<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جهنمات منقحة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%AC%D9%87%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86%D9%82%D8%AD%D8%A9/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/جهنمات-منقحة</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 08:43:19 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>جهنمات منقحة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/جهنمات-منقحة</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... يا أبناء الدم!</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21562</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 03 Jun 2024 05:46:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d9%8a%d8%a7-%d8%a3%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21562">ممالك الرعب والموت والجنون... يا أبناء الدم!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يتكرّر إنزالنا إلى المحكمة، ويتكرر تأجيل الجلسات. كان الأمر في الواقع مقلقاً، غير أنه كان من جهة أخرى فرصة للقاء الأهالي والعديد من المحامين الذين تطوّعوا للدفاع عنا، ولا سيما أكثرهم توكيلاً ومواظبة على حضور الجلسات: سامي ضاحي، منير العبدالله، خليل معتوق، أنور البني. </p>
<p dir="rtl">في إحدى الجلسات اقترب المحامي منير العبدالله من القفص وسأل:</p>
<p dir="rtl">- من منكم فرج بيرقدار؟ </p>
<p dir="rtl">وما إن رفعت له يدي حتى تدفّقت كلماته وحركات يديه:</p>
<p dir="rtl">- وصلتني مرافعتك التي لم أقرأ طوال حياتي ما هو أجمل وأجرأ منها. أحييك من كل قلبي. طبعت منها مئات النسخ ونفدت، وسأعيد طباعتها قدر استطاعتي. إذاعات كثيرة تتناقل المرافعة هذه الأيام. الدكتور حسان عباس يبلغك تحياته الحارة.</p>
<p dir="rtl">الراديوهات متوفرة في سجن صيدنايا، وقد سمعنا المرافعة في عدد من الإذاعات، غير أن إحداها  كانت تبثها يومياً بصوت جهوري لمذيع شديد الحماس، فخفت وتخوَّف البعض من أن لا تمر الأمور بدون عقوبة أو انتقام، لذلك قرر الرفاق اتخاذ بعض الإجراءات تحسباً لاحتمال نقلي إلى أحد فروع المخابرات، أو إعادتي إلى سجن تدمر، وقطع زياراتي وبالتالي الأقلام والأوراق، فجهّزوا لي حقيبة فيها بعض الثياب والمستلزمات إضافة لكمية من النقود، على أن أحملها معي عند أي نقل لي من الجناح.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">سجناء صيدنايا معتادون أن تأتيهم كل عام لجنة أمنية، فتلتقي ببعضهم، ربما لتستقرئ مدى تماسكهم، ومدى تأثير سنوات السجن عليهم أو مدى استعدادهم للمساومة أو التنازل أو الحوار أو غير ذلك مما هو في حسابات السلطة وأجهزتها الأمنية.</p>
<p dir="rtl">تتكون اللجنة غالباً من جنرالات أبرزهم حسن خليل وهشام أختيار وجلال الحايك.</p>
<p dir="rtl">هذه المرة كان أخي إبراهيم أحد من قابلتهم اللجنة، فعاد ممتلئاً غمّاً وقهراً من الشتائم الشخصية التي استقبله بها اللواء حسن خليل، ثم توديعه بشتيمة أو قذيفة سياسية مفادها أن جميع أعضاء حزب العمل الشيوعي عملاء لإسرائيل.</p>
<p dir="rtl">كنت أعتبر نفسي محظوظاً في عدم التقائي باللجنة طوال سنوات اعتقالي، إلا أني تمنيت حينها لو تدعوني اللجنة لمقابلتها.</p>
<p dir="rtl">كأن مدير انضباط السجن كان يقرأ أفكاري، إذ لم يتأخر مجيئه، ليقف على باب الجناح ويطلبني. ذهبت إليه فأبلغني أن أجهِّز نفسي لمقابلة مهمّة. أجبته على الفور أني جاهز.</p>
<p dir="rtl">- جهِّز نفسك، يعني البس أفضل ثياب عندك.</p>
<p dir="rtl">= ليس عندي غير البيجاما التي أرتديها.</p>
<p dir="rtl">- شوف حدا من رفقاتك خلّيه يعيرك ثيابه.</p>
<p dir="rtl">= من أراد أن يقابلني وأنا كما تراني فلا بأس، وإلا فإني لا أريد أن أقابل أحداً.</p>
<p dir="rtl">- عمري ما شفت سجين بيجاقر متلك، وأنا ما بعرف شو اللي بيخلّيني طوِّل بالي عليك.</p>
<p dir="rtl">انسحب غاضباً وهو يبربر بكلمات غير مفهومة.</p>
<p dir="rtl">كان الوقت عصراً، وكانت مظاهر استنفار العساكر آخذة بالتلاشي، ما يعني أن اللجنة غادرت والدوام الرسمي انتهى.</p>
<p dir="rtl">لم يتأخر مدير انضباط السجن كثيراً، فقد عاد بملامح حيادية ليفتح باب الجناح ويشير لي بأن أخرج.</p>
<p dir="rtl">في الطريق سألته:</p>
<p dir="rtl">= اللقاء مع اللجنة ما هيك؟</p>
<p dir="rtl">- هيك وما هيك.</p>
<p dir="rtl">= كيف يعني؟</p>
<p dir="rtl">- هلَّق بمكتب مدير السجن بتشوف.</p>
<p dir="rtl">أوقفني جانباً وتحدث إلى أحد ما، ثم قال لي: </p>
<p dir="rtl">- تفضّل فوت.</p>
<p dir="rtl">لم يكن في المكتب سوى مدير السجن والعميد جلال الحايك.</p>
<p dir="rtl">أنا أعرف جلال مذ كنا في المرحلة الثانوية وبدايات الجامعة. كان بيننا الكثير من المشتركات في الشعر والمسرح والأصدقاء، ثم باعدتنا الحياة إلى حد أني صرت في أقصى المعارضة السياسية، وصار هو ضابطاً في شعبة المخابرات العسكرية، ولم نلتق بعدها أبداً.</p>
<p dir="rtl">نهض جلال وتقدم نحوي بابتسامته المعهودة، ثم صافحني بنوع من الحميمية، ودعاني للجلوس.</p>
<p dir="rtl">- طلبتكَ يا فرج لأني مشتاق لك، ولأني أيضاً أحمل لك سلامات من شباب الشلة إياها، وأخيراً لأقول لك أني أستغرب وصولك إلى ما أنت فيه.</p>
<p dir="rtl">= أمّا أنا يا جلال، فلا أستغرب أبداً وصولك إلى ما أنت فيه.</p>
<p dir="rtl">- لستُ الآن بصدد لومك على ما مضى، بل على بقائك في السجن رغم أن المفتاح بيدك، وتستطيع متى شئت، أن تفتح الباب وتخرج، لتعطي الحياة ما يليق بها، وتعطيكَ الحياة ما يليق بك.</p>
<p dir="rtl">= أعرف جيداً أثمان وضرائب ما تقول، وأرى أن السجن أقل وطأة.</p>
<p dir="rtl">- لا ضرائب ولا أثمان، بل هي حقوقك.</p>
<p dir="rtl">= وكيف تصنِّف سنوات اعتقالي، في بند الحقوق أم الواجبات؟</p>
<p dir="rtl">- يؤسفني ويؤلمني ما تقول.</p>
<p dir="rtl">= إذا كان لقاؤنا ليس تحقيقاً مفروضاً عليّ، فإني أتمنى أن أعود إلى مهجعي، فلا أكون سبباً في أسفك وألمك.</p>
<p dir="rtl">- تحقيق ماذا يا رجل؟</p>
<p dir="rtl">على أية حال أذكِّرك ثانية أن مفتاح سجنك بيدك.</p>
<p dir="rtl">*  *   *</p>
<p dir="rtl">أكثر من عامين وثلاث عشرة جلسة غامضة بلهاء، حتى تقيَّأتني محكمة أمن الدولة العليا.</p>
<p dir="rtl">كان هناك من يدير دواليب الحظ، كما يحدث في برنامج الـ "يا نصيب" في التفزيون، وكانت الدواليب تدور بطريقة مجنونة، ثم فجأة أوقفوها على:</p>
<p dir="rtl">"خمسة عشر عاماً سجناً مع الأعمال الشاقة والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية".<br />
 </p>
<p dir="rtl">يا أبناء الدمّ!</p>
<p dir="rtl">ما الذي انتهكته طيور كلماتنا، لتفتكوا بمناقيرها وأجنحتها على هذا النحو الكالح الخسيس!</p>
<p dir="rtl">خمس عشرة بلطة ماجنة لترويض طيور الكلام!</p>
<p dir="rtl">خمس عشرة جحيماً ليهدأ فحيح ثعابين روح الطاغية!</p>
<p dir="rtl">خمس عشرة وباءً يا ممالك الفداحات، يا قصور الخراب، ومسارح العبث، وأساطير الدم، وحكايات وحياكات ما في صحارينا من الرمل والسراب والقداسات والأسرار المتهتِّكة الملعونة؟</p>
<p dir="rtl">خمسة عشر ماذا؟</p>
<p dir="rtl">وماذا أيضاً؟</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21562">ممالك الرعب والموت والجنون... يا أبناء الدم!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... أخبر أمي أني أشتهي المكدوس</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21499</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 12 Apr 2024 09:54:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a3%d8%ae%d8%a8%d8%b1-%d8%a3%d9%85%d9%8a-%d8%a3/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21499">ممالك الرعب والموت والجنون... أخبر أمي أني أشتهي المكدوس</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">بعد أن انتهى قاضي التحقيق من استجوابنا، أحال إضباراتنا إلى المحكمة، وللمصادفة كنا، أنا وتسعة رفاق آخرين، أول دفعة من المدعوين للمثول أمام هيئة المحكمة في جلستها الأولى. لم نكن نعرف شيئاً عن حقوقنا وواجباتنا، ولهذا حمَّلنا الرفاق كل ما خطر في البال والهواجس من أسئلة ينبغي طرحها على رئيس المحكمة المُزمِن فايز النوري. </p>
<p dir="rtl">وللمصادفة أيضاً كان اسمي هو الأول الذى طلب رئيس المحكمة مثوله.</p>
<p dir="rtl">كان يرنّ في أذني صوت صبية أطلَّتْ من أحد أبواب قاعة المحكمة وهي تصرخ: فرج فرج.. وكّلنا لك المحامي سامي ضاحي.</p>
<p dir="rtl">شعرت أني أعرف تلك الصبية، وتألمت وعتبت كثيراً على الزمن وعلى ذاكرتي التي لم تتمكن من معرفة من هي بالضبط. </p>
<p dir="rtl">حين خرجت من القفص ووقفت أمام قوس المحكمة، اقترب مني كهل نحيل أسمر، تنطوي ملامحه على مزيج من الوسامة والرصانة، ليقول: أنا المحامي سامي ضاحي. أهلك وكَّلوني بالدفاع عنك.</p>
<p dir="rtl">نظر إليّ رئيس المحكمة بنوع من التذمر والملل والامتعاض، ثم تحدَّث كما لو أنه روبوت: </p>
<p dir="rtl">- أنا أسألك.. وأنت تجيب باختصار.</p>
<p dir="rtl">نظرت إلى المحامي مستفهماً عما إذا كان لديه رأي ما، فزمّ شفتيه ورفع حاجبيه مع فتح كفيه كدلالة على الحيرة، ففهمت أنه ينبغي عليّ أن أتصرَّف. </p>
<p dir="rtl">= قبل أي سؤال وجواب يا سيادة القاضي، أريد أن أعرف ما هي حقوقي كمتَّهم.</p>
<p dir="rtl">- حقوقك كاملة كما هي في جميع المحاكم.</p>
<p dir="rtl">كان على يسار رئيس المحكمة قاضيان يرتديان البزّة العسكرية، ما يعني أنها لا يمكن أن تكون محكمة عادية. </p>
<p dir="rtl">= طيب في حال صدور حكم، وفي حال اعتقادي أنه جائر، فهل من حقي الطعن والاستئناف؟</p>
<p dir="rtl">- لا.. أحكامنا مُبرَمة.</p>
<p dir="rtl">= إذن ليست محكمتكم كجميع المحاكم كما تقول!</p>
<p dir="rtl">- بل كجيمع المحاكم، ولكن لا طعن ولا استئناف.</p>
<p dir="rtl">= وهل من حقي أن ألتقي بمحامي الدفاع على انفراد بمعزل عن أي رقابة؟</p>
<p dir="rtl">- طبعاً.هذا حقك.</p>
<p dir="rtl">= وهل سيكون متاحاً لوسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية أن تحضر جلسات محاكماتنا؟</p>
<p dir="rtl">- تريدني أن أتصل لك بوسائل الإعلام وأدعوها للحضور؟</p>
<p dir="rtl">= لا.. ولكن في حال حضروا من تلقاء أنفسهم.</p>
<p dir="rtl">- لا مشكلة عندنا في ذلك.</p>
<p dir="rtl">= وهل مسموح للناس أن يحضروا الجلسات كمشاهدين ومستمعين؟</p>
<p dir="rtl">- قاعتنا كما ترى ضيقة، فإيش رأيك يعني.. نعمل الجلسات بساحة المرجة؟</p>
<p dir="rtl">= تتسع القاعة لحوالي أربعين شخصاً، وعندما تمتلئ تستطيعون إغلاق الأبواب.</p>
<p dir="rtl">- أيضاً لا مشكلة.</p>
<p dir="rtl">= هل أستطيع أن أكتب مرافعتي الشخصية إضافة لمرافعة المحامي؟</p>
<p dir="rtl">- ما دام محاميك سيرافع عنك فما لزوم أن ترافع عن نفسك؟</p>
<p dir="rtl">= سؤالي هل ذلك من حقي حسب قوانين محكمتكم أم لا؟</p>
<p dir="rtl">- حقك. حقوقكم جميعاً مضمونة، ولكن وقتنا ضيق ولا يسمح بأن نعطي لكل متهم ساعات من أجل الأسئلة فقط. يمكنكم طرح الأسئلة على الموظفين والمحامين خارج الجلسة. أمّا الآن فأريد منك إجابات مختصرة على أسئلة محددة. </p>
<p dir="rtl">- أنتم تقولون في برنامجكم السياسي، أنكم تريدون إسقاط النظام بالقوة، وأنكم...</p>
<p dir="rtl">= لم يرد هذا أبداً في برنامجنا. شعارنا المركزي يدعو إلى دحر الديكتاتورية، أي تغيير الشكل السياسي للحكم، وليس إسقاط النظام، فإن كنت واثقاً مما تقول فاقرأ لي أين ورد ذلك في برنامجنا.</p>
<p dir="rtl">- أنت نفسك تقول ذلك في ملفات التحقيق معك.</p>
<p dir="rtl">= ليس صحيحاً على الإطلاق. التحقيق الذي وقَّعتُ عليه موجود عندك، وأنا أعرف ما هو مكتوب فيه كلمة كلمة.</p>
<p dir="rtl">- "ما يخالف".. </p>
<p dir="rtl">= بل "يخالف" كثيراً.. فإما أن تُثبِت ما تتَّهمني به أو تتراجع عن التهمة بوضوح، وتعتذر عن اتهام لا أصل له.</p>
<p dir="rtl">- زين زين.. أنت ما قلت. لكني أسألك.. إذا كان في "الجبهة الوطنية التقدمية" حزب شيوعي، تقدر تفهّمني ليش أنتم كمان حزب شيوعي؟!</p>
<p dir="rtl">= أنتم أيضاً في السلطة.. ألستم حزب بعث؟ </p>
<p dir="rtl">والحزب الذي انقلبتم عليه وهو في المعارضة الآن، أليس حزب بعث أيضاً، والحزب الحاكم في العراق أليس حزب بعث أيضاً...</p>
<p dir="rtl">- هذولاك ما هُم بعث.</p>
<p dir="rtl">= لا أريد أن أقول أن الذين هم معكم في "الجبهة" ليسوا شيوعيين، ولكن لو تعطيني فسحة من الوقت، فسأشرح لك الأسباب النظرية والسياسية وحتى الشخصية للانشقاقات.</p>
<p dir="rtl">- لا لا.. لا تشرح لي ولا أشرح لك.. أنتم تحبون الحكي وسِيَركم وقصصكم ما تخلص.</p>
<p dir="rtl">توالت الأسئلة مع الرفاق الآخرين، ولكنها كانت تتناقص تدريجياً إلى أن اقتصرت مع آخر ثلاثة رفاق على نوع من التدقيق في الاسم والكنية ومكان وتاريخ الولادة.</p>
<p dir="rtl">وحين انتهت الجلسة أعطى فايز النوري موافقته على دخول الأهالي للسلام علينا ونحن في قفص المحكمة.</p>
<p dir="rtl">دخلت الصبية التي كانت تصرخ باسمي، وعرفت أنها سميحة أخت صديقي الشاعر وحيد نادر. </p>
<p dir="rtl">تذكرت أنها كانت على علاقة مع أخي إبراهيم وأنهما تزوجا قبل اعتقالي بقليل. </p>
<p dir="rtl">أنا أعرفها منذ كانت طفلة صغيرة، وشعرت أنها ما زالت طفلة رغم أن تفاصيل حديثها وأخبارها وأسئلتها كانت تشي بشخصية واثقة وحاسمة في  خياراتها وعلى دراية بما يقتضيه ذلك من حذر أمني.   </p>
<p dir="rtl">كانت سميحة طائر السعد والأمل وأول من أراه من أهلي قبل أن توافق السلطات على السماح بزياراتنا.</p>
<p dir="rtl">***</p>
<p dir="rtl">بعد أسابيع جاء مدير انضباط السجن ليبلغني أن لديّ مقابلة مع المحامي غداً في العاشرة صباحاً، وأن عليّ تجهيز أسئلتي بصورة مكتوبة لكيلا أهدر وقت المقابلة بدون جدوى.</p>
<p dir="rtl">حضّرت أسئلة مكتوبة من مثل "هل ستطول محاكماتنا؟" و "هل يمكنك إبلاغ أهلي أن يرسلوا لي بيجاما شتوية" و "أخبر أمي أني أشتهي المكدوس" أو من قبيل "هل المحكمة استثنائية كثيراً أم كثيراً جداً؟". </p>
<p dir="rtl">في اليوم التالي قال لي مساعد الانضباط أن مدير السجن يريد أن يرى الأسئلة قبل اللقاء بالمحامي. أجبته أن الأسئلة المهمة في رأسي، ثم أعطيته ورقة وأبلغته أني كتبتها خصيصاً لمعلمه. </p>
<p dir="rtl">ذهب مدير الانضباط وعاد ليقول:</p>
<p dir="rtl">-  مدير السجن يأمر بأن يحضر المقابلة عسكريان.</p>
<p dir="rtl">-  ليذهب العسكريان لمقابلة المحامي بمفردهما فأنا لا أريد مقابلته.</p>
<p dir="rtl">-  يا فرج تعرف أني أتمنى لك كل الخير، ولكنها الأوامر.</p>
<p dir="rtl">-  لا بأس.. نفّذ للمدير أوامره، ونفّذ لي رجائي في العودة إلى مهجعي.</p>
<p dir="rtl">-  طيب ما فيه داعي للعسكريين.. أحضر أنا فقط.. ما قولك؟</p>
<p dir="rtl">- كلامي مع رئيس المحكمة كان واضحاً، ولقائي بالمحامي من دون أي رقابة هو حقّي.</p>
<p dir="rtl">في النهاية التقيت بالمحامي على انفراد في إحدى غرف مكاتب السجن. أشار لي وهو يحرّك سبابته بشكل دائري أن هناك آلة تسجيل. </p>
<p dir="rtl">الغرفة عارية الجدران وليس فيها سوى طاولتين وخزانة حديدية وبضعة كراسيّ. فتحتُ الخزانة وأدراج الطاولتين ودقّقت في الجدران والزوايا ثم قلت أن لا شيء. أخرج سامي دفتراً وقلماً وكتب لي: ما رأيك أن يكون حديثنا عبر الكتابة فقط، فكتبت له أنني سأتحدث براحتي وأنه يمكن أن يجيبني كتابةً. هزّ رأسه وهو يقول: أنا خائف عليك وليس على نفسي، ولكن كما تريد.</p>
<p dir="rtl">كانت تلك أول وآخر مقابلة تجري على انفراد بين محامٍ وموكِّله.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21499">ممالك الرعب والموت والجنون... أخبر أمي أني أشتهي المكدوس</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... حظي بزيارة بعد مرور أحد عشر عاماً على اعتقاله</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21482</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 17 Mar 2024 17:51:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%ad%d8%b8%d9%8a-%d8%a8%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%b1%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21482">ممالك الرعب والموت والجنون... حظي بزيارة بعد مرور أحد عشر عاماً على اعتقاله</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">رغم الفوارق الكبيرة بين سجنَي تدمر وصيدنايا، حيث الكثير من الجمر والصهد واليأس في الأول، وبعض الظلال والواحات والأمل في الثاني، إلا أن لكل منهما غرائبه وعجائبه وأسراره ومهاويه.  </p>
<p dir="rtl">وضعُ شيوعيين في جناح غالبيته من الإسلاميين، كان في الأصل نوعاً من عقاب للشيوعيين بالإسلاميين، وهو بطبيعة الحال في وجهه الآخر، عقاب للإسلاميين بالشيوعيين.</p>
<p dir="rtl">فعلى سبيل المثال، بعض الشيوعيين معتادون على ارتداء "الشورت" أثناء الرياضة، في حين أن بعض الإسلاميين ضد الشورت لأنه لا يغطي العورة التي يعتقدون أنها من السُّرّة حتى الركبتين، ولهذا كان بعضهم لا يخرج من المهاجع إلى الكوريدور إلا بعد انتهاء الرياضة.</p>
<p dir="rtl">وهناك بين الإسلاميين من يعتبرون الموسيقا حراماً، وبالتالي لا يجوز لهم أن يدخلوا إلى مهجع الشيوعيين، لأن دروس الموسيقا نظرياً وتطبيقياً شغّالة عندهم.</p>
<p dir="rtl">ورود ذكر الله أو الرسول أو الصحابة أو الكعبة مثلاً، لا يقتضي عند الشيوعيين أي نوع من عبارات التقديس والأدعية، في حين أن "الله" عند الإسلاميين يقتضي "جلَّ جلالُه" أو "سبحانه وتعالى"، والرسول يقتضي "صلى الله عليه وسلَّم"، والصحابيّ يقتضي "رضي الله عنه".</p>
<p dir="rtl">اللغو اليومي لدى هؤلاء مختلف كثيراً عما هو لدى أولئك، غير أن اللغة أبعد مرمى من اللغو، وكينونة الإنسان أنأى وأعقد وأعمق وأكثر أصالة.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">مع الزمن وجد التعارف أسبابه ومساربه بين من هم من نفس المدينة أو الحي، وبين من تتقارب اهتماماتهم وذكرياتهم، وبين من وجدوا كلمة سر فتحت لهم أمداء واسعة من الثقة والمودة والصداقة. </p>
<p dir="rtl">في تلك الفترة أخذ رفاقنا يوصون أهاليهم أن يزوروا أهالي الإسلاميين، وأن يحضروا لهم بعض الألبسة والنقود والصور، وأن ينقلوا رسائل بين السجناء وأهاليهم، الأمر الذي أذاب الكثير من جليد العلاقات في الجناح، وفتح إمكانية التواصل والحوار في مسائل ثقافية واجتماعية وأدبية، ولا سيما في ميدان الشعر واللغة.</p>
<p dir="rtl">كان الإسلاميون محرومين من الزيارات، وإن كان هناك استثناءات لقلة من الأهالي القادرين على دفع مبالغ خيالية كرشاوى وهدايا للمسؤولين مقابل كل زيارة. كان معنا من يؤكد أن أهله دفعوا لأحد المسؤولين الكبار "كيلو ذهب" مقابل تأمين زيارة بعد سنوات طويلة من الاعتقال وانقطاع الأخبار، هذا غير "الإكراميات" النقدية والعينية لسلسلة من المسؤولين الأصغر فالأصغر فالأصغر، التي تنتهي بمدير السجن ومساعديه وحتى الحراس الذين يراقبون الزيارة.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">في بداية نقلنا من الباب الأسود إلى هذا الجناح، استقبلَنا الرفاق وبعض الإسلاميين، وجلسنا في الكوريدور أمام باب مهجع رفاقنا.</p>
<p dir="rtl">لفت انتباهي وجود بعض الشباب الصغار. لاحظ الرفيق علي الرحمون "أبو زياد" استغرابي، فسألني عن شاب يجلس بجانبه:</p>
<p dir="rtl">- ما تقديرك لعمر هذا الشاب يا أبو سومر؟</p>
<p dir="rtl">كان واضحاً لي أن وراء السؤال مفاجأة تتعلق بعمره. ملامح الشاب توحي أنه في السادسة عشر، ولأن ذلك غير معقول، فقد رفعت سقف تخميني:</p>
<p dir="rtl">- تقديري أنه 19 عاماً على الأقل.</p>
<p dir="rtl">- لم تخطئ يا رفيق سوى بسبع سنوات. حين اعتقلوه كان عمره 16 عاماً، ولكنه الآن يطوي السادسة والعشرين، وستلتقي خلال الأيام القادمة بكثيرين من زملائه، الذين اعتقلوا بسبب أعمال شغب قاموا بها بداية الثمانينيات في سياق الصراع الذي كان دائراً بين نظام الأسد والإخوان المسلمين، ومع الزمن ولتمييزهم عن معتقلي الإخوان صار اسمهم حزب الشغَب.</p>
<p dir="rtl">كنت أنوي الحديث عن الغرائب، ولكنَّ اعتقال شباب دون السن القانوني، مع تغييبهم لسنوات طويلة، قد يدخل في باب الجرائم وليس الغرائب فقط. </p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">أحد أولئك الشباب حظي بزيارة بعد مرور أحد عشر عاماً على اعتقاله.</p>
<p dir="rtl">حين نزل إلى غرفة الزيارات، وراح يتفحّص وجوه الزوّار، لم يتعرّف على أهله، غير أن الرقيب، الذي يتمشى في المسافة الفاصلة بين الأهالي وبين السجناء، أشار إلى رجل وامرأة يقفان في زاوية شبه ميتة:</p>
<p dir="rtl">- هذولاك أهلك.</p>
<p dir="rtl">مشى المسكين حتى صار مقابلهما، وبعد ثوان أدرك أن العجوز الذي أمامه هو أبوه، فراح يسأله عن صحته وأحواله، وبين حين وآخر يخطف نظرة نحو أمه:</p>
<p dir="rtl">- هلا يُمَّه.. مشتاقلك يُمّه.. أنا بخير يُمّه.. عليش تبكين يُمّة؟</p>
<p dir="rtl">كان نحيب المرأة يزداد كلما سمعته يقول لها "يُمّة"، ولكنها في النهاية استطاعت أن تتمالك نفسها لتقول:</p>
<p dir="rtl">- أنا أختك يا عيون أختك.. أمك من زمان اَلله أخذ الوداعة.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">شاب آخر كان مقطوعاً من شجرة كما يقال، فهو يتيم الأبوين، وما من  أقارب يمكن التعويل عليهم. كان المسكين قبل الاعتقال يعمل جابي باص، وربما هو قدَّم خدمة أو معروفاً لأحدهم، إذ نقل له حقيبة من دمشق إلى حلب، ولكن أحد الحواجز الأمنية على الطريق فتش الباص، وحين سألوا عن صاحب الحقيبة، لم يتردد المسكين في القول إنها له، فاعتقلوه وعذبوه، ولسبب غير معروف نجا من الإعدام.</p>
<p dir="rtl">يوماً ما جاء أحد الرقباء ليقول أن هناك زيارة لفلان الفلاني، وكان المقصود جابي الباص. لا أحد في الجناح صدَّق الأمر، ولكن لا بأس أن يأخذوه إلى غرفة الزيارات، ثم يعيدوه بعد أن يكتشفوا أنه ليس هو المقصود.</p>
<p dir="rtl">تأخر الرجل في غرفة الزيارات، وحين عاد كان يحمل أكياساً فيها ملابس وفواكه وحلويات.</p>
<p dir="rtl">انهمرت الأسئلة رشاً ودراكاً، ولكن الرجل اختصر القصة بقوله:</p>
<p dir="rtl">- ما خاب ظني. سائق الباص اللي كان يشغّلني معه جابي، طلع فعلاً ابن حلال. من سنين وهوي يترجّى فلان وعلتانن لحتى اَلله هيأ له واسطة وقِدِر اليوم يزورني.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21482">ممالك الرعب والموت والجنون... حظي بزيارة بعد مرور أحد عشر عاماً على اعتقاله</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... وكان صراخ الرجل أقرب إلى أصوات بهيمية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21454</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 09 Feb 2024 16:08:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%ae/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21454">ممالك الرعب والموت والجنون... وكان صراخ الرجل أقرب إلى أصوات بهيمية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">لا شك أن حرماننا من الزيارات طوال السنوات الماضية كان أشد وطأة على أهالينا مما هو علينا، فنحن نعرف على الأقل أننا أحياء، وأن الظروف يمكن أن تتغير، فنخرج من بطن الحوت. </p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم من أن محكمة أمن الدولة العليا في دمشق ليست أكثر من استطالة مخابراتية بمسوح "قانونية"، إلا أن محاولة انسجامها مع تلك المسوح اقتضت السماح لأهالينا بالزيارات التي تهاطلت علينا كأمطار رخيَّة أصابت أرضاً متشققة من العطش. </p>
<p dir="rtl">- محمد الصمودي زيارة..</p>
<p dir="rtl"> - نزار مرادني زيارة.. </p>
<p dir="rtl">عباس عباس.. يوسف وأكرم البني.. عدنان محفوض.. محمد حسن معمار.. بسام جوهر.. عدنان خضور...</p>
<p dir="rtl">كنا اتفقنا جميعاً على المطالبة بأن تكون الزيارة الأولى لكل منا في مكان حرّ لا يفصلنا فيه عن أهلنا فاصل كما هو الحال في غرفة الزيارات، حيث يقف السجناء خلف جدار من قضبان معدنية عليها أسلاك دقيقة ومتقاطعة كشِباك، وفي الجهة المقابلة يقف الأهل خلف جدار مماثل، يفصله عن الجدار الأول قرابة متر يتيح لأكفّ الكبار أن تصل وتتصافح، ويبقى الصغار يبكون لعدم تمكن أذرعهم القصيرة من الوصول.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">حين جاءت زيارتي التقيت في الساحة بأخي إبراهيم ثانية. أبلغته أني سأطلب زيارة خاصة ضمن غرفة وليس من وراء شبكين، فإن رفضوا، فيمكنه الذهاب إلى الزيارة بمفرده.</p>
<p dir="rtl">للأسف لم توافق لي الإدارة على زيارة خاصة، وأنا ركِبتُ رأسي، فرفضت الزيارة وعدت إلى المهجع.  </p>
<p dir="rtl">كنت أتخيل وطأة ذلك على أهلي، ولكني لم أستطع قبول فكرة الزيارة من وراء القضبان بعد تغييب لقرابة ست سنوات.</p>
<p dir="rtl">بعد حوالي نصف ساعة جاء مدير انضباط السجن ليقول إن المدير وافق على أن ألتقي بأهلي ضمن إحدى غرف مكاتب السجن. سألته: وأخي إبراهيم؟</p>
<p dir="rtl">قال: هو زار ولم يعد ممكناً أن يزور مرة ثانية.</p>
<p dir="rtl">آخر مرة رأيت فيها ابنتي كان عمرها ثلاث سنوات ونصف، ولا شك أن الفتاة التي كانت تتوارى خلف أمي هي ابنتي التي صار عمرها تسع سنوات ونصف.</p>
<p dir="rtl">سألتها إن كانت تعرف من أنا، ثم هل عرفتني من تلقاء نفسها أم لأن أمي أخبرتْها، فقالت وهي تداري خجلها وارتباكها: عرفتك كما كنت أعرفك من قبل.</p>
<p dir="rtl">يا اَلله.. أهي حقاً تتذكرني، أم تتوهمني، أم يتهيّأ لي أنها قالت ما أتمنى أن أسمعه؟!</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">واضح أنه لم يعد هناك من مبرر لاستمرار عزلنا في الباب الأسود، ولاحقاً لم نستطع معرفة المعايير التي اعتمدتها الإدارة في توزيعنا على العديد من الأجنحة، إلا أنها استجابت لطلبات بعضنا ممن لديهم أقارب في الأجنحة الأخرى، فكان نقلي مع (محمد الجبوري وراشد صطوف وسمير الحسن ونزار مرادني وعدنان خضور وأكرم ووجيه البني ونعمان حبيب وعباس محمود عباس ومحمد حسن معمار) إلى المهجع الأول في الطابق الثاني الجناح ج يسار، حيث أخي إبراهيم ونصر سعيد وغسان مارديني وياسر مخلوف وسجيع التلّي وفاتح جاموس وعصام دمشقي وأصلان عبدالكريم وحسين محمد ورستم رستم وجهاد عنابة وعدنان بهلولي وحسن عبدالكريم وعبدالحليم رومية. أما المهاجع التسعة الباقية فقد كانت للإسلاميين على تنوعهم: حزب الأخوان المسلمين، حزب التحرير الإسلامي، وبعض الأفراد من ذوي التوجهات الإسلامية التي لم تتبلور كحالة تنظيمية.</p>
<p dir="rtl">أغلب الإسلاميين الذين هم في صيدنايا كانوا في تدمر، ولكن نقلوهم إلى صيدنايا لأنهم يعانون من أمراض عُضال وهناك تدخّلات ووساطات ورشاوى من أجل معالجتهم والحفاظ على حياتهم، أو لأن المحكمة الميدانية برأتهم من تهمة الانتساب للتنظيم، أو ثبت أنهم لم يقوموا بأي فعل عسكري، أو لاعتبارات أخرى يجهلها حتى أصحابها.</p>
<p dir="rtl">وكان يحدث أحياناً أن يعيدوا بعضهم إلى تدمر. حدث في الفترة الأولى لنقلنا إلى هذا الجناح أن أبلغوا أحد السجناء بقطع علاقته مع الجناح، ما يعني أنهم سيعيدونه إلى تدمر. كان ذلك محزناً للجميع، لا سيما أن ذلك السجين كان ودوداً ومحبوباً وسعيداً بأنه شفي من أمراضه وصار يمشي كالآخرين، إلا أنه فور إبلاغه بقطع علاقته مع الجناح عاد إلى ما كان عليه حاله في تدمر، فانحنى رأسه وظهره، وحين أخذوه لم يستطع المشي فصار يزحف ويهذي: حاضر سيدي.. حاضر سيدي. </p>
<p dir="rtl">قال لنا من يعرفونه عن كثب أنه يحمل شهادة دكتوراه، وأنه من كبار خبراء الجيولوجيا في سوريا.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">كانت الأيام الأولى لنا في هذا الجناح مكتظة بأخبار وتفاصيل جعلتني أشعر أني أقرب إلى أهل الكهف مني إلى الحياة وكثافة أحداثها وتسارع إيقاعاتها.</p>
<p dir="rtl">لقد صار واضحاً أن عضو اللجنة المركزية الرفيق مضر الجندي قد تعرَّض للتصفية تحت التعذيب حين كنا في فرع فلسطين، وأن الرفيق عماد أبو الفخر قد قُتِل في الباحة الخامسة في سجن تدمر، كما أخبرنا أحد من كانوا معنا في السيارة أثناء نقلنا من تدمر، وعرفنا أنهم أنهوا حياة الرفيق إحسان عزو عندما أنزلته إدارة سجن صيدنايا إلى المنفردات في الطابق الثالث تحت الأرض، ومنعت عنه أدوية القلب، وأن الرمز الأخير من قيادات الحزب "عبدالعزيز الخيِّر" ومن معه من قيادات الصف الثاني والثالث قد اعتُقِلوا في شباط 1992.</p>
<p dir="rtl">وعرفنا تفاصيل وأصداء كثيرة عن نهاية شاوشيسكو وسقوط جدار برلين وعودة الوحدة بين ألمانيا الغربية والشرقية، واحتلال صدام حسين للكويت وما نجم عنه من كوارث، وصعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر في انتخابات 1989 ثم الانقلاب عليها وحلها، وخسارة الجبهة الساندينية في نيكاراغوا للانتخابات عام 1990، والإفراج عن نيلسون مانديلا، واضطرار الجنرال اللبناني ميشال عون للهروب من لبنان إلى المنفى بواسطة سفينة فرنسية، واستقلال دول البلطيق وأوكرانيا وبولندا وجورجيا وبيلاروسيا وأرمينيا عن الاتحاد السوفييتي وانهياره وانهيار حلف وارسو إلخ إلخ.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">وكان لدى الرفاق وفرة من المجلات والكتب تعوِّضنا عن الشحّ الذي عانيناه في تدمر، وفوجئت بأخي إبراهيم يعزف على العود بمهارة لافتة قال إن الفضل فيها يعود للموسيقي أسعد شلاش، الذي أقام لهم في سنواتهم الأولى في صيدنايا دورات لتعلُّم العزف على العود. حينها ذهبت بي ذاكرتي إلى أخي إبراهيم حين وهو في مرحلة المدرسة الابتدائية. كان يشدّ خيط نايلون بين مسمارين مثبّتين على خشبة، وبإصبعه ينقر فوق الخيط ويبتسم للطنين الخفيف الذي يصدر عن كل نقرة، ولهذا حين عدت من بودابست أهديته آلة موسيقية سطا عليها أخوه الأصغر، ثم سطت عليه الظروف فاضطر إلى الرضوخ لرغبة الأهل في أن يكون أحد أولادهم مهندساً رغم أن حلمه دراسة الأدب الإنكليزي. </p>
<p dir="rtl">كان الرفاق يتركون لنا مساحة من الدلال كنوع من التعويض عما عانيناه في تدمر، وزيادة في الدلال عرض أخي إبراهيم علينا دورة لتعلُّم العزف على العود، وهكذا صارت الموسيقا جزءاً من برنامجنا اليومي، وسارت حياتنا بأفضل ما يمكن من استثمار الوقت في أمور تبدِّد الكثير من بلادة السجن ووحشته.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">لا شيء يؤكد أننا على علاقة بالحياة وما يجري خارجاً سوى الزيارات بكل ماتنطوي عليه من لهفات وأوجاع.</p>
<p dir="rtl">هناك زيارات يبدو بعدها الجناح وكأنه في عرس، وزيارات يتحول بعدها الجناح إلى ما يشبه مجالس العزاء.</p>
<p dir="rtl">ولكن أفظع الزيارات هي تلك التي يضغط فيها الأهل على أبنائهم من أجل تنازلات سياسية، والأنكى أن الأهل لا يدركون أن تلك التنازلات في الغالب وعلى الأرجح مجانية. في الحقيقة كانت زيارات الرفيق حسن عبدالكريم هي الأقسى، فأخوه علي مثقف سلطوي طامح إلى ترقيات تجعله في صفوف كبار الخدم، وكان يريد من أخيه حسن أن يهدر كرامته عبر إدانة نفسه ومواقفه وخياراته السياسية، لعل ذلك يُسجَّل في صحيفة أخيه علي وبالتالي في رفع رصيده الذي يؤهِّله، غير أن حسن الصافي كمياه الينابيع لم يستطع أن يضع كتفه تحت قدم أخيه ليصعد.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">في 21 كانون الثاني عام 1994 كان باسل الابن الأكبر لحافظ الأسد يسوق سيارته على طريق مطار دمشق بسرعة 280 كيلومتراً في الساعة، فجنحت به السيارة وأودت بحياته. </p>
<p dir="rtl">حينها كان أحد المعتقلين في سجن صيدنايا يدعى "عدنان قصّار"، وهو معروف ببراعته وتفوّقه في سباقات الفروسية، غير أن باسل الأسد أحب أن يكون هو الفارس الذهبي، وما كان لعدنان قصَّار أن يرفض الأوامر، فرتَّب لباسل أمر الفوز، ولكن حين سألته إحدى العميلات إن كان باسل يتفوَّق عليه حقاً، همس لها بحقيقة الأمر، وهي همست لباسل بما سمعت، الأمر الذي أفضى إلى أن  يصدر باسل أمراً بسجن صاحبه. وبدلاً من أن يفرح عدنان قصَّار بموت باسل الأسد، راح يندب حظه العاثر واستحالة خروجه من السجن. </p>
<p dir="rtl">لم يكن هذا هو الجانب المأساوي الوحيد في مصير عدنان قصّار، فقد جاءت أوامر، من جهة ما، بتعذيب الرجل في الساحة الرئيسية بعد كل فطور وغداء وعشاء، وذلك كنوع من الانتقام وكردّ على شماتة محتملة، من ضحية باسل الذي راح ضحية تهوّره. </p>
<p dir="rtl">كان الضرب مجنوناً، وكان صراخ الرجل أقرب إلى أصوات بهيمية تتردد أصداؤها في أنحاء السجن وتتكسر على جدرانه وأسواره.</p>
<p dir="rtl">بعد أيام انقطعت أخبار عدنان قصّار، ثم علمنا من رفاقنا الذين هم معه في نفس الجناح، أنه تُقِل من عندهم، وهناك ترجيحات مفادها أنهم رحّلوه إلى سجن تدمر.. كان الرجل في منتهى اليأس والحزن، إذ كان يعرف أن الوحيد الذي يستطيع الإفراج عنه هو باسل الأسد الذي أمر باعتقاله، وباسل قد مات.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21454">ممالك الرعب والموت والجنون... وكان صراخ الرجل أقرب إلى أصوات بهيمية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... ارفع طلباً لمدير السجين وسنرى</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21435</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 16 Jan 2024 07:54:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a7%d8%b1%d9%81%d8%b9-%d8%b7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%8b/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21435">ممالك الرعب والموت والجنون... ارفع طلباً لمدير السجين وسنرى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يبدو أن إعادتنا إلى سجن تدمر لم تعد مطروحة، ولهذا نقلونا إلى الباب الأسود الموجود في الطابق الثالث أيضاً. في الواقع هو أربعة مهاجع مقتطعة من بداية الجناح ب يمين، يفصلها جدارعن المهاجع الستة الباقية والملحقة، عبر كوريدور في آخرها، بالمهاجع العشرة الموجودة وراءها في الجناح ب يسار. أما اسمه "الباب الأسود" فربما لأنه مغطى بصفيح أسود على خلاف أبواب الأجنحة الأخرى المكونة من قضبان حديدية غليظة، لا تمنع رؤية الكوريدور الممتد على طول الجناح، ويتحرك فيه السجناء طوال النهار.</p>
<p dir="rtl">يبدو أن هذا الجناح المختصر مخصَّص للسجناء الخطرين أو السريين أو المعاقبين.</p>
<p dir="rtl">نوافذ كوريدور الباب الأسود تطل على باحة التنفس. صحيح أنها عالية جداً، ولكنها لم تمنعنا من إسقاط رسائلنا عبرها، ليلتقطها بعض الشباب المسجونين مع الإخوان المسلمين، فهم غير مراقبين في الباحة، لقناعة الإدارة أن التواصل إذا حدث فلن يكون بيننا وبينهم، بل بيننا وبين رفاقنا، الذين بقوا بعيدين عن النقطة الواقعة تحت نوافذ الباب الأسود. </p>
<p dir="rtl">رفاقنا هم الذين أخبرونا أثناء نزولنا إلى محكمة أمن الدولة بأن من يتواجد تحت مرمى نوافذ الباب الأسود خلال التنفس هم شباب موثوقون، وقد كانوا صغاراً  دون السن القانوني عند اعتقالهم بتهمة أعمال الشغب في مطالع الثمانينيات.</p>
<p dir="rtl">مع تكاثر وتواتر أخذنا كمجموعات إلى المحكمة، صارت إدارة السجن تتساهل  حيال تجميعنا معاً في ساحة السجن أو في إحدى القاعات، فنتعارف ونتحدث ريثما ترتب الإدارة الإجراءات ( السيارة وأفراد الدورية المسلحة التي سترافقنا، والجنازير و "الكلبشات" الفردية).</p>
<p dir="rtl">في إحدى المرات أخذوني أنا وسمير الحسن من أجل المحكمة. على مشارف ساحة السجن شاهدت صديقي تركي مقداد برأسه المرفوع ونظاراته السوداء. </p>
<p dir="rtl">(تركي كفيف البصر وممتد البصيرة، علاقتنا قديمة، وقد كان بيته أحد ملاجئي الآمنة في سنوات التخفي. هو موسيقي محترف وخريج قسم الفلسفة من جامعة دمشق).</p>
<p dir="rtl">قلت لسمير أني سأذهب لأسلِّم على صاحب النظارات السوداء. فقال:</p>
<p dir="rtl">- أليس هو تركي مقداد؟</p>
<p dir="rtl">- نعم، هل تعرفه؟</p>
<p dir="rtl">- منذ عشرين عاماً التقيت به ثم سافرت، ولا أعتقد أنه يتذكرني الآن.</p>
<p dir="rtl">حين سمع تركي صوتي، فتح ذراعيه للعناق وهو يقول: كل الهلا أبو المجد.</p>
<p dir="rtl">نظر إلي سمير مستغرباً كيف ميَّز تركي صوتي من بين جملة أصوات حوله، ثم حين سلم عليه سمير أجابه تركي: والله زمان يا سمير، وين هالغيبة يا رجل؟</p>
<p dir="rtl">*   *   * </p>
<p dir="rtl">عرفنا أن زيارات رفاقنا في صيدنايا مفتوحة منذ سنوات، وحين مرّ مساعد انضباط السجن فتحنا معه موضوع حرماننا من الزيارات منذ قرابة ست سنوات، فأوحى لنا أنها ستصبح مسموحة فور انتهاء الإجراءات الروتينية بين المحكمة والشرطة العسكرية. قلتُ له: أنا زيارتي لا تحتاج إلى تلك الإجراءات، فأخي إبراهيم موجود هنا في صيدنايا وأنت تستطيع أن تحقق لقاءنا الآن.</p>
<p dir="rtl">سألني وهو ينظر إليّ بارتياب:</p>
<p dir="rtl">- هل تعرف في أي جناح هو؟</p>
<p dir="rtl">- ومن أين لي أن أعرف؟</p>
<p dir="rtl">في الواقع كنا نعرف كل التفاصيل المتعلقة بتوزُّع رفاقنا على أجنحة السجن وطوابقه.</p>
<p dir="rtl">- اِرفع طلباً لمدير السجين وسنرى..</p>
<p dir="rtl">- ليس لدينا أوراق وأقلام، ثم اعتبرني وكَّلتك بنقل طلبي لمدير السجن.</p>
<p dir="rtl">لم يبدُ على ملامحه أي مؤشر يوحي بالسلب أو الإيجاب.</p>
<p dir="rtl">في اليوم التالي عاد المساعد ومعه عدد من العساكر. فتح نافذة الباب الصغيرة "الشرَّاقة". نادى على اسمي ثم أبلغني أن أخي سيأتي بعد قليل لأراه بضع دقائق من أجل الاطمئنان وليس الثرثرة.</p>
<p dir="rtl">طلب الرفاق أن تبقى "الشراقة" مفتوحة، ليشاهدوا لقاءنا، فقال إنه سيتركها، ولكن عند أي شوشرة سيقطع الزيارة.</p>
<p dir="rtl">أخرجوني وأوقفوني على بعد عدة أمتار من باب الجناح، ثم أحضروا أخي. هو أصغر مني بثماني سنوات، وربما يعتبرني قدوته النضالية، لذلك قررت أن أتحكم بمشاعري، فلا أسمح لأي إشارة يمكن أن يفسرها على أنها ضعف.</p>
<p dir="rtl">ما كدنا نتعانق حتى سمعت خلفي شهقات بعض الرفاق، فأفلتُّ العنان لمشاعري بكل ما في القلب من وجيب وما في العينين من دموع.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21435">ممالك الرعب والموت والجنون... ارفع طلباً لمدير السجين وسنرى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... أنزلونا لنجد أنفسنا أمام مبنى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21403</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 11 Dec 2023 10:06:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a3%d9%86%d8%b2%d9%84%d9%88%d9%86%d8%a7-%d9%84%d9%86/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21403">ممالك الرعب والموت والجنون... أنزلونا لنجد أنفسنا أمام مبنى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">في سجن صيدنايا أعادوا تفتيشنا وتسجيل قيودنا، ثم حضر مدير السجن، بقامته المربوعة وابتسامته البلهاء. تفحَّصنا واحداً واحداً وهو يهزّ رأسه ويفرك كفيه كمن يحدِّث نفسه. أدار لنا ظهره بعض الشيء وفجأة انتبر كمن وجد ضالته:  </p>
<p dir="rtl">- أنا عندي هون.. غير سجن تدمر. نحن اسمنا السجن العسكري الأوَّل. نعم الأوَّل. عندي اللي بيجوع بطعميه، واللي بيتوسّخ بحمّمه، واللي بيمرض بعالجه، لكن اللي بيقوم بأي حركة غلط أو مخالفة للأنظمة، بطلق عليه النار وبقول انها محاولة هرب.</p>
<p dir="rtl">يحاول أن يتحدث كالزعماء، رغم أنه لا يمتلك أي حظ من الكاريزما.</p>
<p dir="rtl">لا أعتقد أن أحداً منا صدَّق وعوده ووعيده. </p>
<p dir="rtl">كنا نراقب مداخل وأدراج هذا السجن، الذي يجمع ما بين الخرافة والحداثة:</p>
<p dir="rtl">دهاليز وأقبية وممرات وأدراج لا تنتهي. </p>
<p dir="rtl">غاب مساعد الانضباط قليلاً ليعود مع مجموعة من العساكر، ثم أخذونا إلى الطابق الثالث. </p>
<p dir="rtl">نعرف نظرياً أن مبنى السجن يتألّف من ثلاثة طوابق، لكل طابق ثلاثة أضلاع على هيئة إشارة المرسيدس، يضم كلّ ضلع جناحين، يمين ويسار، في كل جناح عشرة مهاجع. </p>
<p dir="rtl">هناك فتحوا باب أحد الأضلاع الثلاثة، وساروا بنا إلى الباب الأخير ذي الرقم 10، وقبل أن ينسحبوا قال المساعد:</p>
<p dir="rtl">إسمكم الآن طابق ثالث، جناح ب يسار.. وسيبقى بابكم مغلقاً هذه الأيام، ريثما يتحدد الوضع النهائي لإقامتكم هنا أو في سجن آخر.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">في هذا السجن مئات من رفاقنا، ولدينا أمل كبير في أن يجدوا سبيلاً للوصول إلينا. </p>
<p dir="rtl">في الواقع لم يتأخر الأمل سوى ساعات. فمع هبوط الليل أحسسنا بوقع خطوات شبحية سريعة، ثم بشيء ما ينزلق من تحت الباب. لقد كان مغلَّفاً مليئاً بالصور التي ميَّزت فيها على الفور صور أهلي وربما ابنتي. لا بد أن أخي إبراهيم قد وضعها بين بقية الصور.</p>
<p dir="rtl">في الصباح أخذت الإدارة خمسة منا، وحين عادوا ظهراً، لم يسعفهم الوقت بأكثر من القول أنهم كانوا في المحكمة، ثم قطعت جلبة العساكر الحديث، إذ عادوا مستعجلين ليقول أحدهم: </p>
<p dir="rtl">ـ الخمسة اللي كانوا برا تعالوا معي.</p>
<p dir="rtl">سألناه:</p>
<p dir="rtl">ـ  إلى أين؟ </p>
<p dir="rtl">فقال: </p>
<p dir="rtl">ـ هادا ما شُغلكم.</p>
<p dir="rtl">انتظرنا إلى الليل فلم يعودوا. حاولنا عبر دقِّ "المورس" على الجدران، لعلنا نعرف شيئاً عنهم أو عن آخرين، فلم نفلح.</p>
<p dir="rtl">لجأنا إلى الهمس من خلال المناور، ثم عبر النحنحة والسعال. كنا حذرين كما عوَّدنا سجن تدمر، ولكن يبدو أن شكل وآلية الحراسة هنا مختلفة.</p>
<p dir="rtl">حوالي منتصف الليل وصلنا صوت أحد الرفاق الخمسة يقول إنهم موجودون في المهجع الخامس من الجناح نفسه، وإنهم بحاجة سجائر.</p>
<p dir="rtl">جرَّبنا أن نتواصل معهم عبر خيط ربطنا به صابونة، بعد تدوير زواياها، ثم دحرجناها مرة واثنتين وعشراً، وأخيراً استسلمنا لليأس والنوم.  </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">بعد يومين أخذوا منا خمسة آخرين وكنت أحدهم. </p>
<p dir="rtl"> جمعونا في الطابق الأرضي مع معتقلين آخرين، وبعد أن كبّلونا بالجنازير والكلبشات، حشرونا داخل السيارة القفص.</p>
<p dir="rtl">بعد أقل من ساعة توقفت السيارة، وأنزلونا لنجد أنفسنا أمام مبنى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق.</p>
<p dir="rtl">كان قاضي التحقيق في انتظارنا مع ملفات إفاداتنا التي وقّعنا عليها كرهاً وطوعاً في فرع فلسطين. كل شي كان يشي أن الرجل أقرب إلى المخابرات منه إلى رجل القضاء، ولهذا لم يكترث لاحتجاجاتنا على كون الإفادات منتزعة تحت التعذيب، وإنه لا يليق بهم كهيئة محكمة، أن يعتمدوا عليها.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">استطعنا في السيارة وفي المحكمة، أن نسترق بضع كلمات مع رفاق وأصدقاء من أجنحة أخرى، ولكنها كانت كافية للاتفاق على آلية الاتصال فيما بين جناحنا وأجنحتهم، وحين عدنا إلى صيدنايا، ضمَّتنا الإدارة إلى رفاق الدفعة الأولى، تاركين بقية الرفاق للهواجس.</p>
<p dir="rtl">بعد إغلاق الأبواب مساء، سمعنا طرقاً على إحدى زوايا المهجع. تهيأ لنا أن هناك إصلاحات في الجناح الذي وراءنا، إذ لا يمكن للسجناء، أن يطرقوا على الجدران بهذه القوة.</p>
<p dir="rtl">في تدمر.. يكفي أن يصدر أي صوت أو نأمة حتى يحضر الحارس على الفور، ليبدأ التحقيق والتدقيق، عبر شرَّاقة السقف، عن مصدر الصوت وسببه.</p>
<p dir="rtl">الطرق يشتد ويقترب. كأن شيئاً ما سيخترق الجدار أو يحطمه. التجأنا إلى زوايا المهجع الأخرى ونحن ننتظر النتيجة بنوع من الدهشة والقلق والفضول. </p>
<p dir="rtl">فجأة انبثق من زاوية المهجع، وعلى ارتفاع أكثر من مترين، سيخ لامع ما لبث أن بدأ يتحرك ذهاباً وإياباً، وكأنه ينظِّف المجرى المفتوح.</p>
<p dir="rtl">بعد دقائق عاد السيخ وفي رأسه قطعة صغيرة، من أنبوب سيروم، في داخلها ورقة صغيرة:</p>
<p dir="rtl">"أهلا بكم أيها الرفاق.. سنكتب إليكم وتكتبون إلينا كثيراً.. أعيدوا قطعة السيروم إلى السيخ، وانتظروا أن نرسل من خلالها لُبَّ قلم ناشف وأوراقاً شفافة، وذلك على دفعات متتالية".</p>
<p dir="rtl">كان علينا كلما أرسلوا أو أرسلنا شيئاً أن يصعد أحدنا على كتفي آخر.</p>
<p dir="rtl">بعد بضع مرات كتبنا لهم أن قاماتنا نصف مهدَّمة، والثقب مرتفع جداً، فوعدونا أنهم سيفتحون غداً ثقباً آخر يحلّ المشكلة، ونبَّهونا إلى ضرورة أن نغلق الثقب الأول بالصابون، وأن نكون حذرين نهاراً، فنغلق الثقب الجديد، كلما سمعنا وقع خطوات العساكر عند مدخل الجناح.</p>
<p dir="rtl">- ولكن كيف تدقون بكل هذه الشدة يا رفاق، ولا يأتي الحارس؟!</p>
<p dir="rtl">- لا عليكم.. بعض الحراس مضمونون، ونحن ندق خلال نوباتهم.</p>
<p dir="rtl">في اليوم التالي كان الثقب على ارتفاع نصف متر فقط، وهكذا أمضينا سهرة مريحة ومليئة برسائل متبادلة مع الرفاق، ومع أصدقاء من أحزاب أخرى: أخبار واستفسارات وقصائد. </p>
<p dir="rtl">لاحقاً جلسنا، وجلس الرفاق في الجهة الأخرى واحداً بعد آخر في النقاط الملائمة للنظر من الثقب بعد توسيعه، وبالتالي استطاع كل منا ومنهم أن يرى الآخرين وإن بصورة غير واضحة تماماً. </p>
<p dir="rtl">خلال السهرة سألَنا الرفاقُ عن آخر مرة، شربنا فيها نبيذاً.</p>
<p dir="rtl">ـ هل تمزحون يا رفاق؟!</p>
<p dir="rtl">ـ حسناً.. حسناً.. منذ زمن طويل ونحن نخبئ لكم حصة من الخمر الذي نصنعه، فجهزوا كؤوسكم أو صحونكم.</p>
<p dir="rtl">أوصلوا إلينا أنبوباً طويلاً مصنوعاً من تلك الموجودة في أكياس السيروم، وبعد لحظات انبجس النبيذ، وكأنه قادم من أقصى القداسات.</p>
<p dir="rtl">نخبكم يا رفاق.. نخبكَ أيها العالم.. نخبك أيتها الحرية.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21403">ممالك الرعب والموت والجنون... أنزلونا لنجد أنفسنا أمام مبنى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... سألَنا منذ متى لم ننظر إلى وجوهنا في المرآة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21376</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 15 Nov 2023 08:19:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%b3%d8%a3%d9%84%d9%8e%d9%86%d8%a7-%d9%85%d9%86%d8%b0/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21376">ممالك الرعب والموت والجنون... سألَنا منذ متى لم ننظر إلى وجوهنا في المرآة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">الكون كله مستيقظ كحالنا. صوت الأذان وأوركسترا الطيور.. خروج الشمس من عباءتها، وثغاء الأغنام. </p>
<p dir="rtl">أصوات بعيدة وضحكات لأطفال تتناهى إلينا كما لو أنها بشائر.</p>
<p dir="rtl">مع بداية الدوام الرسمي صباحاً غادرنا الباحة السادسة في اتجاه الخامسة. أوقفونا بالقرب من البوابة المؤدية إلى الزنازين.</p>
<p dir="rtl">مساعد الذاتية جالس إلى طاولة تنوء بسجلات ضخمة سوداء وسميكة.</p>
<p dir="rtl">طريقة تعامل العساكر معنا أزاحت الهواجس المتعلقة بالنقل إلى باحات أخرى. واضح أنهم سينقلوننا من هذا السجن إلى خارجه.</p>
<p dir="rtl">- انتبهوا لعندي. لا همس ولا وتوتة. كلكم ما شالله مثقفين. كل واحد بيطلع اسمه بيجي لعندي وبيقدِّم اِسم أبوه واِسم أمّه، وتاريخ ومكان الولادة وبيتحرّك باتجاه هديك السيارة. </p>
<p dir="rtl">جئنا إلى تدمر بميكرو باص أنيق ولكن الدورية المرافقة كانت سافلة، ونرحل الآن بالسيارة القفص المخصصة عادة لنقل اللحوم.</p>
<p dir="rtl">- فلان الفلاني.. قرِّب لهون لقدّامي: شو اِسم بَيَّك؟.. اِسم أمَّك؟ مكان وتاريخ الولادة؟</p>
<p dir="rtl">- فلان الفلاني.. يا الله بسرعة.. </p>
<p dir="rtl">- اللي بعده.. حرِّك لي حالك شوية..</p>
<p dir="rtl">كنا مثل سُبحة تنزلق حباتُها بين يدي مؤمن خبير أو عاشق متيّم </p>
<p dir="rtl">- بعده.. بَيَّك..  أمَّك.. أمّك يا ؟</p>
<p dir="rtl">رفع المساعد وجهه عن السجلات.</p>
<p dir="rtl">- وَلَكْ شو قصتك.. مَ أسألك عن اِسم أمك.. انت أطرش ولَّا مَ تسمعني؟!</p>
<p dir="rtl">- سامعك سامعك.. لكن..  </p>
<p dir="rtl">- لكن شو؟!</p>
<p dir="rtl">- ما عم أقدر أتذكّره.</p>
<p dir="rtl">- بتنسى اسم أمك؟! وَلَك في حدا بينسى اسم أمّه؟!</p>
<p dir="rtl">بداهةُ أن يتذكر المرء اسم أمه لا تعود في سجن تدمر بداهة. هذا السجن يحطِّم كل ما له علاقة بالبداهات والمنطق والقيم والعادات والكفر والإيمان، ويخلخل حتى معاني الأزل والأبد. </p>
<p dir="rtl">همس أحدنا للرفيق: </p>
<p dir="rtl">- كأني أتذكر أن اسمها على وزن.. حزنة أو مزنة.</p>
<p dir="rtl">ضرب الرفيق جبينه بكفه وهو يقول:</p>
<p dir="rtl">- نعم.. خزنة .. خزنة.. تذكَّرت.. اِسم أمي خزنة.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">- انتبهوا إلي جيداً..</p>
<p dir="rtl">انتبهنا إليه جيداً..</p>
<p dir="rtl">رائد من الشرطة العسكرية، حازم النبرة حيادي الملامح. </p>
<p dir="rtl">- ما بدّي أي حركة أو شوشرة أو كلام طالع نازل.. لا مع الحرس ولا فيما بينكم.. بيكفي أننا تركناكم بدون طميشات.</p>
<p dir="rtl">- والكلبشات سيادة الرائد؟</p>
<p dir="rtl">- لا.. هذه من شروط السلامة.</p>
<p dir="rtl">تتطاول الدقائق حتى لكأنها ساعات.</p>
<p dir="rtl">تحرّكت السيارة بعدها بتثاقل شديد في البداية، وهي تترنح يميناً وشمالاً، ولكنها ما إن تجاوزت الحواجز والمناطق السكنية، حتى انطلقت مثل وحش خرافي.</p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl">في مؤخرة السيارة عسكريان يفصلهم عنا باب ذو قضبان حديدية ولكنه مقفَل. كان أحدهما يكرر بين حين وآخر:</p>
<p dir="rtl">- بلا حكي.. بلا صوت</p>
<p dir="rtl">لكنه سرعان ما ملّ وآثر الصمت. </p>
<p dir="rtl">كنا ثمانية عشر، ومعنا ثلاثة أو ربما أربعة لا نعرفهم. في البداية كانوا حذرين أو متحفظين في كلامهم. قدّمنا لهم أنفسنا بوضوح شديد، وحين اطمأن لنا أحدهم أخبرنا أن تهمته لها علاقة بأحد الفصائل الفلسطينية. كان الرجل نحيفاً جداً وشبه أهتم, قال إنهم منذ سنوات كسّروا أسنانه، فهزل كثيراً وتغيرت ملامحه أو هكذا يعتقد حسبما لمح صورته بشكل خاطف أحياناً وهو يمر بقرب جاط الشاي. وحين سأَلَنا منذ متى لم ننظر إلى وجوهنا في المرآة، قال له أحدنا أننا بعد إضراب طويل عن الطعام استطعنا الحصول على هذه المرآة، ثم دفعها في اتجاهه. لم يكد الرجل يرى صورته حتى شهق، ثم زفر آااااااااخ طويلة: </p>
<p dir="rtl">- ما معقول يا شباب.. بربكم هادا أنا.. والله ما كنت هيك.. ما هيك يا شباب!</p>
<p dir="rtl">هدّأنا من روع الرجل وواسيناه كما واسينا أنفسنا حين رأينا أنفسنا لأول مرة في المرآة.</p>
<p dir="rtl">كان يهزّ رأسه غير مصدّق وهو يمسحنا بنظراته ذهاباً وإياباً، وفجأة سأَلَنا عن رفيقنا الذي قتلوه أثناء توزيع الطعام في الباحة الخامسة.</p>
<p dir="rtl">قلنا له أن كل من ذهبوا إلى المنفردات في الباحة الخامسة عادوا، وعددنا الآن كامل.</p>
<p dir="rtl">- القصة عندي ما بتقبل تشكيك. ما بعرف كيف هوّي قال لشي حدا من جهة غرفنا أنه رفيقكم.. أنا متأكد.. غرفتنا في الباحة الخامسة يعني مطلّة على الزنازين، وأنا كنت شوفه يومياً. كانوا يطلبوا منّه يحني رأسه وظهره عند استلام الطعام، وكان هوّي يرفض. أنا شفت كل شيء. شفتهم لمّا قتلوه أثناء توزيع الطعام، وبعدين حملوا جثته ورموها بزنزانته، غابوا شي نص ساعة ورجع اتنين منهم، علّقوا جثته بسقف الزنزانة، وبعدها طلع واحد منهم وهوي عميصيِّح:</p>
<p dir="rtl">- شانق حاله.. شانق حاله.. ولك روح خبّر الإدارة. العرص عامل حبل من أكياس النايلون وشانق حاله. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21376">ممالك الرعب والموت والجنون... سألَنا منذ متى لم ننظر إلى وجوهنا في المرآة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... كنَّا جميعاً لا تأخذنا سِنةٌ ولا نوم</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21309</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 09 Sep 2023 07:10:01 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d9%83%d9%86%d9%8e%d9%91%d8%a7-%d8%ac%d9%85%d9%8a%d8%b9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21309">ممالك الرعب والموت والجنون... كنَّا جميعاً لا تأخذنا سِنةٌ ولا نوم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">في اليوم السادس عشر من الإضراب، أعادوا لنا  الرفيق نبيل الحمصي، لينقل لنا صورة عن الظروف المزرية في المنفردات، فانطرحت مجدداً النقاشات ووجهات النظر وتعارضاتها بشأن هذا الإضراب وعوامل نجاحه وفشله: </p>
<p dir="rtl">- يا رفاق لم يعد لدينا من هوامش للمناورة. تقتضي العقلانية والواقعية أن نعترف بفشل الإضراب وبالتالي الهزيمة.</p>
<p dir="rtl">- لم يفشل الإضراب ولم ننهزم.. ما زال في إمكاننا المناورة والمساومة.</p>
<p dir="rtl">- استمرارنا في الإضراب جوع مجاني ليس إلا.</p>
<p dir="rtl">- هذا رأيك منذ البداية، فانسجم مع نفسك ودعنا نكمِل إضرابنا.</p>
<p dir="rtl">- وضع رفاق المنفردات الآن أهم من كل الأهداف والنتائج التي تراهنون عليها.</p>
<p dir="rtl">- وما هي الحيثيات التي سننهي الإضراب على أساسها أمام الإدارة؟</p>
<p dir="rtl">- ليس مهماً.. وتستطيع أن تقول الاستسلام.</p>
<p dir="rtl">- بل مهم جداً.. صحيح أنني مقتنع الآن بضرورة إنهاء الإضراب، ولكن لا يجوز أن ننهيه، قبل أن يعيدوا الرفاق من المنفردات.</p>
<p dir="rtl">- أنا أفكر، أن أهم شيء يا رفاق، هو البحث عن تخريجة لإنهاء الإضراب، تحفظ لنا حداً أدنى من ماء الوجه، وإلا فإن حياتنا ستصبح..</p>
<p dir="rtl">- إذا قررتم إنهاء الإضراب، ويبدو لي أن هذا الميل بات واضحاً، فيجب ألا تفرِّطوا في ما راكمناه خلال ستة عشر يوماً، فهذه الأيام يبقى لها شيء من الوزن، حتى لو فشل الإضراب، وبالتالي يجب عدم الاستسلام دفعة واحدة وكيفما اتفق.. يمكنكم مثلاً أن تطلبوا من الإدارة ورقة وقلماً، أو تكتبوا بالحبر الذي صنعناه إن شئتم، وترفعوا إلى مدير السجن بياناً، توضحون فيه أننا إذا كنا سننهي الإضراب، فلكي نبيّن أن لا علاقة لتوقيته بموضوع العراق والكويت والحرب الدائرة. إن لنا حقوقاً، كنا ولا نزال نعتبرها بديهية بالنسبة إلينا كمعتقلين سياسيين، وسنواصل العمل على تحقيقها بكل السبل الممكنة. وينبغي، في خاتمة البيان، التأكيد على أنه إذا كان قرارنا الأولي، هو وقف الإضراب، فإن بدء التنفيذ، لن يكون قبل عودة جميع الرفاق الذين هم في المنفردات الآن.</p>
<p dir="rtl">وهكذا.. أعيد الرفاق وتوقَّفَ الإضراب. </p>
<p dir="rtl">لا بد من الاعتراف أنها كانت هزيمة مؤلمة ومريرة، ولكنها في الحساب الأخير، استطاعت أن تسجل ستة عشر يوماً من الجمر، في مواجهة ذلك الرماد الطاغي. ستة عشر يوماً من أجل انتصار ما يشبه الحياة على ما يشبه الموت.</p>
<p> </p>
<p dir="rtl">*   *   * </p>
<p> </p>
<p dir="rtl">صباحاتنا مضفورة بالشوك، ومساءاتنا مسفوحة المعنى.</p>
<p dir="rtl">تنازلات صغيرة ومناورات ومواجهات دامية مع الإدارة، يقابلها حنين وضحك وبكاء وعناقات ومهاترات فيما بيننا.</p>
<p dir="rtl">أعدنا سيرة ابن فضلان وروبنسون كروزو، لكن على أرض الواقع لا في الخيال. </p>
<p dir="rtl">سجن تدمر جزيرة نائية ومعزولة عن العالم، حيث لا بدّ من إعادة اكتشاف الأشياء والأدوات واللعنات الأولى، التي اكتشفها إنسان ما قبل التاريخ. صنعنا الإبر من القش، والسكاكين من العظم، كما اكتشفنا الألوان والحبر والخمر والخلّ والذاكرة، وتآلفنا مع الجوع والخوف والوجع والوهم والنسيان  والجنون، ولم نفرِّط بالأمل.</p>
<p dir="rtl">اهترأت ثيابنا فتعلَّمنا كيف يمكن ترقيعها، ومع الزمن بدأنا بترقيع الروح والجسد وحتى الذكريات.</p>
<p dir="rtl">في الواقع تتناوب صورة سجن تدمر ما بين كونه جزيرة معزولة وما بين كونه مجتلداً رومانياً مخضَّباً بزئير الوحوش الكاسرة والدم وصرخات الأسرى.</p>
<p dir="rtl">من السهل علي وعلى غيري تصوير مدى البؤس الذي نحن فيه، غير أني أشك في إمكانية مقاربة ما يتعرض له المعتقلون بتهمة الإخوان المسلمين و "بعث العراق". أولئك مهدورة دماؤهم ومستباحة حياتهم إلى حدود لم ينذر بها من قبلُ نبيّ ولا كتاب.</p>
<p> </p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p> </p>
<p dir="rtl">في السنوات الأولى كنَّا كلما سمعنا في الليل صوت فتح أحد الأبواب، حتى لو كان في الباحة الأولى، تزاحمت أحلامنا وتوقعاتنا عند ردهة واحدة وحيدة: النقل إلى سجن صيدنايا.</p>
<p dir="rtl">وقد خابت أحلامنا عشرات، بل مئات المرات. </p>
<p dir="rtl">في التاسعة من مساء 4/ 5/1992 صلصلت الجنازير، وقعقعت المفاتيح والمزاليج في باب الباحة. </p>
<p dir="rtl">- ألله يعطينا خير هالفتحة يا شباب!</p>
<p dir="rtl">- على الأرجح مثل المرَّة الماضية.. بدهم يسألوا إذا كان عندنا حالات تسمُّم.</p>
<p dir="rtl">- مانكم ملاحظين أن التسممات الجماعية كترانة بالسنة الأخيرة؟</p>
<p dir="rtl">- عادي عادي.. دائماً هيك. تسمّمات وجرب وسلّ. </p>
<p dir="rtl">- يمكن جايبين رمل وإسمنت لإصلاح الباحة، بعد ما لعنوا دينها بإصلاح المجارير.</p>
<p dir="rtl">- لا.. واضح أنهم جايين لعندنا.. مانك سامع خشخشة المفاتيح؟ </p>
<p dir="rtl">- هذا صوت الرقيب "آسفين".. بظنّ رح يفتحوا باب مهجعنا.</p>
<p> </p>
<p dir="rtl">*   *   *</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">دخل المساعد محاطاً بفصيلة من العساكر، وقد ارتدوا لباسهم النظامي كاملاً بما في ذلك البيريهات الحمراء:</p>
<p dir="rtl">- ضبُّوا أغراضكم، وسلِّموا الكتب، وكونوا جاهزين بأسرع ما يمكن.</p>
<p dir="rtl">- نضبّ العوازل والبطانيات كمان؟</p>
<p dir="rtl">- لا.. أتركوا كل شي بمكانه.</p>
<p dir="rtl">- لوين سيادة المساعد؟ </p>
<p dir="rtl">- يعني داخل السجن ولّا خارجه؟ </p>
<p dir="rtl">- بلا كثرة حكي.. ضبُّوا أغراضكم، وكفى.</p>
<p dir="rtl">لمحنا في وجه المساعد ظلال ابتسامة غامضة، كان يحاول تغطيتها بنبرات آمرة مفتعلة.</p>
<p dir="rtl">ما إن أُغلق الباب، حتى أشرقت ملامح الحب والغفران ورغبة تبادل الأحاديث والأمنيات والتعليقات المازحة الودودة. بات المهجع حديقة، تتشاهق فيها الملائكة والنجوم والأجنحة وروائح الأهل والأصدقاء.</p>
<p dir="rtl">- صار النقل أكيد يا شباب.</p>
<p dir="rtl">- نعم، النقل من المهجع أكيد، أمّا لوين فعلمها عند علّام الغيوب. </p>
<p dir="rtl">- لوين يعني رح يكون.. إما لسجن "صيدنايا" وإما لسجن "المزّة".</p>
<p dir="rtl">- وإما إلى المنفردات في الباحة الخامسة.</p>
<p dir="rtl">- طول عمرك متشائم.</p>
<p dir="rtl">- ما بيطلعلك تحكي يا متفائل تاريخيّاً. </p>
<p dir="rtl">- هلَّق صار التفاؤل التاريخي شتيمة عندك؟!</p>
<p dir="rtl">- الوقائع عم تشتمه من بداية حبستنا المباركة إلى هاللحظة الفضيلة. </p>
<p dir="rtl">- كلها ساعات حتى يدوب التلج ويظهر المرج. </p>
<p dir="rtl">- شو صارلكم يا شباب.. تفاءلوا بالخير تجدوه.</p>
<p dir="rtl">- أنت في الأصل كان لازم تكون مع الأخوان المسلمين، بس ألله غضب عليك دنيا وآخرة وخلاك تصير شيوعي. </p>
<p dir="rtl">- يبلوكم أيكم أحسن عملا.</p>
<p dir="rtl">- بركاتك يا شيخ..</p>
<p dir="rtl">الضحك لا يتوقف.. جميع الآراء والتعليقات تؤخذ على محمل النوايا الحليبية الصافية.</p>
<p dir="rtl">لم ننم.. كنَّا جميعاً لا تأخذنا سِنةٌ ولا نوم. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21309">ممالك الرعب والموت والجنون... كنَّا جميعاً لا تأخذنا سِنةٌ ولا نوم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... يا شباب هذه الفراريخ ليست من مطبخ السجن</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21288</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 11 Aug 2023 12:38:41 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d9%8a%d8%a7-%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d9%87%d8%b0/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21288">ممالك الرعب والموت والجنون... يا شباب هذه الفراريخ ليست من مطبخ السجن</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">مع فتح باب الباحة لإدخال الفطور، قلنا للرقيب أن يبلغ الإدارة بأننا مضربون عن الطعام. </p>
<p dir="rtl">على الأرجح أن الإدارة لن تقرر بمفردها ما الذي يتوجَّب عليها فعله، فنحن عندها، كما قال مدير السجن والمساعد في مناسبات عديدة، لسنا أكثر من وديعة لصالح الفرع الذي اعتقلنا.</p>
<p dir="rtl">لم يلجؤوا للعنف والتهديد كما في السابق. وحين طلبوا منا إدخال الطعام إلى المهجع ورفضنا، اكتفوا بإغلاق الباب علينا وترك الطعام في الباحة.</p>
<p dir="rtl">بعد أيام اختلفت نوعية الطعام المحمول بالجاطات التي يأتون بها ويتركونها في الباحة أمام المهجع. كانت الجاطات مقبَّعة بفراريج محمَّرة ومقمَّرة لم نرَ مثلها من قبل. </p>
<p dir="rtl">- يا شباب هذه الفراريخ ليست من مطبخ السجن.</p>
<p dir="rtl">- ومتى كانت تأتينا فراريج من مطبخ السجن، المطبخ معقَّم من الفراريج، وإذا حدث وجاء نصر الله والفتح، ودخل فروج في الطعام فلا شك أنه كان.. </p>
<p dir="rtl">- عفواً.. كما لو كان.. قد نجا من مجاعات أفريقيا.</p>
<p dir="rtl">- المدهش كمية الفراريج وليس نوعيتها فقط.</p>
<p dir="rtl">بقصّ إيدي من الباط إذا ما كانوا ميجيبوهن من ميرديان تدمر.</p>
<p dir="rtl">- ليش تدمر فيها فندق ميريديان؟!</p>
<p dir="rtl">- ما حبَّيْت هالسؤال منَّك يا رفيق. يعنى مثقف بلا مؤاخذة وأبتعرف أنّ تدمر فيها ميريديان!</p>
<p dir="rtl">- شو بدكم من الحكي.. هالفراريج بيقنعوا اللي بعمره ما اقتنع.</p>
<p dir="rtl">- بظنّلكم غاندي النباتي بذات نفسه.. إذا بيشوف هالفراريج بينكسر قلبه.</p>
<p dir="rtl">- قلبه يا رفيق، مش إضرابه.</p>
<p dir="rtl">- ماشي الحال.. آبدّي دافع عن غاندي.</p>
<p dir="rtl">عندما تقسو الظروف، يرتفع منسوب المزح والسخرية والتفهُّم والتسامح.</p>
<p dir="rtl">يوماً بعد يوم، وشهراً بعد أخيه، وعاماً بعد أبيه، تتعدّد وجهات نظرنا وتتباين، بدءاً من انهيار المنظومة الاشتراكية وسقوط جدار برلين ورياح الديمقراطية القادمة من الغرب، مروراً باحتمالات استمرار الحزب أو تصفيته، وانتهاءً بإذا ما كان الزيتون هو العيطون، والعجّور هو البطيخ.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">بعد بضعة أيام أخذت صحة الرفيق عدنان خضور تتردّى بصورة ملحوظة.</p>
<p dir="rtl">عدنان يعاني من "الحمّى المالطية" التي كلما جاءته أمضى أياماً مضنية إلى حد الصراخ، وخسارة عدة كيلوغرامات من وزنه.</p>
<p dir="rtl">- عدنان يجب أن تأكل.</p>
<p dir="rtl">- آفيني.. أنا معكِن لآخر نفس.</p>
<p dir="rtl">- إذا بدك تساعدنا بمواصلة الإضراب لازم تفكّ إضرابك.</p>
<p dir="rtl">- آفيني شي. صحتي كيسة. وهه ليكوني.. خَلَص.. بطَّلت صرِّخ.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">من لعنات الزمن في فترات الإضراب أنه يصبح بطيئاً وغبياً وحجرياً.</p>
<p dir="rtl">لا بد من ملء الوقت بالحكايات والغرائب والنكات.</p>
<p dir="rtl">خطر لي أن أطرح موضوعاً إشكالياً يتعلق بمدى احتمال صوابية وخطأ نظرية داروِن عن أصل الإنسان، وبعد سلسلة من النقاشات أعلنتُ انحيازي إلى أن أصل الإنسان قِطّ.</p>
<p dir="rtl">فتحت الفكرة شهية السخرية والمقارنة، فالقط والقرد يبدأان بحرف القاف الذي "تقاقي" به أجهزة السلطة كما لوأنها مالكته الحصرية، و "تقلقله" الجماعات الإسلامية كما لو أن الله اختصّها وحدها بالقلقلة، وهناك من اقترح دمج أو نحت القطّ والقرد بلفظة "القرط"، ولم يلقَ النحت قبولاً لاختلاطه مع القِرط الذي هو نوع من الحليّ التي تُعلَّق في شحمة الأذن.</p>
<p dir="rtl">ولكي تغدو فكرتي ملموسة وقريبة المتناول رحت أصف رؤوس بعض الرفاق مع نوع من المبالغة في التمثيل باليدين وملامح الوجه وحركات الجسد. </p>
<p dir="rtl">- لو تأملنا رأس الرفيق فلان، لرأينا أنه قطّ أكل عشاءه قطّ آخر، بينما رأس الرفيق فلان، فيبدو مقنِعاً أنه قط منزلي مطمئن بعينين زرقاوين وشاربين أشقرين يلمعان كما لو أنهما مبلّلان بالدسم. أمعنوا النظر جيداً وسترون ما أراه. إنه حقاً قطّ منزلي يوحي بأنه يعيش لدى أسرة منعمة تغمره بالدلال، على العكس من القطّ  الذي إلى جانبه، إذ يوحي أنه قط برّي شديد السمرة بوجنتين منتفختين وعينين متحفزتين كعيني فهد. </p>
<p dir="rtl">احتدم النقاش بشأن الفهد وإن كان ينتمي لفصيلة السنّوريات أم لا، وسرعان ما رست القناعة على أن الفهد من السنوريات، فأكملت الوصف التشريحي لرأس رفيق ثالث يوحي بأنه قط مسالم يميل إلى الهدوء ولا يكاد يموء، لا بل إنه يغمض عينيه مع كل سحبة مواء، على عكس القط الرابع الذي يبدو دائماً يقظاً ومتحفزاً تلتمع عيناه حين ترمشان تحت جفنيه المبطَّنين كما  لو أنه من إحدى السلالات القوقازية. أما القط الخامس فيبدو كسولاً إلى حد أنه يمضي معظم نهاره نائماً حتى لكأنه قط شيرازي. </p>
<p dir="rtl">أدعوكم إلى أن تدقِّقوا النظر بحياد. لا تدعوا القناعات المسبَقة تشوِّش تركيزكم. نحن الحلقة الأخيرة في مراحل تطور القطط. صحيح أن هناك عشرات السلالات، ولكنها تتشابه في تكوينها الأساسي. دعوني يا رفاق أتحدث عن قط آخر في مجموعتنا. أنظروا إلى فلان جيداً، فهو قطّ شديد القطّيّة. ترون كيف تتهدّل شعرات شاربية في الوسط وتشرئبان عند طرفيهما يميناً ويساراً، ثم أسنانه وأنيابه.. ستقولون أنه يشبه القط، وأقول بل هو قط حقيقي.</p>
<p dir="rtl">كان محمد الصمودي يواكبني مؤمِّناً على كل ما أقول بإغماضات عينيه وهزَّات رأسه، وحركاته القاطعة أو الطاردة لأي تشكيك محتمل.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">وطأة الوقت تشتد يوماً إثر يوم، وإضرابنا مكفهرّ الآفاق والتوقّعات. </p>
<p dir="rtl">استنفدنا مخزوننا من الطرائف والحزازير والسير الشعبية ومسابقات معرفة الأمثال من خلال تمثيلها إيمائياً.</p>
<p dir="rtl">وانتهت الأفلام التي رواها أكرم، وكذلك الأفلام التي ألّفتُها أنا والصمودي، فانتقلنا إلى سرد الروايات التي بدأها يوسف برواية "آنّا كارنينا" لتولستوي.</p>
<p dir="rtl">ذات ليلة تذكّرت قصيدة توفيق زياد "سرحان والماسورة" التي غنتها فرقة أغاني العاشقين، فحوّلتُها إلى حكاية شحنتُها بما استطعت من التداعيات والاستطرادات والشروح وما يشبه الموسيقى التصويرية. كنت أتوقّف بين مقطع وآخر لاستجماع أنفاسي التي أنهكها الجوع. المهم أن يكون الرفاق مشدودين إلى الحكاية. تخفّ وطأة الإحساس بالجوع بمقدار ما تستثيره المرويات من خيال، على عكس الوهن الذي تتراكم طبقاته كغبار ثم كرماد ثم كرمل. </p>
<p dir="rtl">رغم مضاضة الجوع والوهن، ما زال عباس أبو ديمة قادراً على غسل أرواحنا بعذوبة صوته المموسق وهو يطوِّع مقامات الأسى والفرح والحكايات، وما زال راشد قادراً على هدهدتنا بدفء صوته وهو يغني عراقيات الحب والحزن والحنين. </p>
<p dir="rtl">ولكن يوماً بعد آخر بدأت الأصوات تميل إلى الذبول، وأوقفت الحُمّى صوت عدنان الذي يحتاج إلى جبال يردحها بصوته والعتابا إلى المدى الأقصى، لتتكسر أصداؤه على السفوح وفي الوديان.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">حين تنطبق جدران المعدة على نفسها لا يعود الجوع حالة بيولوجية ناهشة، بل يغدو جوعاً مريضاً تترامى ظلاله كما لو أنها قادمة من ذاكرة بعيدة.</p>
<p dir="rtl">في اليوم الثالث عشر حضر مدير السجن مع شخص قدّم نفسه على أنه عقيد من شعبة المخابرات العسكرية، ومكلَّف من أعلى السلطات، ليس للتفاوض معنا، بل من أجل إفهامنا أن لا جدوى من إضرابنا الذي نحاول من خلاله استغلال انشغال الدولة بمشاكل احتلال العراق للكويت والحرب الناجمة عنها.. وبالتالي يتوجب علينا فكّ الإضراب، وإلا فسنرى جهنم على أصولها. </p>
<p dir="rtl">عقيد أخرق، من الواضح أنه يعاني من نقص شديد في البداهة، حتى لكأنه حفظ بصعوبة بعض الجمل، التي يتوجّب عليه إيصالها إلينا.</p>
<p dir="rtl">كان يحرك يديه وكتفيه ورقبته الغليظة، لتعويض ما يقصِّر عنه لسانه المصاب بحُبسة ثقيلة الوطء.  </p>
<p dir="rtl">حين يئس العقيد من إحراز أي تقدم في مهمته، ترك لنا تهديدات عالية الرعود وكثيفة الزبد، ومضى.</p>
<p dir="rtl">في المساء عاد المساعد، ليأخذ عدداً من الرفاق الذين ما زالوا قادرين على المشي. وهكذا أمضينا الليل، ونحن نتبادل الرأي حول الخطوات اللاحقة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">*   *   *</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21288">ممالك الرعب والموت والجنون... يا شباب هذه الفراريخ ليست من مطبخ السجن</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ممالك الرعب والموت والجنون... قررت الأغلبية بدء الإضراب</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21268</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فرج بيرقدار]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 11 Jul 2023 12:25:35 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<category><![CDATA[جهنمات منقحة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d9%86-%d9%82%d8%b1%d8%b1%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ba%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>محطات من شبكة سجون الأسد</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21268">ممالك الرعب والموت والجنون... قررت الأغلبية بدء الإضراب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">مع انتهاء الأيام الستة على وعود مدير السجن، بدأت رحى الشكوك والهواجس تطحن رملها في دواخلنا. </p>
<p dir="rtl">لقد أكّد أكرم مراراً أن مدير السجن كان جاداً في ما وعَد، في حين أكَّد آخرون أن رجال السلطة يبصقون بسهولة، ويلحسون بصاقهم بسهولة أكبر. لحسن الحظ أن الرحى توقفت عن الطحن ضحى اليوم السابع. </p>
<p dir="rtl">لقد نقلونا بالفعل إلى باحة جديدة، وتوقف الضرب والشتائم، وبدأت "جريدة البعث وأحياناً الثورة أو تشرين" تصلنا، وسمحوا لنا باستعارة الكتب "الأدبية والتاريخية" من مكتبة السجن، ووافقوا لنا على شراء قاموس عربي وقاموس إنكليزي وطبَّاخ يعمل على الكاز.</p>
<p dir="rtl">صار اسمنا "مهجع صدر جديد".</p>
<p dir="rtl">هو في نهاية الباحة السادسة أو في صدر أحد أضلاعها. </p>
<p dir="rtl">كان واضحاً أن بناء  المهجع من طراز مختلف وجديد نسبياً بالمقارنة مع بقية مهاجع السجن. تهويته ليست سيئة، ونوافذه المستطيلة الضيقة والقريبة من السقف تتيح دخول أشعة الشمس، وباحته مستقلة، غير أننا فوجئنا بأن المهجع كان مليئاً بحبال من الأشكال التزيينية، وعلى الجدران صور حافظ الأسد ولوحات تتضمَّن بعض أقواله.</p>
<p dir="rtl">من أغرب وأوقح العقوبات أن تصبح وتمسي وتنام وتستيقظ على صور الديكتاتور الذي أنت معتقل بسبب معارضتك له.</p>
<p dir="rtl">أمضينا الأيام الأولى اجتماعات ونقاشات، تفضي إلى اجتماعات ونقاشات.</p>
<p dir="rtl">هناك من يرى أن من البداهة نزع الصور، ومن يرى أنه لا بدّ من نزعها بما لا يستفزّ إدارة السجن، ومن يرى أن ننتظر ونناقش الأمر لاحقاً بهدوء، ومن يرى أن لا نقوم بأي شيء سوى تجاهل الصور، إذ لسنا من اختارها، بل هي مفروضة علينا كما هو الاعتقال مفروض، ومنع الزيارات مفروض، ووجودنا في سجن تدمر لاغيره مفروض، وربما التخوّف من إعادتنا إلى مرحلة ما قبل الإضراب كان حاضراً، وهناك من رأى أننا يمكن أن ننزع الصور بالتدريج واحدة بعد أخرى. </p>
<p dir="rtl">وهكذا اختفت إحدى الصور وإحدى اللوحات التي تتضمن كلماته "الخالدة".</p>
<p dir="rtl">بعد يوم أو اثنين اختفت صورة أو لوحة أخرى.</p>
<p dir="rtl">بعد فترة من الزمن لم يبق سوى الزينة وصورة كبيرة في صدر المهجع لا بد أن إزالتها تلفت الانتباه. </p>
<p dir="rtl">كنا نفترض أن الإدارة تراقب ردود فعلنا بشأن الصور والزينة، غير أن عدم مساءلتها لنا عن غياب كل الصور باستثناء الوحيدة المتبقية، جعلنا نفكر بطريقة تريحنا منها بدون أي اصطدام مباشر مع الإدارة، كأن نبلغهم بنيّتنا تنظيف المهجع بالماء والصابون، الأمر الذي يعني إنزال الصورة، فإن طالبت الإدارة بإعادتها فليس أمامنا سوى الرفض.</p>
<p dir="rtl">ما إن طلبنا إذناً بشطف كامل المهجع بسقفه وجدرانه وأرضه حتى قال مدير الانضباط:</p>
<p dir="rtl">- اشطفوا.. مين مانعكم.</p>
<p dir="rtl">أشرنا إلى الصورة الكبيرة في صدر المهجع فقال ببساطة:</p>
<p dir="rtl">- اي شيلوها.</p>
<p dir="rtl"> وهكذا نزلت آخر الصور عن كواهل الجدران وكواهلنا.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">في تلك الفترة، حزيران 1990، أُلحِقَ بنا فاروق العلي، ولأن فاروق مفصول من الحزب، فقد قرر الرفاق أن أكون صلة الوصل بينه وبين الهيئة مثلما كان الحال حين كنا في المزدوجة في فرع فلسطين.</p>
<p dir="rtl">في 22 تموز 1990، أُلحِقَ بنا عضو اللجنة المركزية عدنان محفوض، تلاه بعد شهرين أو ثلاثة  عماد أبو الفخر رغم أنه الوحيد بيننا الذي اعتقلته شعبة الأمن السياسي، وقد يكون سبب تسليمه لشعبة المخابرات العسكرية أنه كان يعمل سابقاً في مكتب الأمن القومي، وربما لأنه كان أحد الفنيين العاملين في مطبعة الحزب، وكنت حينها أنا المكلف من القيادة بمتابعة شؤون المطبعة، وكانت علاقتي به حميمية إلى درجة أنه كان يسمّيني الخال.</p>
<p dir="rtl">بدا عماد الدمث اللبق البشوش على غير ما عهده الرفاق الذين يعرفونه من قبل. من الواضح أنه مشوش ويميل إلى العزلة، وقد صدر عنه أحياناً كلام غير مفهوم. </p>
<p dir="rtl">في إحدى زيارات مساعد انضباط السجن لمهجعنا، تحدث عماد معه طالباً نقله إلى دمشق، فردّ عليه المساعد باستهتار وهو يشير له بيده أن ينصرف، فابتعد عماد وهو يقول: أنت لا تعرف أنك تتكلم مع.. مع.. نبيّ على الأقل. </p>
<p dir="rtl">لم ينتبه المساعد إلى ما قاله عماد.  </p>
<p dir="rtl">رغبة عماد بالعزلة لم تنعكس على حميمية علاقته بي وبمن يعرفهم من الرفاق، فقد بقيتُ الخال الذي يثق به ويطمئن إليه. </p>
<p dir="rtl">مع مرور الأيام صارحني أنه قطع علاقته بالحزب قبل اعتقاله بعدة شهور، وعاش متخفياً على مسؤوليته، وكان واثقاً أنهم لا يمكن أن يعتقلوه، وحين سألته عن سبب ثقته، ابتسم وهو يقول:</p>
<p dir="rtl">- لأني مكلَّف بما هو أكبر من كل ما يخطر في ذهنك، وأتمنى يا خال أن تأخذ كلامي على محمل الجد. لا تناقشني بالمنطق المادي الجدلي، فأنا فوقه، ولأني أحبك كما تعلم، فإني أدعوك إليّ.</p>
<p dir="rtl">- إذن لا بد أن تعرض عليّ برنامجاً سياسياً جديداً، لنتناقش على أساسه. </p>
<p dir="rtl">- قلت لك أني أكبر من ذلك.</p>
<p dir="rtl">- لا تقل لي أنك نبي في الحد الأدنى، كما قلت للمساعد!</p>
<p dir="rtl">- أعرف أنك تعتبر الأحاديث عن المهدي المنتظر مجرد خرافات، ولكني واثق أنك ستغيِّر قناعاتك حين نلتقي مستقبلاً.</p>
<p dir="rtl">- لماذا مستقبلاً وليس الآن؟</p>
<p dir="rtl">- الآن لا أفكّر في ما هو أكثر من انتقالي إلى دمشق. </p>
<p dir="rtl">- وإذا لم يوافقوا..</p>
<p dir="rtl">- لا يستطيعون إلا أن يوافقوا.</p>
<p dir="rtl">ليست هذه الحالة دائمة أو يومية عند عماد، فأحاديثنا غالباً ما كانت تستيقظ على الذكريات أو تزدلف بنا إليها، ولا سيما ذكريات بيت الآلة الكاتبة في ركن الدين بدمشق، لما لتلك الفترة من لطائف ومفارقات وقصص ومفاجآت تشبه مسلسلاً كوميدياً تسعدني فيه ضحكات عماد التي تشبه كركرة المياه.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">*   *   *</span></p>
<p dir="rtl">عادت أمورنا تسوء بصورة تدريجية كما لو أنهم خطَّطوا لها. في البداية أصوات عالية مع بعض الكلمات ذات الصبغة العسكرية الآمرة والزجرية بحجة انهماكهم في إدخال الطعام لجميع المهاجع وما يقتضيه ذلك من سرعة وحزم، وكذلك الأمر عند أخذ التفقد في الصباح وفي المساء، ثم تصاعدت اللهجة يوماً بعد يوم إلى أن عادت الشتائم واضحة صريحة، فأوصلنا عبر أحد الرقباء احتجاجاً مبطَّناً  للإدارة مفاده: نأمل أن لا تحيجونا للقيام بما لا نرغب فيه، وأنتم تعرفون أننا لا نستطيع تهديدكم، ولكننا نستطيع تهديد أنفسنا وتعريض صحتنا وحياتنا للخطر، وليس غيركم من يتحمل مسؤولية ذلك. </p>
<p dir="rtl">حضر مساعد الانضباط، وحاول أن يشرح حجم الأعباء على العساكر ونمط التعامل في السجن، الأمر الذي لا يمكِّن العساكر دائماً من تذكّر أن مدير السجن وعد بعدم إهانتكم.</p>
<p dir="rtl">جاءه الرد من أكثر من واحد منا أن العساكر كانوا منضبطين تماماً خلال الأسابيع الماضية، ومن يستطيع أن ينضبط أسابيع يستطيع أن ينضبط دائماً.</p>
<p dir="rtl">هدأت الأمور لبضعة أيام، ثم عادت بعدها المعاملة أكثر سوءاً، إذ صارت شتائمهم من "تحت الزنّار"، إضافة إلى توقّفهم عن إرسال الجريدة، ورفضهم تزويدنا بالكاز من أجل الطبَّاخ، فطرح بعض الرفاق مشروع إضراب ثالث.</p>
<p dir="rtl">قال بعضنا أن توقيت الإضراب خطير، إذ ليس هناك إجماع عليه كما في المرة السابقة، ونعلم مسبقاً أنّ أحد رفاقنا قد لا يسعفه وضعه الصحي على المضي في الإضراب إلى النهاية، وذلك إضافة إلى أننا نعرف من خلال الجريدة التي كانت تصلنا، أن صدام حسين اجتاح الكويت، وأن هناك توافقاً دولياً على إخراجه منها، ولا بد أن النظام السوري منشغل بذلك سلباً وإيجاباً، وقال بعض آخر أننا كمعتقلين سياسيين لن نقبل بهذا الإذلال حتى لو كانت تكلفته موت بعضنا، وقال بعض ثالث أن الإضراب قد يحرِّك وضعنا، أو ينبغي أن نستخدمه لتحريك وضعنا لدى السلطات من أجل نقلنا إلى دمشق، لنكون مع رفاقنا على الأقل.</p>
<p dir="rtl">فاروق العلي أعلن أنه خارج الإضراب، ولكنه لن يأكل لسبب إنساني فقط.</p>
<p dir="rtl">وعماد أبو الفخر أعلن أنه سيضرب معنا ولكنه سيبلغ إدارة السجن أنه مضرِب لأسبابه الخاصة المتعلقة بضرورة نقله إلى دمشق.</p>
<p dir="rtl">بعد نقاشات حامية على مدى أيام، قررت الأغلبية بدء الإضراب في 16/2/ 1991.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21268">ممالك الرعب والموت والجنون... قررت الأغلبية بدء الإضراب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-10-15 00:14:06 by W3 Total Cache
-->