عاد إميل بشروط اسرائيلية؟ وما هي هذه الشروط؟</p>
<p>في هذه الأثناء صدر كتاب هلل كوهين «العرب الصالحون» ويبدو المؤلف شيوعياً يتبنى وجهة نظر الشيوعيين أكثر مما يتبنى وجهة نظر معارضيهم. يدافع كوهين في مواطن عديدة عن ”الحزب الشيوعي الإسرائيلي“ وطروحاته أمام طروحات بعض التيارات القومية والزيارات الموالية للحزب الصهيوني الحاكم ما بين 1948 و1967، ويأتي على عودة ما لا يقل عن 20 ألف فلسطيني تسللاً أو بتصاريح -وقد عاد إميل متسللاً وأتى في «المتشائل» على عودته- ويرى كوهين أن كثيرين من هؤلاء العائدين وافقوا على التعاون مع المخابرات الإسرائيلية مقابل السماح لهم بالبقاء. </p>
<p>سعيد أبو النحس المتشائل يقر في الرواية بتعاونه مقابل البقاء. والسؤال هو: هل كل ما كتبه إميل عن سعيد حدث معه أم أن سعيد كان يجمع بين ما حدث مع إميل وما قام به غيره من العائدين تسللا؟ للدكتور عادل منّاع كتاب صدر من عامين أتى فيه على سيرة إميل حبيبي وما أورده لم يكن لصالح إميل. لعل ما كتبه منّاع يستحق وحده مقالة خاصة. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19003">كما في حياته هو في مماته يشعل النار فينا وينام ملء جفونه</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إميل حبيبي... الباقون لغةً وشعباً</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19002</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أيهم السهلي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 26 Nov 2017 08:16:07 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a5%d9%85%d9%8a%d9%84-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%82%d9%88%d9%86-%d9%84%d8%ba%d8%a9%d9%8b-%d9%88%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d9%8b/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد" الصغير أولاد أحمد بعد سنوات من القراءة ومحاولة المراكمة المعرفية في الشأن الفلسطيني، وتحديداً الثقافي، أجد أن لدي ما أفخر به من شعبنا، بعد أن قدم ما قدم من أسماء وكتب، بعضها سيخلده التاريخ.  قد يبدو من الكلام محاولة للفصل بين الفلسطينيين ومحيطهم العربي؛ ليس هناك محاولة لمثل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19002">إميل حبيبي... الباقون لغةً وشعباً</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color:#7f8c8d">"نحب البلاد<br />
كما لا يحب<br />
البلاد أحد"<br />
الصغير أولاد أحمد</span></p>
<p>بعد سنوات من القراءة ومحاولة المراكمة المعرفية في الشأن الفلسطيني، وتحديداً الثقافي، أجد أن لدي ما أفخر به من شعبنا، بعد أن قدم ما قدم من أسماء وكتب، بعضها سيخلده التاريخ. </p>
<p>قد يبدو من الكلام محاولة للفصل بين الفلسطينيين ومحيطهم العربي؛ ليس هناك محاولة لمثل هذا الفعل المذموم على الإطلاق. ولكن فحوى القول هو أن فلسطين ولّادة من خصوصية قضيتها، ويحتمل إنتاج مبدعيها النقد، مثلهم مثل سائر المبدعين في العالم. وهنا لا بد من الإشارة بعناية إلى أن خصوصية الفلسطينيين تنبع من استمرار وجود الاحتلال، واستمرار معركة التحرر بأشكالها المختلفة؛ هذا الواقع يعطي المبدع الفلسطيني بعض الشرعية لقول أشياء ليس بوسع أي عربي قولها، اللهم إلا من انخرط في السياق الفلسطيني الثوري والسياسي والعسكري.</p>
<p>إميل حبيبي أحد هؤلاء الأسماء، خاض تجربة سياسية فيها من الأخطاء ما فيها، ولها من محاسنها ما لها، ومن الصعب جداً الخوض بنقد تجربته الأدبية باتكاء مقصود على السياسة، رغم أن أدبه اتسم تماماً بالسياسة، وذلك لكونه رجلاً متسقاً ومنسجماً مع نفسه تماماً.<br />
 <br />
وعليه، ليس نافعاً على الإطلاق تجريده عن السياسة، ولكن في أي سياق علينا وضع هذه السياسة، إن بمحاولات عتيدة يخوضها البعض للنيل منه، وطعنه بالخيانة بمسميات وأساليب مختلفة، أو بوضع الأمور في نصابها، ومراجعة تجربة الرجل كاملة، وتراجعاته الجريئة في وقت ما من حياته عن بعض ما رآه خطأ، وهنا من باب الندية، كم من مثقف عربي تجرأ على مراجعة مواقفة والتراجع عن بعضها؟!</p>
<p>بعضنا سينال منه، لأنه حصل على جائزة إسرائيل للأدب، ولكن علينا أن ننتبه لما قاله الرجل في فيلم «باق في حيفا» حول الجائزة: "في تلك الأمسية لم أشعر أكيداً بالفخر، في تلك الأمسية شعرت أن كاهلي ينوء تحت مأساة شعبي العربي الفلسطيني، ولكن علي أن أرتشف هذه الكأس، كأساً مرة، ولكني سأشربها من أجل شعبي"، فيما قال عن جائزة "فلسطين للأدب" التي منحها إياه ياسر عرفات إنها جائزة لبقائه في الوطن، حسب ما قال. </p>
<p>أبو سلام الذي رحل قبل 21 عاما، من مواليد حيفا، وقد بقي في مدينته، وأوصى أن يُحفر على قبره "باق في حيفا"، ربما لأنه يعلم خصوصية نضال أبناء داخل الداخل، ويريد لنفسه حتى وهو في القبر أن يبقى حالة مناضلة تعلن دائماً أنه الفلسطيني الباقي في بلاده، وأن لا مجال للدولة التي نشأت داخلها أن تتحلى بالصفاء الذي تطمح له الحركة الصهيونية.</p>
<p>وعطفاً على ما سبق، فمن أسوأ ما يحصل دوماً بكل ما يتعلق بأهلنا في الداخل الفلسطيني المحتل سنة 1948، أنهم معرّضون من بعض العرب للإدانة وأحياناً للخيانة حتى تثبت البراءة، أو تتغير المواقف في السياسة. وهنا لا بد من لعبة تراجيدية حصلت ولم تحصل، فكان يمكن أن يبقى إميل حبيبي خارج فلسطين، ويكتب أدبه عن المخيمات واللاجئين والثورة الفلسطينية. فيما كان يمكن غسان كنفاني أن يبقى في فلسطين، ويكتب مثل ما كتب إميل حبيبي. كان يمكن لجدي ابن حيفا أن يكون هو المتشائل.</p>
<p>يقول إميل حبيبي في لقاء أجراه معه الأديب السعودي محمد رضا نصر الله في برنامج "هذا هو" على شاشة "العربية" العام 1993: "نجاحنا في البقاء في وطننا، قد جنّب فلسطين مصير الأندلس ومصير اسكندرون، وأبقى التراث العربي واللغة العربية في فلسطين، في داخل هذه البلاد، ولم يعد من الممكن أن يزول الشعب العربي الفلسطيني من فلسطين ونحن أسهمنا في ذلك“.</p>
<p>هذا الكلام الواضح المباشر المختصر والمكثف، ربما لا يدركه الملايين في الوطن العربي، وربما ليس هناك من يريدهم أن يعرفوه، أن يعرفوا أن من بقوا في فلسطين، حرّموا على إسرائيل الوصول لهدفها الصهيوني داخل بلادنا، وأن ما أنتج من أدب فلسطيني في الداخل كان أحد أعمدة هذا التحريم والمنع.</p>
<p>إميل حبيبي أو أبو سلام أو المتشائل كما أشار لاحقاً في حوار له، هو الزمن الأول لفلسطين والزمن المستمر، والعقدة التي ينبغي للعرب فكها، وليس على الفلسطينيين تفكيكها، فهي ليست مسؤوليتهم، بمنتهى البساطة قضيتهم واضحة، الأرض محتلة، وهناك من بقوا في فلسطين ولم تنجح العصابات الصهيونية في تشريدهم، وهناك لاجئون؛ وبذلك كل فرد وكل جماعة من الشعب الفلسطيني تدفع ضريبة ما فرض عليها من تشريد وبقاء.</p>
<p>وختامي ختام كل فلسطين، أقتبسه من الصغير أولاد أحمد "ولو قتلونا/ كما قتلونا/ولو شردونا/كما شرّدونا/لعدنا غزاة/لهذا البلد"</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19002">إميل حبيبي... الباقون لغةً وشعباً</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (٢/٢)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19001</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 24 Nov 2017 14:09:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<category><![CDATA[المقابلة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a5%d9%85%d9%8a%d9%84-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a-%d9%84%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%af%d8%b1%d9%88%d9%8a%d8%b4-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d8%ae%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%a3%d9%86-2/</guid>

					<description><![CDATA[<p>هذا القسم الثاني من المقابلة... لقراءة القسم الأول... هنا في كتابك الأول «سداسية الأيام الستة» نلاحظ أن الأساسي هو الخبر وليس الشخصية. أي أن القصة تُخبر عن أبطالها ولا تقدمهم هم. كأننا أمام نص يشبه المقالة ويحمل حكمة الحكاية وفكرتها داخل قالب قصصي. كيف تفسر هذه الظاهرة؟ لا يمكن أن أنتقل من النتاج السياسي إلى [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19001">إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (٢/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color:#7f8c8d">هذا القسم الثاني من المقابلة... لقراءة القسم الأول... </span><a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=4622">هنا</a></p>
<p><span style="color:#ff0066">في كتابك الأول «سداسية الأيام الستة» نلاحظ أن الأساسي هو الخبر وليس الشخصية. أي أن القصة تُخبر عن أبطالها ولا تقدمهم هم. كأننا أمام نص يشبه المقالة ويحمل حكمة الحكاية وفكرتها داخل قالب قصصي. كيف تفسر هذه الظاهرة؟</span></p>
<p>لا يمكن أن أنتقل من النتاج السياسي إلى النتاج الأدبي إلا حين يكون هناك إلحاح داخلي يدفعني للتفريج عن كربي في عمل أدبي، وأتوهّم أنني بهذا أشبه الشعراء. إذ يجب أن يثيرني حادث ما وأن أشعر حياله أنني لا أستطيع أن أعبر عن مشاعري بالمقال العادي. أما الشكل الذي أقدم به هذا الفيض من المشاعر، فلا يكون محدداً بطريقة مسبقة. الشيء الوحيد المحدد هو الالتزام بعدم تلويث اللغة والأسلوب. مثلاً: لقد هزني شكل اللقاء الذي تم بعد عشرين عاماً بين أفراد هذا الشعب الواحد، كما هزّني هذا الإهمال الذي لاقيناه والذي وصل حدّ النسيان والعداوة. ورأيت في «السداسية»، أن أعالج هاتين القضيتين المترابطتين: شكل الفراق وشكل اللقاء ومستقبلهما. وأعتقد أنني حققت أعمق التعبير في قصة واحدة في «السداسية» هي: «أم الروبابيكيا».</p>
<p>كل القضية هنا، كيف نظر إليها زوجها الذي هاجر وكيف تصرفت بشكل كان من الممكن التوهم أنه يشير إلى استسلامها، ولكنها كانت تحفظ كنوزها ليوم اللقاء، وحين جاء اللقاء، التجأوا إليها.</p>
<p> كما عبّرت عن لقائنا بتشبيهه بسجين كان طوال الوقت مسجوناً، وفي صبيحة أحد الأيام سمع صراخاً في ساحة السجن فسأل عن الخبر، فقيل له، اعتقلنا إخوانك التسعة، فحزن وابتأس وبكى، ولكنه حين التقى بهم بعد تسعة عشر عاماً في السجن، فرح بلقياهم واستعان بتجربته السابقة التي هي أكثر غنى من تجربتهم، في سبيل إطلاق سراحهم، وهو يعلم أن إطلاق سراحهم يعني فراقهم مرة أُخرى، ولكنه كان عوناً لهم.</p>
<p> كل «السداسية»، هي تعبير عن هذا اللقاء، وهي عتاب أليم جداً وباطني من الموقف الذي اتُخذ منا.</p>
<p>ثمة أُمور لا يستطيع السياسي أن يحتويها. لا أناقض نفسي ولا أتجاوز مواقفي السياسية في عملي الأدبي، ولكن هناك قضايا تتجاوز الأطر السياسية، وربما تكون أرضية للمواقف السياسية.</p>
<p><span style="color:#ff0066">هل هناك تناقض بين السياسي والفنان فيك؟</span></p>
<p>أعتقد أنني أجبت على هذا السؤال حين أشرت إلى اكتفائي بالتزام الصدق. خذ مثلاً رواية «الجذور» لألكس هيلي. أنا قرأت الرواية وأعجبت بها، ولقد حاول كاتبها أن يكون صادقاً إلى مرحلة معينة، إلى مرحلة انتصار البرجوازية في أمريكا، وبعدها لم يعد صادقاً، حتى المصالحة التي تظاهر بها بين السود والبيض البرجوازيين غير صادقة.</p>
<p>أُعطي مثالاً آخر: لقد عالج نقاد يهود في إسرائيل «السداسية» و«المتشائل» بموضوعية لا بأس بها، وأظهروا إعجابهم بصدقها، ولكن النقد الذي أجمعوا عليه، (وهم صهاينة)، هو أنني غمطت قضية التفاهم اليهودي - العربي والنضال المشترك اليهودي - العربي حقه.</p>
<p>ومع اعتقادي بضرورة هذا النضال، فإن التزامي بالصدق لم يسمح لي بأن أضع قضية هذا العمل المشترك في الموضع البارز الذي نضعه فيه في الأدبيات السياسية. ففي «السداسية»، مثلاً، لم أستطع أن أكتشف التعاطف إلا عن طريق شرطية يهودية. وفي «المتشائل»، إذا كان هناك ثمة تعاطف، فهو تعاطف معلم سعيد ومضطهده يعقوب. ولقد أوصلني الصدق إلى أمر آخر في «المتشائل»، وهو أن مصلحتهما من حيث إنهما يتعرضان للاضطهاد نفسه تدعوهما إلى النضال المشترك، حتى وإن لم يكن هذا النضال قائماً في الوقت الحاضر.</p>
<p>هنا، مرة أخرى، أشعر أنني في التزامي الصدق في العمل الأدبي لم أنقض مواقفي السياسية، ولكن في حين يكون الرجل السياسي محتاجاً إلى الصمت أحياناً وإلى تجاوز الأخطار أحياناً أخرى، وإلى ما يسمى بالتكتيك والتنازل، فإن الالتزام بالصدق يجبر الأديب على عدم التنازل لهذه الضرورات.</p>
<p><span style="color:#ff0066">هنا يطرح سؤال حول وعي الأدب الفلسطيني لليهود وللمجتمع الإسرائيلي، وكيف ترى انعكاس هذه الوعي في أدبك؟</span></p>
<p>نحن الذين بقينا في بلادنا وعشنا فيها، ولم يكن أمامنا، منذ اليوم الأول، ذلك الخيار المستحيل الذي عبّر عنه غسان كنفاني في قصته «رجال في الشمس»، حين كتب عن أولئك الذين لم يطرقوا جدران الخزان، خوفاً من انكشافهم ولأنهم كانوا يرغبون في الوصول إلى منطقة الأمان.. حتى هذا الخيار المأساوي لم يكن وارداً بالنسبة لنا، فإما أن ندق منذ اللحظة الأولى على جدران الخزان أو نزول.</p>
<p>ونحن حين نعتز بوعي جماهيرنا العربية في بلادنا، وبوحدة صفها وصمودها في أوضاع بالغة القساوة، فإننا نعرف أن هذا المستوى الرفيع من الوعي لا يعود إلى ميزات خاصة بهذه الجماهير، وإنما يعود في الأساس إلى أنه لا يوجد أمامها خيار حياتي سوى الالتجاء إلى النضال. ولذلك أيضا كان تعاملنا مع الجماهير اليهودية، هذا التعامل الحياتي الواقعي الذي لا بديل له سوى الانضمام إلى جيش النازحين.</p>
<p>التجأت إلى هذه المقدمة لكي أوضح أننا في هذا الإطار لا نتجاهل في أعمالنا الأدبية العلاقات اليهودية - العربية، غير أن أعمالنا هي تسجيل لواقع نحن غير مسؤولين عنه، وهذا الواقع يكمن في وجود انقطاع شبه كلي بين المجتمع اليهودي والمجتمع العربي في إسرائيل. المجتمع اليهودي هو مجتمع عنصري ومغلق لا يقبل بنا. إنهم يريدون دولة - غيتو يهودية.</p>
<p>وأستطيع أن أقول أننا نجهل المجتمع اليهودي على الرغم من أننا نعيش معه وفي وسطه منذ ثلاثين عاماً. لذلك، تلاحظون في أدبائنا أحد أمرين: إما التخوف من معالجة قضايا مجتمع لا يعرفونه عميقاً، أو تأتي معالجتهم سطحية وضيقة وشخصية ولا تعبر عن مميزات هذا المجتمع. وأنا شخصياً أتهرب من هذه المسألة، ليس لأن لديّ تحفظات سياسية، بل لأنني لا أستطيع أن أعالج هذا المجتمع بالمقياس الذي التزمته: مقياس الصدق.</p>
<p>إن الشيء الذي لاحظه النقاد الصهاينة على «المتشائل» هو أنني عالجت المجتمع الإسرائيلي دون مبالغات وبشكل مقنع. وقد كتب شمعون بلاص بما معناه أن هذا الكتاب سيكون تحدياً للدعاية الصهيونية فيما لو نجحت ترجمته إلى اللغات الأوروپية.</p>
<p><span style="color:#ff0066">كيف ترى العلاقة بين عمليك الأخيرين: «المتشائل» و«لكع بن لكع»؟</span></p>
<p>عندما كتبت «المتشائل» أحسست أن هناك انفجاراً داخلياً يحصل، ولم أكن قد قررت أن أكتب رواية. يبدو أن لحظة معينة أتت فكتبت دون أن أعرف إلى أين سيكون الاتجاه. إنها تجربة سمحت للعقل الباطن بأن ينطلق. وكان هناك ملاحظة حول رجل الفضاء إذ إنني جعلت لرجل الفضاء وعياً، بينما يجب أن لا يكون كياناً منفصلاً عن نوات الشخصيات التي تحلم. ذلك أنني في بداية التفكير في هذه الشخصية كنت أريد أن أجعل منه شخصية مثالية، بعدما تبين لي أنه سيكون مجرد تعبير عن الوهم وليس انعكاساً له في كائن مستقل. هكذا ترى أن سياق الرواية الانفجاري هو الذي أعاد النظر في شخصياتها وأوصلها إلى حيث كانت.</p>
<p>أما في «لكع»، فأنني كنت في الواقع أكتب مسرحيات قصيرة غير مترابطة، وذلك خلال فترة تمتد إلى سنتين، وكنت لا أنهي هذه المسرحيات لأنني شعرت أنني أخوض في قضايا أنا عاجز عن الاستمرار في معالجتها، وهكذا حتى أتى يوم كتبت فيه القسم الأول من الفصل الثاني وهو بعنوان «تموت الحمير وتحيا الزريبة»، فأعجبتني الفكرة وأعجبني الأسلوب وشعرت أنني اهتديت أخيراً إلى الإطار الذي يصلح للتعبير عن التجربة التي أردت.</p>
<p>ولقد جابهتني قضية التشويق والصنعة، لأن الموضوع جاف وصعب، وأنا أعرف أن العمل المشوق هو ذلك العمل الذي له بداية وأوج والذي يتطور. ولقد توخيت هذا الأمر في «المتشائل» عن سبق عمد وإصرار، وأنا أعتبر هذا جزءاً من الصنعة الأدبية التي تهدف إلى الوصول للجهد والارتفاع به بجمالية. ولقد استعضت في «لكع» عن هذا النوع من الصنعة عبر اللجوء إلى السخرية والنكتة وعبر الالتجاء إلى الأسلوب الإدهاشي. المشوق هنا هو الاعتماد على النكتة المعتمدة بدورها على الرمز، ثم الاعتماد على النكتة حتى ولو ضاع الرمز. ولجأت من أجل التشويق إلى التقاليد الشعبية وإلى بعض الأعمال التي تعتمد السذاجة كالقرد والبوليس الذي يهاجم المسرح، وإلخ..</p>
<p><span style="color:#ff0066">نلاحظ في «المتشائل» أنك استطعت أن تعطي لشخصية سعيد أبي النحس إيقاعاً شعبياً مدهشاً، غير أن مسار هذه الشخصية يصطدم بالبنية الداخلية للرواية، فالتحول الذي يحصل بعد رفعه العلم الأبيض يبدو منطقياً في الواقع ولكنه يبدو غير منطقي في الرواية. كيف تفسر هذا؟</span></p>
<p>لقد عشنا نحن تجربة ملموسة في مواجهة الاضطهاد الإسرائيلي، وأعتقد أن عناصر هذه التجربة غير واضحة لكم في الخارج. وأُعطي مثالاً على ذلك، مجزرة كفر قاسم، وكيف انعكست في الخارج. من الواضح بالنسبة لنا أن المجزرة لم تكن نتيجة خطأ في فهم الأوامر، وإنما نظمت بدم بارد، واعتماداً على مخطط خلاصته أن يجري في العام 1956 ما جرى عام 1967، وهو أن يقوم الملك حسين بالتظاهر في دخول الحرب ضد إسرائيل، كما جرى عام 1967. وقد اتهم الملك حسين، بعد أن أقال حكومة النابلسي، هذه الحكومة بأنها هي التي منعته من أن يخف لنجدة عبد الناصر. هكذا كان المخطط. وكان دخول الأردن الحرب سيقود إلى عدم اهتمام العالم بالمجزرة تماماً كما لم يهتم بمجزرة خانيونس التي وقعت أثناء العدوان الثلاثي.</p>
<p> وكان الهدف من مجزرة ترتكب في قرية على حدود الأردن، هو إجبار جميع السكان العرب في المنطقة على الهرب وترك قراهم. وقد عبّر عن هذا الغرض أحد نواب السلطة، آمنون لين، عام 1971، حين كتب مندهشاً أنه حتى مجزرة كفر قاسم لم تقنع العرب بأن عليهم أن يتركوا هذه البلاد.</p>
<p> إذن، فقد وقع اختيار مسبق على قرية عربية، واختاروا كفر قاسم لأنها القرية الوحيدة التي تعاونت اجتماعياً مع السلطة، ورفضت أن تبدي ولو الحد الأدنى من المقاومة السلبية. اختاروا اللقمة السائغة. ونحن ندعي أنهم لو اختاروا قرية مثل أم الفحم أو الطيرة أو الطيبة، لكان من الصعب عليهم تنفيذ المجزرة وبالمدى الفظيع هذا.</p>
<p> كيف وجدنا انعكاس المجزرة في فيلم «كفر قاسم» لبرهان علوية؟</p>
<p> لقد أظهر الفيلم أن اختيار كفر قاسم نابع من المستوى العالي للمقاومة التي أبدتها القرية ضد الحكم الإسرائيلي. </p>
<p>هذا هو الخطأ المأساوي. </p>
<p>العربي في إسرائيل لا خيار له، إما المقاومة أو أن يكون ضحية. وهذا ما وجد تعبيره الواعي في «المتشائل»، اختاروا قتل عملائهم، حتى سعيد أبو النحس لا مكان له في إسرائيل!</p>
<p><span style="color:#ff0066">كيف تنظر إلى عملك الأدبي، كإبداع نضالي، وكيف ينعكس هذا في «لكع»؟</span></p>
<p>خلال وجودي في الخارج التقيت بالعديد من الفلسطينيين، من معارفي القدامى ومن الطلاب والسياسيين، وأنا أشكرهم لأنهم جاؤوني بقلوب مفتوحة، وهمّ مشترك، وهو أننا نريد أن نجد مخرجاً لمأساة الشعب العربي الفلسطيني. وسألوني عن تجربتنا، ووضعنا سوية أسئلة عديدة بالنسبة للحاضر والمستقبل، وعلى رأسها السؤال حول الأسباب العميقة التي جعلت الشعب العربي الفلسطيني غير قادر على تحقيق ولو جزء من أمانيه العادلة. وقد طلب إليّ العديد من الأصدقاء أن أكتب هذه التجربة، وكانت هذه هي المهمة التي قررتها لنفسي أثناء وجودي في براغ. وبدأت في كتابة رواية في هذا الاتجاه تعتمد على تجاربي الشخصية، ويمكن أن أسميها رواية تاريخية، وأنهيت بعض فصولها، واعتمدت فيها أسلوب الرواية التاريخية الكلاسيكية. ثم أدركت أنني عاجز في هذه المرحلة عن كتابتها، عاجز من حيث الإطار ومن حيث عدم قدرتي على تقويم الماضي تقويماً صادقاً في الوضع المتشابك القائم الآن، حتى انتهيت إلى إطار «لكع بن لكع». فـ«لكع» هي محاولة أدبية ويمكن أن نسميها ذاتية لتقويم التجربة وطرحها على الساحة العربية. إنها مكتوبة بوعي كونها موجهة إلى القارئ العربي من موقعي أنا ودون أن أتجاهل التحديات الأساسية التي تجابهنا. إنها تعبير عن التجربة ومشاعرنا، نحن الذين بقينا في بلادنا. ومن هذا المنطلق جرت معالجة مختلفة الظواهر، فيها العتاب الذي ظهر في «السداسية»، وفيها الحقد المقدس الدفين على الرجعية العربية، وفيها ملاحظاتنا على مواقف النضال الفلسطيني. ولقد هالتني في أثناء كتابة هذه الرواية قضية بسام الشكعة حين تجرأ الحاكم الإسرائيلي على أن يسأله: هل تبرر قتل الأطفال؟ إن مجرد قيام الحاكم العسكري وكل ما يمثله بتوجيه هذا السؤال إلى الشكعة وكل من يمثلهم هو أمر لا يستطيع الإطار السياسي وحده أن يرد عليه.</p>
<p>والآن أجد نفسي، مع ردود الفعل على «لكع»، أنني لم أنجح في الرد عليه رداً كافياً، غير أنني أردت أن أصرخ في وجه المحتل الإسرائيلي: «أنا هو الطفل القتيل». «لكع» هي عمل أدبي - سياسي أردت فيه أن أراجع موقفنا كشيوعيين أيضاً، وهدفي الرئيسي من «لكع» هو مقاومة الخوف المسيطر على نفسي في أن تذهب هذه التجربة المضيئة بما بذل فيها من دماء هباء.</p>
<p><span style="color:#ff0066">ولكن كيف نفسر عدم تطور درامي في «لكع»؟</span></p>
<p>أعتقد أن التطور في «لكع» يأتي من تطور التجربة نفسها. وبما أنني قررت أن ألتجئ إلى الرموز، فقد اعتمدت التعبير عن هذا التطور في عناوين الفصول وفي الأسلوب نفسه. فمثلاً الفصل الأول الذي بعنوان «مجنونة بدر»، وهو تعبير عن ذلك التيار الوطني والشعبي الأصيل الذي ركز على الشهادة أسلوباً منفصلاً في النضال حتى درجة الجنون الرمزي. كما حاولت أن أعالج القضية التي تشغلني دائماً، وهي الثمن الباهظ الذي دفع ويدفع. ثم انتقلت إلى قضية الشهادة نفسها، وهنا لم أجد ما أواجه به الشهيد سوى كل الاحترام والمحبة والتقدير دون أي تحفظ، ووضعت الشهيد في مواجهة أولئك الذين يمثلهم. ففي هذا الفصل أيضاً، هناك تطور في الاستيعاب الذاتي للتجربة، والحقيقة أنني حين كتبت هذا الفصل والفصول الثلاثة، كنت أبحث عن أجوبة، ولم يكن لديّ أجوبة مسبقة حتى أتينا إلى الفصل الثالث الذي هو تعبير عن رؤيتي الذاتية لهذه التجربة. وهنا تأصلت قناعتي أن الحقيقة الأساسية بالنسبة للشعب العربي الفلسطيني هي أنه هو الضحية، والضحية تقاوم. </p>
<p>ولقد اكتشفت، من خلال التزامي الصدق، أن الحياة معقدة، وأنه لا وجود لأجوبة محددة المعالم ونهائية، ولكنني هنا، وفي الفصل الثالث، توصلت إلى قناعة تقلقني قلقاً شديداً، وهي أن هناك خطراً على التجربة، أو على قسم كبير منها، من الضياع. وأطلقت صرخة من صميم القلب بلسان المهرج محذراً من هذا الخطر. وهنا كنت صريحاً حتى النهاية.</p>
<p>صحيح أنه لا يوجد تطور درامي في الرواية، وهذا من نواحي ضعفها الذي أعترف به، ولكني أعود وأكرر أن التطور ظهر في انعكاسات التجربة على المهرج وعلى بدور.</p>
<p><span style="color:#ff0066">كيف ترى علاقة الأدب بالثورة، وكيف تُقوّم الأدب الفلسطيني؟</span></p>
<p>أود أن أحترز في البداية، وأقول أنني غير مؤهل لتقديم جواب شامل حول الأدب الفلسطيني الثوري، خاصة وأني تعرفت إليه فقط في السنوات الأخيرة، وبهذا أُخرج، ولأسباب ذاتية، أدبنا الذي يكتب في داخل بلادنا، ومع ذلك أود أن أبدي بعض الملاحظات عن انطباعاتي حول هذا الأدب.</p>
<p> يبدو لي أن العديد من إخواني يكتب على عجل. فإذا كان مشغولاً بمجالات النضال الوطنيّ الأخرى، فهذا واجبه، ولكن العمل الأدبي الناضج لا يمكن أن يكون في غفلة من وقت هذا المناضل، وتظهر العجلة في أمور عديدة أهمها أن الكاتب لا يتحقق من الوقائع الأولية في مسرح قصته أو روايته. حتى مجرد وقائع جغرافية وطبيعية وأسماء أماكن.. كما تظهر هذه العجلة أيضاً في الاستهانة بأدوات العمل الأدبي، وهي اللغة والأسلوب والشكل.</p>
<p>أنا واحد من الكتاب الذين لا يتعالون على ما يسمى بأدب الشعارات، فالخطأ، في نظري، ليس في استخدام الأدب للشعارات، وإنما كثيراً ما يكون الخطأ في الشعارات نفسها، وفي سطحية العمل الأدبي وعدم شجاعة الكاتب في التزام الصدق.</p>
<p>إن تجربة النضال الفلسطيني المسلح، وهي تجربة حديثة العهد، وكثيراً ما نلاحظ أن كاتباً فلسطينياً يتسرع في قطف ثمار هذه التجربة، فيقطفها فجة. وتدلني تجارب شعوب أخرى، بما فيها تجربة الحرب العالمية الثانية، وتجربة مقاومة الاحتلال النازي في أوروپا، أن أدب المقاومة لم يظهر إلا بعد أن اختمرت التجربة. وأستثني هنا الشعر، نتيجة دوره المباشر في مخاطبته الجماهير. ونحن، حين حاولنا، في بلادنا، تفسير ظاهرة ازدهار الشعر الوطني، وعدم ازدهار القصة والرواية، كان هذا هو جوابنا.</p>
<p>إنني أعتقد بأن الأدب الفلسطيني في هذه المرحلة، لا يستطيع أن يخرج من جلده ويظل صادقاً، أي لا يستطيع أن يهرب من القضية الفلسطينية أو من مجال الأدب السياسي، ولذلك، لا ألوم إخواني الأدباء الفلسطينيين فيما لا أستطيع أن ألوم به نفسي.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> ما هي مشكلتنا إذن؟ </span></p>
<p>مشكلتنا هي أن قضيتنا أكثر عمقاً من أن تقتصر على كونها مجابهة فلسطينية - صهيونية. إن هذه المجابهة، كما نعلم جميعاً، مرتبطة بقوى وعناصر متعددة ومتشابكة. ويبدو لي أن العديد من الأدباء الفلسطينيين يحاولون الاختباء في خندق هذه المجابهة كي يهربوا من مواجهة القوى والعناصر الأخرى. </p>
<p>هذا هو السبب الذي يجعل العديد من النقاد يجمعون على أن الأدب الفلسطيني الحديث، عموماً، هو أدب تحريضي وسطحي وغير ناضج. بل نلاحظ أن العديد من السياسيين الفلسطينيين هم أكثر شجاعة من العديد من الأدباء. بينما الأمر الطبيعي هو في أن يكون هذا الواقع معاكساً.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> ما هو السبب في ذلك؟</span></p>
<p> لماذا كان علينا نحن وحدنا الإجابة على السؤال الذي يؤرقنا كأنه تأنيب الضمير، لماذا كان على هذا الشعب أن يقدم كل هذه التضحيات وأن يصمد كل هذا الصمود دون أن يجني ثمار نضاله؟ أنا لا أتجاهل الأمر الأساسي وهو أنه لا يمكن لوم الضحية، نحن الضحية. ومع ذلك، فإن مهمة الأدب الطليعي هي في أن يكون أكثر شجاعةً من سواه في الإشارة إلى النواقص، وذلك في سبيل أن تختمر التجربة ولكي لا تذهب هذه التجربة هباءً.</p>
<p> وملاحظتي الأخيرة، وليسمح لي العديد من إخواني المشتغلين بالأدب الفلسطيني أن أقولها، وهي أنه إذا كان انعدام الديموقراطية وحرية الكلمة هو درعهم الذي يتقون به ملاحظاتي هذه، فإنني أرى هذا الدرع مصنوعاً من جلد تمساح.</p>
<p><span style="color:#ff0066">ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟ </span></p>
<p>لم أضع في حياتي مشروعاً أدبياً مسبقاً إلا عندما كتبت «لكع». وأعتقد أن هذه الحقيقة هي مصدر الضعف الأساسي في هذا العمل الأدبي. لذلك، ليس لديّ الآن أي مشروع أدبي، وأتمنى أن أكتب، ولديّ ما أقوله، وإذا تحقق حلمي فسيكون عفو الخاطر وتعبيراً عن حاجة ذاتية ماسة.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19001">إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (٢/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (١/٢)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19000</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 24 Nov 2017 09:19:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<category><![CDATA[المقابلة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a5%d9%85%d9%8a%d9%84-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a-%d9%84%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%af%d8%b1%d9%88%d9%8a%d8%b4-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d8%ae%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%a3%d9%86/</guid>

					<description><![CDATA[<p>نُشرت المقابلة في العدد الأول من مجلة «الكرمل»، بيروت، شتاء عام ١٩٨١</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19000">إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (١/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color:#7f8c8d">براغ، ضباب وشوارع تنتشر في الضوء الخافت وفتية يرقصون، وهو إميل حبيبي، هذا القادم كأنه أبطاله جميعاً، يضحك ويسأل ونحن نريده أن يجاوب. لكنه يسأل، يأخذنا في ذاكرته إلى هناك، إلى المعاناة اليومية، ويتعامل معها ببساطة اليومي والمألوف الذي يجب تغييره، وحين يشير إلى هناك يقول “بلادنا“، إنها بلادنا. والضمير يشير إلينا جميعاً، وهو كأنه الضمير، كأنه ضحكات تمطر فوق شوارع المدينة القديمة، نمشي إليها معه، وهو يتكلم ويسأل، ونحن نستمع إلى أجوبته وأسئلته.</p>
<p> هذا هو الفلسطيني العربي، الكاتب، السياسي، المناضل. هذا السيل من الشخصيات الشعبية التي تتلخّص في رجل واحد، هذا الكاتب الذي لا يحترف سوى الحب، يكتب، كما قال، حين تأتيه الكتابة. والكتابة تأتيه على صورة «المتشائل»، حيث يختلط التراث الأدبي العربي بحياتنا اليومية، حيث تصطك اللغة القديمة تحت عذابات الراهن.</p>
<p> كأنه معنا، استعدنا تلك الأيام الجميلة القاسية في حيفا، واستعاد هو معنا بيروت وشوارعها، والبيوت التي التجأ إليها، ومجلة «الطريق»، ورئيف خوري وجميع الرفاق.</p>
<p> وفي الحوار معه، نكتشف أننا نحاور أنفسنا. كأنه صورتنا الأخرى، كأنه السنوات التي ستأتي أو العمر الذي سنذهب إليه.</p>
<p> وفي الوداع، كان ما يشبه الوجع الذي يقتلع الأعضاء. لكنه هناك وهنا ونحن في كل الأمكنة معه ومع كلماته وضحكاته ونكاته وسخريته ومحبته للآخرين.</p>
<p> في براغ، التقيناه، وتحدثنا، سرقنا فراغات الكلام ومشينا في الشوارع، ورأينا الشوارع الضيقة حيث عاش كافكا وطوابع البريد، وتذكرنا المدن الأوروپية التي ابتلعتنا، وتذكرنا پاريس، مدينة العاشق الذي مات، مدينة عز الدين القلق، ثم عدنا إلى حيفا والناصرة وبيروت.</p>
<p> وهذا الحوار هو تلخيص لأيام أربعة قضيناها في النقاش الطويل، حول الأدب والسياسة والكتابة.</span></p>
<p><span style="color:#ff0066">نبدأ من البداية.. كيف تفسر مفاجأة العالم العربي بنتاجك الأدبي؟</span></p>
<p> إن مفاجأة العالم العربي بنا ليست قضية شخصية، فالمفاجأة كانت في التعرف علينا جميعاً وعلى أدبنا بأسره، ويمكنني تفسير هذه الظاهرة بكون العالم العربي، كان بعد هزيمة حزيران 1967، بحاجة إلى بارقة أمل. فهذه الضرورة هي التي دفعت الضمير العربي إلى ”اكتشافنا“.</p>
<p> لقد استطعنا أن نكون بارقة الأمل هذه لأننا صمدنا هذا الصمود في ظل القمع الإسرائيلي طيلة هذا الوقت ولم نتراجع أو نخضع. كما يشير محمود درويش في أبياته الشهيرة: "نحن يا أُختاه من عشرين عام نحن لا نكتب أشعاراً ولكنا نقاتل“.</p>
<p> وأحب أن أضع هذه الحقيقة في مكانها الصحيح، حتى لا تكون هناك مبالغة في تقويم إنتاجنا. وهذه المبالغة تسيء إلى الجانبين: إلى موضوع المبالغة، أي نحن، وتقودنا إلى العقم، وإلى مستقبِلي المبالغة، وتقودهم إلى الرضى عن النفس، وحتى إلى قبول المواقف الاستسلامية.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> «سداسيّة الأيام الستة»، كانت أول عمل أدبي منشور لك، وقد نشر بعد هزيمة حزيران 67، فماذا كتبت قبل «السداسية»؟</span></p>
<p> نشرت مع «السداسية»، عدداً من القصص التي كنت قد كتبتها ونشرتها في سنوات سابقة، إحداها هي قصة «بوابة مندلباوم» التي كتبت في الخمسينات. والحقيقة أنني عالجت كتابة القصة منذ أن بدأت مساهمتي، في العمل السياسي. وقد نشرت العديد من القصص في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني، ونشرت في «الاتحاد»، و«الغد». كما نشرتُ في الأربعينيات عدداً من القصص في مجلة اسمها «المهماز»، شاركت في ملكيتها، وكنت رئيساً لتحريرها، وقد صدرت عام 1946.</p>
<p>وفي عام 1948 نشرت قصة قصيرة أعتزّ بها في مجلة «الطريق» اللبنانية، انطلاقاً من الأسطورة القروية عن الإنسان الذي يضبعه الضبع، ويقوده وهو فاقد الرشد نحو مغارته ويسير المضبوع نحو المغارة منتصب القامة، فيصطدم رأسه بسقف المغارة، ويُجرح ويسيل دمه فيثوب إلى رشده. وقد أردت في هذه القصة الإشارة إلى ما أصاب الشعب العربي الفلسطيني، وإلى الثقة بقدرة هذا الشعب على التخلص من الضبع والمغارة.</p>
<p> والمؤسف أن العديد من هذه القصص قد ضاع، خصوصاً ما نشر منها في «المهماز». لقد تعاطيت الأدب وأحببته منذ أيام الدراسة. وكنت معروفاً لدى الأوساط الأدبية في فلسطين زمن النكبة.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> هل يمكن أن تحدثنا عن المناخ الأدبي في فلسطين آنذاك؟</span></p>
<p> لقد أصبح معروفاً لدى الباحثين في تاريخ الأدب الفلسطيني، أن الأدب الوارد من مصر في ذاك الحين، أثر تأثيراً سلبياً على نمو الأدب الفلسطيني بشكل طبيعي، من حيث أنه ضيّقَ الخناق على الأدباء الفلسطينيين الذي كان عليهم إما النشر في الصحف والمجلات المصرية أو الاكتفاء بما تيسر من وسائل نشر بدائية، لم تكن قادرةً على منافسة المجلات المصرية. أنا تأثرت بمصطفى صادق الرافعي، على الرغم من كونه كان كاتباً رجعياً، ولم أزل إلى اليوم متأثراً بأسلوبه وطريقته في التلاعب بالألفاظ.</p>
<p> جيلي أنا، هو الجيل الذي كان تالياً لجيل أبي سلمى وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود. كنت أنا وإحسان عباس، وكان عباس شاعراً، وكان أعز صديق لي. كنا في مدرسة واحدة، وفي صف واحد. ولقد ذكرت هذه العلاقة في قصتي «قدر الدنيا»، حين كتبت عن ثلاثة أصدقاء، أحدهم صار مدرساً في الخرطوم، والثاني أصبح نزيل مستشفى الأمراض العقلية، والثالث هو أنا.</p>
<p>كنا نحاول أن نشن معارك أدبية ضد العقاد. أذكر أننا كنا نخرب ندواته في فلسطين، إذ كان العقاد مؤيداً للحلفاء الغربيين. أما نحن فكنا شلة من التقدميين الذين يعتبرون القضية الفلسطينية قضية كفاح ضد الاستعمار البريطاني، كما كنا ندعو إلى ضرورة التفريق بين اليهود والحركة الصهيونية، وكان موقفنا نقدياً من القيادة الفلسطينية الرجعية والمتجمدة آنذاك، كما كان موقفاً منفتحاً على الاتحاد السوفييتي ويرفض الاتجاهات التي كانت ترى الخير في أي تحالف مع الفاشية.</p>
<p> وأذكر أننا من جانبنا كنا ننظم ندوات وندعو أدباء وشعراء عرباً لإحيائها. دعونا الجواهري ومجموعة من الأدباء والفنانين من لبنان والعراق.</p>
<p><span style="color:#ff0066">  ما هي الخلفية الثقافية لهذا الجيل؟</span></p>
<p> لا شك في أننا تأثرنا بالأدب المصري: طه حسين، ومجلة «الرسالة». لقد تأثرنا بأسلوب الأدب المصري، وبثورية الأدب اللبناني متمثلاً بمارون عبود، ورئيف خوري (الذي كان مدرساً في فلسطين)، وعمر فاخوري، وتأثرنا بمضمون مجلة «الطريق».</p>
<p> وكان أدبنا سياسياً، وحتى في عودتنا إلى التراث، فإننا كنا نهتم بأدب الخوارج والقرامطة. كنا نبحث عن التراث المقاوم في التاريخ العربي.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> ما هي المصادر الأدبية التي أثّرت في كتاباتك؟</span></p>
<p> إن الذي قادني إلى الاهتمام بالأسلوب هو مصطفى صادق الرافعي. فمحبتي للغة العربية أخذتها عن الرافعي، في أسلوبه وتكراره، كما أنني تأثرت بالسلاسة والعزف على الموسيقى الهادئة عند طه حسين.</p>
<p> في المدرسة، بدأت بتذوّق اللغة عن طريق معلمين يبدو أنهم اكتشفوا هذه الملكة لديّ. أحدهم فرض علي، لأنه يحبني، دروس الدين، ثم علمني القرآن، فتأثرت به حتى في عملي السياسي. أما الذي فك طلاسم اللغة عندي فهو إلياس حدّاد، والد الدكتور وديع حداد، الذي عرّفني على «كتاب النحو» لجبر ضومط.</p>
<p> ولقد تأثرت بالمقامات، فأنا أحب التلاعب بالألفاظ، ولذلك، ربما، أصبحت الكتابة صعبة بالنسبة إليّ، أعود إلى النصوص وأعيد، وأنا مستاء من نفسي بسبب ذلك. وقد يكون هذا رد فعل على استهانة أدبائنا وشعرائنا باللغة.</p>
<p> كما أنني تأثرت بالأدباء الروس وعلى رأسهم تولستوي، تورجنيف، دستوييڤسكي، وماياكوڤسكي. غير أن الحدة في كتاباتي تعود إلى تأثري بكارل ماركس. وكثير من الناس يدهشون حين أشير إلى هذه الحقيقة، لأنهم لا يعلمون أن هذا المراكشي، كما كان يسميه أقرانه، كان يسمح لنفسه حين يهاجم نظاماً أو قيادات بأن يخترق قدس الأقداس.</p>
<p> أما روح التهكم المبطن، فقد أعانني الأدب الإنجليزي الكلاسيكي على تنميتها، وإلى حد ما إنتاج الأمريكي مارك توين. </p>
<p>كما أنني أحب ڤولتير كثيراً، إلى درجة أنني أشعر بأثره المباشر، أحياناً، على كتاباتي. وإذا أردت أن أشدد على ناحية أو مصدر أدبي فإنني أقول إنني تأثرت كثيراً بالمقامات والأدب الهزلي الكلاسيكي العربي، أدب الكشاكيل، وكتبت مقالات في «الجديد»، وتوقفت لأنني لم أستطع أن أتابع. وأنا عندما أكتب أعمل كثيراً في القواميس القديمة، قاموس الفيروز أبادي، وبعض الكتب كـ «العقد الفريد»، كما أنني أشعر بأن الجاحظ يشجعني على اختراع الكلمات.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> كيف تستطيع أن تفسر لنا تحولك في سن الخامسة والأربعين إلى الناشر المحترف، وإلى تقديم نفسك كأديب، بعد أن كنت معروفاً كمناضل وكقائد ثوري وككاتب سياسي؟</span></p>
<p> أستطيع أن أقول إنني جئت إلى السياسة عن طريق الأدب وليس العكس. وقد بدأت نشاطي السياسي حين كانت الشيوعية ما تزال حزباً سرياً في بلادنا. كنت آنذاك أعمل متمرناً كي أصبح مهندساً ميكانيكياً كما كان أخي الأكبر حليم يريدني أن أكون. كنت أشتغل متمرناً وأدرس عن طريق المراسلة. بدأت العمل الميكانيكي من أدنى درجاته، كنت أعمل «عطشلي» (الذي يرمي الفحم الحجري في وجاق القاطرة)، في شركة تكرير البترول في حيفا أثناء بنائها، حيث كان أخي يعمل مديراً فيها. وكان قائد القاطرة شيوعياً من عكا. ويبدو أنه أراد أن يجد طريقاً إلى ضميري، وكان ذكياً، فأدرك ميولي الأدبية وشجعني على كتابة القصص ووعدني بنشرها. وعن هذا الطريق فتحت أمامي آفاق الشيوعية. الأدب، كما ترى، هو الباب الذي أوصلني إلى السياسة، وأنا حتى عندما كنت في مرحلة الإعداد كي أكون مهندساً ميكانيكياً، كنت أعتبر نفسي بطلاً في قصة، فارساً متخفياً في ثياب العمل.</p>
<p> ثم حين عُرض عليّ الاشتراك في مسابقة لتوظيف مذيعين في محطة «إذاعة القدس» في أوائل الأربعينيات، اشتركت في المسابقة ونجحت، وعندها، استطعت، للمرة الأولى، أن أحقق اهتماماتي الأدبية، وأن أعيش وسط جو الأدباء، وأن أتعرف إلى أبي سلمى في سنوات 1942 - 1943.</p>
<p> وأنا أدعي أنني ضحيت برغباتي الأدبية من أجل المساهمة في العمل الوطني - السياسي المباشر. فلقد قدمت استقالتي من العمل الإذاعي حين طلب الحزب مني ذلك، وكان الوضع داخل الحزب صعباً. فتركت العمل الإذاعي وبالتالي العمل الأدبي عن وعي وقناعة، من أجل تلبية حاجة، كنت أدرك أنها ماسة بالنسبة للعمل الحزبي آنذاك، إذ إننا كنا في مرحلة الظهور العلني، وقد ظهرنا تدريجياً ووضعنا السلطة أمام الأمر الواقع.</p>
<p> مما لا شك فيه أن ملكتي الأدبية ساعدتني على تطوير صفة الخطابة وتطوير كتاباتي السياسية. وحين جابهت مؤخراً، وقبل كتابة «لكع»، قضية الأسلوب، وأخذت أفتش عن الأسلوب الذي يستطيع أن يستوعب تجربتي وأفكاري، اكتشفت أنني لا يمكن أن أجد الأسلوب المناسب إلا من خلال تجربتي الطويلة، عندها أدركت أن تجربتي تتميز بالنجاح في أسلوب الخطابة، فاعتمدته في «لكع».</p>
<p> لقد ضحّيتُ سابقاً بإمكانياتي الأدبية من أجل شعوري بضرورة العمل السياسي. وفيما بعد، أي بعد فترة طويلة نسبياً في العمل السياسي، وخصوصاً بعد عام 1965، بدأ يتكون لديّ الاقتناع بأنني أستطيع، ومن حقي، بعد هذا العمر الطويل، أن أعود إلى حبي الأول. ولم أعد إلا بعد أن تكوّن لديّ الاقتناع بأن حياة جيلي السياسية لم تذهب سدىً، لأننا استطعنا أن ننشئ جيلاً يستطيع أن يستمر في حمل الراية وبشكل أفضل مما حملناها. وأنا لا أكشف سراً حين أقول إن رفاقي في الحزب، وجدوا صعوبة كبيرة في فهم دوافعي. ولكن هذه هي دوافعي الحقيقية التي يعرفها حزبي. ولقد قلت في المجال الأدبي أموراً كثيرة قلتها في المجال السياسي. ولديّ ما أقوله في المستقبل في مجال العمل الأدبي. وأنا أشعر بأنني محظوظ لأنه قيّضَ لي هذا الخيار الذي لا يقيض لجميع القادة السياسيين.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> السياسي والفنان يتعايشان حتى لحظة معينة ثم يفترقان؟ كلامك يشير إلى أن خيارك الأدبي هو ما يشبه التقاعد، وكأن الأدب يصبح في لحظة معينة هو «الخلاص».</span></p>
<p> أنا لا أوافق على أن الأدب هروب، والذي دفعني إلى العودة ومواصلة العمل السياسي هو الخوف من القول بأنني هارب. لذلك عدت عضواً في المكتب السياسي ورئيساً لتحرير «الاتحاد». كل ما أطلبه، ليس التوقف عن النضال السياسي، بل أطلب وقتاً أكبر للعمل الأدبي. أنا لم أستطع التخلي عن العمل السياسي، وربما لأن هذه هي حياتي. هل أستطيع أن أخرج من جلدي!</p>
<p> وأنا أعتقد أن ما يحبه الناس في كتاباتي السياسية هو اللون الأدبي الذي فيها. حتى كتاباتي السياسية، فإنها في أغلب المرات ذاتية، كما أن العمل السياسي لم ينفصل عن الرؤية الأدبية في أدبي.</p>
<p> أنا لا أمر في أزمة سياسية، فأنا مقتنع الآن أنه بعد عام 1965، وبعد أن مر الحزب في أزمته وخرج منها، بأن الراية هي في أيد أمينة، وصرت أشعر أن الأمور تستطيع أن تستمر من دون مساهمتي المباشرة. إنه الشعور نفسه الذي جعلني أترك العمل الأدبي إلى السياسة، هو ذاته دفعني إلى ترك السياسة إلى الأدب.</p>
<p> أنا أعتقد أن جميع الناس يشعرون بهذا الصراع من أجل البقاء. وأنا أيضاً أرغب في أن يبقى ورائي الأثر الأدبي الذي أكتبه. وعندما أكتب نصاً أدبياً أتساءل: كيف ستُقوّمه الأجيال القادمة. أتمنى أن يصبح نصوصاً للقراءة في المدرسة، وأشعر بالغيرة من الكتاب الكلاسيكيين. لذلك، أحترم عملي، فأنا لا أعرف كيف سترى الأجيال القادمة إليه، هكذا كما ترون، العمر يلعب دوراً أساسياً، أنا أريد أن أتجاوز الموت.</p>
<p><span style="color:#ff0066">كيف تنظر إلى الموت؟</span></p>
<p> بدأت أعي وجودي الشخصي مع وعيي لقضية الموت. أنا بدأت أشعر بوجودي في اللحظة التي عرفت فيها الموت. أنا أخاف الموت، إذن أنا أموت. لذلك أبحث عن المستوى الذاتي، عن الوصول إلى تفاهم مع الموت، إلى الرضى بهذا الأمر مع إيجاد حل لقضية استمراري. ولقد كان أحد الأسباب الباطنية لوعيي المبكر للموت هو حبي الشديد لأمي. فأنا كنت شديد الخوف من أن تموت أمي، وكنت أتمنى أن أموت قبل أن تموت. فأنا كنت وثيق الارتباط بها نتيجة ضعف بنيتي.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> ولكن هناك أشياء تموت في الإنسان، فكيف ترى إلى موت الأشياء فيك؟</span></p>
<p> أحاول في الكثير من المرات أن أقنع نفسي بأني أصبحت كبيراً في السن، وأن أتصرف على هذا الأساس. ولكني لا أعرف الفرق بين الجيل الجديد وبيني، فأنا ما أزال كالأطفال. ولكني أتألم حين أرى الأجيال الشابة تتهكم على الحب، كما لو أنه صار عيباً. جيلنا كان يحب إلى درجة الحب العذري، وكان الحب عميقاً كما في الروايات الروسية الكلاسيكية. أما مسألة الموت، أقول نعم، ربما ماتت العواطف الجياشة وبعض الصداقات وبعض النساء والمدن، أما كيف عالجت قضية الموت في شبابي، فأنا كنت أكتب مذكرات ساذجة، وأذكر أنني كتبت أقول إنني أبحث عن حب ينسيني ذاتي وينسيني خوفي من الموت، ثم انتقلت إلى البحث عن مبدأ يستوعبني ووجدت الشيوعية، وكان من الممكن أن أقع في الإيمان الديني.</p>
<p> لقد وجدت الحب في المرأة، غير أن هذا الحب لم يستطع أن يستوعبني، لقد حاولت أن أعطيها كل حياتي، لكن المشكلة لم تحل، مشكلة الاندماج الكلي والاستعداد للتضحية بالذات من أجل قضيته.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> ولكن طالما تحدثت عن إمكانيات الإيمان الديني، كيف ترى الآن علاقتك بالله؟</span></p>
<p> لا، كلامي لم يكن دقيقاً حول هذه النقطة. بعض أخوتي وقع في الإيمان الديني، أما أنا فلا. والآن أيضاً، لا يلعب الدين أي دور في حياتي، وهذا واضح بالنسبة لي، لكني أتألم كثيًرا حين أرى أن هذا لا يزال عاملاً علينا مجابهته، بعد كل هذا العمر، في أواخر القرن العشرين، أتألم لأن الإنسانية في هذا الواقع.</p>
<p> كما أنني أتألم من قضية أخرى. فأنا أشعر بالغيرة من تجارب تنعكس في كتابات العديد من أصدقائي الذين يعرفون حياة القرية، والعائلة العربية بالتفصيل، وهي تقاليد إسلامية. ولذلك، ترى أنني في أعمالي الأدبية أشير إلى هذه التقاليد. ويؤسفني جداً أن أشعر بأنني مقيّد. فلو عشت في بيئة إسلامية لاستطعت أن أقدم أكثر. وهذا حنا مينه أنا أراه شجاعاً لأنه يكتب عن شخصية مسيحية كاملة، أنا لا أسمح لنفسي بهذا. فدين الأبطال في قصصي إما أن يكون مسلماً أو لا تجري الإشارة إليه. لذلك، فإن أغلب شخصياتي إما غير معروفة الطائفة أو الدين أو تتهكم عليه. وأنا لا أشعر أن بنيتي المسيحية هي معوق بالنسبة لي، فطموحي هو أن أكتب عن الأمر المميز لهذا الشعب، عن العام، وأنا أعتبر العام إسلامياً.</p>
<p> لقد نشأت في بيت بروتستانتي، أما مدرستي وأصدقائي فكانوا مسلمين. ربما المسألة أكثر عمقاً من الطائفة والانتماء المذهبي، ربما السبب في هذا كله هو مدنيّتي. الكتاب المدنيون هم أقلية في مجتمعنا الفلسطيني. أنا لا أعرف القرية، ومجتمعنا قروي. أنا لا أعرف بيئة القرية، لا أعرف أسماء الأدوات الزراعية، لذلك فإن أغلب مشاهد رواياتي وقصصي تدور في عكا وحيفا. وأنا لا أُحب أن أكتب عن أشياء لا أعرفها بشكل جيد.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> هل هناك مصادر دينية في أدبك؟</span></p>
<p> لقد قرأت التوراة، وأحاول أن أهرب من تأثيرها، لأن ترجمة اليازجي ليست عربية، وقد لعبت دوراً في تشويهنا. </p>
<p>التوراة والإنجيل لم يلعبا أي دور في حياتي، أهملت الإنجيل وقرأت التوراة، وأنا أقاوم تأثيرها فيّ، وأعتقد أن تعابير التوراة هي تعابير عبرية، تراكيب الجمل هي تراكيب عبرية. أنا أقاوم الاستناد على أُمور هي من خارج تقاليد جماهيرنا، كالميثولوجيا الإغريقية، فثقافتنا تبدأ بالإسلام.</p>
<p><span style="color:#ff0066">هل يمكن أن تحدثنا عن إميل حبيبي الإنسان، ولنبدأ بالطفولة؟</span></p>
<p> أنتمي إلى عائلة قروية أصلها من شفاعمرو، قرب حيفا. والدي شكري كان معلم مدرسة في شفاعمرو، ويبدو أنه كان يعمل في مدرسة إرسالية. وكان معلم المدرسة في ذلك الوقت شخصاً محترماً، ويذكر اسمه في بقايا الأغاني في القرية: «يا شكري هات الدفتر». وكانت عائلتي واحدة من العائلات القليلة التي لم تكن تملك أرضاً. وهذا أمر نادر الظهور في ذلك الوقت لدى عرب فلسطين. ويبدو أن جدي لوالدي كان مسرفاً متلافاً، وأن الإنچليز حين دخلوا بلادنا جلبوا معهم جنوداً كانوا يسمون "مغاربة" أتوا مع عائلاتهم، وصادروا أراضي أحلوا بها هؤلاء الجنود مع عائلاتهم، وحدث أن كل ما تبقى لنا من أرض كان في وسط المنطقة التي صودرت.</p>
<p> وفي سنة 1920 هاجر والدي إلى حيفا مع أولاده، حيث أُلقوا في سوق العمال كعمال. وفي سنة 1921 وُلدتُ لعائلة من الممكن اعتبارها قسراً عائلة عاملة. وفتح والدي دكاناً لبعض الوقت وكنا نسرقها فأغلقها، واعتمدنا في معيشتنا على إخوتي (بعضهم عمل في سكة الحديد، واثنان في بناء كاسر الأمواج في ميناء حيفا، ثم في مصانع تكرير البترول في حيفا). نحن تسعة أولاد سبع صبيان وبنتان. هذا الوضع الاقتصادي هو وضع خاص بالنسبة لأية عائلة فلسطينية، وكنت ألاحظ في علاقاتي بأقراني أنه حتى القروي الذي أتى إلى المدينة بقيت له أرض في القرية أو استملك في المدينة. أما نحن فكان وضعنا مختلفاً. لكن من ناحية أخرى كان العمل اليدوي يضعنا في مستوى دخل معقول، أي في مستوى طبقة عاملة متوسطة، كما أن عائلتي كانت تنظر دائماً إلى “فوق”، أي تحاول أن تتبرجز.</p>
<p>وأذكر أن بيتنا كان مكاناً نلتقي فيه بشيوعيين من خلال زيارات أصدقاء أحد إخوتي، وحتى من خلال اجتماعات سرية، كان هذا جعلني منذ طفولتي لا أحمل آراء مسبقة معادية للشيوعية، ولم تجابهني القضية التي جابهت العديد من أبناء جيلي، وهي التغلب على هذه الآراء التي كانت تسيطر على مجتمعنا في الثلاثينيات والأربعينيات، أي قبل الحرب العالمية الثانية. ولقد تقبّلتُ الشيوعية فكرياً ومن موقع عائلتنا الاقتصادي أيضاً.</p>
<p>ولقد تكامل شعوري الوطني أثناء ثورة 1936، التي كانت أكثر الثورات الفلسطينية وضوحاً في توجهها ضد الاستعمار البريطاني، وكان صدامها مباشراً معه. ولذلك أستطيع أن أقول بأن قضية التوجه الإيجابي نحو اليهود في فلسطين كانت بالنسبة لي قضية طبيعية. ولا أعتقد أن جيلي في حيفا تأثر بشكل جدي أو عميق بآراء عنصرية معادية لليهود.</p>
<p>وفي هذا الزمن المبكر، أي عام 1936، كانت نظرتنا المعادية للصهيونية، نابعة، وبحق، من كونها أجيراً للاستعمار البريطاني، ومنفذاً لمخططاته.</p>
<p>كما أن موقفنا تأثر بمجموعة من الأحداث: عمليات طرد الفلاحين من أراضيهم وخاصة قضية وادي الحوارث، التي باعها الملاكون العرب للصهاينة وقام الجيش البريطاني بطرد الفلاحين العرب منها، وحركة القسام. وكنا في المدرسة الابتدائية نقيم تنظيمات سرية لمحاربة الإنچليز، وكان ذلك نتيجة تشجيع بعض أساتذتنا، الذين علينا الآن أن نُشيد بموقف العديد منهم. ولكنها كانت حركات صبيانية دون أي فعل سوى أننا كنا نشارك في الإضرابات والتظاهرات. وتأثرنا في مدرستنا، مدرسة المعارف الابتدائية في حيفا، بإعدام حجازي وشمشوم والزير في صفد، وخاصة وأن أخ الشهيد حجازي، كان معلمنا للغة العربية، الأستاذ عارف حجازي، وكنا نحبه ونحترمه.</p>
<p>أنجزت الصف الثانوي الأول في حيفا، ثم ذهبت إلى عكا حيث درست الصف الثانوي الثاني في المدرسة الحكومية هناك، بعدها لم يعد هناك إمكانية للتعلم الثانوي المجاني، فذهبت إلى مدرسة إرسالية إسكوتلاندية في حيفا (مدرسة مار لوقا)، وكان أحد معلميها البارزين هو إلياس حداد، وفيها أنهيت دراستي الثانوية.</p>
<p> تنقلت بين عدد كبير من الأعمال، وعلى رأسها المحاولة التي جرت بتوجيه من أخي الكبير كي أصبح مهندساً ميكانيكياً، فعملت في بناء مصافي البترول. وبعدها انتقلت إلى الإذاعة في القدس، وقدمت استقالتي من الإذاعة عام 1943، كي أتفرغ للعمل الحزبي. ثم شاركت في تأسيس «عصبة التحرر الوطني» عام 1943. وفي أيار 1944 أصدرنا جريدة «الاتحاد»، ومنذ ذلك الوقت أصبحتْ حياتي السياسية والأدبية مرتبطة بـ «الاتحاد»، ومجلة «الغد»، ومختلف الأدبيات التي كانت تصدر عن «عصبة التحرر الوطني» أو بتأثير منها.</p>
<p> وفي عام 1946، شاركت مع عدد من المثقفين العرب البارزين في ذلك الوقت في إصدار مجلة أسبوعية اسمها «المهماز»، ولاقت هذه المجلة انتشاراً واسعاً في فلسطين والأردن والعراق. وحاولنا أن نجاري بها المجلات الأسبوعية المصرية «آخر ساعة»، و«روز اليوسف»، ولكن مجلتنا لم تعش سوى سنة واحدة. وقد جابهت مجلتنا مقاومة مباشرة من الحكم الملكي الذي كان قائماً في شرقي الأردن، خصوصاً بعد أن نشرنا كاريكاتوراً على عرض الغلاف يصور تاجاً ضخماً كما لو أنه دبابة وتحته جماهير مدعوسة، وكتبنا تحت الصورة: التاج الذي سيهدى في الشهر القادم إلى أمير عربي، وكان الحديث يجري عن تتويج الأمير عبد الله ملكاً.</p>
<p>وفي «المهماز»، نشرت العديد من قصصي القصيرة. وضاعت «المهماز»، وضاعت هذه القصص. بحثنا عن المجلة في الجامعة العبرية ووجدنا بعض أعدادها، كما وجدنا بعضها الآخر في مكتبة لينين. وأنا كنت أملك مجموعة كاملة من المجلة، وكنت في أواخر الانتداب البريطاني أقيم في رام الله، وعندما اضطررت إلى تركها في حرب 1948، حفرنا حفرة في ساحة أمام بيت جدة زوجتي وطمرنا صندوقاً وضعنا فيه هذا الأعداد وكتباً وأوراقاً أخرى، فلما قامت إسرائيل باحتلال الضفة الغربية في عدوان حزيران 1967، ذهبت إلى ذلك المكان فوجدت أنه شيد فوقه بيت كبير، ولم يعد العثور على الصندوق ممكناً.</p>
<p> عام 1948، كان من الممكن أن أُقتل كما قُتل الكثيرون، وإذا لم أُقتل فهذا صدفة، وقد كنت في العديد من المرات أعيش أوضاعاً كان من الممكن أن أموت فيها برصاصة. </p>
<p>لذلك، ربما، يولد فيَ حِسّ تلخيص التجربة، وحرقة لأن هذا الأمر لا يجري على مستوى القيادات الفلسطينية. لقد آن أوان تلخيص التجربة. فتجربتنا غنية جداً في مآسيها ونكساتها، والسؤال الذي يشغلني الآن، هو أنّ هذا الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات، لماذا لم يحقق حتى الآن الحد الأدنى من أمانيه. والحجج التي تقدم غير مقنعة: العدو أقوى أو التطويق الرجعي. إذن، لماذا لا نلخص التجربة دون الاستهانة بهذه الأسباب؟</p>
<p><span style="color:#ff0066"> حدثنا عن تجربة النزوح الفلسطيني عام 1948؟ </span></p>
<p>حين نراجع الآن تسلسل أحداث المأساة أو الكارثة الفلسطينية، فإننا نحاسب أنفسنا على أمر واحد فقط. صحيح أننا بذلنا كل الجهد الممكن من أجل كشف أبعاد المؤامرة أمام جماهير شعبنا، باعتبارها تستهدف في الأساس إجلاء الفلسطينيين عن أرضهم، ودعونا جماهير شعبنا إلى البقاء في بيوتهم ومدنهم وقراهم مهما يحدث من أمر. ولكن الحقيقة، أيضاً، هي أننا بيننا وبين أنفسنا لم نكن نصدق أن تنفيذ مؤامرة، بهذا البعد، كان ممكناً. ومنذ عام 1946، حين خرج حزب العمال البريطاني بمشروعه المعروف والداعي علناً إلى ما أسماه تبادل السكان، ومضمونه الفعلي هو إجلاء العرب من فلسطين، ونحن ندرك أبعاد المؤامرة على المستوى السياسي. غير أن حداثة عهدنا بالسياسة جعلتنا لا نصدق أنه من الممكن ارتكاب مثل هذه الجريمة بعد الحرب العالمية الثانية وبعد القضاء على الفاشية والنازية.</p>
<p> ولقد قاوم حزبنا، طوال تاريخه في فلسطين، مختلف الحلول التي طرحت لتقسيم فلسطين. وما موافقتنا على قرارات الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، لإقامة دولتين مستقلتين في فلسطين، دولة عربية ودولة يهودية تجمع بينهما وحدة اقتصادية، سوى محاولة منا، في الأوضاع التي كانت قائمة آنذاك، لتفادي الكارثة.</p>
<p> ومنذ اليوم الأول لاندلاع القتال في فلسطين، جرّبنا أن نقنع الناس بعدم ترك بيوتهم وقراهم ومدنهم، بواسطة النشر والدعاية ومن خلال العمل الفعلي في لجان أحياء. غير أن المؤامرة كانت أكبر منّا بكثير. وأجد أنه من الضروري تحديد دور المسؤولين عن هذه الكارثة. فالإعلام الصهيوني يدعي أن عرب فلسطين تركوا بلادهم بمحض اختيارهم أو تلبية لنداء القيادة القومية الفلسطينية، وقيادة الدول العربية، وهذا ليس صحيحاً. والإعلام الصهيوني يناقض نفسه بنفسه في هذا المجال، فلقد تباهى رئيس حكومة إسرائيل الحالي (سنتذاك ١٩٨١) مناحيم بيغن، مرات عدة، بأن مجزرة دير ياسين التي ارتكبتها منظمته بقيادته في نيسان عام 1948، وذهب ضحيتها حوالي 40 عربياً فلسطينياً، بأنها كانت عاملاً حاسماً في إكراه العرب على ترك بلادهم. وهناك مجازر مماثلة لمجزرة دير ياسين. ولقد كُشف النقاب في إسرائيل في خضم الصراع الحزبي الداخلي على مجازر ارتكبت في الرملة واللد لترحيل أهالي البلدتين العرب. كذلك نشر قبل فترة وجيزة كتاب يكشف النقاب عن محاول مبرمجة لترحيل سكان مدينة الناصرة العرب. ومؤلف الكتاب، وهو يهودي أسترالي، كان ضابطاً في الجيش الإسرائيلي آنذاك، وقال إنه رفض تنفيذ هذه الأوامر. هذا بالإضافة إلى مجازر ارُتكبت في أغلب القرى التي أُزيلت من الوجود، أو التي لم تزل على قيد الحياة، مثل: عيلوط، وعيلبون، ودير الأسد، وشعب، وكفر ياسيف. </p>
<p>غير أن مسؤولية القيادة القومية الفلسطينية والعربية آنذاك يمكن تحديدها في أمرين: </p>
<p>الأول: أنها أوهمت الجماهير العربية الفلسطينية بأنها معنية حقاً بمنع هذه الكارثة وقادرة على ذلك، فيما أثبتت الأحداث فيما بعد أن الأمر كان عكس ذلك. </p>
<p>الثاني: في أنها لم تقاوم وتتصدّى لموجة الرحيل. </p>
<p>أما الأساس، فهو هذا المخطط الاستعماري الصهيوني. ويجب عدم لوم الجماهير الفلسطينية، فهناك نزوح طبيعي في ساحات المعارك يحدث في كل الحروب، وهذا حدث في أوروبا وغيرها، لكن الأمر الخاص في الحركة الصهيونية هو أنها تقوم على إحلال شعب مكان آخر.</p>
<p><span style="color:#ff0066">وماذا عن تجربتك الشخصية خلال فترة النزوح هذه؟ </span></p>
<p>في هذه الأثناء كنت مقيماً في رام الله وأعمل في القدس. واستطعت أن أكون شاهد عيان على العديد من الجرائم التي ارتكبها المستعمرون البريطانيّون. وكان الهدف المباشر منها هو تأجيج الصدام الدموي اليهودي - العربي في أحياء عديدة من مدينة القدس، وقد حدثت أمور مماثلة في بقية المدن الفلسطينية. كانوا، مثلاً، يعلنون منع التجول في أحد أحياء القدس المختلطة، ثم يأتون ببعض الشباب العرب المتحمسين بشكل عفوي أو حتى المشبوهين، ويدلونهم على الدكاكين اليهودية المغلقة، فيفتحونها ويقدمون لهم البنزين لإحراقها. ويستمر منع التجول لليوم الثاني، فيجلبون بالسيارات المصفحة نفسها يهوداً يقومون بعمليات مشابهة في الدكاكين العربية. كما كانت المصفحة البريطانية تلتقط من حي عربي شاباً وتأخذه إلى الحي اليهودي حيث يقتل، ثم يلتقطون شاباً أو شيخاً يهودياً وينزلون إلى الحي العربي، وتتكرر المسرحية الدموية.</p>
<p> وفي حيفا، قامت سيارات الجيش البريطاني، بشكل مباشر بنقل الأهالي العرب إلى زوارق بريطانية أخذتهم إلى عكا، ومنها جرى ترحيلهم إلى لبنان. وفي القدس، أسهمت سيارات الجيش «العربي» الأردني مباشرة في ترحيل العرب. </p>
<p>إنني أتذكر أيام نزوح العرب عن القدس، وقد كنت هناك، كان ذلك في شهر نيسان، وكانت تهب زوابع ترابية، وكان الناس يسيرون على أقدامهم أو محملين كالأغنام في السيارات المتجهة نحو الأردن، وكانت قنابل ”الهاون“ تتساقط عليهم وعلى منازلهم التي خلفوها وراءهم، ولا تسمع سوى صوت الانفجارات وولولة النساء وبكاء الأطفال. ولقد علقت هذه المشاهد في ذهني إلى الأبد، مرتبطةً بفيلم كنت قد شاهدته عن انفجار بركان ”فيزوف“، واحتراق مدينة بومبيي وتهدمها، وكان مشهد النزوح مشابهاً للمشهد السينمائي بشكل مدهش، لأن ما حدث طبع في أذهان الجماهير كما لو أن بركاناً قد انفجر فجأة.</p>
<p> وهذه هي خيانة القيادة القومية الفلسطينية التي سلمت مقاليد هذا الشعب، في تلك الساعات المصيرية، إلى دول عربية مرتبطة حتى أسنانها بالاستعمار ومخططات الصهيونية، ولا تملك سوى الشعارات الغيبية والبعيدة عن الواقع، حتى أصبح هذا الواقع في أذهان الجماهير التي أضاعت البوصلة بركاناً لم تحسب أي حساب لانفجاره.</p>
<p>من المعروف أن المأساة الفلسطينية كشفت عن عفونة الأنظمة الرجعية العربية آنذاك، ومنذ ذاك الوقت تفجرت الانقلابات في مختلف أنحاء العالم العربي. ومع ذلك لم يقاس أي شعب عربي في خيانة الأنظمة كما قاسى شعبنا العربي الفلسطيني. لأنه ليس صحيحاً أن ما حدث كان بركاناً وكارثة طبيعية لا يمكن تفاديها. إن ما حدث كان مؤامرة مدبرة من قبل الاستعمار والصهيونية. ولقد نجحت هذه المؤامرة اعتماداً على انعدام كل شعور وطني لدى الأنظمة العربية التي كانت سائدة.</p>
<p> وحري بالتسجيل هنا، العمل الاستبدادي الأخير الذي قامت به سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين، وهو إغلاق جريدتنا «الاتحاد» باعتبارها مخلة بالأمن، لا لسبب سوى لأنها كشفت حقيقة المؤامرة، ودعت الشعب الفلسطيني إلى البقاء في وطنه. ولقد ظهرت في تلك الأثناء حالة مأساوية هي تعاون بعض القيادات القومية الفلسطينية مع قوات الانتداب البريطاني. أضف إلى ذلك أن هذه القيادة كانت أول من ترك البلاد والتجأ إلى البلدان العربية وخصوصاً إلى لبنان والأردن والسعودية، مما دفعها إلى تشديد التحريض على كل من دعا إلى البقاء في البلاد والتحريض علينا بشكل خاص. وقبل أن تقوم سلطات الانتداب بإغلاق «الاتحاد»، قامت عناصر أرسلتها هذه القيادة بمهاجمة مكاتبنا في القدس ومصادرة أعداد الجريدة، غير أن هذا الإجراء لم يقبل شعبياً، فاضطرت إلى التراجع عن هذه الخطوة، فجاء الإجراء البريطاني المباشر بإغلاق الجريدة.</p>
<p> ولقد تبين لي أن إقامتي في رام الله، في هذا الجو، لم تعد مأمونة، كما أننا أردنا أن نجد طريقاً للاستمرار في إصدار «الاتحاد». فقمت بالاتفاق مع إخواني، بالعودة إلى حيفا، مدينتي، عبر الأردن ولبنان ثم الجليل قبل الخامس عشر من أيار 1948، وأقمت في لبنان عدة أسابيع، وحتى في تلك الأيام لم يكن واضحاً لنا مدى الكارثة. </p>
<p>عدت إلى حيفا حيث تقيم عائلتي واخوتي فلم أجد أحداً منهم، وفهمت أنهم رحلوا إلى لبنان ما عدا أبي وأمي اللذين انتقلا إلى الإقامة في قريتنا الأصلية شفاعمرو حيث كان أبي قد توفي. أما والدتي فعدت بها إلى بيتنا في حيفا.</p>
<p>لقد حاولت أن أستعيد في قصة «المتشائل»، تجربة العودة من لبنان إلى حيفا من حيث الطريق لا من حيث العائد. وأن أستعيد كذلك لقائي المأساوي بحيفا بعد النكبة، والتجأت إلى أُسلوب السخرية في هذا الوصف، لأن المأساة كانت أقوى من أن تتحملها الذاكرة. </p>
<p><span style="color:#ff0066">يوحي إنتاجك الأدبي، أنك تكتب ثلاثة أنواع أدبية هي القصة والرواية والمسرحية، ونحن نعتقد أنك تكتب نوعاً أدبياً واحداً هو مزيج من المقال والحكاية الشعبية، فأنت كما نعتقد لست متأثراً بالرواية العالمية، بل إن مصادر تأثرك الفعلية هي حكايا «ألف ليلة وليلة»، والجاحظ والمقامة. </span></p>
<p>يواجه الضرير عاهته بأن يفتش عن تعويض لهذه العاهة. ولذلك ادعيت أنه في مقدوري، اعتماداً على إلمامي بالتراث وعلى تذوقي للأدب العالمي (هناك فرق بين أن تكتب الموسيقى وأن تتذوقها)، أن أفتش عن أسلوب جديد في الأدب يتفق وإمكانية الاستيعاب الجماهيري العربي الخاص. </p>
<p>والحقيقة أنني حين كنت أخوض في أسلوب جديد كنت أفعل ذلك عن تعمد وإصرار، مجيزاً لنفسي حرية التجربة. وفيما بعد، حين لاحظت هذا الأمر لدى العديد من شعرائنا، أدركت أن محاولتي هذه ليست عرضية، وإنما هي تعبير عن الحاجة الموضوعية. وأحب هنا أن أحدد بعض الأمور. إن معرفتي بالنقد الأدبي حديثة جداً، ولكنني أحاول في هذا الزمن المتأخر أن أتخلص من هذا النقص في معلوماتي، غير أنني من جهة أخرى لا أستطيع أن أدعي أن إلمامي بالأدب العالمي واسع نسبياً، فأنا منذ طفولتي متعشق لقراءة الأدب، وقراءاتي واسعة جداً، وهي في الأساس قراءات في الأدب الكلاسيكي العالمي. وقد حالت انهماكاتي السياسية فيما بعد بيني وبين متابعة تطور الأدب في العصر الحديث، ما عدا الأدب العربي. وأنا لو لم أكن سياسياً لكنت أديباً، ولو لم أكن ثائراً لكنت شاعراً. </p>
<p>أما لجوئي للأدب الساخر فإنه يعود إلى أمرين:  - أرى في السخرية سلاحاً يحمي الذات من ضعفها. -  كما أرى فيها تعبيراً عن مأساة هي أكبر من أن يتحملها ضميري الإنساني.</p>
<p>ولقد وجدت في التراث العربي معيناً لا ينضب في هذا المجال، وكم من أعمال عربية كلاسيكية لم يفهمها جيلنا باعتبارها أدباً ساخراً، وعلى رأس هذه الأعمال تأتي «رسالة الغفران»، للمعرّي، و«ألف ليلة وليلة»، فمن المعروف عن «ألف ليلة وليلة»، أنها بدأت بقصة الأمير الذي وجد زوجته تخونه مع أحد عبيده، فهام على وجهه بعد أن قتلهما، وفيما كان يمر على شاطئ البحر إذا بموج البحر يصخب وينشق البحر عن مارد مخيف يحمل على كتفه صندوقاً كبيراً، فالتجأ الأمير إلى شجرة اختفى بين أغصانها، وأما المارد فجلس على الشاطئ وفتح الصندوق ثم صندوقاً آخر في داخله حتى الصناديق السبعة وأخرج منها حورية لم يمسها إنسان، فنام على ركبتها دون أن يمسها هو نفسه، ولحظت الحورية الأمير الشاب فوق الشجرة، فأشارت إليه بأن ينزل أو توقظ المارد، ففعل، فطلبت إليه أن يضاجعها أو توقظ المارد، ففعل، ثم طلبت إليه أن يعطيها خاتمه الذهبي أو توقظ المارد، ففعل، فأخرجت صرة لتضع الخاتم فيها فإذا بها مليئة بالخواتم، وأخبرته أن هذا المارد سرقها من أهلها وأخفاها في سبعة صناديق في بطن سبعة بحور حتى لا يكون هناك أي مجال لها كي تخونه، ولا هو يمسها، وفي كل شهر يخرجها مرة إلى شاطئ البحر ويكتفي بالنوم على ركبتها، ولديها حتى الآن سبعون خاتماً لسبعين شاباً استطاعت أن تخون المارد معهم. </p>
<p>فهل هناك ألطف من هذه السخرية على أولئك الأزواج الذين يتوهّمون غير ذلك !؟ وتولستوي أخذ من «ألف ليلة وليلة»، في إحدى قصصه القصيرة، قصة الفلاح الذي وجده هذا الأمير يفلح أرضه وقد حمل فوق ظهره صندوقاً كبيراً، فسأله لماذا يحمل الصندوق، قال وضعتُ زوجتي فيه حتى لا تخونني حين أذهب إلى الحقل، فلم يصدق الأمير وأنزل الفلاح صندوق وفتحه، ويبدو أنه كان يفعل ذلك للمرة الأولى، وإذا بزوجته مع شاب يتضاجعان في الصندوق فوق ظهر الزوج. كما أن «العقد الفريد»، يشبه الـ «ديكاميرون»، حيث نجد هزلاً في نهاية كل فصل، و«رسالة الغفران»، أيضاً.</p>
<p>إن كل أديب في كل مكان في العالم، لا يمكن أن ينشأ في بوتقة منعزلة عن منجزات الآداب العالمية. وبالطبع، فإن أدبنا لا يختلف في هذا المجال عن بقية آداب الشعوب. ولولا اعتمادي على التراث العالمي، لما كان في مقدوري أن أكتب سطراً واحداً. ولكنني لاحظت أنه كثيراً ما يتم نقل ميكانيكي لمكتسبات الآداب العالمية بما لا يتلاءم، لا مع أذواقنا الجماعية الخاصة، ولا مع الحاجة إلى الاستمرار في رفع مستوى هذه الأذواق. وبهذا يختلف الأدب عن بقية فروع المعرفة، من حيث أن علم الحساب هو علم الحساب في كل مكان، أما الأدب وبقية الفنون، فتظل في الأساس تعبيراً عن خصوصية الإسهام الذي يقدمه شعب من الشعوب للتراث العالمي.</p>
<p>من هنا، اهتمامي الخاص بلغتنا وأسلوبنا. وأعتقد أن التحديات التي تجابهنا في بلادنا، وهي تحديات البقاء القومي، دفعتنا إلى الاهتمام الخاص بهذه القضايا.</p>
<p>وأكثر من أثارني هو محاضرة لوزير إسرائيلي أراد فيها أن يثبت اعتباطاً عدم وجود شعب فلسطيني متميز، فادعى في سبيل ذلك أنه لم يظهر كتاب وأدباء ومؤرخون من هذه المنطقة التي تسمى فلسطين، وهذا الكلام غير صحيح، ولقد قمنا في بلادنا بأبحاث تاريخية أثبتنا فيها عدم صحة هذا الكلام، غير أن هذه المسألة تؤرّق وعينا.</p>
<p>أنا أعتبر أن على الأدب الجيد أن يتحلى بصفتين: الصدق في المضمون، والأسلوب الجيد. وأنا اكتفيت وأكتفي في محاولاتي الأدبية بالالتزام بالصدق، ولا أفهم من كلمة الالتزام سوى هذا الأمر. ولقد اكتشفت، من خلال تجربتي، أن ما من شيء أكثر صعوبة على الكاتب من الالتزام بالصدق. وقد ازداد إعجابي بشارلي شابلن حين قرأت عنه أنه لم يكن يجيز عملاً سينمائياً له إلا بعد أن يعرض على الأطفال. وأنا متأكد من أن التزام الصدق سوف يقود الكاتب إلى رؤية الحقيقة الأساسية في الحياة، والتي يمكن التعبير عنها أدبياً بأن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.</p>
<p>ويستطيع الكاتب أن يقدم للناس عملاً صادقاً إذا استطاع أن يقدم إليهم ذاته القديمة النقية التي ولد بها. فالأدب المبدع بالنسبة لي هو أن يستطيع الفنان إطلاق لا وعيه، فيصبح أدبه صادقاً ويكون مستحقاً للحياة. وهذا هو أكثر الأمور صعوبة بالنسبة لشخص مثلي، وهذه مأساتي، كيف أطلق اللا وعي. وأنا حين أشعر بأنني غير قادر على تقديم الصدق كله، أحاول أن أخفي هذا العجز عبر استخدام أُسلوب يمكن تأويله، ويمكن اعتباره غامضاً، ولكنني أرفض أن أكذب.</p>
<p> لقد جوبهت بقضية ما يسمى بأدب الشعارات، ولاحظت أن المتهم الوحيد بهذا العيب هو الأدب التقدمي، حتى أصبح هذا الالتحام يخيفنا وكأن العيب هو أسلوب الشعارات نفسه. ثم وجدت، من قراءاتي للأدب الرجعي، بما فيه الأدب الأمريكي الحديث، أن أحداً لا يعيب عليهم لجوءهم إلى الشعارات، حتى ولو كانت مبتذلة، وساقطة، ما دامت شعارات معادية للتقدم.</p>
<p>وأنا متأكد الآن من أن القضية ليست في أسلوب الشعارات، كما يسمونه، إنما هي قضية صدق العمل الأدبي أو عدم صدقه. ولقد تمكنت، أثناء وجودي في الخارج، من أن أتعرف على الأدب الفلسطيني الحديث، وباستثناء كتاب يعدون على أصابع اليد الواحدة، فقد لاحظت أن العيب في أعمالهم، ليس الشعارات، بل هو بعدهم عن الحقيقة، إذ إنهم لا يكتفون فقط بعدم احترام لغتهم، بل إنهم لا يحترمون جغرافية بلادهم أيضاً، وكثيراً ما نقرأ قصصاً عن مدن وقرى فلسطينية، يظهر لنا فيها أن هؤلاء الكتاب لا يعرفون جغرافية هذه المدن والقرى.</p>
<p>من الواضح بالنسبة لي أن الأسلوب الأدبي هو الذي يميز الأدب عن غيره من الأعمال الكتابية، وأنا لا أسمح لنفسي بارتكاب أي خطأ في اللغة حين أكتب الأدب. وأسلوبنا معرض ونحن معرضون سياسياً للتلوث، وإننا نعتز في بلادنا بأننا أسهمنا في منع مأساة شبيهة بمأساة شمالي أفريقيا (من حيث قضية إحلال لغة أخرى مكان لغتنا العربية).</p>
<p>لذلك اسمحوا لي أن أعبر عن دهشتي أمام ما أجده في الناتج الفلسطيني الحديث، من استخفاف باللغة، لا يجيزه لنفسه طالب مدرسة ابتدائية.</p>
<p><span style="color:#7f8c8d">القسم الثاني من المقابلة... <a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=4623">هنا</a><br />
المقابلة من أرشيف الزميل أوس يعقوب</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19000">إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (١/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-10-20 14:33:38 by W3 Total Cache
-->