<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>وائل قيس - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/71rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/71rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 02 Nov 2024 22:18:47 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>وائل قيس - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/71rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>«عربية في إيران» لندى الأزهري... لقطات مقرَّبة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21620</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 11 Aug 2024 05:33:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%84%d9%86%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%87%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d9%82%d8%b7%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%82%d8%b1/</guid>

					<description><![CDATA[<p>تروي الناقدة السينمائية ندى الأزهري في كتابها "عربية في إيران: الإيرانيون كما لم نعرفهم" الصادر عن دار الساقي البيروتية تجارب وملاحظات وذكريات التقطتها وتفاعلت معها خلال فترة إقامتها في طهران ما بين عامي 2006 – 2010، مقدمة صورة مختلفة عن الدولة التي نلتقط تفاصيلها الهامشية من نشرات الأخبار اليومية، أو بعض الأعمال السينمائية، ومع ذلك [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21620">«عربية في إيران» لندى الأزهري... لقطات مقرَّبة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">تروي الناقدة السينمائية ندى الأزهري في كتابها "عربية في إيران: الإيرانيون كما لم نعرفهم" الصادر عن دار الساقي البيروتية تجارب وملاحظات وذكريات التقطتها وتفاعلت معها خلال فترة إقامتها في طهران ما بين عامي 2006 – 2010، مقدمة صورة مختلفة عن الدولة التي نلتقط تفاصيلها الهامشية من نشرات الأخبار اليومية، أو بعض الأعمال السينمائية، ومع ذلك تبقى مجهولة بالنسبة لنا، إلا من صراعها مع الدول الكبرى على أحقيتها في تطوير برنامجها اليومي، إيمانٌ راسخ لدى الإيرانيين بهذه الأحقية، حتى أولئك الذي يناصرون العداء للسلطات الحاكمة.</p>
<p dir="rtl">تسرد الأزهري بعيون سورية تارةً، وفرنسية تارةً أخرى تجارب معيشية، ومواقف شخصية صادفتها، خلال محادثاتها مع المثقفين والناس العاديين في لقاءاتها المتعددة معهم سواء أكان ذلك في الأسواق أو سيارات الأجرة أو الحفلات الرسمية. وهي لا تخفي الاعتراف في مقدمة الكتاب بأنها كانت متردّدة من نشر هذه المذكرات "بسبب كل ما يحدث في المنطقة، وبسبب ما قد ينجم عنها من سوء فهم من طرفين لدى كل منهما مآخذ على الآخر"، لكن قرارها في نشر هذا الكتاب يمكننا القول إنه خيار أكثر من صائب، لأنه يكشف لنا عن مختلف جوانب الحياة الاجتماعية – السياسية – الاقتصادية، لتساعدنا على فهم طبيعة هذا البلد المنغلق على ذاته. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>أيام في ظهران</strong></span></p>
<p dir="rtl">تفتتح الأزهري كل فصل من فصول الكتاب بعنوان فيلم لأحد المخرجين الإيرانيين، فالفصل الأول مثلًا "طهران، الوصول" تختار له فيلم "العدّاء" للمخرج أمير نادري (1985)، بينما في فصل "يوم في طهران" تختار فيلم "تحت جلد المدينة" للمخرجة رخشان بني اعتماد (2000)، أما في فصل "إيران، انتخابات 2009" فسنكون مع خيارين لفيلمين، الأول "من أجل الحرية" للمخرج حسين ترابي (1980)، والثاني "الحرب العالمية الثالثة" للمخرج هومن سيدي (2022). لا يهم إن كانت تواريخ الأفلام التي اختارت ربطها مع عناوين الفصول قديمة أو حديثة، فالمُطلع على السينما الإيرانية يستطيع إدراك حجم ارتباطها بموضوع الفصل نفسه، لتكون بمثابة مقاربة خاصة لتفاصيل التقطتها الكاتبة بعيون سينمائية خلال تنقلاتها بين المدن الإيرانية.</p>
<p dir="rtl">أولى العقبات التي واجهت الأزهري عند وصولها إلى طهران كانت مرتبطة باختلاف اللغة، وهي تظهر خصوصية غالبية المجتمع الإيراني غير المتكّلم للغات أخرى، من بينها الإنكليزية، أما العربية فهي مخصصة "لقراء القرآن والصلاة". إنها خاصية مشابهة لمعظم الدول الإسلامية غير الناطقة بالعربية، مثل تركيا، على سبيل المثال، لا الحصر. يتضح في حكايات الأزهري حجم العلاقة المعقّدة بين الإيرانيين من طرف، والعرب بشكل عام من طرف آخر، التي "تلتقي في نظرتها إلى الآخر"، فالإرث العربي الذي فرضه العرب في كتاباتهم على الفرس منذ القِدم، لا يزال سبب من بين مجموعة أسباب أخرى تخبرنا بها الكاتبة في هذه السيّرة الممتعة. </p>
<p dir="rtl">ترتبط معظم العطل الرسمية أو الأعياد في التقويم الإيراني بذكرى وفاة شخصيات دينية وتاريخية، على الرغم من أن الإيرانيين أنفسهم ليسوا أكثر اطلاعًا على أسبابها، ما يوحدهم في أي عطلة رسمية توافقهم على أنها "مناسبة حداد. أما على من، فالله أعلم"، كذلك الحال مع عيدي الفطر والأضحى "ثمة يوم عطلة واحد"، لكن الأمر يختلف مع عطلة عيد "النوروز" أطول العطل الرسمية في إيران، وله مكانة وطقوس خاصة عند الإيرانيين، منها على سبيل المثال، لا الحصر، "تخصيص طاولة في الركن عليها سبعة أشياء تبدأ كلها بحرف السين بالفارسية"، أو معايدة الأصدقاء بسبع كلمات تبدأ جميعها بحرف السين، وصفه الرئيس الإصلاحي السابق، محمد خاتمي، بأنه رمز "العدالة، الاعتدال، التسامح، واللطف".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">"لقطة مقرّبة"</span></strong></p>
<p dir="rtl">هناك جانب مهم في التفاصيل التي التقطتها الأزهري تكشف عن وجود شبه في عادات وتقاليد المجتمع الإيراني مع المجتمع العربي، كأن يرد عليك أحدهم حين تبدي إعجابك بشيء بالقول: "مُقدّم"، وهي من العادات السائدة في بعض المجتمعات العربية، إن لم يكن جميعها. لكن الأهم من ذلك أن اللباس المُحافظ هو السمة العامة للنساء الإيرانيات في الشارع، أما في الحفلات الخاصة المختلطة فإنهنّ يرتدينّ "ثيابًا على أحدث صرعات (صرعات بالفعل) الموضة وأنيقة وأحيانًا كاشفة لدى الشابات"، كما تقول الكاتبة في فصل "أنا والناس" الذي اختارت له عنوان فيلم "لقطة مقرّبة" للمخرج عباس كيارستمي (1940 – 2016)، والذي يوضح لنا الكثير من المفاهيم المجهولة لنا عن العادات الاجتماعية في إيران.</p>
<p dir="rtl">على مستوى علاقة النخبة المثقفة وموظفي المؤسسات العامة مع الفعاليات التي تنظمها السفارات الغربية في طهران، هناك حذر شديد يسود الجميع بلا استثناء خشية فقدان وظائفهم، لكن في اللقاءات والدعوات التي تنظم تحت رعاية الهيئات الإيرانية، فالأمر عادي وطبيعي. غالبًا ما يُنظر لتصريحات المسؤولين الإيرانيين تجاه الإسرائيليين على أنها استثمار سياسي فضفاض، لكن الكتاب يكشف أنها تعكس الرأي العام الإيراني قبل السياسيين، تقول الأزهري: "هناك تضامن فعلي مع الفلسطينيين بسبب [الظلم الواقع عليهم] هم [المستضعفون]"، ومع ذلك، فإن صديقة الكاتبة لها رأي آخر، وهناك أقتبس عن صديقتها "أنا مع حماس ومع الشعب في غزة لكننا أولى بأموالنا من حماس، كما أننا أولى بها من حزب الله اللبناني".</p>
<p dir="rtl">لا يخلو بيت من بيوت الإيرانيين من ديوان الشاعر، شمن الدين محمد حافظ الشيرازي (1325 – 1390)، هو "شاغل الإيرانيين، وسيد الغزل"، أيضًا هو الشخص الوحيد الذي يلجؤون إليه عند محاولتهم البحث عن إجابة لسؤال، أو تحقيق أمنية، يكفي أن يضمروا ما يريدون، ومن ثم الذهاب إلى ديوانه لاختيار صفحة لا على التعيين حتى يحصلوا على الإجابة. وضع الشعر في إيران – بحسب ما تنقل لنا الأزهري – جيد مقارنة مع غيرها، لدينا نحو 50 كتاب مطبوع شهريًا، كانت مهمته التاريخية "نقل المعرفة الإنسانية"، لكنه تخلّص منها الآن، بالعموم تبقى حالة الأدب بمختلف الفنون نشطة في إيران، أما بالنسبة للكاتبّات النساء فإنهن يعشنّ رقابة ذاتية "بدءًا من الرقابة المفروضة على الأعمال الأدبية واحتواء الأدراج والذاكرة كتابات سقطت ضحية هذه الرقابة، وانتهاء بالمشكلات المالية التي تؤثر في نوعية الكتابة وتسرق سكينتها".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">"من أجل الحرية"</span></strong></p>
<p dir="rtl">تختلف المشاهدات التي ينقلها الكتاب حول الاحتجاجات الإيرانية ضد نتائج انتخابات الرئاسة الإيرانية في عام 2009، عمّا وصلنا من وسائل الإعلام الغربية والعربية معًا، والتي انتهت بفوز المرشّح المحافظ أحمدي نجاد على حساب الإصلاحي خاتمي، تنقل لنا الأزهري الأجواء التي رافقت الحملات الانتخابية، تقدم لنا روايتها لنفهم أكثر طبيعة الأجواء الانتخابية غير المعروفة لنا. تحدثنا عن محاولات اقتحام قوات "الباسيج" للمنازل، وعن سيارة "بيك آب" داخلها عناصر من "الباسيج"، وآخرون بالملابس السوداء والأقنعة من شرطة مكافحة الشغب، وعن احتجاج الإيرانيين بالهتاف من شبابيك منازلهم مساءً بـ"الله وأكبر" و"الموت للديكتاتور"، إنها مشاهدات حقيقية ومختلفة عمّا كان يصل إلينا، وتضارب المعلومات بين خروج أو عدم خروج مظاهرة في اليوم الواحد، ومخاوف الإيرانيين من عناصر "مجاهدي خلق" التي يكرهها الإيرانيون على من مختلف التوجهات. </p>
<p dir="rtl">ومن احتجاجات 2009 تنتقل الأزهري إلى السينما الإيرانية، وفي الحقيقة تفاجئنا بموقف الإيرانيين من كيارستمي، يمكننا تلخيصها بجملة "لا كرامة لنبي في وطنه". مرةً أخرى تقدم لنا شهادة مختلفة عن الإقامة الجبرية التي فرضت على المخرج، جعفر بناهي، الممنوع من العمل والسفر، لكنه "كان يتنقل ويسافر كما يشاء داخل إيران"، على عكس سرديات الغرب والشرق معًا. تستفيد الأزهري من خبرتها النقدية للسينما، لتقدم لنا لمحة موجزة عن السينما الإيرانية من الداخل، وما تشكله من "مصدر إزعاج" للحكومة الإيرانية. حاولت السلطات محاربة السينمائيين الإيرانيين بفرض قيود رقابية وصلت لدرجة منع اللمس بين الرجال والنساء، ومع ذلك، تمكّن المخرجون من التغلب عليها، يقول أحد المخرجين: "إنه يحشو السيناريو بكل الأشياء [الفظيعة] في نظر الرقابة بوضوح كي تلتهي بها عما يريد إبرازه حقًا".</p>
<p dir="rtl">يمثل كتاب "عربية في إيران: الإيرانيون كما لم نعرفهم من قبل" شهادة بصرية معاصرة تم توثيقها بحرفية سينمائية، تستثمر الأزهري خبرتها في النقد السينمائي لتصحّح لنا الكثير من المعلومات المغلوطة عن هذا البلد المجهول، صحيح أن إقامتها الأطول كانت في طهران، لكنها لا تبخل بأن تقصّ علينا مشاهداتها للمدن الإيرانية التي زارتها لتقدم كتابًا شيقًا وممتعًا محبوك بلغة سردية سلسلة غير متكلفة لتخبرنا قصصًا عن الإيرانيين كما لم نعرفهم من قبل: "بنظراتهم وصرخاتهم".<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img fetchpriority="high" decoding="async" alt="" height="902" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Arabiya-front_-_final-1.png" width="601"></div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21620">«عربية في إيران» لندى الأزهري... لقطات مقرَّبة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;لا سلام لفلسطين&quot;... حرب إسرائيل الطويلة ضد غزة بعيون ألمانية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21568</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 06 Jun 2024 08:46:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%84%d8%a7-%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%88%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%b6/</guid>

					<description><![CDATA[<p>تفتتح الباحثة الألمانية هِلغى باومغَرتن الصفحات الأولى للترجمة العربية لكتابها "لا سلام لفلسطين... الحرب الطويلة ضد غزة" الصادر حديثاً ضمن سلسلة ترجمان عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للمترجم محمد أبو زيد، بمقدمة قصيرة تتحدث فيها باختصار عن الحرب الأخيرة التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة، فهي بالرغم من رؤيتها أن ما حصل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21568">&quot;لا سلام لفلسطين&quot;... حرب إسرائيل الطويلة ضد غزة بعيون ألمانية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">تفتتح الباحثة الألمانية هِلغى باومغَرتن الصفحات الأولى للترجمة العربية لكتابها "لا سلام لفلسطين... الحرب الطويلة ضد غزة" الصادر حديثاً ضمن سلسلة ترجمان عن <a href="http://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=7096&page=1" target="_blank" rel="noopener">المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات </a>للمترجم محمد أبو زيد، بمقدمة قصيرة تتحدث فيها باختصار عن الحرب الأخيرة التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة، فهي بالرغم من رؤيتها أن ما حصل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 سيستغرق سنوات لمعرفة ما حصل، إلا أنها لا تنفي منح الدول الغربية بالاشتراك مع الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإسرائيل "كي تدمر غزة وتقتل سكانها"، في عالم يقف رأساً على عقب عندما نشاهد "المُضطِهد هو الضحية والمضطَهدون هم الجلاد".</p>
<p dir="rtl">تقدم باومغَرتن – بجميع الأحوال – تفسيراً سريعاً في المقدمة الأصلية يجيب عن سؤال صدور هذا الكتاب الذي كان "وليد التأثّر بالمقاومة الفلسطينية ضد عنف الاحتلال والتطهير العرقي" في الأراضي المحتلة، والذي جاء بعد موجة من آلاف الرسائل من المواطنين الألمان المسلمين الذين يشكرونها فيها على مقابلة قصيرة أجرتها مع قناة التلفزيون الألماني الثانية في أيار (مايو) 2021، وهو ما دفعها لاحقاً إلى إصدار هذا الكتاب كمحاولة لعرض وتحليل الصراع المركزي في الأراضي الفلسطينية "وبالذات بالنسبة إلى المسلمين أيضاً، وذلك من وجهة نظر الضحية". </p>
<p dir="rtl">والأكثر وضوحاً في هذا الكتاب – لمن هم على إلمام تمام بتفاصيل النكبة منذ عام 1948 – أن باومغَرتن تتوجه في كتابها إلى الجمهور الناطق باللغة الألمانية على وجه الخصوص لفهم طبيعة ما يجري في الأراضي المحتلة، حيثُ إن الصراع في منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للجمهور الألماني والنمساوي يظهر كيف أن الوضع الحقيقي على الأرض يجري طمسه من قبل النخب السياسية بشكل منهجي، والذي يكون على الأقل في التصريحات الإعلامية، أو في الترويج للسردية الإسرائيلية، في مقابل هيمنة سردية تقوم بتشويه "إدراك الوضع أو التطورات الحقيقية على الأرض أو حتى تمنعها كلياً من الحدوث".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">استعراض تاريخي لنكبة فلسطين ما بين 1948 – 1967 </span></strong></p>
<p dir="rtl">تقدم باومغَرتن في هذا الفصل استعراضاً تاريخياً مكثفاً للنكبة منذ إنشاء ما صار يُعرف بـ"دولة إسرائيل" بوصفها دولة يهودية على جزء من فلسطين التاريخية في عام 1948، وفي هذا الجانب تعيد سرد شهادات لقادة المقاومة والمثقفين الفلسطينيين التاريخيين، كانت قد نُشرت سابقاً، بما فيهم جورج حبش، وغسان كنفاني، وأبو إياد، بالإضافة إلى آخرين، حيثُ كان لهذه التجارب والشهادات المؤلمة والصادمة تأثير على النشطاء داخل المجتمع الفلسطيني. وفيما تظهر الشهادات عملية تهجير ممنهجة شنتها العصابات الصهوينية تجاه الفلسطينيين خلال تلك السنوات، فإن السردية الإسرائيلية بخصوص مغادرة الفلسطينيين لمدنهم وقراهم بأمر من القيادات العسكرية تتصدّر الخطاب الناطق باللغة الألمانية حتى يومنا هذا.</p>
<p dir="rtl">تحاجج باومغَرتن في هذا الفصل حول عدم نشوء نظرية للنكبة أولاً، وللسياسة الإسرائيلية من النكبة ثانياً، حتى أوائل التسعينيات بالرغم من إغفالها وعدم استيعابها في النقاشين العلمي والسياسي في آن واحد. وتحدد في هذا الخصوص ثلاثة مفاهيم للنقاش العلمي الحالي والخطاب السياسي العام عن النكبة، والتي تلخصها بالاستعمار الاستيطاني باعتبار "إسرائيل دولة مستوطنين استعمارية"، والتطهير العرقي الذي تُرجع نشأته كمفهوم لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتم إسقاطه على السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في عام 2004، وأخيراً نظام الفصل العنصري الذي جاء على لسان رئيس وزراء جنوب أفريقيا السابق هندريك فيرورد (1901 – 1966) عندما قال في عام 1961 إن: "إسرائيل، مثل جنوب أفريقيا، دولة فصل عنصري"، مع أنه كان يقصد بهذا الوصف المديح لا النقد. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الاحتلال الإسرائيلي ما بين حرب الـ67 والانتفاضة الأولى 1987</span></strong></p>
<p dir="rtl">ترى باومغَرتن أن معركة الكرامة التي وقعت في بلدة الكرامة في منطقة غور الأردن بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي في آذار (مارس) 1968 قد شكّلت "ذروة المقاومة المبكرة"، وجعلت من حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بقيادة ياسر عرفات (1929 – 2004) الجهة المسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، لكن هذا الصعود قوبل بعد عامين بموجة من الهزائم نتيجة تواجد مقاتليها في الدول المجاورة، مما جعل القادة السياسيين في هذه الدول ينظرون إليها على أنها "كسر احتكار الدولة للقوة"، وهو ما أدى إلى نشوب حرب بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني عُرف بـ"إيلول الأسود"، بالإضافة إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي كان من نتائجها عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان مغادرة آلاف المقاتلين الفلسطينيين إلى المنفى في 1982. ومع ذلك بقيت هذه الهزائم والتجارب التاريخية – بحسب باومغَرتن – دون تحليل نقدي "حتى ولو بشكل بدائي".</p>
<p dir="rtl">في معرض حديثها عن التطورات السياسية التي حصلت بعد هزيمة حزيران (يونيو) في الـ67، ونتائج هذه الهزيمة التي أفضت إلى سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على كامل فلسطين التاريخية، بالإضافة إلى مرتفعات الجولان السورية، وسيناء المصرية. تُعيد هنا باومغَرتن التذكير بالبرنامج السياسي لفتح الذي أراد أن تكون فلسطين دولة ديمقراطية لجميع سكانها، إلا أن هذه الفكرة أجهضت بعدما ظهرت فكرة "حل الدولتين" التي أعلن عنها الملك الأردني السابق الملك حسين (1935 – 1999) بعد حرب 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1973، حيثُ كان لهذا التوجه أن منح "كلتا الدولتين المشروعية".</p>
<p dir="rtl">تستند باومغَرتن في تحليلها لتطور نظام الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، واستعراض التحديات التي شكّلت الخطورة الأكبر على المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى كتابات الأكاديمي الإسرائيلي، إسرائيل شاحاك، وهو أحد المنتقدين الأكثر حدة للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، إذ يرى أن إسرائيل بدأت منذ 1967 بإنشاء نظام فصل عنصري طال جميع مجالات الحياة، بما في ذلك الأرض، الماء، والاستغلال الاقتصادي؛ تصل باومغَرتن في نهاية هذا الفصل إلى خلاصة تقول بالرغم من إن معركة الكرامة شكّلت نجاحاً سياسياً تاريخياً للمقاومة الفلسطينية، إلا إنها "قادت إلى نشوء تقديس أعمى للكفاح المسلح"، فقد كان كفاح الفلسطينيين في هذه الفترة "تعبويّاً سياسي التوجه" بدلاً من أن يكون "نضال تحرير وطني"، كما الحال مع فيتنام والجزائر.<br />
<img decoding="async" alt="" height="456" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/kein-frieden-fur-palastina-no-peace-for-palestine-pt1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">من الانتفاضة الأولى حتى اتفاق أوسلو</span></strong></p>
<p dir="rtl">تسرد باومغَرتن في هذا الفصل – مثل الفصول الأخرى – التسلسل الزمني للمنعطفات التاريخية التي حاولت فيها منظمة التحرير الفلسطينية الحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطين، برفقة الانتفاضة الأولى في كانون الأول (ديسمبر) 1987، وما تبعها من إعلان تشكيل "القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة"، مسجلة نجاحات متسارعة غير متوقعة، لكن الأمور تعقّدت بعد إعلان الملك حسين تخلي الأردن عن سيادة الضفة الغربية في 1 آب (أغسطس) 1988، ورد المجلس الوطني الفلسطيني بإعلان دولة فلسطين المستقلة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1988، ثم الإعلان عن تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في 1 كانون الأول (ديسمبر) 1988، وفيما كان خطاب المجلس الوطني ينادي بحل الدولتين، برز موقف حماس المتمسك بحدود دولة فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر. </p>
<p dir="rtl">تتوقف باومغَرتن قليلاً للحديث عن تأييد عرفات للرئيس العراقي السابق صدام حسين (1937 – 2006) عندما قرر غزو الكويت في 1990، وهو ما كان له تأثير كبير على منظمة التحرير بتحول الدفعات المالية القادمة من دول الخليج إلى حماس، وما نتج عنه من عزل عرفات دولياً، لكن المنظمة نفسها بقيادة عرفات استطاعت "تحرير نفسها من دور المنبوذ" بعد إعلان مبادئ أوسلو في أيلول (سبتمبر) 1993، وإن كان الإعلان – الذي رفضته حماس – قد اعترف بمنظمة التحرير كممثل شرعي للفلسطينيين في مقابل الاعتراف بوجود دولة إسرائيل، فإنه يبقى إشكالياً حتى يومنا هذا لغياب الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، كما أنه لم يتضمن آلية تتعلق بكيفية ضمان تطبيق الاتفاقيات، والأهم من ذلك تحويل المنظمة "إلى شرطي في خدمة الاحتلال" تحت بند "التعاون الأمني".</p>
<p dir="rtl">في نقاشها لمذبحة الخليل التي ارتكبها المستوطن الإسرائيلي باروخ غولدشتاين داخل الحرم الإبراهيمي في 25 شباط (فبراير) 1994، وما تبعها من رد حماس بسلسلة "عمليات انتحارية" نفذتها ضد المدنيين الإسرائيليين، تشير باومغَرتن إلى رد العالم الأحادي الذي استنكر عمليات حماس، وتضيف أن النخب في ألمانيا والنمسا ذهبت إلى "انتقاد وشجب ومعاقبة من طرف واحد، عنف الفلسطينيين وحده"، كما هو الحال دائماً عندما تكون أعمال العنف ضد المدنيين مرتبطة بإسرائيل – فلسطين، فقد كان لعمليات حماس ضد الإسرائيليين أن وصمتها بـ"الإرهاب"، وفقاً لما تقول باومغَرتن، وتزيد على ذلك بالإشارة إلى أن فتح ظهرت لأول مرة "إلى جانب الحكومة الإسرائيلية بوصفها مناضلة من أجل السلام"، وهو ما "برر استخدام العنف من أعلى، سواء من إسرائيل أو من السلطة الفلسطينية في رام الله".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">رحلة الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني </span></strong></p>
<p dir="rtl">بعد فشل مفاوضات السلام في مدريد وواشنطن، وإعلان مبادئ أوسلو، والنهج القمعي للاحتلال الإسرائيلي في مناطق السلطة الفلسطينية التي قادت إلى الانتفاضة الثانية في عام 2000، بدأ الرئيس الأميركي جورج بوش الابن حملة مرتبطة بأهداف خاصة بالأطراف الغربية كان يرمي من ورائها "إصلاح السلطة الفلسطينية بشكل جذري"، وتحت ضغط غربي شديد أُجبر عرفات على القبول بأن يكون محمود عباس أول رئيس وزراء، والذي يفترض أن تكون مهمته "تقويض سلطة الرئيس (ياسر عرفات) وتركيز السلطة الفلسطينية في يد رئيس الوزراء"، وتوضح هنا باومغَرتن الأسباب التي دفعت بالغرب للترويج لعباس الذي كان من رجالات الصف الثاني، فهي تصفه بأنه "بلا أي كاريزما"، إضافة إلى عدم امتلاكه "قوة وعزيمة سياسية وتصميم" لأنه كان "مبرمجاً مسبقاً". </p>
<p dir="rtl">وفي نهاية المطاف حصل ما كان عرفات قد حذر منه أو تجنّب حصوله قبل وفاته، وهو إجراء انتخابات محلية لأنه كان يتخوّف من فوز حماس فيها، وكانت توقعات عرفات في مكانها، إذ إن الحركة امتنعت عن تقديم مرشح لها في الانتخابات الرئاسية لعام 2005، وركّزت بدلاً من ذلك على الانتخابات المحلية التي حصدت فيها فوزاً كبيراً في المدن الفلسطينية الأكثر أهمية، وبدأ الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني يظهر إلى العلن بشكل واضح، ومعها ظهرت الفوضى الأمنية التي قادت إلى صدامات مسلحة في قطاع غزة، وأسفرت في النهاية عن انقسام المناطق المحتلة بين حماس في القطاع، والسلطة الفلسطينية/فتح في الضفة الغربية في حزيران (يونيو) 2007.</p>
<p dir="rtl">ترى باومغَرتن أن هذه التطورات قادت في النهاية إلى نشوء "نظامان سلطويان لا يزالان حتى يومنا هذا يحددان حياة الناس الذين يعيشون في ظلهما"، يضاف إليهما العنف الوحشي الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي "باضطهاد كلا الحكومتين وكذلك أيضاً، وبشكل أساسي، المجتمع الفلسطيني بأكمله، من الحدود المصرية إلى الحدود الأردنية". ومن هنا تخلص باومغَرتن إلى أن حماس وفتح تمران "بأزمة، هي في النهاية أزمة مشروعية"، وفيما لم تستطيعا "انتزاع الحرية وإقامة دولة مستقلة"، فإن المجتمع الفلسطيني وجد نفسه يعيش "في ظل احتلال قمعي يزدري الناس" من جهة، ومن جهة أخرى يحاول التعايش في رام الله مع فتح وفي غزة مع حماس، حيثُ "تقيمان في الداخل حكمهما السلطوي الخاص بكل منهما".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">حرب إسرائيل الطويلة ضد غزة بعيون ألمانية</span></strong></p>
<p dir="rtl">تلخص باومغَرتن في هذا الفصل الأسباب التي تذرعت بها إسرائيل لشن حروبها ضد غزة منذ عام 2006، وكيف أن كل حرب كانت أكثر قوة ودماراً من التي سبقتها، لكن بالتأكيد لم تشبه أي منها الحرب الوحشية التي تجري حالياً، نظراً لوجهة النظر الإسرائيلية التي ترى "أنه يحق لها شن حرب في أي وقت وكما يحلو لها"، ومحملة حماس بوصفها "منظمة إرهابية" مسؤولية هذه الحروب، لكن هذه الحروب تكشف أيضاً أن "إسرائيل لا تملك استراتيجيا سياسية للعلاقات مع الفلسطينيين، خاصة مع المجتمع الفلسطيني في غزة ومع حماس "الحاكمة" هناك"، حيثُ تظهر سياستها أنه لا يوجد في غزة إلا الحرب، وهذا ما يظهر فعلياً في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين في وقتنا الراهن. </p>
<p dir="rtl">في عرضها التحليلي للأسباب والنتائج التي أفضت إليها حروب الاحتلال الإسرائيلي المتكررة ضد غزة، تسترجع باومغَرتن قضية مهمة برزت في أعقاب الحرب التي شنتها إسرائيل في عام 2009، حين خلصت لجنة التحقيق الأممية برئاسة القاضي من جنوب أفريقيا، ريتشارد غولدستون، في حكمها النهائي إلى أن الجيش الإسرائيلي "كان ينفذ مراراً وتكراراً هجمات متعمدة ضد أهداف مدنية في خرق واضح للقانون الدولي الإنساني"، وأن الأمر يتعلق بـ"عقوبات جماعية" خططت لها الحكومة الإسرائيلية على مدى بعيد. </p>
<p dir="rtl">ويزيد التقرير أن التكتيك العسكري الذي طبقته إسرائيل في غزة حمل تسمية "عقيدة الضاحية"، في إشارة إلى التكتيك العسكري الذي طبقته إسرائيل في حرب لبنان في تموز (يوليو) 2006، لكن ما حصل لاحقاً أن غولدستون نفسه نشر بعد عامين من صدور التقرير مقالاً في صحيفة واشنطن بوست الأميركية يتنصل فيه من نتائج التحقيق، في مقال يشبه إلى حد كبير "النقد الذاتي"، وهو ما رفضه باقي أعضاء اللجنة بتأكيدهم وقوفهم "صفاً واحداً خلف هذه النتائج"، وبحسب ما تنقل باومغَرتن في الكتاب فإن غولدستون تعرض مع عائلته لحملة ضغط وابتزاز من الشخصيات الدينية بتحريض من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والجالية اليهودية في جنوب أفريقيا.</p>
<p dir="rtl">كذلك، يبرز أيضاً قانون آخر من القوانين التي بدأ الاحتلال الإسرائيلي تطبيقها في غزة منذ حرب عام 2014، والتي يوضحها أستاذ الفلسفة في جامعة تل أبيب، أسا كاشير، ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، عاموس يادلين، فقد صاغ الثنائي "عقيدة جديدة للأخلاقيات العسكرية" تقوم على أساس منح الدول امتيازات "يكون لها مطلق الحرية في الحط من شأن خصومهم بوصفهم ببساطة إرهابيين"، وتهدف هذه العقيدة إلى إلحاق الضرر بالسكان المدنيين في محاولة دفعهم للضغط على مقاتلي حماس، كما أنهما يستندان في هذه الصياغة إلى "الحق في الدفاع عن النفس الذي على أساسه تُشرعَن جميع الأعمال التي يقوم بها الجيش"، ويظهر من ذلك أن إسرائيل لا تعتبر غزة حقلاً لتجارب الأسلحة الجديدة فقط، بل تعتبرها أيضاً حقلاً للتلاعب بالقانون الدولي الإنساني. </p>
<p dir="rtl">نهاية، تقدم هِلغى باومغَرتن في كتابها "لا سلام لفلسطين... الحرب الطويلة ضد غزة" سرداً مفصلاً ومكثفاً للتطورات التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ نكبة الفلسطينيين الأولى في عام 1948، وتروي للجمهور الغربي فصولاً مهمة من مراحل نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تصل إلى الفصلين الأخيرين بشرحها أسباب الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني الذي بدأ بمباركة أميركية – غربية مشتركة، وصولاً إلى حروب الاحتلال الإسرائيلي المتكررة ضد غزة، وهي بذلك لا تقدم هذا الكتاب من وجهة نظر استشراقية، إنما بلغة تحليلية تؤكد على أن ما يجري الآن لا ينفصل عما جرى في السابق.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21568">&quot;لا سلام لفلسطين&quot;... حرب إسرائيل الطويلة ضد غزة بعيون ألمانية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;مفهمة فلسطين الحديثة (٢) &quot;... نماذج من المعرفة المخيالية والميدانية والثقافية </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21515</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 20 Apr 2024 05:19:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab%d8%a9-%d9%a2-%d9%86%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%ac-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يستأنف كتاب "مفهمة فلسطين الحديثة: نماذج من المعرفة التحررية (٢)" الصادر حديثًا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بالتعاون مع جامعة بيرزيت، جهوده البحثية والمعرفية لـ"مفهمة فلسطين: هوية وقضية" التي بدأت بصدور الجزء الأول من هذا المنجز المعرفي في العام 2021، والذي تناول عناصر الأرض، الناس، والحكاية، بينما يركز الجزء الثاني على عناصر المخيال، الميدان، والثقافة، وهو [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21515">&quot;مفهمة فلسطين الحديثة (٢) &quot;... نماذج من المعرفة المخيالية والميدانية والثقافية </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يستأنف كتاب "<a href="https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=7177" target="_blank" rel="noopener">مفهمة فلسطين الحديثة: نماذج من المعرفة التحررية (٢)</a>" الصادر حديثًا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بالتعاون مع جامعة بيرزيت، جهوده البحثية والمعرفية لـ"مفهمة فلسطين: هوية وقضية" التي بدأت بصدور الجزء الأول من هذا المنجز المعرفي في العام 2021، والذي تناول عناصر الأرض، الناس، والحكاية، بينما يركز الجزء الثاني على عناصر المخيال، الميدان، والثقافة، وهو من كتابة ثمانية باحثين وباحثات، بالإضافة إلى بحث تاسع أنجزه محرر الكتاب عبد الرحيم الشيخ.</p>
<p dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#ff0066">فلسطين المخيالية</span></p>
<p dir="rtl">تتبّع عروبة عثمان في الدراسة الأولى "معاداة السامية ونسختها المعاصرة: اليهودي عدوًا لفلسطين الصهيونية" تمثّلات "فلسطين الصهيونية" باعتبارها شكلًا من أشكال معاداة السامية، منطلقة من سؤال رئيسي يبحث في كيفية تشكيل "فلسطين الصهيونية" حاضنة مركزية للطروحات المعادية للسامية عبر ثلاث مستويات صهيونية، تلخصها بـ"الفكرة الأيديولوجية، والإنتاج الثقافي الطوباوي، والممارسة الفعلية على الأرض"؛ وهي محاولة بحثية تطمح لإعادة "كتابة فلسطين الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها الفلسطينيين على أساس المنافحة عن مبدأ تحرير اليهودية وتجربة الاضطهاد اليهودي من قبضة اليهودية"، إذ تبحث هذه الدراسة في تاريخ تشكّل معاداة السامية والصهيونية الغربيتين من خلال تحليلها لأوجه السامية وتمثّلاتها في كتابات المنظر الصهيوني ماكس نورداو. </p>
<p dir="rtl">كما تقف الدراسة عند طوباوية الأيديولوجيا اللاسامية في رواية "صورة المستقبل" للكاتب مناحم إدموند أيزليز، قبل الانتقال للحديث عن الأيديولوجيا الصهيونية لمعادة السامية المعاصرة عبر إظهار عوامل تشكّلها وعواقبها على كل من الصهيونية والمسألتين اليهودية والفلسطينية، ومن ثم مناقشة طروحات حنة أرندت، جوديث بتلر، بشير بشير، وعاموس غولدبرغ "المتعلقة بالأخلاقيات اليهودية و"أخلاقيات الاضطراب" المنخرطة في نقد عنف الدولة الصهيونية وتمثّلها في الصورة التاريخية للمضطهِدين"؛ إذ تبني هذه الدراسة خطًا زمنيًا متواصلًا ما بين 1882، تاريخ صدور رواية أيزليز، وصولًا إلى يومنا الراهن الذي يشهد النسخة الأكثر حداثة عن معاداة السامية من أوروبا إلى "فلسطين الصهيونية والفلسطينية".</p>
<p dir="rtl">وتقدم نتالي سلامة في دراستها "فلسطين كمقاربة أخلاقية بين المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية" كشفًا عن الصور المتناقضة لفلسطين في المخيال المسيحي، وهو كشف يقارن بين المفهمة العالمية لفلسطين المتمثّلة بخطاب المسيحية الغربية المتمركزة في أوروبا من جهة، والمفهمة المسيحية الشرقية المتمركزة عربيًا في الخطاب الوطني المسيحي الفلسطيني من جهة أخرى؛ وعلى هذا الأساس تتناول الدراسة مفهمة فلسطين كمكان جغرافي اصطدمت فيه المسيحية الاستعمارية الغربية بالمسيحية الفلسطينية الأصلانية "بصفتها صاحبة الأرض ووجهة الرسالة"، وتنتقل بعدها لدراسة الخطاب اللاهوتي الفلسطيني كخطاب مضاد "للمسيحية الاستعمارية والمسيحية الصهيونية".</p>
<p dir="rtl">تخصص سلامة في نهاية دراستها حيزًا لـ"وثيقة وقفة حق كاريوس من أجل فلسطين" التي صدرت في عام 2009، باعتبارها من "أبرز تجليات التضاد بين المسيحية الغربية المُصهينة والمسيحية الشرقية التحررية"؛ إذ تسعى هذه الدراسة إلى طرح إطار "لمفهمة فلسطين كحالة مفارقة، كون فلسطين، كمكان جغرافي، قد التقت فيها وعلى نحو تصادمي المسيحية الاستعمارية الغربية بالمسيحية الشرقية"، موضحة أنه فيما دعمت المسيحية الغربية قيام الاستعمار الاستيطاني بتبنيها مزاعم يهود العالم بفلسطين على أساس "الوعد الإبراهيمي"، فإن هذا الوعد من منظور المسيحيين الفلسطينيين لم يكن سوى "غزو صهيوني سرق أرضهم، وطرد شعبهم، وقطع مسار تطور هويتهم الوطنية والقومية".</p>
<p dir="rtl">ويستعرض محمد الشربيني في دراسته "فلسطين في المخيال الإسلامي" مكانة فلسطين في المخيال الديني الإسلامي انطلاقًا من النصوص الدينية المؤسسة لهذه المكانة بمقارنتها بالتجربة التاريخية والخطاب السياسي، فضلًا عن تحليله لمحطات فارقة في تاريخ فلسطين منذ "العهدة" العمرية حتى اللحظة الراهنة، مشددًا على أنه "لا يمكن النظر إلى الإسلام بالاعتبار الوطني المحلي منفصلًا عن بعده العربي الذي يشكل فيه الإسلام الأغلبية الرسمية، وعمقه الدولي، إذ إن معظم المسلمين من غير العرب".</p>
<p dir="rtl">من هنا، فإن هذه الدراسة تناقش المكانة الدينية لفلسطين من خلال "النصوص التوفيقية" التي كانت محض فكرة في صدر الإسلام إلى أن قامت الجيوش العربية في فترة حكم الخليفة عمر بن الخطاب (634 – 644) بحركة توسعية شملت السيطرة على فلسطين، والذي نتج عنها أن أصبحت فلسطين "ملكًا للمسلمين كافة"، وبعدها تنتقل الدراسة لمناقشة مكانة فلسطين في الحقب التاريخية المتتالية منذ ضمها إلى الحكم الإسلامي سنة 638 حتى لحظتنا الراهنة، ثم تتطرق في النهاية لمناقشة موقف التيارات الإسلامية المركزية من القضية الفلسطينية، والتي تتمثل بـ"اتجاهات الإيقاف واتجاهات الفعل" حيال تحرير فلسطين.</p>
<p dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#ff0066">فلسطين الميدانية </span></p>
<p dir="rtl">يقدم عبد الرحيم الشيخ في دراسته "التضامن مع فلسطين: الأسود، والأبيض، والرمادي" قراءة للتاريخ النضالي لجامعة بيرزيت – التي يرجع تاريخ تأسيسها إلى عام 1924 – باعتبارها "نموذجًا مصغرًا لنضال حركة التحرر الوطني الفلسطيني ضد الحركة الصهيونية ودولة الاستعمار الاستيطاني (إسرائيل)"، متتبعًا بين الرصد والأرشيفي والإنثوغرافي كتابة تاريخ التضامن مع فلسطين بالتركيز على مبادرات المثقفين اليهود، سواء أكانوا إسرائيليين أو غير إسرائيليين، ممن استلهموا معنى التضامن من كتابات أملكار كبرال، ألبير كامو، وحنة أرندنت (الأسود، الأبيض، والرمادي)، على امتداد ثلاث لحظات تاريخية يحددها ما بين عامي 1967 – 2023.</p>
<p dir="rtl">وهو في هذا الشأن يزاوج "بين التحقب التاريخي للأحداث والتأطير الفكري لسياقاتها"، في ظل مساعي قراءة آثار التحولات الدائمة في الخطاب السياسي الفلسطيني "من "التحرير" إلى "الدولانية" وعودة "الحقوق" إلى مسار أنماط التضامن مع فلسطين، ولا سيما في حالة المثقفين اليهود"، وهو إذ يؤكد على إن الدراسة "ليست سجلًا تاريخيًا، ولا لائحة تصنيفية للبوصلة الأخلاقية لهؤلاء المثقفين"، فإنه يشير إلى أنها محاولة لتدشين "مرجعية أصلانية غير استشراقية وغير مُصهينة لمعاني التضامن اليهودي مع فلسطين" على امتداد ثلاث مراحل تاريخية، يحددها بـ: سنوات اللامبالاة 1967 – 1980، سنوات العطف 1981 – 1993، وسنوات التعاطف 1993 – 2023.</p>
<p dir="rtl">ويركّز بلال محمد شلش في دراسته "التقوا في الأسر: مقاتلو الأرض المحتلة (حزيران/يونيو 1967 – أيلول/سبتمبر 1970)"على مناقشة المقاومة المسلحة التي انطلقت بدماء قديمة/جديدة ما بين عامي (1967 – 1970)، و"تجلى أثرها في أكثر من بقعة من فلسطين الواحدة الأسيرة، من دون تمييز أو استثناء"، مستنداً في ذلك على تجربة انطلقت من منطقة نابلس خلال الأعوام عينها، بتقديمه قراءة تجسد فلسطين الواحدة عمليًا بعد حزيران (يونيو) 1967 في تجربة المقاومة الفلسطينية المسلحة، عبر توثيق بعض جوانب هذه التجربة "المتأثرة بسياقات محلية وعالمية متعددة، والمولّدة للمقاومة اليومية والمتفاعلة معها".</p>
<p dir="rtl">تبعًا لذلك، فإن شلش يعمل في دراسته على توثيقها "توثيقًا مجهريًا انطلق "من أسفل" لغرض تجاوز التغييب والمحو الذي واجهته هذه التجربة وآثارها لأسباب متعددة"، متتبعًا في هذه الرحلة التوثيقية تجربة حركة القوميين العرب/الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي اتخذت من نابلس مركزًا لها، وما مثلته من استمرار لمسيرة التنظيمات الفلسطينية المسلحة، وأثر الحرب في وحدة مقاتلي فلسطين "الأسيرة"، ثم ينتقل إلى توثيق لحظة ثانية يصفها بأنها استمرار لهذه التجربة بعد محاولة المنظومة الأمنية الإسرائيلية القضاء عليها، أو "قطعها"، غير أنها أكدت أن "وحدة مقاتلي فلسطين "الأسيرة" لم تقتصر على اللحظة الأولى لاجتماع كل فلسطين في الأسر".</p>
<p dir="rtl">وتتبّع ياسمين قعدان في دراستها "نفاذية المقاومة: تحوّلات المشروع التحرري الفلسطيني بعد انتفاضة الأقصى (2000)" أزمة عدم تحقق مشروع التحرر الوطني في فلسطين، وخصوصًا بعد انتفاضة الأقصى في عام 2000، مقدمة قراءة لظاهرة العمليات الفردية ضد الاستعمار الصهيوني، والمنظومة الخطابية التي شوّهت معاني العنف الثوري في معركة التحرر من الاستعمار، حيثُ ترى أن الإشكالية المركزية تكمن في "كون عملية تجريم العنف وإسقاط "إرهابيته" على الفلسطيني وحده، وفي المقابل يستشري الاستعمار الصهيوني في ترسيخ بنية العنف لديه على الأجساد والأزمنة والأمكنة الفلسطينية".</p>
<p dir="rtl">تبني قعدان دراستها على أربعة محاور متصلة، تبدأ بـ"التأطير الاجتماعي للمنظومة الخطابية المجرّمة للعنف الثوري"، ثم تنتقل إلى إيضاح "بنية العنف الاستعمارية التي تتيح في الوقت توسيع مسامات نفاذية المقاومة"، وبعدها تقدم رصدًا لـ"لحظات التدفق عبر رؤية العنف الثوري في شكل العمليات الفردية"، وفي النهاية تتبّع "الرد الاستعماري على هذه العمليات على نحو يعيد إنتاج الفشل الاستعماري نفسه في أسر الرغبة في مقاومته المتدفقة".</p>
<p dir="rtl" style="text-align:right"><span style="color:#ff0066">فلسطين الثقافية</span></p>
<p dir="rtl">تطرح رولا سرحان في دراستها "الذاكرة السوية في فلسطين (1908 – 2008)" شكلًا تأسيسيًا لمفهوم "الذاكرة السوية" باعتباره شكلًا من أشكال الذاكرة الجمعية، والذي "يتجلى حضوره في السياقات الاستعمارية، كما في السياقات السياسية القمعية"، وهي بذلك تبحث من خلال الحيز الذي يتحرك من خلاله الفاعلون الاجتماعيون في تشكيل ذاكرتهم، ويشكل الإعلام أحد روافده؛ إذ تعالج هذه الدراسة "الذاكرة السوية" مفاهيميًا، بالاستناد إلى خصائصها الأساسية الخمسة، ممثّلةبـ: ذاكرة الآن هنا، ذاكرة تؤسس للذاكرة المستقبلية، ذاكرة متوسطية بخطاب نقدي، ذاكرة تتموضع فيها النكبة كحد ملازم لكنه قابل للتخطي، وذاكرة تتسم بالسيولة والتجدد. </p>
<p dir="rtl">وعليه، تحاول سرحان في هذه الدراسة تقديم "الذاكرة السوية" كـ"نموذج ذاكراتي يتخلّق ذاتيًا في المراحل التي تشكل تحديًا وجوديًا للتجربة الفلسطينية، باعتبار أنها ضرورة لاستمرار الفلسطيني قادرًا على تعريف ذاته"، إضافة إلى بحثها في المساحة التي يجتمع فيها الإعلام بالذاكرة، والإعلام بالتاريخ، باعتبار "أن كلًا من الذاكرة والتاريخ يشكل مفاعيل أساسية في إعادة إنتاج الجماعات لنفسها وكجماعات متخيّلة"، وذلك في محاولة الإجابة عن أسئلة متعددة تندرج في سياقات الذاكرة السوية، وتدور حول ما الذي تعنيه نظريًا؟ وما هي علاقتها بالذاكرة الجمعية؟ وما هي أبرز سماتها؟، ومن ثم تنتقل للبحث في سؤال العلاقة التي تجمع الإعلام بالذاكرة السوية، وكيفية تشكّل نمط محدد من الإعلام "حيزًا مساربيًا" لعمل الذاكرة السوية.</p>
<p dir="rtl">وتبحث سهيلة عبد اللطيف في دراستها "تمثّلات الهوية في السرد القصصي الفلسطيني خلال الحكم العسكري (الإسرائيلي)" تمثّلات الهوية في السرد القصصي الفلسطيني الذي أنتج في الداخل الفلسطيني المحتل خلال فترة الحكم العسكري الإسرائيلي، أو ذلك الذي تناول فترة الحكم العسكري إطارًا لأحداثه. وهي في ذلك، تختار كنموذج للتحليل الأعمال الروائية "المتسلِّل" و"حيفا في المعركة" و"بتهون" للروائي توفيق معمّر، إلى جانب روايات "بوابة مندلباوم" و"حين سَعِدَ مسعود بابن عمه" و"الوقائع الغريبة في اختيار سعيد أبي النحس المتشائل" للروائي إميل حبيبي، من خلال التركيز على كيفية تصوير كل منهما لـ"تعامل فلسطينيي الداخل المحتل مع هويتهم في فترة الحكم العسكري"،  </p>
<p dir="rtl">وتشير عبد اللطيف إلى أن ما تريده من هذه الدراسة يبرز في الإضاءة على "اهتمامات القراء في مجالات تقاطع علم الاجتماع والتاريخ والسياسة والأدب المهتمين بحركة تطور الهوية الفلسطينية بصورة عامة، وتطورها في فترة الحكم العسكري "الإسرائيلي" بصورة خاصة"، وهو كذلك، يتقاطع مع أعمال الباحثين في "مجال الثقافة والهوية الفلسطينية وتعبيراتها في الأدب"، عبر تزويد القراء بتحليل نماذج سردية لانعكاسات الهوية في الأدب الفلسطيني في الداخل المحتل خلال فترة الحكم العسكري، والتباينات في التعامل مع الهوية بين الأدباء التي قد تصل أحيانًا إلى حد التناقض. </p>
<p dir="rtl">وتحاول منتهى عابد في الدراسة الأخيرة "الجسد الفلسطيني المثلي: بين الاستعمار والاستشراق" تأطير أهم المراحل التي تخللت إنتاج معرفة كويرية منهجية فلسطينية بتسليطها الضوء على عمل مؤسسة "القوس"، وتفنيد السجالات العالمية والإسرائيلية التي تعرقل توطين الهوية الجنسية في السياق الفلسطيني، وذلك من خلال التركيز على "استحداث مقارنة بين المنهجية المعتمدة لنزع الصورة الاستشراقية والاستعمارية عن الشخصية الكويرية الفلسطينية من خلال نزع الهيمنة الغربية، في مقابل المنهجية المعتمدة لدمج الهويتين الوطنية والمثلية تحت إطار لا صهيوني". </p>
<p dir="rtl">وهي بذلك تذهب إلى البحث في معاناة النساء والأجساد اللامعيارية مع أساليب العنف المتعددة التي تستهدف الجسد الفلسطيني "صهيونيًا وفلسطينيًا" وتتم "إزاحتها خارج مشروع النضال التحرري الفلسطيني بصفتها أجسادًا مهمشة لا تندرج ضمن خطاب التحرر الوطني"، فضلًا عن تقصي التغيرات في منهجية المنظمات الكويرية ابتداءًا من اتفاقية أوسلو (1993) وصولًا إلى تأسيس جمعية "القوس" (2001)، وانفصالها لاحقًا، وبشكل كلي، عن السياق المثلي الإسرائيلي في عام 2007، وتبعات حراكها في الوقت الحالي بما يتضمن التغيرات التي طرأت حتى عام 2020، عبر التركيز المكاني الذي يقارن بين الضفة الغربية وشرقي القدس في مقابل تل أبيب "باعتبارهما السياقين المتقارعين والمستهدِفَين للجسد المثلي الفلسطيني".</p>
<p dir="rtl">نهاية، يمكن القول إن أكثر ما يميز هذه الرحلة البحثية–المعرفية–التحريرية التي بدأت كمشروع أكاديمي متعدد التخصصات في عام 2020، هو محاولة الباحثين والباحثات طرح نماذج من المعرفة التحررية التي من شأنها لا الإضاءة على مكوّنات العنوان فقط، بل المساهمة أيضًا في حدّها مفهوميًا ومنهجيًا، على الطريق الطويلة لمفهمة فلسطين الحديثة.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21515">&quot;مفهمة فلسطين الحديثة (٢) &quot;... نماذج من المعرفة المخيالية والميدانية والثقافية </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;قرن من الشعبوية&quot;: في مفهوم أخذ الحركات الشعبوية على محمل الجد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21471</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 01 Mar 2024 08:24:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%82%d8%b1%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a3%d8%ae%d8%b0-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يناقش المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي، بيير روزنفالون، في كتابه "قرن من الشعبوية... التاريخ والنظرية والنقد" الصادر حديثاً للمترجم محمد الرحموني عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فكرة عدم أخذ ظاهرة الحركات الشعبوية على محمل الجد باعتبارها بدعة صنعتها الديكتاتوريات العالمية، بل على عكس ذلك يرى أنها جزء من الإرث الديمقراطي التاريخي، ومشروع ترتبط نشأته بالحداثة، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21471">&quot;قرن من الشعبوية&quot;: في مفهوم أخذ الحركات الشعبوية على محمل الجد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يناقش المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي، بيير روزنفالون، في كتابه "<a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=6779&page=1" target="_blank" rel="noopener">قرن من الشعبوية</a>... التاريخ والنظرية والنقد" الصادر حديثاً للمترجم محمد الرحموني عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فكرة عدم أخذ ظاهرة الحركات الشعبوية على محمل الجد باعتبارها بدعة صنعتها الديكتاتوريات العالمية، بل على عكس ذلك يرى أنها جزء من الإرث الديمقراطي التاريخي، ومشروع ترتبط نشأته بالحداثة، وهو على هذا الأساس يقرأ تاريخ ظهورها من ثلاث مراحل بالانتقال ما بين اليمين واليسار، بتقديمه في البداية تشريح للشعبوية، ثم يذهب إلى عرض تاريخ الشعبوية، ويختتم الكتاب بتخصيص القسم الأخير لنقد الشعبوية.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">تشريح الشعبوية: خطة لإثارة الأهواء والمشاعر</span></strong></p>
<p dir="rtl">لعلّ أكثر ما يميز الحركات الشعبوية هو توافقها على الدفع بالشعب إلى صدارة المشهد الديمقراطي، وهو أمر بديهي بالنظر إلى أن عبارة الشعب تعني "في الأصل الحاكم الذي يكون على رأس نظام يعرَّف بالإحالة إليه"، وتتأرجح هذه الإحالة باعتبار الشعب جسماً مدنياً من جهة، ومن جهة أخرى جسماً اجتماعياً، وتختلف التسمية الثانية عن قبلها بأنها تتوسّع لتشمل اسم بروليتاريا أو طبقة عمالية، بمعنى "طبقات شعبية"، وتندرج الحالتان، كما يرى روزنفالون، ضمن "السردية نفسها والرؤية نفسها الرامتين إلى إنجاز ديمقراطية تُدرَك في الآن نفسه على أنها نظام وشكل مُجتَمَعِييْن"، وضمن هذا السياق تعمل الشعبوية على نحت مفهوم الشعب المستهدف من قبلها "الذي يتطابق أكثر مع الواقع القائم، ويندرج ضمن منظور تعبوي يرمي إلى إعادة التأسيس الديمقراطي".</p>
<p dir="rtl">تطرح الحركات الشعبوية نفسها كمشروع تجديد للديمقراطية، فهي تصف الديمقراطيات الراهنة بأنها ليبرالية من ناحية اعتماد إجراءات للحيلولة دون استبداد الأغلبية، وتمثيلية من ناحية السلطة الشعبية المقيّدة، لذلك فإن الرؤية الديمقراطية للشعبوية كما يقول روزنفالون: "تهدف إلى تقديم بديل لهذا التصوّر مؤسس على إعادة النظر في هذين الفهمين، الليبرالي والتمثيلي الديمقراطي، اللذين ترى فيهما اختزالاً للمثال الديمقراطي"، وبحسب التصوّر الشعبوي تملك الديمقراطية ثلاث خصائص، نلخصها بالديمقراطية المباشرة، بالإضافة إلى الديمقراطية الاستقطابية والديمقراطية الآنية العفوية.</p>
<p dir="rtl">وفي محاولة منها لتأكيد تمثيلها على المستوى الشعبي، نجد أن الشعبوية ترفع "من شأن الشعب الواحد [الأحد]"، وتعزز ذلك بإظهار عدائها للنخب والأوليغارشية، وبما أنها ترفض الحزب كشكل تنظيمي، فإنها تختار عوضاً عن ذلك "الحراك"، في ظل مزاعم أنه يجمع كل المجتمع، يسوق روزنفالون مثالاً على ذلك مستعيناً بالإرث الأميركي اللاتيني للشعبوية، والتي وصلت لأول مرة مع الزعيم الكولومبي خورخي إليسير غيتان (1898 – 1948) في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي كان كرر في خطاباته الجماهيرية في أثناء حملته الانتخابية جملة "لست فرداً بل أنا الشعب"، وأطلق على حملته عنوان "مرشح الشعب" في وجه الرأسمالية والأوليغارشية التقليدية، لم يكتب لغيتان النجاح بسبب اغتياله، لكن منذ ذلك التاريخ ارتبطت الشعبوية الأميركية اللاتينية باسمه، وأصبحت مرجعاً لأبرز الديكتاتوريات الشعبوية اليسارية، بما فيهم الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز (1954 – 2013).</p>
<p dir="rtl">بحسب روزنفالون، يمكننا الإدراك بشكل حدسي أو صريح ذكاء الحركات الشعبوية في تطويع مجموعة متنوّعة من المشاعر تبني عليها خطابها الشعبوي، نظراً لأنها "مشاعر مختلفة من جهة طبيعتها ولها نتائج سياسية مخصوصة"، تبدأ بـ"مشاعر الموقف" القائمة على الشعور بالإهمال والاحتقار، ثم "مشاعر التصوّر" القائمة على تطوير رؤية المؤامرة واللجوء إلى الأخبار الكاذبة، وأخيراً "مشاعر الفعل" القائمة على دعوة الطبقة الحاكمة إلى الرحيل، وعلى هذا الأساس نجد "إنّا إزاء حركات شعبوية فريدة من نوعها وبالتالي لا يمكن النظر إليها من جانبها السلبي فحسب".</p>
<p dir="rtl">يقود هذا التصنيف للمشاعر روزنفالون إلى نتيجة تتمثل بأن "نستخلص من دراسة هذه الشعبويات تصنيفات وصفية مجردة تؤدي في النهاية إلى تمييع موضوع الشعبوية نفسه، ومن هذا المنطلق يصل إلى حقيقة وجود ثلاث سمات تميّز الشعبوية، تتلخص السمة الأولى بـ"توافر [بيئة] راهنة حاضنة للفكرة الشعبوية بقطع النظر عن وجود الحركات الشعبوية نفسها"، أما السمة الثانية فهي تقول بـ"وجود فرق بين الحركات والأنظمة الشعبوية، فالأنظمة تضفي من خلال مؤسساتها طابعاً رسمياً على مبادئ هذه الحركات"، وأخيراً السمة الثالثة التي تؤكد إشكالية وجود "شعبوية يسارية" تتميز بشكل واضح عن "شعبوية يمينية"، وهي "إشكالية مهمة".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">المراحل التاريخية للشعبوية </span></strong></p>
<p dir="rtl">يحيل روزنفالون المرحلة التاريخية الشعبوية الأولى إلى القيصرية الفرنسية الحديثة التي ظهرت مع لويس نابليون، المعروف بنابليون الثالث، بعد استلامه الحكم في العام 1848، تميزت هذه الفترة باقتراح أنصار نابليون الثالث "اعتماد ديمقراطية الاستفتاء بديلاً من الأشكال الكلاسيكية للحكم التمثيلي"، بالإضافة إلى ذلك عمل نابليون الثالث على ترسيخ فكرة "الرجل الأمة والشعب الواحد [الأحد]"، والتي عبر عنها أحد مناصريه بالقول إن "منتخب الديمقراطية الفرنسية" يعتبر "رجلاً أمة"، وأخيراً الاستقطاب الديمقراطي بالتركيز على الانفتاح الاقتصادي، وتطوير الجمعيات التعاونية، إضافة إلى وضعه حداً لمنع العمل القانوني بإلغاء قانون حرية التجمع، لكنه في مقابل ذلك عمل على حل الأحزاب ووضع الصحافة تحت الرقابة، مستنداً بذلك إلى السيادة الشعبية. </p>
<p dir="rtl">سجلت المرحلة التاريخية الشعبوية الثانية تاريخ ظهورها، وفقاً لروزنفالون، ما بين عامي 1890 – 1914، وهو يأخذ في هذا السياق تجربة الولايات المتحدة وفرنسا، فقد عرفت الأجواء في تلك الفترة "أولى أزمات النموذج الديمقراطي" على المستوى السياسي، وتميزت على المستوى الاقتصادي بصدمة "العولمة الأولى". من الناحية السياسية أدى النقد الموجّه إلى الأحزاب إلى إرساء الانتخابات التمهيدية، وهو ما أدى إلى توسيع "نطاق السيادة الشعبية ليشمل الحق في اختيار المرشحين"، بينما ساهم من الناحية الاقتصادية بصعود أيديولوجيا الحمائية القومية المعادية للأجانب، حيث أضحت حماية العرق الأبيض أولوية الكثيرين، و"هكذا وجدت الشعبوية في العنصرية منفذاً للظهور".</p>
<p dir="rtl">دخلت عبارة الشعبوية حيز الاستعمال في اللغة السياسية العامة في القرن العشرين، وهو المرحلة التاريخية الشعبوية الثالثة، حيث استخدمت لـ"نعت" الحركات والأنظمة في أميركا اللاتينية ، وكانت نشأتها مرتبطة بالتنمية الاقتصادية التي تعتمد بشكل كبير على الصادرات الزراعية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت تستحوذ في الأرجنتين نسبة واحد في المائة على 70 في المائة من ملكية الأراضي في العام 1930، أما على الجانب السياسي فقد كانت المؤسسات غير مهيكلة بما فيه الكافية، إضافة إلى أن الحياة السياسية "ظلت متطبعة بالعلاقات الاجتماعية ذات الطابع الفلاحي القائمة على السّخرة والخضوع"، وبموجب هذه الأسباب انبثقت أبرز الشعبويات اللاتينية، كانت أولاً مع غيتان المؤسس، وترسّخت مع الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون (1895 - 1974).</p>
<p dir="rtl">يقترح روزنفالون لمحاولة فهم اتخاذ "الشعبوية تاريخاً ديمقراطياً" الانطلاق من "فكرة غموض الديمقراطية" نفسها، لأن ما ينبغي فهمه يتمثّل بـ"جوهر الشعبويات، ما يجمعها وما يفرقها، ضمن هذا المنظور العام الذي يندرج بدوره في إطار التاريخ الطويل للتجربة الديمقراطية"، ولفهم الديمقراطية فهي مجال يتشابك فيه "تاريخ خيباتها وتاريخ غموضها"، وهو تاريخ يقوم على بعض التناقضات التي انبت عليها الديمقراطية، يمكننا تلخيصها بالشعب المفقود، إضافة إلى التباسات الديمقراطية التمثيلية، تحوّلات اللاشخصانية، وتعريف نظام المساواة، وكان لهذه التناقضات أن أسست للديمقراطية "باعتبارها مجالاً واسعاً للاكتشاف والتجريب"، وتفرّع عنها ديمقراطيات قصووية، تميّزت بثلاث عائلات ديمقراطية، هي ديمقراطيات: الحد الأدنى، الجوهرانية، الاستقطابية.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">في نقد الشعبوية </span></strong></p>
<p dir="rtl">تعتبر الحركات الشعبوية أن عملية الاستفتاء أكثر الوسائل المناسبة لاستعادة "الثقة بالديمقراطية وإيجاد حلول لما أصاب الإجراءات والمؤسسات التمثيلية البرلمانية التقليدية من إنهاك ملحوظ في كل بقاع العالم"، وفي مقارنة بين فرنسا والولايات المتحدة، نقرأ أنه بينما شرّع دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا اللجوء إلى الاستفتاء، فإن نحو 30 ولاية تعتمده في الولايات المتحدة، لكنه غير معتمد على المستوى الفيدرالي. ومع ذلك فإن للاستفتاء تداعيات السلبية على تعزيز الديمقراطية، كما يرى روزنفالون، وتتمثّل هذه التداعيات بأنه "إجراء يميّع مفهوم المسؤولية السياسية"، وهو "خلط مضرّ بين مفهوم اتخاذ القرار ومفهوم الإرادة في المجال السياسي"، إضافة إلى أنه "يؤدي إلى تهميش البعد التداولي للديمقراطية"، وأخيراً "تقديس رأي الأغلبية بأن يجعله غير قابل للمراجعة".</p>
<p dir="rtl">غالباً ما تندد الحركات الشعبوية للديمقراطية بالطابع غير الديمقراطي للهيئات الوسيطة وللمحاكم الدستورية، مستندة إلى نظرية "أنها مؤسسات غير منتخبة من طريق الاقتراع العام، وهي بذلك تنتهي "إلى إضفاء شكل من أشكال الإطلاقية على المؤسسات المنتخبة"، إذ إننا عندما نقارب فكرة أن الرقم 51 أكبر من الرقم 49 من جانب علم الاجتماع، يظهر لنا "أن الأغلبية تشير إلى أن هناك شريحة من الشعب مختلفة"، بمعنى أنها أقلية سياسية، وبحسب روزنفالون فإن الأقليات لم تعرَّف باعتبارها وضعاً سياسياً أو وقائع اجتماعية، بل باعتبارها "محطات فحسب في مجال جدلية تطوّر الأفكار وانتشارها"، تفنى مع الأفكار الرجعية، وتتمدد مع الأفكار الجديدة، كما يرى أن "الطرق الجديدة للتعبير عن الإرادة العامة" أفرز شكلين للحكم، الأول "حكم أيِّ أحد"، أي منح الفرد العادي قدرة كاملة على التمثيل الاجتماعي، والثاني "سلطة لا أحد"، أي أن الحكم لا يمكّن أحداً من الاستئثار بالسلطة من جانب بعض المجموعات أو الأشخاص.</p>
<p dir="rtl">تؤمن الرؤية الشعبوية بفكرة فقدان الطبقات لدورها المحوري الذي كانت تؤديه، وعوضاً عن تحليل ذلك اتجهت إلى تخيّل "صورة شعب متجانس بنسبة 99 في المئة، ملامحه حتماً غامضة، رمزاً للتحرر ووجهاً جديداً للسيادة الديمقراطية"، بينما لا يمثل الصراع من نسبة الواحد في المئة سوى "تصوّر مستنفذ للتوترات والانقسامات والتكتلات التي ينبغي أخذها بالحسبان حتى ترسي مجتمعاً سياسياً فعالاً ومجتمع المتساوين"، هكذا تبدو لنا عملية اختزال الانقسام الاجتماعي متعارضة بين الكتلتين لتظهر "بمنزلة صورة كاريكاتورية ساخرة"، فهي تختزل جميع المعايير في معيار واحد، هو "معيار رأس المال أو الدخل، معيار التفاوتات التي ينظر إليها على أنها مستوى آخر"، كما الحال مع معايير "الشعور بالتجاهل، والاحتقار، وانعدام القيمة، والأهمية، وباللاجدوى في المجتمع".</p>
<p dir="rtl">كان معجم روبير الصغير قد أضاف إلى قاموسه عبارة "الاستبداد الديمقراطي" في العام 2019، وعرّف العبارة بأنها "نظام سياسي يجمع بين المظهر الديمقراطي والممارسة الاستبدادية للسلطة". يشير روزنفالون في هذا السياق إلى أن هذه العبارة تفسر حالتين هما "حالة التبرير الديمقراطي للمارسات الاستبدادية من جهة، وحالة الانزلاق التدريجي لبلدان نحو الحكم الشمولي ضمن إطار مؤسساتي ديمقراطي قائم الذات من جهة ثانية"، وعلى هذا الأساس يخلص إلى أن النماذج الأميركية اللاتينية والأوروبية قد كشفت عن ثلاثة عوامل مميزة يمكنها المساهمة في تحليل الشروط التي يمكن فيها لنظام نتج عن موجة انتخابية شعبوية أن يتحوّل إلى نظام مستبد ديمقراطياً، وتتمثّل هذه العوامل بـ"إرساء فلسفة وسياسة اللاانعكاس، تنشيط الاستقطاب المؤسساتي والتصلب السياسي، إبستمولوجيا التصلّب وأخلاقياته". </p>
<p dir="rtl">نهاية، تظهر لنا الخلاصة التي توصّل لها بيير روزنفالون في كتابه "قرن من الشعبوية... التاريخ والنظرية والنقد" باقتراحه التعاطي مع الحركات الشعبوية كحل مقترح لمشكلات العصر قبل التعاطي معها باعتبارها مشكلة، وهو يرى أن النقد الموجّه لها يجب أن يتوسّع ليشمل "بسط خطوط عريضة لمقترح بديل عن الشعبوية"، بحيث يمكن أن يشكّل سيادة للشعب واسعة النطاق، ويرى في هذا الخصوص أن يكون البديل إثراء مفهوم الديمقراطية وتكثير أشكالها، لأن الأمر غير مرتبط برسم نموذج ديمقراطي، بل بـ"التأشير إلى عمل دؤوب يتطلب الإنجاز ومبادئ تتطلب التطبيق"، وهما الكفيلان بتجريد المشروع الشعبوي من جاذبيته، في مقابل إطلاق "مشاعر ديمقراطية أصيلة" مثل التضامن والتعاطف باعتبارهما "نقطة ارتكاز لهذا المشروع الهادف إلى إرساء ديمقراطية شاملة وكثيرة الأشكال".</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21471">&quot;قرن من الشعبوية&quot;: في مفهوم أخذ الحركات الشعبوية على محمل الجد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>غسان أبو ستّة... تشريح الحرب في &quot;سردية الجرح الفلسطيني&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21398</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 06 Dec 2023 10:07:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ba%d8%b3%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d8%a8%d9%88-%d8%b3%d8%aa%d9%91%d8%a9-%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%b1%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac/</guid>

					<description><![CDATA[<p>غالباً ما يتصدّر الطبيب الفلسطيني المختص في الجراحة التجميلية والترميم، غسان أبو ستّة، عناوين الصحف الغربية قبل العربية عند كل عدوان جديد يشنه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ العام 2008، ذلك أن أبو ستّة، أستاذ طب النزاعات في الجامعة الأميركية في بيروت، اعتاد أن يكون من أوائل الأطباء الواصلين إلى مستشفيات القطاع للمساعدة في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21398">غسان أبو ستّة... تشريح الحرب في &quot;سردية الجرح الفلسطيني&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">غالباً ما يتصدّر الطبيب الفلسطيني المختص في الجراحة التجميلية والترميم، غسان أبو ستّة، عناوين الصحف الغربية قبل العربية عند كل عدوان جديد يشنه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ العام 2008، ذلك أن أبو ستّة، أستاذ طب النزاعات في الجامعة الأميركية في بيروت، اعتاد أن يكون من أوائل الأطباء الواصلين إلى مستشفيات القطاع للمساعدة في عمليات الإسعاف والعلاج للجرحى المصابين في الحروب المتلاحقة على هذه البقعة الجغرافية التي وصفتها صحيفة "لوموند" الفرنسية بأنها "أكبر سجن مفتوح في العالم".</p>
<p dir="rtl">الحروب المتكررة لجيش الاحتلال تجاه قطاع غزة، أكثر من ستة حروب منذ عام 2008، أكسبت أبو ستّة خبرة ليس على المستوى الطبي فقط، بل امتدت إلى المستوى السياسي، وهو ما نكتشفه بالفعل من قراءتنا لحواره المشترك مع الصحفي الفلسطيني ميشال نوفل الصادر بعنوان "سرديّة الجرح الفلسطيني... تحليل للسياسة الحيوية الإسرائيلية" عن منشورات رياض الريس (2020)، والذي يفتتحه الثنائي بإطار نظري يقرأ استخدام الاحتلال الإسرائيلي لنظرية السياسة الحيوية التي ابتكرها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 – 1984).</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">إطار نظري لفهم سياسة الاحتلال تجاه قطاع غزة </span></strong><br />
<img decoding="async" alt="" height="526" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/945685406780968093586-1.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">تخلص تطبيقات السياسة الحيوية في المستعمرات في نهاية المطاف إلى إفراغ الأراضي المطلوب السيطرة عليها من سكانها الأصليين أو احتلالها تمهيداً للاستيطان، سواء أكان ذلك عبر الإبادة الجسدية أو بالهيمنة عليها عبر كثافة إمدادها بالمهاجرين القادمين من أوروبا، ويمكننا العودة في هذا الشأن إلى تاريخ السكان الأصليين في الولايات المتحدة، على سبيل المثال لا الحصر. أما فيما يخص الحالة الفلسطينية فإن الاحتلال الإسرائيلي لجأ إلى سياسة "التطهير العرقي الذي يصل إلى حد الإبادة الجسدية"، حيثُ تمكن من "تفريغ فلسطين المحتلة عام 1948 من حيوتها البشرية وطاقتها السكانية، وتحويل السكان العرب الأصليين فيها إلى كتلة هامشية".</p>
<p dir="rtl">يستعيد الثنائي في هذه المقدمة تصريح سابق لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، نشر في صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية قبل 20 عاماً، يقول نصه: "إذا صار العرب يشكلون 40% من السكان، فإن هذا سيكون نهاية الدولة اليهودية (...) لكن نسبة 20% هي أيضاً مشكلة، وإذا صارت العلاقة بهؤلاء الـ20% إشكالية، فإن للدولة الحق في اللجوء إلى إجراءات متطرفة"، والحقيقة هو ما يحصل في حرب الاحتلال الأخيرة تجاه قطاع غزة. إذ إنه على الرغم من نشر الكتاب قبل ثلاث سنوات منذ الآن، إلا إن أبو ستّة ونوفل يوضحان في هذه المقدمة أن السياسات الحيوية التي تطبقها إسرائيل على قطاع غزة تهدف إلى "تحويل الفلسطينيين في غزة إلى مجرد "أزمة إنسانية" أو وجود ديموغرافي من دون حقوق سياسية واقتصادية".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">ما بين التزامين.. الطب في حقل النزاعات والسياسة</span></strong></p>
<p dir="rtl">يسرد أبو ستّة في الفصل الأول "طبيب في حقل النزاعات" جانباً من سيرته الشخصية التي أفضت في النهاية إلى أن يكون طبيباً في حقل النزاعات، وهي تبدو سيرة استثنائية لتلازم المسارين الطبي والسياسي فيها. فهو ينتمي إلى عائلة دائمة الالتزام السياسي، ومنها انتقل إلى الالتزام الطبي نتيجة لإصرار والده على أنه في حال اختياره للطب فإنه يجب أن يكون مميزاً في هذا الاختصاص، ومن هنا كان له التخرج من جامعة غلاسكو في بريطانيا في عام 1994، ليتحول بعدها إلى طبيب نزاعات جعلته يعمل جراحاً ليس في حروب فلسطين فقط، بل امتدت إلى حروب جنوب لبنان وسوريا والعراق، وكذلك كان لخبرته الميدانية دور في وضعه ضمن الطاقم الطبي الذي ساعد في علاج مصابي تفجير مترو الأنفاق في لندن في تموز (يوليو) 2005. </p>
<p dir="rtl">يتحدث أبو ستّة في هذا الفصل عن ترابط المسارين الطبي والسياسي معاً، والذي بدأ عندما زار قطاع غزة لأول مرة في 1990، هذه التجربة جعلته يصل إلى فكرة أن "الطب يجعلك في النهاية تصل إلى حياة الناس الخاصة مباشرة"، إذ إنه كان لهذه الفترة دور في بدء بلورة الربط بين المسارين الطبي والسياسي معاً. يشير أبو ستّة إلى أن حرب 2008 على قطاع غزة، كانت الحرب الأولى له بمعنى أنه أصبح "معرضاً للخطر مثل المرضى"، قبل أن يدخل المرحلة الثالثة من حياته المهنية بانتقاله إلى بيروت للتدريس في الجامعة الأميركية، والتي أتاحت له استغلال هذه الفترة "من ناحية استقبال المرضى لفهم أبعاد الجرح كافة: الجرح الجسدي وترميمه، إعادة شكله ووظيفته، وكذلك أبعاد الجرح المجتمعية والنفسية".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">أنماط الحروب على غزة</span></strong></p>
<p dir="rtl">يقرأ أبو ستّة في الفصل الثاني "حرب للإبادة السياسية أولاً" الحروب المتعاقبة على غزة منذ عام 2008 من أنواع الإصابات التي كانت تصل إلى المستشفيات في كل حرب، وهو ما سمح له بتحديد نمط كل حرب على حدا، وكذلك أهدافها، من خلال أنواع الأسلحة المستخدمة، فضلاً عن نسبة استهداف الأطفال وتدمير المنظومة الصحية. فقد تبيّن له – على سبيل المثال لا الحصر – من تحليل أحداث حرب 2008 أن "فكرة ضرب غزة من دون إيقاع عدد هائل من الإصابات، ليست غير واقعية فحسب، بل غير صادقة أيضاً"، ولاحقاً توصّل إلى أن جيش الاحتلال استخدم فيها "نوعاً جديداً من الفوسفور الذي استخدم سابقاً في "تنظيف السراديب" والخنادق"، أما في حرب عام 2014 فقد استخدم جيش الاحتلال لأول مرة الطائرات المسيّرة المحمّلة بـ10 قنابل غاز.</p>
<p dir="rtl">في هذا المنحى، يتصوّر أبو ستة أن الاحتلال الإسرائيلي يريد في حروبه المتعاقبة على غزة تحقيق ثلاثة أهداف، أولها "السياسي – العسكري"، وثانيها "تسويقي، لكون إسرائيل في كل حرب تُظهر لسوق السلاح الدولية نوعاً جديداً تريد تسويقه"، وأخيراً الهدف الثالث المتمثل بـ"المساهمة في عملية البحث والتطوير التي تجري في حقل الصناعة الحربية". ويرى أبو ستّة في النهاية أن الحالة الديناميكية لقطاع غزة تجعله يقول: "إن حرب الـ48 الإسرائيلية لا تزال مستمرة"، إذ تشير كل المعطيات إلى أن "الإسرائيلي لم ينتهِ من النكبة، بل على العكس، إنه يطور النكبة مع التطور الديموغرافي، وسيواصل هذا الاتجاه ما دام متمسكاً برؤيته للنصر الكامل، ولا يمكنه تخيّل إمكانية النصر الجزئي".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">سردية الجرح... سردية الحرب </span></strong></p>
<p dir="rtl"> يرى أبو ستّة في الفصل الثالث "القيمة السياسية لجروح الحرب" أن ما يميز إصابات الحرب عن كل الإصابات الأخرى هو اختزان سرديتها التي يحملها الجريح طوال عمره، إذ إنه "في لحظة تلقي الإصابة، يزرع السلاح في الجسد رواية تلازم جرحى الحرب طوال حياتهم، فتحمل رواية الجرح بداخلها رواية الحرب نفسها"، وهي أيضاً "القيمة الفائضة التي تتغيّر مع تحوّل المشاريع السياسية للنخب الحاكمة أو تبدّل هذه النخب"، بمعنى أنه تتغيّر القيمة السياسية للجرح على مدى حياة المصاب، وتبعاً لتغيّر مآل المشاريع السياسية والنخبة التي قادتها، وبالتالي "تصبح هذه القيمة السياسية المعيار الرئيسي الذي يحدد توافر الرعاية الصحية للمريض"، من هذا المنطلق وجد أبو ستّة نفسه في مواجهة سياقات عديدة تبرز حالة التوتر بين القيمة السياسية لإصابات الحرب من جانب، ومن جانب آخر قدرة المرضى في الحصول على الرعاية الصحية. </p>
<p dir="rtl">فقد أظهرت حالة التوتر "كيف تتغيّر القيمة السياسية للإصابات بمرور الوقت وتعدد النزاعات على مدار التاريخ الفلسطيني المعاصر"، وبينما تكون الآثار الصحية الناجمة عن إصابات الحرب مرافقة للمريض على مدى حياته، ما يلزمها رعاية صحية مع تقدّم السنوات، فإن القيمة السياسية للجروح تكون معقّدة "ذلك أن غالبية المصابين يعيشون أطول من النخب المسيطرة والمشاريع السياسية التي تمنح جروحهم القيمة السياسية الرفيعة"، وهو ما يقوده إلى طرح سؤال يبرز حجم هذا التوتر بين كلا الجانبين، يقوم على أن "أليست تداعيات جروح الانتفاضة أطول من زعامة ياسر عرفات وإسحاق رابين؟".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">حل الدولتين والطريق المسدود</span></strong></p>
<p dir="rtl">يبرز في الفصل الرابع "النُخب والسلطة والاحتلال" المسار السياسي من سيرة أبو ستّة، فهو يلخص الأزمة الفلسطينية بأنها تتراوح ما بين الاستيطان الإسرائيلي الآخذ في التوسّع وسياسات التمييز العنصري من جهة، ومن جهة أخرى الانقسام بين سلطتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فالأزمة قائمة في وقت واحد بين مؤيدي اتفاق أوسلو ومعارضيه، ووفقاً لأبو ستّة فإن سياسات التوسّع الاستطياني التي حصلت ما بين عامي 2018 – 2019 تؤكد "أن الحركة الصهيونية ومشروعها قد تمكنا من "عبور جسر أوسلو" فصارت عملية أوسلو خلفهما"، هكذا يجد أن طبقة أوسلو، بممثلها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ليس لديها القدرة على إدراك أن دورها الوظيفي لـ"جسر أوسلو" قد انتهى، في مقابل عدم قدرة معارضي الاتفاق على استيعاب فشل إجهاضهم له. </p>
<p dir="rtl">وهنا يستغرب أبو ستّة كيف استطاعت الحركة الصهيونية استهلاك "عملية أوسلو ولم تعد بحاجة إليها"، بينما ما تزال السلطة الفلسطينية تحاول الحفاظ على مسار أوسلو ما أدى إلى "أزمة وجودية" في الخطاب الفلسطيني، فقد تمكن اتفاق أوسلو من خلق "طبقة مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالاحتلال، اقتصادياً وسياسياً وفكرياً، وهي تدافع عنه بشراسة تضاهي شراسة الاحتلال لكونها لا ترى وجوداً خارج علاقتها بالاحتلال"، وتقدم الانتفاضة الثانية (2000 – 2005) برهاناً على ذلك، وفقاً لما يرى أبو ستّة، بعدما تعاونت "طبقة أوسلو" مع الاحتلال على "إجهاض الانتفاضة التي كانت تهدف إلى إنهاء الدور الوظيفي لطبقة أوسلو",</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الطبابة لشرعنة السلطة</span></strong></p>
<p dir="rtl">يقدم أبو ستّة في الفصل الخامس والأخير "النظام الصحي والسياسة الحيوية" تحليلاً لنظام الرعاية الفلسطيني، فهو يجد أن الصحة في الثقافة السياسية الفلسطينية كانت تحتل مكانة متقدمة على دول في أفريقيا وأميركا اللاتينية، ويحيل ذلك إلى ما يصفه بـ"الحدس السياسي" لياسر عرفات (1929 – 2004) عندما اهتم بنقل جرحى الانتفاضة إلى مصر والأردن، بالنظر إلى أن "علاج الجرحى كان جزءاً من عملية الضغط السياسي عليهما، لأنه في النهاية عندما يُحضر لك مصاب جراء مقاومة الانتفاضة، فإنه سيحمل معه إلى القاهرة أو عمان سردية الانتفاضة"، وقد استمر هذا التقليد مع الانتفاضة الثانية، لكنه انتهى مع وفاة عرفات.</p>
<p dir="rtl">في الوقت الراهن ينظر أبو ستّة إلى تعقيدات القطاع الصحي الفلسطيني في مرحلة ما بعد أوسلو، فهو يرى كيف اكتشف الإسرائيليون في قطاع غزة أن "إصابة الجسد الفلسطيني هي التي تحول الفلسطيني إلى أداة منتجة"، بما في ذلك ترويجها للأسلحة الجديدة، وإدارتها لأعمال الإغاثة، و"على هذا النحو تجري عملية إعادة إنتاج الجسد، باعتباره موجوداً كقيمة إضافية"، أما في الضفة الغربية فقد استفاد الاحتلال من ربط المجتمع الفلسطيني كلياً باقتصاده، ما يجعله متحكماً بمفاصل حياة الفلسطينيين "الأمر الذي يجعل الوضع الصحي من المفاتيح الجديدة بيد إسرائيل للتحكم بمصير الشعب الفلسطيني".</p>
<p dir="rtl">يقدم هذا الحوار نظرة خاصة على السيرة الشخصية والمهنية للطبيب غسان أبو ستّة، فهو إذ يتتبّع في البداية أول عمل ميداني له في غزة في عام 1990، عندما كان عضواً في "جمعية العون الطبي للفلسطينيين"، والتي قادته لاكتشاف أن العمل الطبي أداة ناجحة لتعبئة وتنظيم المجتمع سياسياً، فإنه يتحوّل في الفصول اللاحقة إلى الربط بين المسارين الطبي والسياسي، وعدم انفصلاهما عن بعضهما البعض خلال السنوات اللاحقة، ما يجعله يقدم قرائته الخاصة لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، بالإضافة إلى أزمة النظام السياسي الفلسطيني، وتشوّهات القطاع الصحي الفلسطيني.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21398">غسان أبو ستّة... تشريح الحرب في &quot;سردية الجرح الفلسطيني&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;المجتمع العقابي&quot;... الجذرية والالتزام في دروس ميشيل فوكو</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21265</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 11 Jul 2023 05:00:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b0%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b2%d8%a7%d9%85-%d9%81/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يقدم ميشيل فوكو في كتاب "المجتمع العقابي: دروس أُلقيت في الكوليج دو فرانس (1972-1973)" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للمترجم نصير مروّة 13 محاضرة، هي أكثر قرباً للأطروحة، تبحث في الطريقة التي تشكّلت بها العلاقات بين العدالة والحقيقة للقانون الجنائي الحديث، والرابط بينها وبين نظام عقابي جديد لا يزال يهيمن على المجتمع المعاصر.  [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21265">&quot;المجتمع العقابي&quot;... الجذرية والالتزام في دروس ميشيل فوكو</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">يقدم ميشيل فوكو في كتاب "<a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=6692" target="_blank" rel="noopener">المجتمع العقابي: دروس أُلقيت في الكوليج دو فرانس (1972-1973)</a>" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للمترجم نصير مروّة 13 محاضرة، هي أكثر قرباً للأطروحة، تبحث في الطريقة التي تشكّلت بها العلاقات بين العدالة والحقيقة للقانون الجنائي الحديث، والرابط بينها وبين نظام عقابي جديد لا يزال يهيمن على المجتمع المعاصر. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">دروس يناير (كانون الثاني)</span></strong></p>
<p dir="rtl">يبدأ فوكو الدرس الأول بالإشارة إلى أن الموضوع الجانبي والدائم لهذه الدروس سيكون نقد فكرة الإقصاء أو بتعبير أدق "استخلاصها وصوغها وفق أبعاد تتيح تفكيكها إلى عناصرها المكونة، ومعاودة العثور على علاقة السّلطة المضمرة فيها، والتي جعلتها ممكنة". وهو يضيف بأنه يجب إجراء نقد مماثل لفكرة الاختراق التي أدت دور مماثلاً "تقريباً" لفكرة الإقصاء، من ناحية إتاحتهما الالتفاف على أفكار "مثل اللاسوية والخطأ والقانون". كما أن الفكرة المذكورة سمحت بقلب "السلبي إلى إيجابي والإيجابي إلى سلبي"، فالتحليلات التي أجريت لمصطلحات الإقصاء أو الاختراق يرى أن متابعتها ينبغي أن لا تكون فيها "مسألة قانون وقاعدة وتمثُّل، وإنما السّلطة بدلاً من القانون، والمعرفة بدلاً من التمثُّل". </p>
<p dir="rtl">يصل فوكو في هذا الدرس إلى تبيّن أربعة أشكال كبرى من التكتيكات العقابية، يمكن تلخيصها سريعاً بأنها: الإقصاء "بمعنى طُرد ونُفِيَ وأُخرج وأُبعد"، إضافة إلى تنظيم افتداء، فرض تعويض بمعنى التزام الفرد المتسبب بالضرر بالدَّين المستحق أو الضرر الذي يجب تعويضه للضحية، الوسم باستحداث ندبة أو/وعلامة على جسد الفرد المرتكب للجرم، والحبس أو/والسجن. ويؤكد فوكو أنه يريد تناولها بوصفها "أدوات لتحليل علاقات السّلطة، وليس بوصفها أدوات تكشف عن الأيديولوجيا"، موضحاً في النهاية أن فكرة الحرب الأهلية هي التي ينبغي أن "توضع في صلب هذه التحليلات حول العقوبة"، نظراً لمعاناتها من قصور "فلسفي وسياسي واجتماعي". والحال هنا أن الحرب الأهلية هي "الأرضية العامة التي ستتيح وضع استراتيجية خاصة بالعقوبة متمثّلة في الحجز، وفهمها وأعمالها". </p>
<p dir="rtl">يشير فوكو إلى أن عناصر التحليل التي استند عليها في الدرس الثاني تنقسم إلى أربع نقاط. أولاً، لحظة إنشاء النظام الجنائي العام وأعماله، والذي رسم قانون التحقيق الجنائي لعام 1908، ثم قانون العقوبات لعام 1810، وكلاهما رسما الخطوط العريضة ليس "في حرب الكل ضد الكل، وإنما في حرب الأغنياء ضد الفقراء". ثانياً، إن الخطاب التي تمت صياغته في تلك الحقبة وضع القوانين "لكي تطبق على من لم يضعوها". ثالثاً، الجهاز القضائي الذي وضع في تلك الحقبة هو جهاز "يحكمه بالكامل مبدأ المراقبة الثابتة الذي لا يستثني أحدا". رابعاً، الحبس والسجن اللذان وفقاً لوجهة نظر نيكولاوس هاينريش يوليوس الذي يتحدث عن انقلاب مشهد "الفرجة" إلى "المراقبة" في السجن، ويعتبر أن "جدوى هذه الفكرة الجوهرية" هي أهم ما عنى في السجون. </p>
<p dir="rtl">من هذه النقاط ينطلق فوكو لتحليل فكرتي العقوبة والجزاء بالمقارنة بين "حرب الكل ضد الكل" و"الحرب الأهلية"، فهو يعتبر في أحد التحليلات أن الحرب الأهلية تُمثل "الحالة الختامية لتحلل السيّد والسيادة"، بينما حرب الكل ضد الكل هي "الحالة الابتدائية التي يمكن السيّد أن يتكّون انطلاقاً منها"، لأنه طالما هناك سيد فإنها لا تكون حرب الكل ضد الكل، وكذلك لا تستطيع الحرب الأهلية "معاودة الظهور إلا في نهاية المطاف، أي عندما يتوارى السيّد ويزول"، ولذلك يرى أن "الجريمة هي فعل يعيد تنشيط حرب الكل ضد الكل، أي حرب الواحد ضد الكل"، وعليه ينتج أن العقاب لا يكون "إصلاحاً لضرر"، إنما هو تدبير حماية، أي "تدبير مضاد للحرب يتخذه المجتمع ضد هذا المجرم". </p>
<p dir="rtl">يناقش فوكو في الدرس الثالث فكرة ظهور المجرم من خلال جملة السيرورات السياسية والاقتصادية التي أفضت في النهاية إلى تعريف المجرم "عند مستوى معين بوصفه عدواً اجتماعياً"، ثم ما تخفيه هذه العملية التي تقوم على توصيف المجرم والحكم عليه وإقصائه بوصفه "عدواً عمومياً". فقد ظهرت تحليلات اقتصادية في القرن الـ18 لتحليل الجنوح (الجُرم) مرتبطة بـ"الفقر والتسوّل"، لكن النظرية الأكثر إثارة للاهتمام لها علاقة بالفيزيزقراطيين (أتباع المذهب الاقتصادي الزراعي في فرنسا) الذين حددوا دور الجنوح "ليس بالنسبة إلى الاستهلاك وإلى حجم الأموال/الممتلكات المتوفرة"، وإنما بالنسبة "إلى إواليات الإنتاج وسيروراته"، وبالتالي فإنهم منذ حددوا مرتكب الجرم من زاوية الإنتاج "فإنهم يصفونه ويحددونه بوصفه عدواً للمجتمع: هذه وضعيه مرتكب الجُرم نفسه بالنسبة إلى الإنتاج الذي يعرّفه بوصفه عدواً عمومياً".</p>
<p dir="rtl">أما غيوم فرانسوا لو تروسن فإنه يذهب إلى أن "التشرّد هو الذي يتحدد انطلاقاً منه باقي الجرائم"، فهو يقول إن العقاب يبدأ من "واقعة التجول والتنقل، وعدم الاستقرار أو الثبات في أرض، وألا يكون للمرء عمل تتحدد به هويته"، بمعنى أن الجريمة تبدأ من نقطة عدم وجود هوية أو سجل مدني للمرء، أي عدم تموضعه جغرافياً داخل جماعة، فهو يرى أن المنطقة الأقل إنتاجاً ستكون مرهقة بارتفاع الأجور، ويضيف إليها تعاظم الفقر وارتفاع الأسعار وفقدان المنافسة، معيداً ذلك إلى انسحاب المشردين من عملية الإنتاج (العمل)، ومن هنا يصبح لدينا معيار يسمح بتعيين عدو المجتمع، وهو "كل شخص يعادي أو يعارض قاعدة الوصول بالإنتاج إلى حده الأقصى". </p>
<p dir="rtl">استكمالاً لفكرة "المجرم بوصفه عدواً اجتماعياً"، يستهدف فوكو في الدرس الرابع النظرية والممارسة الجزائية بتحليل العلاقة بينهما وبين التكتيك الفعلي للعقاب في القرن الـ18، معتبراً أن السجن تكتيك جديد أُدخل في النظام الجزائي نهاية القرن ذاته، حيثُ كانت تلك الحقبة تشهد إعادة تنظيم لنظام العقوبات حول السجن من جهة، وإعادة تنظيم معاصرة لبروز المجرم "بوصفه عدواً اجتماعياً" من جهة أخرى، وهو يقول هنا بوجود تغاير في المسارين، الأول يظهر في "الاشتقاق الخطابي الذي يؤدي إلى صوغ مبدأ المُجرم"، والثاني "مبدأ العقوبة"، وعليه فإن بين النظامين الجزائي المنتظم حول مبدأ المجرم، والإصلاحي المنتظم حول مبدأ السجن يوجد "ثغرة ينبغي لنا أن نعيّن ظهورها التاريخي".</p>
<p dir="rtl">ويمضي موضحاً وجهة نظره بالإشارة إلى أنه لا يمكننا اعتبار السجن أو الاعتقال "تفريغاً تابعاً، عملياً وخطابياً" عن النظرية الجزائية أو عن الممارسة القضائية بما هو نتيجة لهما، كما لا يمكننا أيضاً أن نجعل من نظام السجن "تفريغاً ناتجاً من ضرب من النموذج النظري نستعيره من نظرية المجرم – العدو الاجتماعي الجزائية". وعليه فإنه تنشأ أربعة مبادئ للعقوبات مرتبطة ببعضها، إذ إنه بوسع كل مجتمع أن يكيف العقوبات وفقاً لحاجاته من ناحية الجدوى الاجتماعية، لأن الهدف منها تجريد العدو من سلاحه، إما لجعله غير قادر على الإضرار أو إعادة دمجه ضمن الميثاق الاجتماعي، والذي ينتج عنه إما مبدأ المراقبة أو مبدأ التربية وإعادة التأهيل، فالهدف من العقوبة في النهاية أن تكون "حماية للمجتمع"، وأن تحول دون استحداث أعداء جدد.</p>
<p dir="rtl">يبيّن فوكو في الدرس الخامس أنه يمكن تقريب "الشكل –سجن من الشكل –أجر" من حيث مقارنتهما لجهة أنهما يدخلان "كمية ما من الزمن في منظومة تكافؤات: أجر مقابل مقدار ما من زمن العمل، والسجن مقابل خطأ ما"، نظراً لتواصل السجن والأجر لارتباطهما كل على مستواه بـ"جهاز السّلطة الذي يؤمّن الاقتطاع الحقيقي للزمن، والذي يُدخل الوقت في نظام التبادلات والمقاييس"، وعلى هذا الأساس يعتبر أنه جرى إدخال السجن مواربة في "النسيج المتفرّع عن النظريات والممارسات، على نحو يكاد يكون فجائياً وقسرياً"، فهو يرى أنه يجب دراسة نشأة وتكوين "الشكل –السجن" انطلاقاً من شكل من أشكال الأديرة، لأن "الحبس في زنزانة السجون وجد نقطة التحامه في الحيّز الرهباني".</p>
<p dir="rtl">تفسيراً لذلك، يوضح فوكو أن المسألة في هذه العملية ليست الحيلولة دون وصول أحد إلى العالم الخارجي، إنما هي "مسألة حماية الأمكنة والأجسام من العالم الخارجي"، في هذه العملية نجد أن العالم هو من تم استبقاؤه في الخارج، وليس الفرد من يُحتفظ به في الداخل، لأن "المسجون هو العالم، وهو مسجون في الخارج". ومع ذلك، فقد مارست الكنيسة الحبس في ثلاث حالات، نلخصها، الحبس غير العقابي تمهيداً لتسليم المسجون إلى العدالة الزمنية، الحبس العقابي المرتبط بحماية رجال الدين من العدالة الزمنية، وأخيراً الحبس الديني العقابي. من هنا نجد أن السجن "ولد فعلياً في داخل الأوساط الدينية، ولكن ليس في أوساط دينية غريبة فحسب عن الشكل الرهباني، وإنما معادية له أيضاً"، فالحبس في شكله الوليد وجد لدى الجماعات الكاثوليكية مثل جماعة المنشقين البروتستانتية الأنكلوسكسونية منذ القرن الـ17. <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="428" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/895675403986705934-1.jpg" style="float:left" width="300"><br />
<strong><span style="color:#ff0066">دروس فبراير (شباط)</span></strong></p>
<p dir="rtl">يعتبر فوكو في الدرس الأول أن فكرة السجن ولدت في عنصر الإصلاحية، إذ إنه لم تتم إضافة العنصر الإصلاحي إلى السجن إلا بعد عدد من التجارب السلبية والأبحاث لـ"تصحيح آثاره وإصلاحه، وكذلك لتصويبه وتكييفه على المطالب الاجتماعية التي ظهرت بعد ذلك"، ويضيف هنا بأن المجتمع كله يحمل عنصر الإصلاحية الذي يشكل السجن إحدى صياغاته، ولذلك "فإن الإصلاحية هي حقل يقترن بالسجن ويشترك معه". من هذا الجانب يصل إلى أنه لمعرفة كيف أمكن إدخال السجن في جمعيات قانونية ودينية وسياسية كانت غريبة عنه إلى حد بعيد لا بد من دراسة مجموعة من التجارب، والتي يمكننا أن نسيق عليها مثالاً التجربة الإنكليزية التي جعلت تعميم "الشكل –السجن" ونطاق الإصلاحية بالحبس أمراً ممكناً في القرن الـ18.</p>
<p dir="rtl">فقد ولدت في إنكلترا خلال تلك الحقبة – وهي حقبة النمو الاقتصادي التي شهدت توظيف رأس المال في الآلات والمخازن واليد العاملة – أربعة نماذج كبرى، تمثلت بالجماعات الدينية المنشقة، وجمعيات تتصل بصورة غير مباشرة بالجماعات الدينية، إضافة إلى جماعات لها طابع شبه عسكري، وجماعات ذات طابع اقتصادي، وعلى الرغم من تنوّع مهامها، لكنها كانت جميعها تصب في خانتي المراقبة وفرض الأنظمة الأخلاقية والدينية والانضباطية، وقد ظهرت هذه الجمعيات بالتوازي مع وفود الأشخاص غير المنظمين إلى المدن الكبرى "التي لا تستطيع أن تؤطرهم في داخل تنظيماتها، ولا أن تمتصهم وتستوعبهم"، ما جعل الدولة تجد نفسها مطالبة بأن "تصبح أداة تهذيب هذه الطبقات"، وتعيد توزيع الطبقات على مبدأ "الأخلاقية الجزائية"، وأن تضفي عليها "دولنة أدوات هذه الأخلاقية". </p>
<p dir="rtl">يصل فوكو في الدرس الثاني إلى فكرة أن انتقال الأفراد والنظام الجديد لموضعة الثروات جعلا من قيام سيرورة ضبط أمراً واجباً وضرورياً، لكن مع اختلاف الجهات المنفذة من حيث إنه لم تعد مسؤولة عنها الجماعات الدينية المكوّنة من البرجوازيين الصغار، إنما كانت الجماعات المرتبطة بالسّلطة من الأرستقراطيين والتجار. وقد كان لهذا التحوّل أن غيّر من تأثير العقوبة الكلاسيكية على أولئك الذين لم يرتكبوا الجريمة إلى تأثير العقوبة (الاحتجاز) على تصرفات من ارتكب الخطأ، وليس تصرفات الآخرين، نظراً لأن "هذا التوجه الجديد للنظام العقابي ينأى بنفسه ويبتعد عن النظام الجزائي. وعبره سيمر إضفاء الطابع الأخلاقي والنفسي على العقوبة في القرن الـ19".</p>
<p dir="rtl">عند المقارنة بما يتعلق بين النظامين الفرنسي والإنكليزي، فإننا نجد أن "حركة ضبط اجتماعي قد فرضت نفسها في إنكلترا بالتدريج على الدولة انطلاقاً من وحدوية دينية، في حين أن لدينا في فرنسا صورة معاكسة، ذلك أن الحركة تستند إلى جهاز دولة مفرط المركزية"، فقد كانت في إنكلترا الأداة الأساسية للتدابير العقابية مرتبطة بـ"الترغيب والترهيب والاستبعاد والإقصاء من الجماعة"، بينما كانت الأداة الرئيسية في فرنسا مرتبطة بالحبس. وهنا على الرغم من اختلافهما بالأدوات، فإننا في الحقيقة إزاء الحركة نفسها من "القسر والإكراه"، وفي كلا الحالتين كنا نلاحظ "ذات حركة الانتقال نحو الدولة".</p>
<p dir="rtl">يرى فوكو في الدرس الثالث أن تكوين النظام العقابي الذي كان مغايراً لطبيعة عمل النظام الجزائي في القرن الـ18، وضبطه بطريقة أوسع من مجرد الرقابة على العامة المتمردة عبر السجن الإصلاحي، لم يكن نتيجة للتمرد أو العصيان "سوى حالة خاصة منه"، فقد كان ظاهره أعمق من ذلك، والقصد هنا "اللاشرعية الشعبية (مثل الحرفيين والتجار)" التي لم تكن "ملائمة وحسب، بل كانت مفيدة للنمو الاقتصادي" حتى جاءت لحظة أصبحت فيها هذه اللاشرعية "التي كانت تعمل فيها متشابكة مع النمو الاقتصادي، غير ملائمة ولا تتوافق معه"، بمعنى أنها أصبحت تشكل عائقاً وخطراً على هذا النمو، والتحوّل في نمط علاقات الإنتاج، ليكون لدينا ثلاثة أنماط من اللاشرعية: الشعبية وأصحاب الأعمال وأصحاب الامتيازات، ويضاف لهذه اللاشرعيات أيضاً لاشرعية السّلطة.</p>
<p dir="rtl">مع حلول القرن الـ19، قامت البرجوازية بتحويل الأجهزة الإدارية والبوليسية والرقابية الخارجة عن القضاء الذي كان يعمل بوصفه هيئة تحكيم بين اللاشرعيات إلى جهاز قضائي معني تحديداً بـ"التخلص من اللاشرعية"، ووضعت يدها على السّلطة، وأسندت إليه مهمة تطبيق شرعيتها. ويوضح فوكو هنا أن هذا التحوّل سمح للبرجوازية تولي إدارة السجن الإصلاحي بدلاً عن الشبكات اللاشرعية، ودمجته في النظام القضائي لعدم إمكانية تحمّلها اللاشرعية الشعبية، وهكذا أصبحت اللاشرعية الشعبية في القرن الـ19 "الهدف الكبير لنظام البرجوازية القمعي كله".</p>
<p dir="rtl">يجيب فوكو في الدرس الرابع عن سؤال مسألة تحويل عنصر الإصلاح بالحبس إلى الجهاز الجزائي، محاولاً إظهار أن فكرة "العامة المتمردة" ليست فكرة كافية لحل المشكلات، ولذلك أدخل مكانها "فكرة أكثر إجرائية هي فكرة اللاشرعية الشعبية"، فهو يرى أن هذه اللاشرعيات "قد تكاملت مع لاشرعيات طبقات اجتماعية أخرى"، وهي "شكلت معها نظاماً فاعلاً"، لكنها حين اقتربت من اللاشرعية البرجوازية شجعت تنامي المجتمع الرأسمالي، وهذه اللاشرعية الشعبية من وجهة نظره خضعت للتحوّل في شكليها الريفي والحضري. </p>
<p dir="rtl">يقترح فوكو لتحليل العقوبة في ردها إلى اللاشرعية أن يأخذ بعين الاعتبار أربعة عناصر هي موضوع الرهان في لعبة الصراع من أجل اللاشرعية، والتي يلخصها بـ"القانون، الممارسة اللاشرعية، الفرد، وجسم الثورة"، حيثُ يعيد العقد "توزيع الأوراق بين هذه العناصر، ولكن بطريقة أكثر غموضاً والتباساً مما هو حال الأجر". وفي مقارنته ما بين اللاشرعيتين الحضرية وقرينتها الفلاحية، يرى أنه في حين تقع الأولى بـ"الضرورة تحت طائلة الجزاء"، فإن الثانية "ستتغلغل في جانب كبير منها في داخل القانون المدني، ولكن ليس من دون استحداث صعوبات ومعاناة".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">دروس مارس (آذار)</span></strong></p>
<p dir="rtl">يفتتح فوكو الدرس الأول بالإشارة إلى أن الخوف أدى دوراً حاسماً في تنظيم النظام الجزائي في القرن الـ19، وهو خوف اجتماعي مرتبط أساساً بالمسار العمراني الحضري، يصفه بأنه "نصف مادي ونصف سياسي، بأكثر مما هو خوف يحدّده إدراك متبصر ثاقب للمسارات الاجتماعية"، فهو يرى أن النقطة التي كان يرتكز عليها "الخوف البرجوازي الاجتماعي اليومي" لم تكن "الطبقات الهامشية والخطرة، بقدر ما كانت طبقة العمال من حيث هي بؤرة يومية دائمة للاأخلاقية"، فقد كانت علاقة "جسد العامل" بالثروة والربح والقانون هي ما يشكل في "النهاية الرهان الذي سينتظم من حوله النظام الجزائي". </p>
<p dir="rtl">وعليه، فإنه في اللحظة التي وضعت فيها البرجوازية القانون المدني الذي سيحكم "العقد المتعاقد عليه بين الملاك"، فإنها في مقابل ذلك حددت قانوناً جزائياً تكون وظيفته ظاهرياً "أن يعاقب ما هو إخلال بالعقد"، لكن عمله أعمق من ذلك لأنه "يهدف إلى الوصول بقدر الإمكان إلى البؤرة اللاأخلاقية"، بإقحامها "جسد العامل" وعلاقته بـ"الثروة والربح والقانون"، وهو ما ليس عقداً، إذ يجب "أن يكون الرد على عقد المالك، حسن اعتياد العامل، أو عاداته الحسنة". وبناء على ذلك يبرز مسار معقد يقوم على استحالة السماح للاشرعية العمال بالهوامش التي كان مسموحاً بها للاشرعية الشعبية، والخوف منها، ما ينتج عنه وضع تؤمن للبرجوازية، حماية الجهاز الإنتاجي، قمع اللاشرعية، وتجهيز العمال أخلاقياً. </p>
<p dir="rtl">يتحدث فوكو في الدرس الثاني عن نشؤء لاشرعية جديدة هي لاشرعية التبديد، بمعنى أن "جهاز الإنتاج لم يعد جسد العامل بالنسبة إليه مجرد رغبة"، إنما "قوة عمل ينبغي لها أن تصير قوة منتجة"، بحيث يكون تحوّل القوة الجسدية إلى قوة عمل، وتكاملها مع نظام الإنتاج الذي يجعل منها قوة منتجة، ولحظتها تتكوّن لنا لاشرعية التبديد المرتبطة بـ"جسد العامل بوصفه قوة إنتاج". إذ إن قوام هذه اللاشرعية يصبح "رفض استخدام هذا الجسد وتشغيل هذه القوة على جهاز الإنتاج"، وهو رفض له أشكال عدّة تأتي في سياقات "قرار العطالة" و"عدم الانتظام العمالي و"الاحتفال" و"رفض الأسرة"، ومن هذا المنطلق يظهر لنا وجه لاشرعية أخرى، أي لاشرعية التبديد، لأن "المسألة لم تعد مسألة علاقة الرغبة في مادية الثروة، إنما هي علاقة تشبث بجهاز الإنتاج". </p>
<p dir="rtl">هكذا نجد أنه أصبح لدينا في القرن الـ19 "نظام بالغ اللطافة والرهافة يشتمل على مواصلة العقابي في الجزائي، ويستند إلى عدد من القوانين والتدابير والمؤسسات"، على سبيل المثال لا الحصر، يمكننا الإشارة إلى "دفتر عمل العمال" الذي يحمل تقييمات إيجابية أو سلبية، فالدفتر هنا يصفه فوكو بأنه "مؤسسة من هذه المؤسسات غير الجزائية بالضبط، لكنها تتيح تأمين تواصل العقابي والجزائي". وعلى هذا يستقر "ثنائي المراقبة – المعاقبة"، ويستقيم بوصفه علاقة سلطة، ويصبح لدينا هنا "وسيلة إكراه أخلاقي وسياسي لا غنى عنها من أجل جعل الجسم والزمن والحياة والبشر تتكامل وفق صورة العمل، وفي لعبة القوى المنتجة". </p>
<p dir="rtl">يشير فوكو في الدرس الثالث إلى أنه شهد النصف الأول من القرن الـ19 "مشروع حجز كامل للطبقة العاملة، وحجر عليها"، كان يتعدى جهاز الإنتاج، ويتجاوزه إلى سلسلة من المؤسسات غير الإنتاجية، كالمؤسسات التربوية مثل المدارس، والإصلاحية مثل السجون، والعلاجية مثل المصحات العقلية، والتي يمكننا وضعها جميعها "مؤقتاً، في خانة الحبس". وهو يرى أن هذه اليوتوبيات المرتبطة بالبحث العمراني أدت إلى حل مشكلة بحيث "يمكن أن يكون أكبر قدر ممكن من الناس تحت بصر ومراقبة أقل عدد ممكن منهم"، هكذا كانت وظيفة هذه المؤسسات الجديدة "أن تضاعف السّلطة، وأن تكون مناطق السّلطة فيها أكثر تركّزاً وأعظم غزارة وزخماً"، ووجد الأفراد أنفسهم "مربوطين" عبر "أجهزة ليس لهم أي صلة بها".</p>
<p dir="rtl">يأخذ فوكو مثالاً لذلك التقييد الجنساني في المدرسة الثانوية التي بُنيت على الحيلولة "الدقيقة الصارمة دون الجنس الغيري"، بمعنى "الأحادية الجنسية للمؤسسة تجعل من المستحيل مادياً قيام علاقة جنسية غيريّة"، لما في ذلك "حظر المثلية الجنسية"، وهو حظر ليس نوع الحيلولة، لأن الحظر على عكس ذلك "يفترض ولا يمكنه أن يلعب ويعمل حقيقة إلا بما تكون مثلية جنسية كامنة موضوع ممارسة إلى حد ما"، وعلى نحو يمكنها أن تكون "في كل لحظة موضوعاً لتدخل السّلطة، وللحكم والعقاب" بحيث تؤدي إلى تحكّم على الأفراد "يكونون خاضعين في حياتهم الجسدية والعاطفية لشيء مثل التحكّم أو الرقابة الدائمة الدائبة".</p>
<p dir="rtl">يصل فوكو في الدرس الرابع والأخير لأطروحة "المجتمع العقابي" للحديث عن أي نظام من السّلطة يعمل السجن، والذي يميزه بأربعة أنماط من الترسيمات النظرية التي تتحكم بالتحليلات المعروفة للسّلطة، وهي الترسيمة النظرية للاستحواذ على السّلطة، بالإضافة إلى ترسيمة تموضع السّلطة، ترسيمة التبعية، وترسيمة الأيديولوجيا أو "الإنتاج الأيديولوجي". ويسوق مثالاً على ذلك "الرقابة الإدارية للأهالي، والتي هي ضرورة من ضرورات كل سلطة". ويتفرّع عنها ثلاثة معارف، أولاً معرفة الإدارة للذين يسيرون جهاز الدولة؛ ثانياً معرفة الاستقصاء والتحقيق التي يقوم بها أشخاص غير مرتبطين بشكل مباشر بجهاز الدولة مهمتهم جمع المعلومات، وأخيراً معرفة متعلقة بالتفتيش البوليسي مثل إرسال التقارير حول سلوك ودوافع الأفراد المعتقلين. </p>
<p dir="rtl">تقود هذه الترسيمات فوكو إلى الحديث عن فكرة "العادة" في الطبيعة البشرية التي تأتي من "الاعتياد"، فهو يرى أن "العادة هي ما يرتبط به الأفراد" ليس بملكيتهم، لأن ذلك يعود إلى العقد، ولأن ذلك هو دور العقد، إنما بجهاز الإنتاج"، لأنها الرابط الذي يرتبطون به ليس "مع شريك على مستوى الملكية، بل ما نرتبط به مع نظام للأشياء ونظام زمني ونظام سياسي". هكذا نجد أن جهاز الحجز يستطيع تثبيت الأفراد على جهاز الإنتاج "عبر تكوين العادات بوسيلة الإكراهات والعقوبات، والتعليم والقصاص"، نظراً لأن الهدف من الحجز الحديث أن "يصنع المعيار، ووظيفته إنتاج الأسوياء الطبيعيين".</p>
<p dir="rtl">نهاية، تأتي أهمية الدروس التي ضمتها أطروحة "المجتمع العقابي" من منطلق محاولة ميشيل فوكو رسم الخطوط العريضة لنظام الحقيقة المقترن بالشكل القانوني والسياسي للمجتمع المعاصر، والتي يرى أستاذ الحقوق والعلوم السياسية في جامعة شيكاغو، برنارد أ. هاركورت، بأنها "جذرية وملتزمة" تجعلنا نشعر أنها تأتي "تتويجاً لحقبة من أكثر الحقب النضالية التي عاشها فوكو نشاطاً وحيوية، ولا سيما في مجال العقوبة والسجن". </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21265">&quot;المجتمع العقابي&quot;... الجذرية والالتزام في دروس ميشيل فوكو</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;تنوير عشية الثورة: النقاشات المصرية والسورية&quot;: الإرهاصات والمآلات</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20737</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 27 Dec 2021 10:09:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%aa%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d8%b4%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%a7%d8%b4%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>تتناول الباحثة إليزابيث سوزان كسّاب في كتابها "تنوير عشية الثورة: النقاشات المصرية والسورية" الصادر نهاية العام الفائت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للمترجم محمود محمد الحرثاني النقاشات التنويرية التي أثارها المثقفين في مصر وسوريا خلال العقدين السابقين اللذين استبقا اندلاع الثورات العربية ما بين عامي 2010 – 2011، وهي إن كانت في هذا البحث [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20737">&quot;تنوير عشية الثورة: النقاشات المصرية والسورية&quot;: الإرهاصات والمآلات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">تتناول الباحثة إليزابيث سوزان كسّاب في كتابها "<a href="https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=6206&page=1" target="_blank" rel="noopener">تنوير عشية الثورة: النقاشات المصرية والسورية</a>" الصادر نهاية العام الفائت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للمترجم محمود محمد الحرثاني النقاشات التنويرية التي أثارها المثقفين في مصر وسوريا خلال العقدين السابقين اللذين استبقا اندلاع الثورات العربية ما بين عامي 2010 – 2011، وهي إن كانت في هذا البحث تضع النقاشات التنويرية في سياقها التاريخي والسياسي والفكري، فإنها أيضًا تقدم قراءة مغايرًا للحالتين نتيجة اختلاف النظامين الحاكمين في تعاطيهما مع الحالة التنويرية محليًا.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">نقاشات التنوير العلمانية والحكومية والإسلاموية المصرية في التسعينيات</span></strong></p>
<p dir="rtl">تفتتح كسّاب الفصل الأول من بحثها باستعادة تاريخية سريعة للحالة التنويرية المصرية التي جاءت بعد اغتيال الرئيس محمد أنور السادات (1918 – 1981) ردًا على الهجمات الإسلاموية، والتي كان من ضمنها الهيمنة الإسلامية الثقافية في رقابتها الشديدة على المنتجات الثقافية، وهو ما انعكس في الدعاوى القضائية المرفوعة ضد المثقفين المصريين، كما حصل مع الدعوى الشهيرة ضد نصر حامد أبو زيد التي حاولت تفريقه عن زوجته على سبيل لا الحصر، وهو ما دفع المفكرين المصريين لتنظيم عدد من التجمعات والتنظيمات المضادة. </p>
<p dir="rtl">قبل أن تبدأ النقاشات التنويرية المصرية بالصعود إلى واجهة المشهد الثقافي – الفكري في تسعينيات القرن الماضي، كان مراد وهبة قد افتتح نقاشها قبل ذلك بنحو 20 عامًا مقدمًا قراءة مستقلة للحالة التنويرية بانطلاقه من واقع التخلف الذي كان يعيشه العالم الثالث على وجه العموم، والعالم العربي الإسلامي على وجه الخصوص، فهو يؤكد في كتاباته على أنه يرجع الفضل في التقدم الذي حققته المجتمعات الأوروبية إلى إمكانية ممارسة الفكر النقدي بحرية في المرحلة اللاحقة للإصلاح الديني التي تأثرت بفلسفة ابن رشد المنبوذ في منطقة الشرق على عكس الغرب الذي رحب بكتاباته. </p>
<p dir="rtl">عند المقارنة ما بين وهبة والناقد الأدبي جابر عصفور الذي كان من أقوى المنادين بالتنوير، وأشد الناقدين للأصولية الإسلامية، بيد أنه كما تقول كسّاب كان "موظف مدني مخلص لدولة مبارك"، نجد أنهما يتلاقيان في تأكيدهما على ضرورة إحلال فلسفة ابن رشد مكان فكر ابن تيمية، لكنهما يختلفان في منهجهما السياسي، إذ بينما وقف وهبة على خط مستقل عن نظام مبارك، قبل أن يذهب إلى تأييد الرئيس عبد الفتاح السيسي بوصفه "يحمي الحضارة من التهديدات الإسلامية"، فإن عصفور الذي يعتبر أكثر شخص شغل منصب وزير الإعلام ما بين عامي 1987 – 2011، كان يرى أن مشروع التنوير المصري يحتاج إلى السيسي "للشروع في هذا التجديد، لأن الفكر الديني أصبح قضية من قضايا الأمن القومي". </p>
<p dir="rtl">يمكننا هنا أن نقدم لمحة متخصرة عن رؤية وهبة وعصفور للتنوير، إذ يرى وهبة أن التنوير "بوصفه إعمالًا مستقلًا للعقل النقدي" ليس "سوى أحد مكونات الديمقراطية"، يضاف إلى ذلك "الليبرالية، ونظرية العقد الاجتماعي، والعلمانية وهي أخطرها" لأنها "حجر الزاوية في الديمقراطية"، موجهًا نقده بشكل أساسي للإسلاميين بعيدًا عن "الدولة الاستبدادية" التي برأها من "الأضرار البعيدة المدى التي ألحقتها بالمجتمع المصري"، في حين دائمًا ما كان عصفور يبيّن في "تحليلاته للوضع القائم في مصر التأثيرات التدميرية للاضطهاد السياسي واستبداد الدولة"، لكن هذه الأفكار كما ترى كسّاب لم تمنعه "من أن يشارك في الدولة ويساهم في خدمتها وهي التي نشطت في تقويض مبادئ الديمقراطية وعرقلة شيوعها ومحق الثقافة المستنيرة". <br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="454" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/bposts202107056666222739-1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">على الطرف الآخر من النقاشات التنويرية المصرية، تفرد كسّاب مساحةً لمناقشة الباحث الإسلامي محمد عمارة الذي رأى بأن التنويرين المصريين لم يأتوا "بجديد سوى فهمهم القاصر للإسلام"، وهو في هذا المعنى يرد على كتابات وهبة وعصفور معًا، لذلك نجد أن خطاب الدولة والعلمانيين التنويري الذي أراد استعادة أفكار وبواعث "التنويرية الأساسية لنصرة حملتهم التنويرية الراهنة"، قوبل برد إسلامي يصر على الطابع الديني للحملة التنويرية، كما الحال مع عمارة الذي وجد أن "القرآن يمثل المرجعية النهائية للنور والعقل" بمعنى أنه "المرجعية النهائية لأي تنوير حقيقي"، وهو ما يعطينا صورة عن طبيعة النقاشات التنوير المصرية في تسعينيات القرن الماضي، والتي كان عنوانها الأساسي الدين والأصولية الإسلامية والعلمانية. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066"> تفكيك وتحليل النقاد المصريين لنقاشات التنوير المصري  </span></strong></p>
<p dir="rtl">في موقع مختلف قوبل هذا الخطاب التنويري الحكومي والإسلامي معًا بنقد تفكيكي من قبل أسماء عديدة عملت على تحليل الخلفية التاريخية الاجتماعية للمثقفين المنخرطين في كلتا الحملتين، وهم رؤوا في الواقع أن أنصار كلا الحملتين "كانوا محافظين مذعنين لا شأن لهم ولا هم إزاء أفكار التنوير التحررية"، إضافة لما اعتقد الفريق الثالث أن كلا الحملتين كان "سطحي أُنتج على عجل ليواجه الخطر الإسلاموي من دون تحليل جاد للواقع الذي أسفر عن هذا الخطر، ومن دون إفاضة في التصورات النظرية لأفكار التنوير". </p>
<p dir="rtl">في مقدمة الأسماء التي تتناولها كسّاب من جانب الفريق الناقد للخطابين السابقين كانت الباحثة منى أباظة التي كرست جزءًا من دراستها لتحليل الخطابين عينهما، في قراءتها لكلا الخطابين ترى أباظة أن المعسكر الإسلامي أعاد "الاستحواذ على تراث التنوير الذي ينادي به العلمانيون ويضعونه في خدمة اتجاهات سياسية وثقافية تناهض ما عليه العلمانيون"، في حين اعتبرت التحالف بين العلمانيين والدولة لم يمارس أي من تعاليم التنوير، إنما على العكس فقد أضر بنزاهة أولئك المثقفين، ونال كذلك من سمعة قضية التنوير، وتؤكد عليه في إحدى مقالاتها عندما تفرد جانبًا منها للحديث عن سير حملات التنوير الحكومية على مدى عقد من الزمن حنبًا إلى جنب مع حملات القمع التي استهدفت المعارضة المصرية.</p>
<p dir="rtl">تنتقل كسّاب بعد أباظة للحديث عن المفكر نصر حامد أبو زيد الذي أصر على أن لا تنوير من دون مثقفين مستقلين لديهم القدرة على الوقوف مسافة من السلطة مهما كان شكلها "سياسي أو اجتماعي أو ديني"، لذلك نجده يشدد في غالبية أعماله البحثية على أن ترسيخ العلمانية في المجتمع يحتاج إلى "إصلاح ديني جذري"، وهو ما يرى أنه لم يحصل في العالم الإسلامي، كما أكد على أهمية العلمانية البالغة في العالمين العربي والإسلامي "حيث يرى المرء التداعيات المأساوية لامتهان الدين ليس فقط بأيدي الجماعات الراديكالية أو الإسلامويين، بل بأيدي الدول منذ منتصف القرن العشرين".</p>
<p dir="rtl">يختلف المؤرخ المصري شريف يونس في موقفه السياسي عن أباظة وأبو زيد، فهو من الأسماء البارزة التي رحبت بالإطاحة بالرئيس محمد مرسي، وتحول بعدها خصمًا صريحًا لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، لكنه في تحليله للخطاب العلماني توجه لقراءة التجربة الناصرية والإخوان المسلمون من حيث المحتوى الإيديولوجي نظرًا لشعبيتهما، معتبرًا أن كلاهما بنى خطابه وصمم سياسته متكئًا على هذا الكيان الهوياتي، الذي عرفه الناصريون بأنه الأمة المصرية العربية، بينما عرفه الإخوان بأنه الأمة المصرية الإسلامية، لكن مع خلاف أن الأولى ذات صلة وثيقة بجهاز الدولة، بينما كانت الثانية تسعى إلى الحلول محل الأولى بالوظيفة نفسها. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">نظرة سريعة على التنوير الألماني </span></strong></p>
<p dir="rtl">تقدم كسّاب قبل انتقالها لمناقشة مرحلة التنوير السورية فاصلًا اعتراضيًا مرتبطًا بالتنوير والنخبوية التي شهدتها ألمانيا في القرن الـ18، وتعتبر فيها مقالة "ما التنوير؟" للفيلسوف إيمانويل كانط (1724 – 1804) "بيانًا كلاسيكيًا بشأن التنوير الذي تعرفه بأنه قدرة المرء على استخدام عقله وإرادته لذلك على نحو مستقل دون وصاية"، حيثُ كان يحكم ألمانيا خلال تلك الفترة فريدريك الأكبر (1740 – 1786) الذي يوصف بأنه "المستبد المستنير"، ومن المعروف عنه أنه سمح للجمعيات الفكرية الحرة بالنشاط، ولو أنها كانت مرهونة بحكم ملكي مطلق، إلا أنها كانت بديلًا من التجمعات وألوان النشاط السياسية الحقيقية. </p>
<p dir="rtl">شهدت تلك الفترة نقاشات وتبادل للآراء بين أنصار ومناهضو التنوير كان يتابعها فريدريك الأكبر، وهي من النقاشات التي كانت تشغل أيضًا التنوير العربي، بما في ذلك مواضيع الإلحاد والسلطة والرقابة والتعليم والحكم المستنير والتقاليد والعنف وحرية الإعلام..إلخ، لكن هذه الحرية انحسرت مع وفاة الملك "المستبد المستنير" واستلام ابن أخيه المحافظ فريدريك وليام الثاني الذي يقال إنه كان ميالًا للصوفية المسيحية، فقد شهدت فترة حكمه تغيير مسار التوجه الليبرالي النسبي الذي ساد خلال فترة فريدريك الأكبر، وقام مستشاره يوهان كريستوف ولنر بإصدار فرمانًا يعيد إرساء دعائم الأرثوذكسية الدينية، وتبعه بفرمان آخر يمنع نقد الفرمان الأول.</p>
<p dir="rtl">ما يهمنا من هذا السرد السريع الذي تقدمه كسّاب أن الفرمان الديني الذي صدر أثار "المزيد من النقاشات حول أهمية الاعتقادات المعرفية في الدين ودورها في الحفاظ على التماسك والسلم في المجتمع المدني"، لذا نجدها تصل إلى فكرة تقول إنه بمجرد أن تحدى التنوير الألماني السلطات الاجتماعية والدينية والسياسية ظهرت الأسئلة المرتبطة بالنخبوية والصحافة وحرية الإعلام والدين والتعليم، وهي ذات النقاشات التي ارتبطت بالتنوير العربي على ما فيها من التواءات كما يظهر في الحالتين المصرية والسورية. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">اللحظة السيزيفية في نقاشات التنوير السوري </span></strong></p>
<p dir="rtl">في تناولها لحالة التنوير السورية تجد كسّاب أنها تختلف عن الحالة المصرية في مجموعة من النقاط، أولها أن الإسلام السياسي لم يكن الخصم الرئيس في نقاشات التنوير السورية إنما "استبداد الدولة وفسادها ووحشيتها"، وكان ثانيها خضوع المجال العام الذي كان يُدار فيه النقاش السوري للقيود أكثر بكثير مما تعرض له النقاش المصري، أما ثالثًا فإن "الحكومة السورية، وبخلاف نظيرتها المصرية، لم تكن تعنى في ذلك الوقت بخطاب التنوير"، وأخيرًا لجوء معظم الذين كتبوا أو ناقشوا التنوير السوري إلى لغة عامة كانوا يشيرون في كتاباتهم إلى "المجتمع العربي، الدولة العربية، الأنظمة العربية". </p>
<p dir="rtl">لفهم الحالة التنويرية السورية بشكل أوسع تعيدنا كسّاب بجردة تاريخية سريعة إلى المرحلة التي استبقت الوحدة المصرية – السورية (1958 – 1961) عندما كانت تسود حالة من الحياة البرلمانية على الرغم الاضطرابات السياسية التي كانت تعاني منها، لكنها ما لبثت أن انتهت بعدما ألغى الرئيس جمال عبد الناصر الأحزاب السياسية، وانتهت معها جميع الجوانب الديمقراطية، كما الحال في التجربة المصرية إبان حكم عبد الناصر، وبحسب كسّاب فإن المفكرين السوريين رؤوا في الوحدة المصرية – السورية أنها كانت "لحظة مؤسسة لما جاء بعد ذلك من أنظمة سورية استبدادية". </p>
<p dir="rtl">على عكس التجربة المصرية التي حددتها كسّاب في مجموعة من الكتاب، فإنها في نقاشها للحالة السورية استشهدت بالعديد من الكتاب الذين لا يسعنا التطرق إليهم جميعهم، فهي ترى أن المقالة التي نشرها المفكر أحمد برقاوي في مجلة الطريق اليسارية بعنوان "ما التنوير" تصلح أن تكون "مدخلًا ملائمًا للمشهد السوري فيما يتعلق بالنور والظلمة"، فقد شدد برقاوي في هذه المقالة على ضرورة "الحفر في الظلمة التي نعانيها"، وفي قراءته للمشهد السياسي العراقي بانعكاسه على الواقع العربي رأى المجتمعات العربية تتراجع من "أجسام سياسية قومية إلى مجتمعات مصغرة أولية كالقبيلة والجماعات الدينية"، وهو الأمر الذي أثر سلبًا على المجتمعات العربية.</p>
<p dir="rtl">وبينما ذهب المفكر ميشيل كيلو في طرحه للإقرار بوجود مؤامرات ضد الشعب السوري، والتي يسوق من ضمنها "غياب الحريات والحياة السياسية الناجمين عن الوحدة مع مصر"، ويضاف إليها "حرمان الشعب من الحق في الانتخاب"، فإن الشاعر ممدوح عدوان في كتابه "حيونة الإنسان" عالج "ظاهرة التوحش والقمع واعتياد القمع والتعذيب" التي استلهمها من الأدب العالمي وبعض الدراسات العلمية الاجتماعية، كما أنه تحدث في الكتاب عن "العنف والفساد بلغة توحي أنه يتكلم على سوريا تلميحًا لا تصريحًا".</p>
<p dir="rtl">إذ أنه على الرغم من اعتقاد المفكر ياسين الحاج صالح – كما ترى كسّاب – أن النظام عندما رأى مواجهة تلوح بالأفق مع الإسلاميون سعى للفوز بدعم المثقفين العلمانيين أو غير الإسلاميويين، والذي توقع منهم أن ينحوا اللوم عليهم في الأزمة التي كانت تمر بها سوريا في نهاية سبعينيات القرن الماضي، فإن مثقفين من أمثال عدوان وكيلو عملوا على "دحض أي شكوك قد تشي بتوافقهم مع النظام على ما يفترض أنه نظام قيم علماني مشترك بينهم وبينه"، وهنا يرى الحاج صالح أن أهم ما منع من ظهور معارضة حقيقية في الحالة السورية كان "الالتزام الإيديولوجي" على مختلف أشكاله المعروفة لأنه "حرم المثقفين من الالتزام الفكري والسياسي اللازم للمعارضة الحقيقية". </p>
<p dir="rtl">إن الجهد الأكبر لدى المثقفين السوريين تمثل حول تركيزهم على عصر النهضة العربية، والذي رأى فيه المفكر برهان غليون أن النخبة حاولت التوفيق بين التقليد والحداثة وبين الفكر الديني والمناهج الحديثة، وهو يقول عنها إنه كتب عليها الفشل فكريًا واجتماعيًا وسياسيًا، بمعنى أنه "بني جهد النهضة خطأ على النجاح الموعود نتيجة لهذه الاستراتيجيات التصالحية"، فقد اعتقد غليون أن القضية لا تكمن في غياب الأيديولوجيا إنما في طبيعة دولة الطبقات النخبوية في إسقاطها على الواقع العربي، ويعتبر هنا أن النخبة مارست "ثقافة استهلاكية مستعارة من الغرب الذي لا تتحاور إلا معه واتخذت من النهضة أيديولوجيا لها".</p>
<p dir="rtl">في هذا الجانب بختلف الكاتب عبد الرزاق عيد مع فكرة غليون حول عصر النهضة، وذلك من باب عدم اعتقاده أن رواد النهضة الكبار كانوا "ينادون بالعلمانية لتمكين المستبدين" فيما انتقد الكثير منهم الاستبداد وحاربه، ورأى أن رواد النهضة حوربوا من النخبة لا من الشعب، فهو يضيف في هذا السياق أنه "منذ النهضة وُوجه العلمانيون بسيف النخبة الحاكمة الأوتوقراطي كما ووجهوا بسيف المؤسسة الدينية الثيوقراطي"، وكلا القوتين تتشاركان معًا بالفكر المحافظ والمقلد والتقليدي، لكن الخلاف بينهما لم يكن يومًا "نزاعًا ثقافيًا وإنما نزاع على السلطة والشرعية الدينية". </p>
<p dir="rtl">قبل الانتقال إلى تناول تجربتي المسرحي سعد الله ونوس والناقد فيصل دراج، ترى كسّاب أن النهضة شغلت موقعًا مركزيًا في النقاش السوري كما هو الحال في مصر، فقد كان كل ما يتعلق بتراث النهضة من مسائل مختلفة في سبيل الوصول إلى تنوير حقيقي موضع نقاش ساخن في الحالة السورية، وكانت "الأسئلة تتمثل في ما إذا كانت النهضة أيديولوجيا يستخدمها القوي ضد الشعب، أو كانت مشروعًا واعدًا أعاقه النظام". </p>
<p dir="rtl">كان من بين هذه التجارب مجلة "قضايا وشهادات" التي أصدرها ونوس ما بين عامي 1990 – 1992 في ستة مجلدات، ولعل أبرز العوامل التي ساهمت بتوقفها – وفقًا لما يرى دراج الذي كان من بين المساهمين الأساسيين فيها – غياب القراء المؤازرين إضافة إلى الرقابة الظاهرة والخفية على المجلة في عدد من الدول العربية، نظرًا لما تضمنته من مواضيع تدور في سياق العقلانية والديمقراطية والحداثة والتحديث والنهضة والثقافة القومية والتبعية والتراث، وترى كسّاب هنا "كان ثمة بلا ريب عنصر بروموثيوي في هذه الحركات السيزيفية التي ظهرت في تسعينيات القرن العشرين، وكان ثمة مساع ثقافية جريئة نحو التحرر من اليأس والاستعباد ونزع الإنسانية عن الإنسان"، لكن لم يكتب لها النجاح كحال التجارب التي جرت محاولة التأسيس لها خلال العقدين السابقين نتيجة القمع السائد.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الحالة السورية من التنوير إلى ربيع دمشق </span></strong></p>
<p dir="rtl">تفرد كسّاب في بحثها فصلًا كاملًا لما عُرف مطلع القرن الـ20 بربيع دمشق، وهي الفترة التي تولى فيها بشار الأسد الحكم بعد وفاة حافظ الأسد في حزيران/يونيو 2000، وتنقل كسّاب هنا عن الكاتب فولكر بيرتس أن الأسد الابن لم يقم بشيء في النصف الأول من دورته الرئاسية "سوى تحديث السلطوية"، وقد أولى المزيد من الاهتمام للمهارات التكنولوجية "ما أضفى على السلطوية شكلًا مؤسسيًا ومظاهر عقلانية وأصول إجرائية سليمة"، كما روج لشكل من اقتصاد السوق الاشتراكي على غرار التجربة الصينية، وهو "اقتصاد تحكمه سياسات ليبرالية جديدة، ولا تهمه شبكات الأمان الاجتماعي ولا إعادة توزيع عادل للثروة". </p>
<p dir="rtl">تحدد كسّاب الفترة الزمنية لربيع دمشق ما بين تموز/يوليو 2000 – أيلول/سبتمبر 2001 التي بدأ فيها اعتقال المثقفين والنشطاء البارزين، لكن قبل حملة الاعتقالات كان قد صدر حينها بيان الـ99 الذي توسع لاحقًا إلى بيان الـ1000، وتوسعت مع البيانين النقاشات والموضوعات التي تتطرق المثقفين السوريين كان ثمرتها الإعلان عن مواقف وطنية عامة جاء في مقدمتها المطالبة بإيقاف قانون الطوارئ، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتأسيس حكم القانون والحريات والتعددية السياسية، لكن هذه النقاشات التي انخرط فيها المثقفون السوريون، بما في ذلك الجدال حول المجتمع المدني، وأيهما أسبق الدولة أم المجتمع، رأى فيها أنطوان مقدسي أنها كانت "محصورة في حلقات المثقفين ولم تتحدث إلى الناس، ولهذا كان جليًا استحالة ظهور دولة قوية دون مجتمع مدني مُمَكن وحر يستطيع تنظيم شئونه [شؤونه] العامة ويراقبها". </p>
<p dir="rtl">تختم إليزابيث سوزان كسّاب هذا البحث مؤكدة على أن الكتابات المصرية والسورية المرتبطة بالتنوير كانت واضحة وجلية، فهي "ناقشت ظلمة أزمانها التي انتشرت جراء تطور أنظمة المرحلة التالية للاستقلال"، وترى أن هذه الظلمة التي ناقشتها هذه الكتابات "ملموسة ومحسوسة" لكن "مستقبل مؤلفيها ومستقبل مواطنيهم هلك بحكم دول عنيفة فاسدة"، مشيرة في النهاية إلى أن تحليلها للتنوير المصري – السوري ليس إلا "مساع فكرية للتوصل إلى حل بشأن هذه الظلمة، وللاشتباك معها وتشخصيها ومن ثم اقتراح الإصلاحات، حتى حين كان واضحًا لدى رواد التنوير استحالة تطبيق هذه الإصلاحات". </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20737">&quot;تنوير عشية الثورة: النقاشات المصرية والسورية&quot;: الإرهاصات والمآلات</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&quot;تاريخ موجز للعلمانية&quot; الغربية: من العصر القروسطي إلى عالمنا المعاصر  </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20699</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 12 Nov 2021 08:41:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d9%85%d9%88%d8%ac%d8%b2-%d9%84%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1/</guid>

					<description><![CDATA[<p>ثمة نظرية بديلة من بين عديد النظريات التي تناقش تاريخ نشوء العلمانية في العالم الغربي تعتمد في طرحها على أن العلمانية قامت في بنية أفكارها التي قدمت على الافتراضات المسيحية، حيثُ تجادل هذه الفكرة التي قدمها أستاذ اللاهوت غرايم سميث في كتابه "تاريخ موجز للعلمانية" الصادر مطلع العام الجاري عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20699">&quot;تاريخ موجز للعلمانية&quot; الغربية: من العصر القروسطي إلى عالمنا المعاصر  </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">ثمة نظرية بديلة من بين عديد النظريات التي تناقش تاريخ نشوء العلمانية في العالم الغربي تعتمد في طرحها على أن العلمانية قامت في بنية أفكارها التي قدمت على الافتراضات المسيحية، حيثُ تجادل هذه الفكرة التي قدمها أستاذ اللاهوت غرايم سميث في <a href="https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=6022&page=1" target="_blank" rel="noopener">كتابه</a> "تاريخ موجز للعلمانية" الصادر مطلع العام الجاري عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للمترجم مصطفى منادي إدريسي  بأنه لا يمكن قراءة الأخلاق الليبرالية والأخلاق الغربية معًا إلا باعتبارها إرثًا مسيحيًا من خلال تناوله الأنماط الرئيسية للانخراط الديني وفك الارتباط بين الكنيسة والفرد في المجتمع الغربي. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الأسس الأولى لنشوء العلمانية الغربية</span></strong></p>
<p dir="rtl">منذ الفصل الأول في الكتاب يتخذ سميث موقفًا مدافعًا – كما يؤكد – على أن "العلمانية لا تمثل نهاية المسيحية، ولا تدل على إلحاد الغرب"، فهو ينظر إلى العلمانية على أنها التعبير الأحدث عن الديانة المسيحية، إلا أن ذلك لا يتضح مباشرة أمام المهتمين بهذه النظرية لأنه "يفتقر إلى العناصر المعتادة التي نربطها بالدين المسيحي"، إذ أنه من الشائع عند النخبة الفاعلة في المجتمع الغربي (الزعماء الدينيون، كتاب وكاتبات الصحافة..إلخ) أن تصف الغرب بأنه مجتمع علماني، رغم أن الإحصائيات التي أصدرتها الحكومة البريطانية مع بداية القرن الـ21 تشير إلى أن ما بين 78 – 80 بالمائة من البريطانيين قالوا عن أنفسهم إنهم مسيحيون.</p>
<p dir="rtl">وهو يرى في هذا الجانب أنه عندما يوصف الغرب بأنه علماني يكون مرجع هذا الوصف ثلاث نقاط يستند إليها، إذ بينما تقول الفكرة الأولى إن الغرب يعرف بفكرة العلمنة بسبب مزاعم أن المسيحية المؤسساتية في تراجع نظرًا لانخفاض أعداد الذين يترددون إلى الكنيسة، فإن الفكرة الثانية ترى أن الغرب مجتمع علماني من خلال حديثه عن النقاشات التي تجري في المنتديات العامة، والتي تفترض أن أسس هذه النقاشات علمانية، مما يجعلها تنظر إلى الدين على أنه "رأي شخصي وليس حقيقة عامة"، أما النقطة الأخيرة فإنها تجادل بهذه الفكرة من خلال التعليقات النقدية التي تصدرها الهيئات الدينية.</p>
<p dir="rtl">تقود هذه المقدمة المختصرة سميث إلى القول إن دراسة العلمانية المعاصرة تقتضي دراسة هوية المجتمع الغربي الثقافية والدينية، ويرى في هذا السياق أن الكثير من النظريات الثقافية أو التحليل التاريخي قد أنجز سابقًا، وهو ما جعله يعتمد في مقاربته لقراءة تاريخ العلمانية على أربعة أفكار أساسية، أولها أن المسيحية ظلت دائمًا ديانة ذات هوية مرنة ومتطورة لأن "نمط تاريخها متغير"، وثانيها أن المسيحية القروسطية كانت "تعمل بطرائق مشابهة تمامًا للدين الغربي المعاصر – والتشابهات كالاختلافات"، أما الثالثة فهي انفصال الأخلاق المسيحية عن العقيدة المسيحية، والتي يعتبرها "أهم حدث ثقافي وفكري في عصر التنوير"، أما ما تبقى فكان "الأخلاق التي تمارس بطريقة مسيحية"، وأخيرًا الحقبة الفيكتورية التي ينظر إليها على أنها "استثنائية في ما يخص النشاط الديني" لأنها "لم تكن على الإطلاق زمنًا عاديًا بالنسبة إلى الكنيسة".</p>
<p dir="rtl">يعطينا ما سبق دلالة على المنهج الذي استخدمه سميث في مناقشته لظهور العلمانية في الدول الغربية، فهو يشير إلى أنه تمت رواية تاريخ العلمانية من منظورين أن العلمانية تاريخًا اجتماعيًا، بمعنى أنها "ظهرت متزامنة مع المجتمع الحديث" باعتمادها على ظروف هذا المجتمع كـ"تمدنه وتعدديته الدينية وتفككه الاجتماعي" أولًا، وأن العلمانية كسبت النزال بين الأفكار من ناحية ظهورها وتطورها لأنها "كانت متفوقة، فكريًا، على المسيحية. ومن ثم أقنعت المزيد من الناس بحقيقتها" ثانيًا. </p>
<p dir="rtl">عند البحث في التاريخ الحقيقي لبداية ظهور العلمانية، فإن سميث يرى بأنها ملامحها الأولى جاءت مع بداية عصر النهضة والمراحل الأولى لنهاية العصر القروسطي، حيثُ ساد في تلك الفترة الاكتشافات الفنية على مختلف أنواعها، فضلًا عما كان من تضافر "القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع الخلاف اللاهوتي لتساهم في تفتيت وحدة الكنيسة الغربية"، ويضيف في هذا الجانب موضحًا أن الحروب الدينية التي تلت الإصلاح الديني ساهمت بالتحفيز على "هجر ما هو إلهي للسعي وراء المعرفة الإنسانية"، ولعل أكثر ما جرى هنا هو أن "تفوق اللاهوت المسيحي الذي لا جدال فيه باعتبارها ملكة العلوم، كان قد ولى بلا رجعة". </p>
<p dir="rtl">ويبرز هنا طريقة ثانية تعتبر الأكثر شيوعًا لبحث تاريخ ظهور العلمانية في الغرب تتمثل في "قدرة المسيحية على الدفاع عن صدقيتها الفكرية ضد إغارات الأفكار العلمانية (كانت) أقل من قدرتها على الصمود في وجه التغيير الاجتماعي"، ويعتمد سميث في طرحه لهذه النظرية على كتابات البروفيسور ستيف بروس بتأكيده أن "تراجع الانتساب إلى الكنيسة والذهاب إليها يمكن تفسيره بالتغيرات التي صاحبت ظهور المجتمع الحديث"، وهو ما كان مرافقًا للتحول من "جماعات مغلقة ومتماسكة بإحكام في القرى إلى مجتمع مفكك ومتنوع"، وما يقصد به هنا ظهور الدولة القومية المعاصرة، نظرًا لأن الطبقة الاجتماعية أصبحت أوضح بعدما كانت طبقات المجتمع في الحقبة الإقطاعية ثابتة وواضحة.</p>
<p dir="rtl">بالاستناد إلى كتابات بروس فإن سميث يرى أن تفكك الجماعات المغلقة التي كانت تقوم على غياب التعددية جعلها تنظر إلى المعتقدات الدينية على أنها حقائق، أي أن "المعتقد الديني ما عاد مسألة ضرورية، بل بات، عوضًا عن ذلك مسألة تفضيل"، لأن ما يتغير هو "العلاقة بين المعتقدات الدينية والمجتمع الذي تهيمن عليه"، وإلى جانب ذلك كانت فكرة العقلانية عاملًا أساسيًا في تراجع دور الكنيسة لأن ما حدث هو أنها "همشت الدين" بعدما أمعنت الاهتمام في البحث عن السبب والنتيجة بابتعادها عن تفسيرات ما فوق الطبيعة التي كانت تستند على "عالم الأسطورة"، وهو ما أفضى في النهاية إلى "إقصاء الدين" خارج المجال العام. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">من الحياة المسيحية القروسطية إلى الحياة المسيحية المعاصرة </span></strong></p>
<p dir="rtl">يؤكد سميث على أن البراهين تتحدث عن إعادة ابتكار المسيحية تاريخيًا من قبل الناس العاديين بـ"خضوعها للصياغة وإعادة الصياغة في ثقافات مختلفة"، وهو ما يعني أن للمسيحية "هوية مرنة، غير مستقرة"، يمكننا هنا أن نسوق أحد الأمثلة التي استند إليها سميث نقلًا عن البروفيسور أنطون فيسلز الذي يؤكد على فكرة "التأقلم الثقافي المستمر" في المسيحية، فقد وجد الأخير أن كلمة Easter "عيد الفصح" في اللغتين الألمانية والإنكليزية لا صلة لها في الكلمة اليونانية، على عكس اللغتين الفرنسية والهولندية. </p>
<p dir="rtl">ويرجح فيسلز أن الاسم جاء من اسم الآلهة السكسونية "Easter" أو "Ostara" المعروفة بأنها "إلهة البيض والربيع"، ويضيف مؤكدًا على هذه الفكرة أن "عيد أوستارا كان منتشرًا إلى حد أنهم لم يرغبوا في إزالته أو اعتباره من عمل الشيطان"، لكن بدلًا عن ذلك "تبنى المسيحيون الأوائل الطقوس ببساطة وأعادوا وصفها بخطاب المسيحية الجديد"، من هذا المنطلق فإن سميث يرى في خلاصة فكرة فيسلز المثيرة للجدل أنه "لا هوية ثابتة للمسيحية، وأن التعبيرات المحلية عن الدين قالها ناس عاديون، تتحدى بشكل عميق ما يفترض عن طبيعة اللاهوت".</p>
<p dir="rtl">عند التعمق أكثر في فهم الهوية الدينية للمجتمع العلماني الغربي يبيّن سميث أن الحياة الدينية في المجتمع المعاصر "رجع، بطرائق مهمة، إلى المعتقدات والممارسات المسيحية القروسطية"، على أن يستثنى من ذلك الدور الذي مارسته المسيحية باعتبارها التقنية العلمية للعصر القروسطي، لذلك ينطلق سميث في مقارنته بين الغرب في العصر القروسطي وعالمنا المعاصر من تردد الناس إلى الكنيسة في العصر القروسطي أولًا، ومكانة الإيمان بما فوق الطبيعة في الحقبة عينها ثانيًا، وهنا يجب الإشارة إلى أن الفترة التي تناقش فيها مسيحية العصر القروسطي تقع ما بين عامي 700 – 1500. </p>
<p dir="rtl">في حديثه عن النقطة الأولى يؤكد سميث على أن المجتمع القروسطي لم تكن إدارته تتم من "الدولة الكنسية الشمولية الديكتاتورية"، كما أنه لم تكن وجهة النظر المسيحية للعالم راسخة جدًا إلى درجة أن الناس كانوا يذهبون إلى الكنيسة في أيام الأحاد، ويدلل سميث كلامه هذا بالقول إن: "هناك من ما يكفي من الاستثناءات للبرهان على أن الإيمان والممارسة العامين لم يكونا متوقعين ولا مفروضين من السلطات الكنسية أو نابعين من قلق الفرد الديني"، أما على الجانب الآخر فإنه يرى أن الإيمان القروسطي بقوى ما فوق الطبيعة كان منتشرًا انتشارًا واسعًا، إلا أن هذه النقطة فقدت دورها الخاص تدريجيًا عندما استبدلت بالعلم والتقنية، بمعنى أن "ما تغير هو فاعلية التقنية الإنسانية". </p>
<p dir="rtl">وعلى عكس ما ذكر في النقطة الأخيرة من سلبيات كان لها تأثير على ظهور العلمانية مع نهاية العصر القروسطي الغربي، فإن سميث يرى في جانب آخر مجموعة من الفوائد التي كان لها أثر إيجابي على ظهور العلمانية، والتي يعتبر بأنها تتشابه في ممارساتها الدينية المعاصرة مع المجتمع الغربي العلماني، حيثُ يأتي في مقدمتها "انتشار المعرفة المتعلقة بالإيمان المسيحي بين أغلبية سكان العصور الوسطى"، وهذا لا يعني أن الناس العامة في تلك الحقبة كانوا يملكون معرفة وجهتي النظر الأكاديميتين اللاهوتية والكنسية، إنما كانوا "يتفاعلون مع الكنيسة من أجل إنجاز الدين الشعبي الذي يفهمونه فهمًا ممتازًا"، أي أنهم "كانوا مهرة في ممارسة الدين الشعبي الذي يخدم حاجاتهم".</p>
<p dir="rtl">أما الفكرة الثانية فتقوم على النظرية التي اقترحتها غريس ديفي المرتبطة بأن الدين بالنسبة للكثير من الناس "دين بالإنابة"، من حيثُ أن "الذين كانوا يدعمون الكنيسة بالإنابة يحتاجون إلى أن تكون الكنيسة حية ومستمرة، لكنهم لا يرون أنهم مسؤولون عن المشاركة في حياتها العادية"، لكنهم يشعرون في مقابل ذلك بالصدمة في حال لم تريد الكنيسة القيام بمهمات طقوسية معينة، وتأتي في المرتبة الأخيرة الأخلاق التي كان لها اعتبارات أساسية في المسيحية القروسطية، إذ يرفض سميث هنا الفكرة التي تقول إن المسيحية القروسطية "دين أناني صرف"، وبدلًا من ذلك يؤكد على أنه كان لديها "عنصر أخلاقي قوي"، وهو عنصر كانت تحكمه "المخاوف المتعلقة بالفشل الأخلاقي وتداعياته بعد الموت". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">تأثر العلمانية الغربية بالتنوير وفلسفة الأخلاق  </span></strong></p>
<p dir="rtl">يتميز المجتمع العلماني الغربي وفقًا لنظرية سميث بهوية مزدوجة، أي أنها "ذهنية علمية حلت محل المسيحية باعتبارها تقنية الغرب المسيطرة، وهي ذهنية موجودة جنبًا إلى جنب مع أخلاق مسيحية يدعمها إيمان شعبي راسخ بالله"، تقود هذه الفكرة صاحبنا أستاذ اللاهوت إلى أنه من أهم إنجازات حقبة التنوير 1688 – 1789 كانت حياة السير إسحاق نيوتن (1643 – 1727) الذي كان تأثيره عالميًا لأن "منهجه العلمي واستعماله الرياضيات والملاحظة والتجربة، قُلِّد في جميع حقول العلم الطبيعي والاجتماعي الناشئة"، كما أنه عمل على إلغاء هيمنة المنهجية التي ابتكرها رينيه ديكارت (1596 – 1650) باستعماله الاستدلال الاستنباطي، وعمل بدلًا من ذلك على تفسير الظواهر الطبيعية تفسيرًا تجريبيًا واستقرائيًا. </p>
<p dir="rtl">كذلك ينظر إلى الموسوعة التي كتبها دنيس ديدرو (1713 – 1784) المكوّنة من نحو 17 مجلدًا من النصوص، إضافة لـ11 مجلدًا من اللوحات الفنية، على أنها من أهم إنجازات عصر التنوير، فهو يصفها بأنها كانت تجسيد لـ"جوهر حلم التنوير"، فقد انعكست الأساسية في محاربة المعتقدات والممارسات البالية، ونشر المعرفة في أبعد مستوى وعلى أوسع نطاق، لكنه في هذه الحقبة برزت أيضًا فكرة حقد الفلاسفة على الكنيسة التي اعتبروها في مطارح عديدة "عدوة للتنوير"، وجادلوا بأنها "متورطة عمدًا في القمع الممنهج على الناس وفاسدة"، إلا أنه ورغم الهجوم على الكنيسة فإن كثيرًا من الفلاسفة أفردوا حيزًا لشكل من أشكال الدين المدني في المجتمع. </p>
<p dir="rtl">على هذا النحو عند عقد المقارنة بين الذهاب إلى الكنيسة الغربية في عالمنا المعاصر بصفتها عادية نسبيًا، وبين الذهاب إلى الكنيسة في الحقبة الفيكتورية (1837 – 1901) المتميزة بمستوياتها المرتفعة، وهي مرتبطة بإحصائيات أوردها سميث في الكتاب، والتي يعلق عليها بالقول إن التركيز كان في هذه الإحصائيات على إحصاء أعداد الناس الذين كانوا يذهبون إلى الكنيسة أثناء الصلاة، يرافقها حملة الدعاية المسيحية التي اتسمت بها الحقبة الفيكتورية، لكن سببها الأساسي كان استهداف الناس بالدعوة لحضور مدرسة الأحد، كما أن هذه الحقبة اتسمت بتوزيع كتيبات الدعاية الدينية، والزيارات المحلية. </p>
<p dir="rtl">لذا يلاحظ سميث أن ظهور ما يصفه بـ"علمانية منظمة" كان نتيجة للحملة المكثفة التي كان هدفها تحويل الناس إلى الكنيسة، ما يدفعه يرجع بأصل الاستعمال المعاصر لمصطلح علماني إلى منتصف القرن الـ19، وذلك على الرغم من ظهوره تدريجيًا في المجتمع البريطاني من خلال الجمعيات العامة، إلا أنها اصطدمت بعدم استطاعت العلمانيين على "التطور إلى حركة جماهيرية تجتذب دعمًا واسعًا"، وذلك سببه وفقًا لما يؤكده بعض الباحثين أنها كانت "مفرطة في جفافها وفي طابعها الفكري بالنسبة إلى معظم الناس"، أي أنها افتقرت إلى "الطقوس والجاذبية العاطفية التي من شأنها أن تجتذب الناس وتحتفظ بهم". </p>
<p dir="rtl">ولعل أكثر ما يثير الاهتمام بالتحديات الفكرية التي واجهت المسيحية في القرن الـ19 كان مدى قبول الكنيسة بكثير من الحجج وتبنيها، فقد "أدى ما كان يجب أن يكون ضربة قاتلة للمسيحية من الإلحاد إلى جعلها تتجدد ولا تقوم إلا بإصلاح"، وهو ما يعيدنا إلى فكرة فيسلز التي طرحناها سابقًا حول "مرونة التأقلم الثقافي المستمر"، والتي كانت سببًا أساسيًا في فشل فكرة الإلحاد عند الغرب، ويرجع ذلك إلى "القدرة اللافتة للمسيحية على تبني تقريبًا أي مجموعة من الأفكار والمعتقدات وتحويلها".</p>
<p dir="rtl">يتطرق سميث في نهاية كتابه البحثي "تاريخ موجز للعلمانية" إلى النظرية الليبرالية التي تأسست على فكرة الأنانية والفردانية، وهو يرى أنها "أخفقت في أن تقدم للناس فكرة أكيدة على أسس الخير المشترك"، في مقابل ما مثلته المسيحية كـ"جماعة تزود الناس بالمهارات والفضائل التي يحتاجون إليها ليحيوا حياة أخلاقية"، ويؤكد هنا على أن المجتمع الغربي هو "مجتمع أخلاق، لأن الأسئلة الأخلاقية تشغله بشكل أساسي"، بينما يرى أن "الليبرالية فقدت، أو لم يكن لديها، ركيزة لما يؤسس السلوك الخيّر، وتمنح الأفراد الآن إذًا أن يفعلوا كل ما يرونه أفضل". </p>
<p dir="rtl">إلا أن سميث ينطلق من هذه الثنائية إلى فكرة يتساءل فيها إذا ما كانت الليبرالية شكلًا من أشكال المسيحية أم تعبيرًا عنها، وهو يجيب عليها بالقول إنه يرى: "أن الليبرالية هي التوجه الأخلاقي الذي بواسطته يمنح معظم الناس في الغرب معنى لإيمانهم بالله"، ويضيف مدللًا على كلامه "يؤمن الناس بالله ويسعون إلى أن يكونوا خيرين. والليبرالية هي الطريقة التي يحققون بها ثاني هذه الأهداف"، لكنه ينوه هنا إلى أنه لا يقترح أن جميع المدافعين عن النظرية الليبرالية هم مسيحيون قطعًا، وكذلك ليس جيمع المسيحيون ليبراليين.</p>
<p dir="rtl">وهذا ما يقودنا نهاية إلى تلخيص هوية المجتمع العلماني الغربي الثقافي والدينية بحسب سميث، الذي يرى أن الناس الذين يعيشون في المجتمع العلماني الغربي المعاصر يملكون ذهنية مزدوجة، إذ بينما تقوم الأولى على اقتناعهم بتفوق المنهج العلمي في ما يتعلق بوظيفته بحل المشاكل بالعلم، وهو الأمر الذي يشكل التزامهم بالعلم، فإنهم يدركون أيضًا أن التقنية العلمية لا يمكنها معالجة المسائل الأخلاقية، لأنه إذا كان العلم يعتبر تقدمًا تقنيًا غير محدود، فإنه لا يمتلك وسائل أساسية للحكم على بعض خطوات التقدم بأنها صحيحة أو خاطئة، وهذا السبب الذي يجعلهم "يرجعون إلى وسائلهم التقليدية لاتخاذ قرارات أخلاقية"، والتي يقصد بها المسيحية. </p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20699">&quot;تاريخ موجز للعلمانية&quot; الغربية: من العصر القروسطي إلى عالمنا المعاصر  </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«التحريم والتقديس: نشوء الثقافات والدول»: من العصر الحجري إلى &quot;فقاعة&quot; المجتمع الصناعي</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20576</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 28 Jul 2021 08:23:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%86%d8%b4%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عندما أُرسلت الرحلات الاستكشافية في عصر الاستكشاف الأوروبي الكبير إلى مناطق مختلفة من العالم بدءًا من العام 1419، صادف أنهم عثروا على جماعات ومجتمعات قروية كانت لا تزال تعيش مثل أسلافهم المنسيين في العصر الحجري، فقد كانوا دائمي الترحال يعتمدون في حياتهم على صيد الحيوانات وجمع النباتات البرية، كما أنه عُرف عنهم في تلك الحقبة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20576">«التحريم والتقديس: نشوء الثقافات والدول»: من العصر الحجري إلى &quot;فقاعة&quot; المجتمع الصناعي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">عندما أُرسلت الرحلات الاستكشافية في عصر الاستكشاف الأوروبي الكبير إلى مناطق مختلفة من العالم بدءًا من العام 1419، صادف أنهم عثروا على جماعات ومجتمعات قروية كانت لا تزال تعيش مثل أسلافهم المنسيين في العصر الحجري، فقد كانوا دائمي الترحال يعتمدون في حياتهم على صيد الحيوانات وجمع النباتات البرية، كما أنه عُرف عنهم في تلك الحقبة أنهم أفراد من سلالات مهددة بالانقراض عاشت ضمن جماعات ومجتمعات قروية قبل نحو 30 عامًا، يتراوح عدد أفراد الجماعة الواحدة منها ما بين 20 إلى 30 فردًا، بينما وصل أعداد أفراد الجماعة الواحدة في المناطق الأكثر اتساعًا إلى ألف شخص.  </p>
<p dir="rtl">في محاولته تقديم مجموعة من الأدلة على أن تطور الزراعة لم يتسبب في زيادة عدد السكان بقدر ما كان ابتكارها أساسًا لمواجهة نقص الغذاء الناتج عن قتل الثديات المحلية الكبيرة منذ آلاف السنين، يتتبع الباحث الأنثروبولوجي مارفن هاريس (1927 – 2001) في كتابه «<a href="https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=6031&page=1" target="_blank" rel="noopener">التحريم والتقديس: نشوء الثقافات والدول</a>» الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للمترجم أحمد م. أحمد، أصول النشأة الأولى للمحرمات الغذائية والحرب والتضحية وآكلي لحوم البشر ونشوء الدول البدائية منذ العصر الحجري حتى العصر الصناعي. </p>
<p dir="rtl">يرى هاريس في بداية بحثه أن أكثر الأسباب التي دفعت بالجماعات والمجتمعات القروية التحول من الزراعة إلى مرحلة الدول ثم الإمبراطوريات الكبيرة لاحقًا، كان نتيجة لتكثيف الإنتاج على مختلف أنواعه، بما في ذلك التربة والماء والمعادن والطاقة، وهو ما يدفعه للقول إن هذا التحول جاء نتيجة "تهديدات" برزت "في الأزمنة التي سبقت تلك سببها الرئيس التغيرات المناخية وهجرات الإنسان والحيوان"، بدون أن يتجاهل الإشارة إلى أن التنافس كان "المحرض الأساسي" لهذا التحول خلال الفترة التي رافقت نشوء الدول. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">مقدمة عن الحياة في العصر الحجري </span></strong></p>
<p dir="rtl">يرفض صاحبنا هاريس في مقدمة الفصل الثاني "القتل في عدن" الفكرة التي درج التأكيد عليها في البحوث الأنثروبولوجية بأن نشوء القرى الزراعية كان مسببه عدم استطاعة جماعات الصيد إنتاج فائض يفوق حاجتهم، وهو ما دفعهم إلى البحث عن الاستقرار في قرى دائمة، قبل أن يقرر "عبقري مجهول" رمي بعض البذار في أحد الترب، الأمر الذي جعلهم يكتشفون الزراعة لاحقًا مما جعل هذه الجماعات القروية ترنو إلى الاستقرار بدلًا من الخروج يوميًا بحثًا عن الطرائد. </p>
<p dir="rtl">ينبع رفض هاريس لهذه النظرية من الدلائل الآثرية التي تعود إلى 30 ألف عام قبل الميلاد، حيث أوضحت أن الصيادين الذي عاشوا في تلك الحقبة البعيدة الزمن "تمتعوا بمستويات عالية نسبيًا من الرخاء والأمان"، كما أن علماء الآثار وجدوا في أماكن مختلفة "كميات هائلة من عظام الحيوانات المكدسة في مواقع قتل متعددة تعود للعصر الحجري القديم"، وهو ما يقودنا إلى النتيجة التي وصل إليها هاريس بأن الصيادين وجامعي الثمار نعموا معًا بمستوى معيشة جيدة بسبب إبقائهم على تعدادهم السكاني منخفضًا ليتناسب مع صيدهم اليومي. </p>
<p dir="rtl">كان هذا التعداد المنخفض مبني على عاملين أساسيين، أولهما المعدلات العمرية لإنسان العصر الحجري، التي كانت تصل إلى 28.7 أعوام عند الإناث، بينما ترتفع إلى 33.3 أعوام عند الذكور، وفقًا لما يرى هاريس فإنه في حال كانت المرأة قد تزوجت في سن الـ16 من عمرها، فإن ذلك يسمح لها بإنجاب خمسة أطفال، بمعدل طفل لكل 2.5 عام. </p>
<p dir="rtl">مما يعني تقريبًا أن "أن ثلاثة من كل خمسة أطفال في العصر الحجري لم يقيض لهم البقاء أحياء حتى سن التكاثر"، لذلك نجد التقديرات تتحدث عن أن نسبة قتل الأطفال وصلت إلى 50 بالمائة في مراحل معينة تحت الضغط، بينما يرجع قصر أعمار الإناث في تلك الحقبة إلى "تحريض الإجهاض بغاية زيادة الفترة الفاصلة بين الولادتين"، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن إنسان العصر الحجري كان يفتقر إلى "الوسائل الميكانيكية أو الكيميائية الفاعلة لمنع الحمل"، على عكس المجتمع الصناعي الذي يسجل له ابتكار الواقي الذكري. <br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="1186" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/81RnGux2EbL-1.jpg" width="757"></div>
<p dir="rtl">
<strong><span style="color:#ff0066">الأصول الأولى للثقافات... من القتل إلى عقدة أوديب </span></strong></p>
<p dir="rtl">تعتبر الفترة الممتدة من 30 ألف إلى 12 ألف سنة مضت ذروة ملايين السنين من التطور التكنولوجي البطيء، وهي الفترة التي أنتج فيها الإنسان القديم الأدوات والوسائل لصيد الحيوانات البرية الكبرى، لكن مع وصول التاريخ لـ13 ألف سنة جاء الدخول في موجة الاحتباس الحراري الذي أذن بدخول العصر الجليدي حقبته النهائية، مما ساهم بانقراض مجموعة من الحيوانات التي كانت تعتمد كغذاء للصيادين، وهو ما كان سببًا بالانتقال إلى نمط إنتاج يعتمد على الزراعة في كلا العالمين القديم والجديد. </p>
<p dir="rtl">مع انتقال الجماعات القروية إلى مرحلة الصيد والزراعة معًا بدأ عصر اللاجئين الذي لجؤوا إلى مناطق نائية "هربًا من جيرانهم ذوي ثقافة الحرب"، وهو ما يدل على أن "الحرب ممارسة موغلة في القدم، غير أن سماتها اختلفت في حقب التاريخ، وما قبل التاريخ المتلاحقة"، ويرجح هاريس فرضية تقول إن "الحرب أصبحت أكثر شيوعًا وأشد ضراوة بعد تطور الزراعة"، ومع ذلك تشير الأبحاث الأنثروبولوجية إلى وجود مجموعات من الشعوب البدائية لم تشن أي حرب على الإطلاق، ما يؤكد على أن "القتل بين الجماعات قد لا يكون جزءًا من ثقافة أسلافنا في العصر الحجري". </p>
<p dir="rtl">من هذا المنطلق يخبرنا هاريس أن سياسات القتل التي نجم عنها الحروب لاحقًا كانت المسؤولة "عن منظومات التفوّق الذكوري لعقدة واسعة الانتشار بين مجتمعات القرية والجماعة"، فقد نشأ أساس التفوّق الذكوري مع احتكار الذكور للأسلحة، واستعمالهم "الجنس لتغذية الصفات الذكورية العدوانية"، فقد أدى هذا التحكم بالموارد ضمن المجتمعات الأبوية إلى "توزيع النساء كمكافأة لعدوانية الذكر، وبالتالي إلى تعدد الزوجات"، وهو ما أفضى في النهاية إلى "تقديم تبريرات ماورائية لعقدة التفوّق الذكوري بكاملها"، لذا نجد هاريس يصل إلى استنتاج واحد يقول إنه: "لم تكن عقدة أوديب سبب الحرب؛ بل الحرب هي سبب عقدة أوديب". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">من نشوء الدول البدائية إلى عصر الإمبراطوريات الكبرى </span></strong></p>
<p dir="rtl">حتى ما قبل نشوء الدولة كان أسلافنا العاديين في العصر الحجري يتمتعون بحريات اقتصادية وسياسية لا يتمتع بها في عالمنا المعاصر "سوى أقلية ذات امتيازات خاصة"، وهذا الحديث يدخل أيضًا في إطار حرية الإناث على الرغم من خضوعهنّ للذكر، لكن مع نشوء الدولة فقد أسلافنا العاديين هذه الخاصية، بعدما فرض عليهم أن يدفعوا الضرائب مقابل خيرات الطبيعة، لذا يبدو التفسير الأمثل لنشوء الدولة البدائية أنها كانت "نتيجة لتكثيف الإنتاج الزراعي". </p>
<p dir="rtl">وهو ما يتوافق مع ترجيحات الأنثروبولوجيين الذي اعتبروا أن الدولة البدائية نشأت في مناطق "خصبة محاطة بمناطق ذات طاقة زراعية بالغة الانخفاض"، وكان تتابع نشوء الدول البدائية ناجم عن نظرية يوضحها هاريس بقوله: "ما إن تتشكل دولة بدائية في منطقة معينة، حتى تبدأ الدول التابعة بالنشوء تحت ظروف متنوعة"، إضافة إلى ذلك فإن الحروب الخارجية التي كانت تقوم بها الجماعات القروية المحلية على أساس تحالفات كبيرة تعتبر من الأسباب البارزة لنشوء الدولة البدائية. </p>
<p dir="rtl">لإيضاح فكرة نشوء الدولة البدائية يمكننا هنا الإشارة إلى نشوء الدول البدائية في وادي تيوتيخواكان ووداي المكسيك خلال الألف سنة الممتدة ما بين عامي 200 – 1200 ميلادي، والتي يرى هاريس بأنها تضمنت ثلاث مراحل واضحة من التكثيف الزراعي يتبعها ثلاثة تحولات في أسلوب الإنتاج، كانت على الشكل التالي: "الأولى، تكثيف زراعة الحرق والقطع على التلال؛ الثانية، الري من طريق القنوات التي تغذيها الينابيع؛ الثالثة، إقامة الشينامبا"، والأخيرة نظام زراعي من أنظمة  الزراعة الحقلية المرتفعة القديمة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">مملكة أكلي لحوم البشر </span></strong></p>
<p dir="rtl">يُعرف عن شعب الآزتك، وهم من الشعوب الأصلية في الأمريكيتين، أنهم كانوا يضحون بالبشر بشكل منتظم، بينما كان الإسبان والشعوب الأوروبية الأخرى يقومون أيضًا "بشكل منتظم بكسر عظام البشر على المخلعة، واقتلاع الأذرع والأرجل بحبال مربوطة بين خيول، وحرق النساء المتهمات بالسحر على الوتد"، لكن تضحية مع الآزتك كانت بسبب أن آلهتهم تأكل البشر، فقد كانت وظيفة كهنة الآزتك المعلنة "تأمين القلوب البشرية الحية والدم كي يتجنبوا غضب الآلهة عديمة الرحمة"، ومع ذلك فإن الضحايا لم يكونوا من الأسرى فقط، بل يضاف إليهم العبيد، والفتيان والفتيات المحدد اختيارهم لتمثيل شخصيات الآلهة والآلهات المعنيين، والفئة الأخيرة كانت تعامل "بعناية ولطف فائقين خلال السنة التي تسبق إعدامهم". </p>
<p dir="rtl">يشير هاريس هنا إلى أنه لم تكن التضحية بالبشر من ابتكار الدين الرسمي لأسلافنا في العصر الحجري، إذ توضح الدلائل أن "التضحية بالبشر تسبق تاريخيًا بكثير ظهور الأديان الرسمية"، إضافة إلى أن "التضحية العشائرية بأسرى الحرب عند المجتمعات القروية والجماعات تستتبع بأكل كل جسد الضحية أو أجزاء منه"، إذ يروي المؤرخون الإسبان أنه عندما دشن الآزتك هرم تينوشتيتلان العظيم سنة 1487، بلغ أعداد الأسرى الضحايا 14.1 ألف تناوب على قتلهم فريق من الجلادين عملوا أربعة أيام متوالية بلياليها. </p>
<p dir="rtl">وكذلك الأمر، في مناطق أخرى بعيدًا عن أمريكا الوسطى، كانت "التضحية بأسرى الحرب وتوزيع لحمهم ممارسة شائعة" ضمن مجتمعات مختلفة تسكن في أفريقيا، جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب شرق آسيا، لكن القرابين الطقوسية التي كانت تقدم في هذه المناطق "نادرًا ما كانوا يأكلون"، وفي أماكن أخرى مثل ملكية سومر في أور أو مدينة أبيدوس في مصر القديمة، كان يتم التضحية بالخدم وزوجات الملك المتوفى، نظرًا لاعتقادهم أن الملك يحتاج حاشيته حتى لا يختلف عليه نمط الحياة التي كان يحظى بها في حياته. </p>
<p dir="rtl">يوضح لنا المسح السابق أن التضحية العشائرية بالبشر أظهرت "عدم وجود أي صلة وثيقة بين التضحية بالبشر وأكل اللحم البشري"، ويرى هاريس في هذا السياق أن التهم التي ارتبطت بالتتار والمغول من حيث أكل وشرب دماء البشر لم تكن إلا "قصص تبدو بمجملها شبيهة بالحكايات عن الوحشية في الحروب أكثر من كونها وصفًا إنثوغرافيًا لفرق دينية آكلة لحوم البشر مثل الآزتك"، وهو ما يدعمه بالإشارة إلى أنه من أوروبا إلى الصين كانت التضحية تتم بالحيوانات الذين يؤتى بهم إلى المذابح ليقدموا قرابين شعائرية، حيث يجري تقطيعها وتوزيع لتؤكل في ولائم جماعية. </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066"> الأصول الأولى لنشأة اللحم المحرم </span></strong></p>
<p dir="rtl">كان من الطبيعي أن تواجه الدول والإمبراطوريات ذات الاقتصادات السياسية التوسعية مشكلة في تضاءل رقعة الغابات والأراضي غير المحروثة، ومع مواجهتها لأزمة ازدياد السكان المزارعين كان أمامها اللجوء إلى أحد الخيارين "إما الإكثار من زراعة الأغذية النباتية وإما زيادة تربية الحيوان"، وما كان واضحًا بحسب هاريس فإن الإمبراطوريات القديمة اختارت الأولى على الثانية، على اعتبار أن الحيوانات الداجنة قيمتها أكبر وهي حية من قيمتها ميتة، كما الثيران التي استخدمت لحراثة الأرض على سبيل المثال لا الحصر، وهكذا بشكل تدريجي "نُحّيت اللحوم من النظام الغذائي اليومي لعامة الشعوب" في الدول والإمبراطوريات القديمة، وتحول معها اللحم الحيواني إلى "رفاهية اقتصر استهلاكه على المناسبات التي تتضمن أضحية شعائرية". </p>
<p dir="rtl">يرجح صاحبنا هاريس أن الخنزير كان من أوائل الحيوانات الداجنة باهظة الثمن من مصادر اللحوم التي تم تحريمها، ويعتبر أن السبب في تحريم الأديان السماوية للحم الخنزير ناجم عن الكلفة الباهظة لتربيته أولًا، وسوء تكيفه فيزيولوجيًا مع درجات الحرارة المرتفعة وضوء الشمس المباشر بسبب عدم قدرته على تنظيم حرارة جسمه ثانيًا، وهو ما يدفع هاريس للقول إنه: "لم يكن استصدار تشريع ديني ضد الخنزير [مبالغة ثقافية] أكثر مما هو استصدار قانون ديني ضد الزنا وسرقة المصارف [مبالغة ثقافية]".</p>
<p dir="rtl">إيضاحًا لذلك يمضي هاريس في حديثه عن تحريم لحم الخنزير لافتًا إلى أن حقيقة تحريم الخنزير في مناطق رعوية كبيرة وعدد من الأودية والأنهار في العالم القديم "يوحي بأنه يجب أن ينظر إلى محرمات الكتاب المقدس على أنها استجابة تكييفية مجدية فوق منطقة واسعة معرضة للتغييرات البيئية الناتجة عن التكثيف والاستنزاف المرافق لنهوض الدول والإمبراطوريات القديمة"، مع الإشارة إلى أن الإسرائيليين القدماء كانوا من أوائل المجتمعات التي حرمت أكل أو تربية الخنزير. </p>
<p dir="rtl">وينطبق ما ورد سابقًا عن تحريم الخنزير على أصل البقرة المقدسة في الهند خلال العصر الحجري، إذ أن النزعة النباتية كانت لا تزال بعيدة عن أوائل المستعمرات الكبيرة التي نشأت على طول نهر السند وروافده في سنة 2500 قبل الميلاد، كما أن المدونات التاريخية تشير إلى أن الشعوب التي عاشت خلال العصر الفيدي القديم – في إشارة للكتاب المقدس عند الهندوس – كانوا يتغذون على لحوم الحيوانات، بما في ذلك لحم الأبقار، وكان لدى الهندوس طبقة كهنوتية يحتكرون التضحية بالحيوان التي من دون إتمام طقوسها لا يمكن أن يؤكل لحم الحيوان. </p>
<p dir="rtl">على صعيد هذا التحول من التضحية بالحيوان إلى تحريم لحم الأبقار والثيران عند الهندوس، يرى هاريس أنها جاء نتيجة قرارات فردية لملايين المزارعين الأفراد الذين قاوموا "إغراء ذبح حيواناتهم الداجنة لأن إيمانهم كان راسخًا بأن حياة بقرة أو ثور كانت أمرًا مقدسًا" يستفاد منها في الحراثة والألبان والأجبان، ويوضح هاريس في هذا الجانب أنه "لم تكن النزعة النباتية عند الهندوس انتصارًا للروح على المادة، بل لقوى الإنجاب على الإنتاج"، مضيفًا بأن هذه "النزعة الروحانية" التي نشأت اتجاه الأبقار والثيران في كان مسببها "تكثيف الإنتاج في الهند، واستنزاف الموارد الطبيعية وازدياد الكثافة السكانية". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">"المصيدة المائية" طريقًا للاستبداد </span></strong></p>
<p dir="rtl">من المتعارف عليه أن معظم الإمبراطوريات القديمة عملت على تطوير نموذجًا متكاملًا للحياة الاجتماعية مختلفًا عن غيرها من الإمبراطوريات الأخرى، غير أن المؤرخ كارل ويتفوغل يطلق على جميع هذه الإمبراطوريات وصفًا واحدًا هو "المجتمع المائي"، بمعنى أن جميعها "نشأ في وديان وسهول تراوح ما بين الجافة وشبه الجافة تروى من أنهار كبرى"، خصصت فيها موظفين مهامهم تحويل المياه إلى حقول المزارعين، حيث كان الماء من العوامل الأكثر أهمية في عملية الإنتاج، ويضيف هاريس على ذلك القول إنه: "كلما كانت شبكات المياه والمنشآت أكبر، كانت إنتاجية المنظومة الكلية أضخم، وكان الميل أكبر لدى الإدارة الزراعية الهرمية لأن تصبح تابعة لشخص مكتمل السلطة على رأس هرمها". </p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم من أن هذه السلالة الهرمية كانت تصل في النهاية إلى انهيار الإمبراطوريات بسبب تنامي الفساد بين الموظفين البيروقراطيين، فإن المجتمعات المائية كان لديها القدرة على ترميم نفسها على الرغم من الانقلابات المتكررة للسلالات الهرمية الحاكمة بسبب الغزو المتواتر على أراضيها، والذي يرى هاريس بأنه ناجم عن "التفاعل بين البنى السياسية والتكيف البيئي الأساسي"، بما يعني أنه في "عمليات طبيعية وثقافية طويلة الأمد، حددت الظروف المتطرفة أو الطارئة أكثر من الظروف الطبيعية شكل التكيف السياسي لأسلوب الإنتاج المائي".</p>
<p dir="rtl">وفقًا لويتفوغل الذي صاغ النظرية المائية يرى هاريس أنه "في حين يتتبع أصل الشكل الإداري الزراعي للاستبداد في ظروف بيئية معينة، يؤكد أنه متى حدث مرة، فستنتشر من طريق الغزو بعيدًا عن موطنه النهري شبه الجاف"، وبمعنى أدق فإنه عندما تخضع أنواع معينة من نظم الإنتاج على مستوى الدولة إلى التكثيف، فإننا نلمس تزايدًا في احتمالية "صعود أشكال استبدادية للحكومة تمكنها من تحييد الإرادة والوعي البشريين لآلاف السنين". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">أصل الرأسمالية والفقاعة الصناعية  </span></strong></p>
<p dir="rtl">تحولت الحياة الاجتماعية للشعوب الأوروبية إلى تقسيمات طبقية بشكل حاد بحلول عام 500 قبل الميلاد، والتي يشير هاريس إلى أن طبقة الزعامة الحربية الأرستقراطية كانت في مقدمتها، يليها طبقة الكهنة المسؤولة عن القيام بالشعائر وحفظ السجلات وحساب الوقت، وأخيرًا طبقة العامة التي تعيش في قرى زراعية أو مساكن رعوية خاضعة لزعيم محلي، ويكون على رأس المجتمع ملك محارب مورَّث أو شبه مورَّث، وفيما كان يسعى الملوك والزعماء إلى الحفاظ على صورة الكرم السخي، فإنهم احتكروا امتلاك الأدوات الأساسية "لصون القانون والنظام ولشن الحملات العسكرية". </p>
<p dir="rtl">وعلى عكس المستبدين المائيين، يرى هاريس أن ملوك أوروبا لم يكن بإمكانهم تزويد أو قطع المياه عن الحقول بسبب هطول الأمطار، كما أنه لم يوجد شيء في العملية الإنتاجية يستوجب عليهم تنظيم جيوش من العمال، الأمر الذي فرض على ملوك أوروبا الإقطاعيين الإحجام عن التدخل في حق النبلاء في تحصيل الضريبة من العامة، ومع ارتفاع الكثافة السكانية الذي اعتبره الإقطاعيين عاملًا في انخفاض الإنتاج الزراعي، ظهر شجع الإقطاعيين الذين بدؤوا بالبحث عن مصادر دخل إضافية، كان أكثرها أهميةً تربية الأغنام من أجل الصوف مما حد من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة. </p>
<p dir="rtl">فقد جاءت نشأة الرأسمالية بعد تحول الأسياد المزارعين إلى تجار وصناعيين لعدم تمكنهم من تسريح الأغنام مع إعادة المزارعين إلى الأراضي، مثل عدم تمكنهم من التوقف عن إنتاج الصوف، لذا يرى هاريس أنهم مضوا قدمًا "في محاولات أكبر وأكثر غير ممنوعة لكسب المزيد من النقود ومراكمة رأس المال" من خلال تربية الأغنام وزيادة إنتاج الصوف، وبدلًا عن عملهم على ترميم النظام الزراعي، قاموا بإيجاد نظام "يعتمد على التقنية العلمية والإنتاج الآلي والرأسمالية والديمقراطية البرلمانية"، الذي يرى أن نشوءه في أوروبا خلال القرنين 18 – 19 مثَّل "ارتدادًا شاذًا للهبوط من الحرية إلى العبودية".</p>
<p dir="rtl">يقودنا ما سبق للحديث عن الفقاعة الصناعية التي يمكن القول إن نشأتها كانت قبل 500 عام ميلادي، وبينما يسجل ارتفاع مستويات العيش بدأ قبل 150 عام ميلادي فقط، فإن السباق التكنولوجي الغربي المستمر منذ 500 عام ميلادي، ويرى هاريس أن مرحلة ما بعد الإقطاع "تأرجحت (فيها) مستويات العيش عند الفقر وهبطت بشكل متكرر إلى هاوية غير مسبوقة على الرغم من إدخال سلسلة لا تنقطع من آلات مبتكرة لتوفير جهد".</p>
<p dir="rtl">كان من أبرز الخلافات بين مفكري القرن الـ19 الاقتصاديين اعتراض كارل ماركس والمصلحين الراديكاليين على نظرية توماس مالتوس وعلماء اقتصاديين آخرين الذين كانوا معروفين بتوجسهم من "العلم الكئيب" على قاعدة أن الفقر والبؤس "كانا نتيجة القوانين الخاصة بالاقتصاد السياسي للرأسمالية، وليس نتيجة الوجود الإنساني بعامة"، وبينما رأى ماركس أن الرأسماليين جنوا أرباحهم من استغلال العمالة، فإنه كما يقول هاريس، فشل مثل مالتوس "في التنبؤ بالارتفاع السريع وغير المسبوق لمستويات العيش الذي كان سيحدث بعد فترة وجيزة". </p>
<p dir="rtl">وبحسب هاريس فإنه بينما كان ماركس يركز على قانون الإنتاج على عكس مالتوس الذي كان يركز على قانون الإنجاب، فإن كلاهما لم يدركا حقيقة أن الثورة الصناعية كانت تخلق علاقة جديدة كليًا بين الإنتاج والإنجاب، نظرًا لأنه "على عكس جميع التحولات الرئيسة السابقة في أساليب الإنتاج، أنتجت الثورة الصناعية في القرن الـ19 تعاظمًا كبيرًا في كفاية العمالة لم يرافقه ازدياد، بل انخفاض في معدل النمو السكاني"، بدون أن يلاحظ في المجتمع الصناعي بسبب اعتماده على الآلات بدلًا من اليد العاملة. </p>
<p dir="rtl">وعلى هذا فإنه لا بد من الإشارة نهاية إلى أنه في المجتمع الصناعي الذي يشبهه هاريس بـ"الفقاعة" يمكننا إدراك طبيعة أسلوب الإنتاج من خلال حقيقة أنه إذا استهلكت باقي أجزاء العالم فجأة نسبة الطاقة الخاصة بالزراعة في الولايات المتحدة، فإن احتياطي النفط سيستنزف خلال 11 عامًا، مع التنويه إلى أن الإنتاج الغذائي أصبح يعتمد على إمدادات النفط بشكل كامل في مختلف أنحاء العالم، وعلى هذا وفقًا للباحث الأنثروبولوجي مارفن هاريس فإنه: "كلما كان تحول العالم المتخلف إلى الصناعة أسرع، دعت الحاجة أكثر العالم الصناعي إلى تطوير أسلوب أكثر ابتكارًا للإنتاج". </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20576">«التحريم والتقديس: نشوء الثقافات والدول»: من العصر الحجري إلى &quot;فقاعة&quot; المجتمع الصناعي</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«نوعان من البشر»... تشريح العنصرية العادية لوجهة النظر الغربية </title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20459</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[وائل قيس]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 16 Apr 2021 19:10:53 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%86%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1-%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d8%af/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يقدم الباحث الكندي دوني بلوندان في كتابه "نوعان من البشر: تشريح العنصرية العادية" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من ترجمة عاطف المولى، نقاشًا مطولًا لكتابات العديد من المؤلفين الذين قدموا من وجهة النظر الغربية لفكرة تميز نوعين من البشر، الأول تُعرف بـ"نحن" الغرب الأبيض، بينما تعني الثانية بـ"الآخرين" أو الشعوب الملونة، منطلقًا في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20459">«نوعان من البشر»... تشريح العنصرية العادية لوجهة النظر الغربية </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يقدم الباحث الكندي دوني بلوندان في كتابه "نوعان من البشر: تشريح العنصرية العادية" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من ترجمة عاطف المولى، نقاشًا مطولًا لكتابات العديد من المؤلفين الذين قدموا من وجهة النظر الغربية لفكرة تميز نوعين من البشر، الأول تُعرف بـ"نحن" الغرب الأبيض، بينما تعني الثانية بـ"الآخرين" أو الشعوب الملونة، منطلقًا في بحثه من فرضية أساسية يرجع فيها انتماء البشر إلى النوع الحيواني على اعتبار أنهم يستطعيون التكاثر فيما بينهم.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">توطئة لنظرية "نحن" و"الآخرون" </span></strong></p>
<p dir="rtl">يستعيد بلوندان في مقدمة الكتاب بسرد سريع قصة السير النيوزيلاندي الأصل إدموند هيلاري الذي ربح رهان الوصول إلى قمة جبل إفرست في عام 1953، وما كان لافتًا فيها أن قصته الواردة "في أكبر القواميس والموسوعات كرمز للشجاعة والإرادة" تجنّبت في فصولها الإشارة إلى مرافقه من شعب الشيربا النبيالي تنسنغ نورفاي، وهو ما يرى بلوندان بأن "المصير العمومي لمغامرتهما يقرُّ لا مساواة عميقة بين الرجلين"، بمعنى أن العلاقة التي نشأت بين هيلاري ودليله نورفاي "يُعبَّر عنها نحويًا على صورة علاقة تملّك بين متسلق الجبال ودليله من الشيربا"، وهو المثال الذي يقوم عليه الكتاب بالإضافة لأمثلة أخرى في تفصيل الفوارق بين "نحن" و"الآخرون" على مستوى الأمم والأعراق. </p>
<p dir="rtl">يعتبر بلوندان من منطلق المثال السابق أن الإعلانات الكبرى للدول الغربية إلى جانب المنظمات الأممية فيما يخص تقدُّم الإنسانية استخدمت "كمشرط (مبضع) لتقطيع الإنسانية إلى اثنتين، في لحظة كان يدَّعى فيها تأسيسها"، إذ ينظر إلى الخطابات الإنسانوية والتعميمية الشاملة في الإعلانات الكبرى بأنها "تتطابق تاريخيًا وسوسيولوجيًا مع سيرورة امتداد البنية الاجتماعية الغربية لتشمل الكوكب كله"، وهو ما يقود كاتبنا إلى تأكيد وجوب البحث "عن جذور العنصرية بوصفها منظومة أيديولوجية، ليس في مؤسسات مثل العبودية أو الحرب، وإنما في الإعلانات النبيلة الكبرى عن [الحقوق الإنسانية] و[الإنسانية]". </p>
<p dir="rtl">يُشبّه بلوندان عالمنا المعاصر بالمجتمع الإقطاعي الذي ساد في العصور الوسطى على مستوى الكوكب، إذ يرى في هذا الجانب أن التغيير الوحيد الذي طرأ كان فقط على مستوى الأحجام، حيثُ "تحوَّل الأرستقراطيون ببساطة إلى [ديمقراطيين]، والطبقة الثالثة [الشعب] صارت العالم الثالث"، ويشير في هذا السياق إلى أنه من هذا التماثل جاء اختراع الفرنسي ألفرد سوفي لمفهوم العالم الثالث "إلا أنه لم يكن واعيًا ربما أنه كان بذلك يعين سيرورة اجتماعية متشابهة في كل شيء، باستثناء حجم المجتمع".</p>
<p dir="rtl">من هذا المنطلق يصل بلوندان إلى فكرة تقول بانتماء الإنسانية إلى نوعين: "الإنسان التاريخي، الإنسان الجغرافي"، معتبرًا أن فكرة الإنسان التاريخي يجري تعزيزها في المناهج المدرسية في التاريخ العام بوضعها "حدودًا صارمة للحقل التاريخي للـ[نحن]" بدءًا من سلسلة نسب "الإنسانية البيضاء" التي يمكن تتبعها وصولًا إلى الغرب الراهن الذي يجري تقطيعه "بشكل يحافظ على هوية المتطور"، بينما يُنظر للنوع الإنساني "الآخر" على "حدود منطقة الظلام" التي تشمل البرابرة خارج حدود الإمبراطورية الرومانية، وما يطلق عليه العالم الثالث في عالمنا المعاصر "من دون أي اعتبار للانتقالات المستمرة لهذه الحدود". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">أيهما أصح العرق البشري أم الجنس البشري؟ </span></strong></p>
<p dir="rtl">عند السؤال عن أي من التسميتين أصح العرق البشري أم الجنس البشري، يذهب بلوندان إلى القول بأن مماهاة الإنسانية أو البشرية مع كل الجنس المعروف بمسمى الهومو/Homo الذي يتفرع عنه الأنواع البشرانية بما فيها، الإنسان الماهر أو المنتصب، وكذلك الإنسان العاقل، إذ أن "هذه العادة هي في أساس الكثير من الالتباسات"، ويضيف عليها بأن ما يُدرج ضمنها من أن "نعزو فكرًا وثقافة إلى كائنات لا يملك دماغها هذه القدرة، على ما يظهر، مع أنها تنخرط بالتأكيد في إطار عملية الأنسنة". </p>
<p dir="rtl">وحتى عند قول العلماء إن الأنواع الإنسانية الأخرى اختفت جميعها باستثناء بقاء واحد منها، فإنهم كما يرى بلوندان منحوا "بصورة لا إرادية، نظامًا تصنيفيًا لتصوُّر [الأوّلين، البدائيين] أو [الأعراق الأخرى] وتصنيفها باعتبارها أنواعًا متميزة"، فقد كان هذا التصور شائعًا "عند الاحتكاك الأول بين الأوروبيين وشعوب القارات الأخرى في وقت لم يكن فيه مفهوم [الجنس البشري] يسمح بعد بالإقرار بوجود الإنسانية"، ولعلّ الصياغة التي قدمها الفرنسي فولتير (1649 – 1778) كان الأكثر وضوحًا لهذه الفكرة بقوله "حين ننقل الزنوج والزنجيات إلى البلاد الأكثر برودة، فإنهم يلدون فيها دائمًا حيوات من نوعهم".</p>
<p dir="rtl">يستخدم بلوندان نص فولتير لتدعيم فكرته من حيث ادعائنا في الوقت الراهن بأننا حققنا دمج الآخرين بصنف وحيد من البشر "إلا أن ذلك مستبعد إكماله لأننا أعطينا هذا الصنف وضعية أنه جنس ما يؤدي منطقيًا إلى قبول احتمال وجود أنواع متمايزة في الاستخدامات الشائعة الخلط المنهجي بين مختلف مستويات التصنيف: نوع، جنس، عرق..إلخ"، وتبعًا لذلك يجب أن يكون واضحًا أن البشر – بالمعنى البيولوجي – يشكلون نوعًا واحدًا. </p>
<p dir="rtl">إذ أنه "على الرغم من إصرار ثقافتنا على أن تفصل ذهنيًا البشر إلى [أعراق]، فإننا نشكِّل بالفعل نوعًا واحدًا"، رغم محاولة القوانين العرقية "العنصرية" أن تحل بدلًا عن القوانين البيولوجية، يقودنا ما سبق إلى أنه عند الإنتهاء إلى نوعنا البشري الحالي أي "الإنسان العاقل العاقل" نجد أنه يعود إلى ما بين 35000 – 10000 عام بدون أن نجد بعد ذلك أي نوع آخر، وهو ما يرى بلوندان بأنه يشكل "فجوة رهيبة هذيانية في مؤسسة المعرفة الرفيعة المقام".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الجغرافيا كمشكلة دائمة </span></strong></p>
<p dir="rtl">تكمن المشكلة الدائمة للجغرافيا بالنسبة لبلوندان بأنها "متراكبة الأبعاد الطبيعية والسياسية"، فهو يرى بأنها تنزلق بالطريقة التي ننزلق فيها "من الاجتماعي إلى البيولوجي في التاريخ أو في الأنثروبولوجيا"، نظرًا لأن "الكيانات السياسية تعتبر نفسها ظواهر طبيعية من اللحظة التي اختارت فيها الخرائطية كوسيلة تبرير"، وهي بدأت بذلك منذ اللحظة التي انتقلت فيها الشقوق الاجتماعية "من صلة الدم في النظام القديم إلى الحدود الإقليمية في المنظومة العالمية الجديدة".</p>
<p dir="rtl">يتطرق بلوندان في هذا السياق إلى تناقضات المجتمعات التي اعتمدت للتمييز بين البيض والسود بإشارته إلى أن "الحلول المعتمدة متناقضة إلى حد غريب"، كما الحال مع إلغاء الولايات المتحدة لفئة "الخلاسيين" من المجتمع، والذي يرى بأن "المجتمعات التي ألغت هذا الصنف من عالمها الذهني قد فعلت ذلك وفق آليات متناقضة، تعود هي أيضًا، وبداهة، إلى ظروف طارئة ذات طبيعة اجتماعية"، حيثُ أن الاختلافات في اللون أو البشر أو الجلد "لم توفر سوى حجة لصناعة الأعراق، وأن الحدود الفاصلة هي هنا اعتباطية مثل تلك الفاصلة بين القارات". </p>
<p dir="rtl">فقد أسقطت الاختلافات الاجتماعية على شبكة بيولوجية في الوقت نفسه عندما أسقطت على محاور التاريخ والجغرافيا في القرن الـ19، ووفقًا لبلوندان فإن ذلك نشأ "من خلال صياغة نشؤئية تطورية اجتماعية منسوخة عن النشؤئية البيولوجية، ومن خلال تصنيف [عرقي] ملصق على المجتمعات أو الحضارات"، وهو ما سمح للتنوع الحقيقي للمجتمعات والثقافات "باختراع أسطورة الأعراق البيولوجية مع التطور البيولوجي الحقيقي للأنواع الذي يتيح اختراع أسطورة التطور الثقافي أو الاجتماعي". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الآخرون هم الآخرون</span></strong></p>
<p dir="rtl">يبدو بديهيًا القول إن البشرية تتكون من أفراد لكننا – كما يرى بلوندان – حين نتكلم "على [الآخرين] في داخل الـ[نحن]، فإننا نقصد دائمًا الأفراد، أما في خارج هذا المحيط، فإن الأفراد يغيبون ويصير [الآخرون] دائمًا كيانات جمعية [شعوب وقبائل] يبدو تقطيعها إلى فردانيات عملًا شبه مستحيل"، نظرًا لأن الغاية من الفردانية تحقيق استعمالات عدة، كما المساهمة في الفصل بين النوعين البشريين وفي "تحويلهما إلى كيانات من طبيعة بيولوجية"، لذلك فإننا منذ اللحظة التي نعترف بالطبيعة الواحدة للبشرية لطرفي الصراع، فإنه "لا يعود بإمكاننا تفسير الهزائم [بالذهنية] أو [الدين] أو [الثقافة]، ويتوجب بالأحرى الاستعانة بتفسيرات مستندة إلى الأعمال الحقيقية لأطراف الصراع". </p>
<p dir="rtl">يحيل بلوندان في هذا السياق العقلانية الخاصة التي جعلت من الغربيين ينظرون إلى أنفسهم بالتعارض مع الآخرين إلى مجموعة من التناقضات الرئيسية في داخل نظام التصورات الغربية للعالم بقدر ما هي طويلة فإنها بليغة أيضًا، وهي "لا ينظر إليها على أنها تناقضات، بل مجرد تباينات بسيطة، وذلك بناء على نظرة تراها منطبقة على مشكلات متميزة بعضها عن بعض"، من حيثُ أن المفهوم الغربي للبشرية "هو مفهوم ذو طابع معياري"، بينما يأتي "تحليله المعرفي العقلاني ليشطره إلى مجموعتين متعارضتين على امتداد تشكيلة كاملة من المستويات، يتعامل معها على أنها كيانات بيولوجية". </p>
<p dir="rtl">وعند الحديث عن لائحة التناقضات المرتبطة بالتأثيرات المعكوسة لقضية واحدة لا بدَّ من الإشارة إلى الدور الذي يعزى للدين، إذ يعتبر بلوندان هذا العنصر بأنه تعبير عن "العقلية غير المنطقية" عند الآخرين، ويُصنف دائمًا على أنه "أحد العوائق الثقافية الكثيرة للتطور"، بينما نجده عند النحن "قابل لارتداء المقدار نفسه من العقلانية كما العلم"، فضلًا عن مساهمته كذلك في تطوير الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، إذ "يكفي أن نصوغ تأثيرات الدين بعبارات منسوبة إلى النوع. فنحصل غالبًا على مقترحات غير متوافقة تؤكد أن الدين يسمح أو يمنع التطور بحسب ما يتحرك ضمن هذا النوع أو الآخر من النوعين البشريين". </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">نقاش هادئ للرواية الرسمية </span></strong></p>
<p dir="rtl">ينظر بلوندان إلى لعبة التفسيرات أو النظريات المرتبطة بالنوعين البشريين على أنها ليست سوى انعكاس للمناهج المدرسية الكثيرة للثقافة الغربية، أما بالنسبة للمنافذ الأخرى، بما في ذلك وسائل الإعلام والساحات السياسية والأعمال الأدبية على مختلف أنواعها، فإنه يستحيل إجراء جردة كاملة لها، لذا فإنه "يمكننا في الأقل الافتراض بأن المواد التعليمية، الرسمية والموافق عليها، هي موضوع توافق اجتماعي معيّن يعكس جيدًا الثقافة المسيطرة". </p>
<p dir="rtl">ويزيد بلوندان في هذا الجانب معتبرًا أن إنكار دور العلاقات بين المجتمعات في بروز عدم المساواة ليس خاصًا بالمناهج المدرسية، حيثُ نجد وروده في إعلان اليونسكو حول الاتفاق بشأن استيراد المواد التربوية و العلمية و الثقافية المعروف بـ"اتفاقية فلورنسا" في عام 1950، فقد جاء في البند العاشر من الاتفاقية أن الفروق التي تظهر بين الثقافات عند مختلف الشعوب "تفسَّر قبل كل شيء بالتاريخ الثقافي لكل مجموعة"، وينظر بلوندان إلى هذه الرؤية المجزأة للإنسانية في المستندات الأكثر رسمية لليونسكو على أنها "توافق بدقة الصورة المُنشأة في الكتب المدرسية والمدعومة بعدد كبير من الكتب العلمية". </p>
<p dir="rtl">وهو ما يقود بلوندان في نهاية الكتاب للتأكيد على وجود مجموعة مشتركة من المرجعيات بين البشرية، يمكننا تلخيصها وفقًا للتالي: </p>
<ul>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">اللغة: يرى بلوندان بأن اللغة تتيح لنا الفحص المقارن للغات والثقافات الإنسانية في الوقت الراهن بأن نتحقق من هوية عدد أكبر من السمات المشتركة، حيثُ "يحتفظ علم اللغات بشكل خاص بقيمة مثالية في هذا الصدد. فهو يسمح الإعلان عن مواصفات مشتركة لجميع اللغات الإنسانية من دون استثناء، بما في ذلك تلك التنويعات المناطقية المسماة [لهجات محلية]".</p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">الفكر: يعتبر بلوندان أن استخدام اللغة والفكر كـ"رموز للتواصل وقوننة الواقع" بمثابة وجهان لبرنامج واحد، وهو يجد هنا أنه يجب توجيه "بحث الثوابت البيولوجية أيضًا نحو أساليب الفكر" لأن جميع اللغات قادرة على أن تعني كل شيء، وهو ما يعني "اعتراف مسبق بأن سيرورات الفكر لا يمكنها أن تختلف كثيرًا بين ثقافة وأخرى، وبين مجتمع وآخر"، ويضيف موضحًا بأنه على الرغم من أن الاختلافات كلها في المضمون "فإننا نتوقع أن نجد فيها سيرورات معرفية متشابهة والمنطق نفسه".</p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">علم السحر: ينظر بلوندان إلى هذه المرجعية المشتركة عند البشرية على أنها مسألة كونية العلم التي "تطرح في الوقت عينه وضع الأنظمة التي جرى تقليديًا تصورها على أنها نقيضاته"، كما الحال مع تناقضي السحر والدين، إذ يرتكز التصور البشري للإنسان العاقل في هذا السياق على "واقع أن الفكر، بجميع أشكاله، هو ثابتة في نوعنا"، ويضيف بأن "المتوالية الارتقائية: سحر/دين/علم تظهر فارغة من أي موضوع مثل استخدامها لتصنيف الثقافات الراهنة بحسب نسب المكونات التي نضعها فيها". </p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">تأنيس البشر: وفقًا لبلوندان فإن البشر تصرَّفوا بالطريقة والعقلانية ذاتها في كل مكان على مختلف العصور، فهم كما يرى "آثروا أولًا السهولة، في احتلال أطراف الكوكب كلها وفي الوصول إلى موارد جديدة كلما كان ذلك ممكنًا" حتى ما وصلوا إليه من اكتشافات علمية في عالمنا المعاصر، والتي يعتبرها ناجمة عن تكثيف بين الثقافات والمجتمعات من خلال مضاعفة تركيبات الأفكار الجديدة. </p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">تشبيك الثقافات: يشير بلوندان في هذا الجانب إلى أنه مهما كان "خلق الثقافات المستمر مستقلًا تمامًا عن إعادة الإنتاج البيولوجي، فإن الثقافات الإنسانية كلها موحدة حقًا في ما بينها بنوع من الرابط من طبيعة أخرى بالكامل"، ويمكننا للتعبير عن هذه القرابة بين الثقافات اللجوء إلى "صيغة سلسلة للتغييرات التي تعبِّر عن تتالي الثقافات كما عن اختلافاتها النسبية في داخل البشرية"، ويؤكد هنا على أن تشبيك الثقافات ليس "مشروعًا أو فكرة نبيلة، إنما هي حقيقة علينا ملاحظتها في اتساعها كلها". </p>
</li>
<li dir="rtl">
<p dir="rtl" style="text-align:right">البنى الأولية للعبودية: في هذا المنحى يرى بلوندان بأن علاقات السيطرة التي لا تترك أي أثر مباشرة ظهرت مع الثورة النيوليتية، نسبة للعصر الحجري الحديث (9000 – 4500 ق.م)، لذا فإن علاقات السيطرة لم تكن نتيجة تطور داخلي يقدر ما كانت تؤسس لعلاقات خارجية بسبب ظروف الضغط الديموغرافي، وهو ما يمكن اعتباره مرتكزًا لظهور الطبقات الاجتماعية والدولة التي قامت على إنشاء علاقات اجتماعية لا مساواتية علمية، تم الحفاظ عليها بتعبيرات سياسية واقتصادية، والتي يقول عنها إنها العبودية بمعناها الأوسع، فهي ساهمت بطريقة ما بتأليف "البنية الأولية لأنظمة السيطرة". </p>
</li>
</ul>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20459">«نوعان من البشر»... تشريح العنصرية العادية لوجهة النظر الغربية </a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-24 02:51:57 by W3 Total Cache
-->