<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>تمّام هنيدي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/84rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/84rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Fri, 22 Nov 2024 09:40:37 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>تمّام هنيدي - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/84rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>النكبة الثانية... هوامش كثيرة لمتنٍ مفقود</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21542</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 15 May 2024 07:21:06 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%83%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%87%d9%88%d8%a7%d9%85%d8%b4-%d9%83%d8%ab%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%86%d9%8d-%d9%85%d9%81%d9%82%d9%88/</guid>

					<description><![CDATA[<p>ومن نكبةٍ لاقيتُها بعد نكبةٍ ... رهبتُ اعتسافَ الأرضِ ذاتِ المناكبِ ابن الرّومي   لا يحتاجُ الفلسطينيُّ أن يكون متطيّرًا مثل ابن الرّومي لكي يشعرَ، وهو يُنهي ستة وسبعين عامًا من النكبةِ الأولى، برهابِ "اعتسافِ الأرضِ ذاتِ المناكب". فالوقائعُ تؤكّدُ ما قالَهُ محمود درويش في وصفِ النكبة بأنّها "حاضرٌ ممتدٌّ يُشيرُ إلى الاستمرار في المستقبل". [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21542">النكبة الثانية... هوامش كثيرة لمتنٍ مفقود</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ومن نكبةٍ لاقيتُها بعد نكبةٍ ... رهبتُ اعتسافَ الأرضِ ذاتِ المناكبِ</span><br />
<span style="color:#999999">ابن الرّومي</span></p>
<p> </p>
<p dir="rtl">لا يحتاجُ الفلسطينيُّ أن يكون متطيّرًا مثل ابن الرّومي لكي يشعرَ، وهو يُنهي ستة وسبعين عامًا من النكبةِ الأولى، برهابِ "اعتسافِ الأرضِ ذاتِ المناكب". فالوقائعُ تؤكّدُ ما قالَهُ محمود درويش في وصفِ النكبة بأنّها "حاضرٌ ممتدٌّ يُشيرُ إلى الاستمرار في المستقبل".</p>
<p dir="rtl">الأرقامُ تقولُ إنّ عدد الفلسطينيين في كلّ العالم بلغ مع نهايةِ العام ٢٠٢٣ أكثر من ١٤,٥ مليون شخص، يعيشُ أكثر من نصفهم خارج الأراضي الفلسطينية، إلا أنّ هذا لا يعني أنّ السبعة ملايين فلسطيني في الداخل يعيشون على أرضِهم، فقد هُجّرَ أكثر من مليون فلسطينيّ من أرضهم عقبَ النكبةِ الأولى عام ٤٨، وحوالي مائتي ألف بعد نكسةِ حزيران ٦٧، أي قبل خمسةٍ وخمسينَ عامًا من الحربِ الأخيرةِ التي تشنّها دولةُ الاحتلال منذُ أكتوبر الماضي ضدّ الفلسطينيين في قطّاع غزّة، والتي أسفرت عن نزوحِ أكثر من مليوني فلسطينيّ تحت وطأةِ القصفِ والدمار، من دونِ أن ننسى أنّ حوالي ٦٦٪ من سكّان القطّاع هم أصلًا نازحون إليه وليسوا من سكّانهِ الأصليين.</p>
<p dir="rtl">يحيلُنا هذا التغيير الديمغرافيّ المُمنهج إلى مفاهيمَ أكثر عموميّةً من حصرِها بالإطارِ الفلسطينيّ، من بينِها ذلك التغيير الذي يطرأ على مفهومَي الوطن والمنفى ومعناهما، ومصادر هذين المعنيين.</p>
<p dir="rtl">شرّحَ البروفيسور الراحل يوسف سلامة (١٩٤٦ – ٢٠٢٤) هذين المفهومين في مقالتِهِ المنشورة في مجلّة حرمون بعنوان "على هامش الوطن - تأملات فلسفية في مفهوم الوطن" في أيار/مايو ٢٠١٧ ضمنَ ملفٍّ أعدته المجلة بمناسبة الذكرى السادسة لانطلاقة الثورة السورية. فاستخدم "الهامش" ضمن ورقتهِ التأمليّة تلك للدلالة على "اللا وطن"، على اعتبار أنّ الوطنَ هو المتن:</p>
<p dir="rtl" style="margin-right:40px"><span style="color:#4e5f70">"لا يمكننا فهم الهامش من دون العودة إلى النص الأصلي أو إلى المتن الأم، فهذا الهامش ما هو إلا نوع من المعرفة التي لم تجد لها محلّاً مناسبًا في المتن، فنُحيت إلى الهامش".</span></p>
<p dir="rtl">لكنّ الخطورةَ في ذلك الهامش، الذي هو ضروريٌّ لفهم المتن، تكمنُ بتحوّلِ الهامشِ إلى متنٍ (نصٍّ) جديد، يُحيلُ بدورهِ، بل ويستدعي وجودَ هوامشَ أخرى.</p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم من أنّ العلاقةَ بين الوطن واللا وطن تقومُ على السّلب المتبادل، من زاويةِ الأنطولوجيا (علم الوجود) وفقَ سلامة، أي أنّ وجودَ أحدهما ينفي وجودَ الآخر، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّهُ لا يُمكنُ تواجدُهما في المكانِ نفسهِ والزمانِ نفسه. بل إنّ ذلك يعني أنّ سلبَ الوطنِ من شعبٍ ما، يُنتجُ لا وطنًا لهذا الشعب، في وطنه.</p>
<p dir="rtl">وهنا نجدُ أنّه لا يُمكنُ بأيّ حالٍ التفكيرُ بالوطنِ لفهمه أصلًا، من دون التفكير بالعناصر المكوّنة له ابتداءً بالمكان والزمان. </p>
<p dir="rtl">يتساءلُ يوسف سلامة في هذا السياق عن كيفيّةِ تحوّلِ المكانِ إلى وطن، وكيفيّة تحولِ البشرِ إلى مواطنين، ويقولُ في ذلك:</p>
<p dir="rtl" style="margin-right:40px"><span style="color:#4e5f70">"إن المكان لا يتحول إلى وطن إلا بفضل الضغوط التي يمارسها البشر على المكان، وتمثل بمجموعها أولى صور غزو الإنسان للطبيعة. إذ يضفون على المكان - من خلال هذا الغزو -الهوية أو الماهية التي تكون في سبيلها إلى التكون. وبذلك يخرج المكان من عزلته وتجرده ولامبالاته، ويتحول بفضل هذه الضغوط مجتمعة إلى وطن لهذه المجموعة البشرية دون غيرها".</span></p>
<p dir="rtl">هذا يعني أنّ وجودَ النازحينَ في خيامٍ منصوبة على أرضٍ جرداء قد يُحوّلُ تلكَ الأرض، بفعلِ الممارسةِ البشريّةِ والروحيّة التي يُسبغُها الناسُ عليها من مكانٍ "لا مبالٍ" مجرّدٍ غير معيّنٍ، إلى مكانٍ مُعرّفٍ، يستمدُّ تعريفَهُ من نشاطهم البشريّ، أي من وجودهم الماديّ ونشاطهم الروحيّ فيه. ههنا يتحوّلُ ما كانَ هامشًا لمتنٍ مسلوبٍ إلى متنٍ جديد. ومن يدري، التجاربُ الإنسانيّة، والفلسطينيّة بخاصّة، تؤكدُ إمكانيّةَ وجودِ هامشٍ جديدٍ له، وهكذا يدورُ الفلسطينيونَ في حلقةٍ مفرغةٍ يبحثونَ فيها عن الوطن، المتن، فلا يحصلون إلّا على المنفى، الهامش!</p>
<p dir="rtl">إذن، فإذا كان المكانُ يتصفُ عند فلاسفة وعلماء كثر بأنّهُ مجرّد ذو ثلاثة أبعاد غير مرتبطٍ ببلدٍ محدد أو دولة وهو أقرب لأن يكون نقطةً ذهنيّة مجرّدة، وهو على ذلكَ ليسَ وطنًا، فإنّ الوطنَ ليسَ المكانُ كُلُّهُ بكاملِ تجريدِهِ، إنما قطاعٌ من المكانِ يملأهُ البشرُ فينتزعونهُ من عزلتهِ وتجرّدهِ ولا مبالاته:</p>
<p dir="rtl" style="margin-right:40px"><span style="color:#4e5f70">"وبينما يكون بوسعنا القول عن المكان المجرد بأنه اللامبالاة المطلقة وعدم الاكتراث التام، فإن تحول جزء من المكان إلى وطن معناه الارتقاء بهذا المكان إلى التعيُّن والاكتراث والمبالاة التامة".</span></p>
<p dir="rtl">هذا فيما يخصُّ المكانَ، لكن ماذا عن الزمان؟</p>
<p dir="rtl">يذهبُ الدكتور سلامة في مقالتهِ البديعة إلى أنّ الناسَ لا يكتفونَ بخلعِ التجرّدِ عن المكانِ عبرَ نشاطهم فيه ليصيرَ وطنًا، بل إنّهم يفعلون ذلكَ مع الزمان أيضًا، إذ إنّ هذا الأخير يساهم بتعيينِ المكانِ أو قطّاعٍ منه وإخراجهِ من عزلتهِ ولا مبالاته، لكنّهُ على الرغم من ذلك يبقى مجرّدًا هو الآخر يُمكنُ اعتبارُهُ محضَ مقياسٍ وعدّادٍ للحركة، لولا أنّ الفعلَ الإنسانيّ يمنحُهُ تلك الخصوصيّة التي تُخرجُهُ من كونِهِ "زمانًا" ليصيرَ "تاريخً" شعبٍ محدّد.</p>
<p dir="rtl">إنّ اقتلاعَ شعبٍ ما من أرضِهِ، كما يحدثُ مع الفلسطينيين هذه الأيام، وحدثَ ويحدثُ مع غيرهم أيضًا، إنما هو اقتلاعٌ من المكانِ والزمانِ معًا، وإعادةٌ لهذينِ الأخيرين إلى الحالة المجرّدة، وإجبار هذا الشعب على الحياةِ في الهامش عبر إخراجهِ من المتن.</p>
<p dir="rtl">المشكلةُ في ذلك الاقتلاع، أو من بين مشكلاته، أنّ الحياةَ الجديدةَ للنازحين واللاجئينَ على السواء عصيّة على إمكانياتهم على خلقِ تغيير فيها. فالذينَ انتزعتهم آلة الحرب الإسرائيليّة من شمالي قطاعِ غزّة إلى جنوبه عاشوا في خيام منصوبة في صحراء، ما لبثوا أن اضطرّوا لحملها والانتقالِ معها إلى أماكنَ أخرى، أي أنّ الفعلَ البشريّ الوحيدَ الذي كانوا مهجوسينَ فيه وقادرينَ على القيام بهِ تحتَ أيّ ظرف هو النجاة فحسب، والهربُ بغرضِ النجاةِ لا يُمكنُ أن يُشكّلَ هويّةَ شعبٍ، ويجبُ ألا يكون كذلك، ولا يُمكنُ تخيّل الهرب بغرض النجاة فعلًا بشريًا مكافئًا لمُشكّلاتِ الهويّة مثل الثقافة بمعناها الواسع الذي يشملُ المنظومةَ القيميّةَ وطُرُزَ الحياةِ من مأكلٍ وملبسٍ وتراثٍ وأنماط عيش. ليست النجاةُ مُعادلًا لكلّ هذا في تشكيلِ هويّةِ شعب.</p>
<p dir="rtl">يقولُ يوسف سلامة:</p>
<p dir="rtl" style="margin-right:40px"><span style="color:#4e5f70">"لنمط الوجود في المخيم تكلفة إنسانية هائلة، تتمثل في أن قاطن المخيم يحيا في مكان مستعار ليس له عليه سلطان، فهو لا يستطيع أن يغير فيه شيئاً، ليجعله أكثر جمالا، أو ليزيل بعض ما فيه من قبح. إنه لا يستطيع أن يزرع، ولا أن يبني بيتًا. فبيت اللاجئ خيمة، وقبره حفرة مهملة تحمي الأنوف من رائحة نتنة لجثة مجهولة الهوية. ولم يكن الأمر كذلك إلا لأن نمط الوجود في المخيم معناه أن المكان غير مبال بشاغليه، لأنهم محض كائنات لا يشعر المكان بوجودها".</span></p>
<p dir="rtl">ذلك الهروبُ المتكرّرُ نحو اللا وطن، يجعلُ اللاجئين يعتاشونَ على الذاكرة التي تأخذُهم إلى حيثُ كانوا قادرينَ على الفعلِ الإنسانيّ المُشكّلِ لهويّتهم الخاصّة المتفرّدة التي تُميّزهم عن سواهم، الفعل الذي انتزعَ لهم وطنًا محددًا من المكانِ المجرد وتاريخًا محددًا من الزمان المجرّد.</p>
<p dir="rtl">المفارقةُ التي تشبهُ فكاهةً سوداء، هي أنّ يوسف سلامة نفسه أُجبرَ على الحياةِ في هوامشَ كثيرة، حاولَ فيها جميعًا خلقَ ذلك الفعلِ الإنسانيّ المؤثر الذي يجعلُ المكانَ ينتسبُ إلى البشرِ وليس العكس، ابتداءً من نزوحه الأول مع عائلتهِ من قريتهِ أمّ الزينات في قضاء حيفا التي ولد فيها عام ١٩٤٦، مرورًا بمخيّمِ اليرموك جنوبيّ العاصمة دمشق حيث عاشَ وانتمى، وانتهاءً بالمنفى الشماليّ البارد في مدينة مالمو جنوب السويد.</p>
<p dir="rtl">هوامشُ عدّة لذلك المتنِ المفقودِ الذي يُجبَرُ اليومَ أكثر من نصفِ الفلسطينيين على الحياةِ خارجه تحتَ أبصارِ العالم بأسره.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img fetchpriority="high" decoding="async" alt="Sliman Mansour, Camel of Hardship, 1973" height="1200" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Camel-of-Hardship-1973-�-58x37_5-2.jpg" width="765"></div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21542">النكبة الثانية... هوامش كثيرة لمتنٍ مفقود</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>التحريض ضد السوريين... من يجيب عن الأسئلة؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21512</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 17 Apr 2024 11:49:15 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آراء]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%b6-%d8%b6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%86-%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a8-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%a6%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يُذكّرُنا خطابُ الموجة الجديدة/القديمة من العنصريّة ضدّ اللاجئين السوريين في لبنان، والذي عادَ إلى الواجهة خلال الأيام الماضية، على خلفيّةِ مقتلِ باسكال سليمان، المسؤول في حزب القوات اللبنانية، بما قالَهُ الكاتب الراحل والمسؤول الأسبق الرفيع في حزب الكتائب جوزف أبو خليل، في مقابلتهِ ضمن برنامج المشهد في العام ٢٠١٧ مع الإعلاميّة (الراحلة أيضًا) جيزيل خوري، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21512">التحريض ضد السوريين... من يجيب عن الأسئلة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">يُذكّرُنا خطابُ الموجة الجديدة/القديمة من العنصريّة ضدّ اللاجئين السوريين في لبنان، والذي عادَ إلى الواجهة خلال الأيام الماضية، على خلفيّةِ مقتلِ باسكال سليمان، المسؤول في حزب القوات اللبنانية، بما قالَهُ الكاتب الراحل والمسؤول الأسبق الرفيع في حزب الكتائب جوزف أبو خليل، في مقابلتهِ ضمن برنامج المشهد في العام ٢٠١٧ مع الإعلاميّة (الراحلة أيضًا) جيزيل خوري، في إطارِ مراجعتِهِ لسنواتِ الحرب الأهليّة وما سبقها وما تلاها، حينَ قالَ بأسىً صادق إنهُ وعلى الرغمِ من أنهُ لم يكن مقاتلًا، إلا أنّهُ لا يُبرّئُ نفسَهُ من المشاركَة في الحرب، من خلال امتلاكِهِ لمنبرٍ كان يقومُ من خلالهِ بالدفعِ إلى الاحتراب عبر تحريضِ المتحاربين، وقالَ في موضعٍ آخر جملتهُ التي تستحقّ التفكير: إنّ الإنسان يرفعُ صوتَهُ تلقائيًا إذا وضعتَ ميكروفوناً أمامه!</p>
<p dir="rtl">تُثبتُ دراساتُ الحروب الأهليّة أنّ نسبةً معتبرةً منها (إن لم تكن كلّها!) تشتركُ فيما بينَها بأنّ لها مجموعة من الوصفاتِ السحريّة للاقتتال: استعصاءٌ سياسيّ، حكومة ضعيفة تفتقد للسلطة، أو أخرى تفتقدُ للشرعية، تردٍّ اقتصاديّ وتصاعد مخيف للشرائح التي تعيشُ تحت خطّ الفقر، فضلًا عن البطالة وانعدامِ الفرص ونقص الموارد، تحريضٌ طائفيّ، تمييز عنصريّ أو عرقي، عدم استقرارٍ عام، أو إحساسُ فئاتٍ معيّنة بأنّها مغبونة الحقوق، فإذا وقعتْ عليها مَظلمةٌ، واستُمرئ ظلمُها ودام، وأٌقفِلتْ أبواب الرجاء، فقد تلجأ هذه الفئة إلى العنفِ في محاولةٍ لاستعادةِ المسلوبِ، أو لردّ المظلمة.</p>
<p dir="rtl">فإذا كان كلّ سببٍ من هذه الأسباب يكفي لوحدهِ لإشعالِ معركةٍ أهليّة، فإنّ اجتماعَها - أو معظمَها - في بلدٍ واحدٍ ضمنَ مجتمعٍ واحدٍ، كما في الحالةِ اللبنانيّة، تزامنًا مع جبهةٍ مشتعلة مع إسرائيل، وانقسامٍ حادٍ في المجتمع على الجهةِ التي تتولّى مهمة مواجهة الاحتلال وتستولي عليها، ممثلة بحزبِ الله (ولأسبابٍ أقدم وأكثر جذريّة من معركتهِ الحاليّة ضدّ إسرائيل) بالإضافة إلى مجاورة بلدٍ تحتلّهُ خمسة جيوشٍ أجنبية وعصابةٌ عائليّة حاكمة ساعدَها حزبُ الله تحديدًا في حربِها ضدّ السوريين، اجتماعُ كلّ تلكَ الأسباب في بلدٍ واحدٍ يجعلُ نجاتَهُ من براثنِ الحربِ ضربًا من ضروبِ المعجزات، ودليلًا دامغًا على أنّ المُعجزات يمكنُ أن تحدث!</p>
<p dir="rtl">ولكي لا يفتقرَ فيلمُ الرّعبِ إلى التشويق، ولكي لا يخلو من قنبلةٍ موقوتةٍ قد تغيّرُ مسارَ الأحداث، سيصيرُ وجودُ نحو مليوني لاجئٍ سوريّ هربوا بثيابِهم وبأسِرهم الناقصة للحفاظِ على ما تبقى منها، الشمّاعةَ المُثلى لتعليقِ كلّ أسبابِ الاستعصاء السياسيّ والاقتصاديّ على كواهلهم من جهة، وكيسَ المُلاكمةِ المثاليّ المتوفّر مجانًا لتمرينِ قفّازاتِ الذين يعجزون عن مواجهةِ الحِمار، فيكتفونَ بالنيلِ من البردعة!</p>
<p dir="rtl">ورغم أنّ مقاطع الفيديو المتداولة عمّا تعرّضَ – وما زال يتعرض - لهُ سوريون في بعض المناطق اللبنانية خلال الأسبوع الفائت، عقب اكتشافِ جثّة باسكال سليمان في سوريا، حظيت بعددٍ هائلٍ من المشاهداتِ، إلا أنها لم تكن كافيةً لمنع سياسيين ومسؤولين حزبيين ووزراء عن التحريضِ العلنيّ ضدّ اللاجئين السوريين في لبنان، لمجردِ وجودِ ميكرفونات أمامهم، على ما يحملهُ ذاك من خطرِ على حياةِ أولئكَ اللاجئين، في ظرفٍ مُهيّأ لانفلات الأعصاب والأفعال من كلّ عقال.</p>
<p dir="rtl">وإذا كانَ حزب القوّات اللبنانيّة، حاولَ من خلالِ بياناتهِ وعبرَ مسؤوليه وبعض أنصاره رفضَ التحريض وتعميم العقوبة، ورفضَ في الوقتِ ذاتِه الروايةَ التي ذهبت إلى أنّ الراحلَ قُتلَ من قبل عصابةٍ كانت تهدفُ لسرقةِ سيارته، واعتبرَ الجريمة تندرجُ ضمن خانةِ الاغتيال السياسيّ حتى يثبتَ العكس، والذي يعني فيما يعنيه أن لا اضطلاعَ للاجئين السوريين بها إذ لم يسجّل لحزب القوّات اشتراكًا في المقتلة السوريّة، بل سُجّل لهُ موقفهُ المعارض للنظام الذي تسبب بتهجيرهم، إلا أنّهُ دعا في الوقت نفسهِ إلى عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، كلٌّ حسبَ اصطفافهِ السياسيّ، بما أنّ هنالكَ مناطق "آمنة" تخضع لسيطرة نظام الأسد وأخرى تحت سيطرةِ المعارضة. وهي مقاربة غريبة، تلتقي، على نحوٍ أو أخر، مع الإعلانات الطرقية التي شاعت في بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا والدانمارك، والتي كانت تدعو السوريين للعودة إلى بلادهم التي "باتت آمنة" من أجلِ بنائها وبناء مستقبلها، أي أنها تفتقرُ لحساسيّةِ معرفةِ الوضعِ السوريّ عن كثب، فأيّ المناطقِ آمنة في سوريا؟!</p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم من وجود أصواتٍ كثيرةٍ حتى اللحظة تعزو أسباب الحربِ الأهليّة اللبنانية إلى الوجود الفلسطينيّ في لبنان، ورغم أنّ الراحل جوزف أبو خليل نفسه أرجعَ أسبابَ الحربِ الأهليّةِ اللبنانية إلى غيابِ الدولة اللبنانية وعدم مقدرتها على ممارسة دورها وسقوط سيادتها مع وجود قوىً مسلّحة (فصائل منظمة التحرير الفلسطينية) مستقلّة ماليًا وعسكريًا وسياسيًا لا تخضعُ لسلطانِ الدولةِ، وتحظى بتشريعٍ ومباركةٍ عربيّينْ.</p>
<p dir="rtl">فإنّ ثمّة فوارق كبيرة وكثيرة تباعدُ بين حالةِ اللجوء السوريّ في لبنان والحالةِ الفلسطينية سابقًا، فاللاجئون السوريون ليسوا فصائل مسلحة، على الرغم من التصريحات التي أطلقها وزير المهجرين اللبنانيّ وأعلنَ فيها وجودَ نحوِ عشرين ألف مقاتل مسلّح في مخيّمات اللجوء السورية في لبنان، حازمًا قاطعًا غيرَ مترددٍ، متجاهلًا طرح التساؤلاتِ البسيطة الواجبة والحال هذه، كأن نتساءلَ عن تبعية أولئكَ العشرين ألف مقاتل؟ هل يخضعونَ لسلطةِ الجيشِ السوريّ الحرّ الذي أصدرَ بيانًا أدانَ فيهِ جريمةَ اغتيال باسكال سليمان، وقدمَ التعزية "للحكيم المناضل" سمير جعجع؟ أم يتبعونَ لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)، التي تسيطرُ على جزء من الأراضي السورية وتعيشُ فترةَ اضطراباتٍ كبيرة في مناطق نفوذها مع مظاهراتٍ واحتجاجاتٍ توحي ببوادر انتفاضةٍ على سلطةِ قائدها أبو محمد الجولاني؟ هل يريدُ الجولاني تصديرَ أزماتِهِ الداخليّة أسوةً بما تفعلُهُ الدول عادةً بتسليحِ عشرين ألف مقاتل في مخيمات لبنان، الخاضع، على نحوٍ أو آخر، لسلطةِ حزبِ الله التي تُقاتلُ إلى جانب النظام السوريّ؟ وكيف يسمحُ الجيشُ اللبنانيّ وحزب الله وبقيّة الأحزاب "السياسية" المسلّحة في لبنان بوجودِ عشرين ألف مقاتلٍ مسلحٍ بين ظهرانيهم؟</p>
<p dir="rtl">لا غنىً عن القولِ أيضًا، إنّهُ إذا كانت منظمة التحريرِ الفلسطينية حظيتْ بوقتٍ من الأوقات بغطاءٍ ومظلّةٍ عربيّة، انتزعتهما لأحقيّتها في المقاومة، ولوضوحِ هدفِها وتراصّ صفوفِها وتنظيميتها فائقة الدقّة، ناهيك عن الشخصية الكاريزماتيّة للرئيس ياسر عرفات، فإنّ كلّ هذا لا ينطبقُ على حالةِ اللاجئينَ السوريين في لبنان، فهو من ناحية لا ينطبقُ على أيّ محاولةٍ سوريّة لخلقِ جسمٍ سياسيّ جامع يُمثّلُ القضيّة السورية ويفرضُ نفسهُ وأحقيّة قضيّتهِ على العالم بأسرهِ ويساهم بحماية السوريين في أيّ بقعةٍ من بِقاعِ الأرض. ومن ناحية أخرى ليسَ هنالكَ بين السوريين أيضًا من يلعبَ دورَ أبي عمار!</p>
<p dir="rtl">والأهمّ، أنّ المظلّة الوحيدة التي تحمي سوريي المُخيّمات المعارضين لنظام بشّار الأسد، إنما هي السماء ولا سواها، فالعربُ، دولًا وجامعةً (إلا من رحم ربي) اتخذوا قرارَ إعادةِ النظامِ إلى الحضنِ العربيّ، وأغلبيّة دولهم لا تمنحُ السوريين تأشيراتِ دخولٍ إلى أراضيها إلا في حالاتٍ محددة في بعض الدول ونادرة في بعضها ومستحيلة في دولٍ أخرى، وهي حالات لا تنطبق غالبًا على سوريي المخيّمات!</p>
<p dir="rtl">والحقيقة أنّ الطبقاتِ الأشدّ فقرًا من اللاجئين السوريين هي الأكثر تضررًا في حالات الهياج العام وغيابِ الضابطِ للانفلاتِ السلوكيّ، كالحالة التي نعيشها هذه الأيام.</p>
<p dir="rtl">ويصحّ والحال هذه أن نتساءلَ عن الدافعِ الذي يُبقي على اللاجئينَ السوريين في لبنان، تحت خطّ الفقر بخطوطٍ كثيرة، ضمن ظروفٍ غير صالحة للحياة البشريّة في مناطق عدة، ومع شعورٍ دائمٍ بالتهديد والخطر؟</p>
<p dir="rtl">هل يُمكنُ أن يكون هنالكَ سبب أكثر ترجيحًا من أنّ ما ينتظرهم في سوريا (المكان الوحيد الذي يفترض أنهُ قابل لاستقبالهم) ليس حياةً قاسيةً فحسب، فتلك يعيشونها في لبنان، بل الموت حصرًا؟!</p>
<p dir="rtl">لا تخرجُ موجة الخطاب التحريضيّ ضدّ السوريين في لبنان هذه الأيام عن سابقاتها من حيثُ أنّها لا تخلصُ إلا إلى سؤالٍ واحد: إلى متى؟!</p>
<p dir="rtl">ولا تخرجُ عن سابقاتها أيضًا من حيثُ أنّها لا تريدُ أن تصدّق أنّ الإجابة على سؤالِ الـ إلى متى الذي يستجدي زمنًا واضحًا ومحددًا إنما هي في دمشق. ونظامُ دمشق ليسَ يعطي بالًا للأزماتِ التي يخلّفُها اللجوء السوريّ على حياةِ المواطن اللبنانيّ، فهو لم يكن معنيًا بحياة السوريين أنفسهم ليكون معنيًا بحياةِ سواهم، بل إنّهُ كان معنيًا أكثرَ بموتهم وموتِ سواهم.</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21512">التحريض ضد السوريين... من يجيب عن الأسئلة؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الرسالة والمرسِل والمرسَل إليه: قراءة في خطابات نتنياهو خلال الحرب</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21393</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 04 Dec 2023 09:18:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%b3%d9%90%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%b3%d9%8e%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%8a%d9%87-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>"لا تستوحشوا طريقَ الحقّ لقلّة سالكيه" الإمام عليّ ابن أبي طالب   ارتكزت خطابات وتصريحات بنيامين نتنياهو خلال أيام العدوان الصهيونيّ على قطاع غزّة على فكرتين رئيسيتين انطلقت منهما رسائل ثلاث وجّهها رئيس وزراء دولة الاحتلال "إلى من يهمّهُ الأمر": فكرةُ شيطنةِ العدوّ، وفكرةُ الصراعِ الحضاريّ. من هاتين الفكرتين (الكلاسيكيّتين في خطابات الحروب) توجّهت الرسائل [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21393">الرسالة والمرسِل والمرسَل إليه: قراءة في خطابات نتنياهو خلال الحرب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">"لا تستوحشوا طريقَ الحقّ لقلّة سالكيه"</span></p>
<p dir="rtl" style="margin-right:120px"><span style="color:#7f8c8d">الإمام عليّ ابن أبي طالب</span></p>
<p> </p>
<p dir="rtl">ارتكزت خطابات وتصريحات بنيامين نتنياهو خلال أيام العدوان الصهيونيّ على قطاع غزّة على فكرتين رئيسيتين انطلقت منهما رسائل ثلاث وجّهها رئيس وزراء دولة الاحتلال "إلى من يهمّهُ الأمر": فكرةُ شيطنةِ العدوّ، وفكرةُ الصراعِ الحضاريّ. من هاتين الفكرتين (الكلاسيكيّتين في خطابات الحروب) توجّهت الرسائل إلى جمهورٍ مُستهدفٍ ومُحدّدٍ بدقّة. ثلاثُ جبهاتٍ توجّهَ إليها السياسيّ الصهيونيّ الذي أسسَ في أواخر السبعينيات معهدًا لمكافحة الإرهاب، ثمّ تزعّم حزب الليكود اليميني في وقتٍ لاحق. الجبهة الأولى ضمّنها في خطاباتهِ إلى جنودِهِ منذ أيام العدوان الأولى باستخدامِهِ لآياتٍ توراتيّة تسترجعُ ما حلّ ببني إسرائيل في تيههم الكبير في شبهِ جزيرة سيناء، إثرَ معاركَ خاضوها ضدّ أقوامٍ من البدوِ سكنت المنطقة يسمّون "عماليق" وفق ما جاء في العهدِ القديم. وقال نتنياهو لجنودهِ في إحدى الرسائل التي وزّعها مكتبُ رئاسة الوزراء "يجبُ أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم كما يقولُ لنا كتابُنا المقدس". وقد جاء في سفرِ التثنية "اذكر ما فعله بك عماليق في الطريق عند خروجك من مصر". مع الزمن بات استخدامُ عماليق ذو دلالةٍ في "التقليد اليهودي" على ما يذهبُ إليه مقال معتزّ الخطيب المنشور في موقع الجزيرة نت بتاريخ الثالث من نوفمبر الفائت، ويحمل عنوان "أخلاقيات الإسرائيليين في الحرب"، ويقول الخطيب في مقاله إنّ "مدلول "عماليق" -في التقليد اليهودي- بات أوسع من مجرّد الإحالة إلى واقعة محددة هي نفسها محل إشكال من الناحية التاريخية؛ فعماليق باتت ترمز إلى "الآخر"، وعماليق والقبيلة البدوية باتت تمثل -في الثقافة اليهودية- "ذروة الشر الجسدي والروحي" بحسَب جيرالد كرومر (Gerald Cromer).</p>
<p dir="rtl">وفي الآية الثالثة من سفر صاموئيل وردَت "عماليق" على نحوٍ يؤكدُ الفكرة السابقة، إذ جاء: </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا.</span></p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">للسامريين رأيٌ آخر</span></strong></p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم من وجودِ رواياتٍ متضاربة حول من هم الأقوام الذين خرجوا وعاشوا التيه في صحراء سيناء، ما يؤكّدُهُ أبناءُ الطائفةِ السامريّةِ في فلسطين، وهي أصغرُ طائفةٍ في العالم ولا يتجاوزُ عددُ أفرادِها نحو ثمانمائة شخص، يعتبرون أنفسهم السلالة الحقيقية لبني إسرائيلَ، وهم الذين عاشوا التيه، ويؤكدون أنهم سامريون وليسوا يهودًا، وهم ليسوا صهاينةً طبعًا، إذ إنّ الفوارق بينهم وبين اليهود وصلت إلى سبعةِ آلاف فارق من بينِها أنهم لا يؤمنون إلا بالأسفارِ الخمسةِ الأولى من التوراة ولا يعتبرون الهيكل موجوداً في القدس، ولا يعتقدون بقدسيّة القدس لدى بني إسرائيل، بل جبل جرزيم في نابلس. على ذلك فإنهم كجماعةٍ ليسوا مضطلعين بالصراع العربي الصهيوني. إلا أنّ هذا التضاربَ لم يُثنِ رئيس الوزراء من استخدامِ النصوص الدينيّة المقدّسة مذكرًا بما قاساهُ بنو إسرائيل، ومُسبغًا على أعدائهم صفاتٍ شيطانيّة توجبُ قتالهم من خلالِ تلك النصوص.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">كلاسيكيّة العدوّ الشيطان</span></strong></p>
<p dir="rtl">شيطنةُ العدوّ فكرة شديدة الكلاسيكية في الحضارة الإنسانيّة، ولطالما دأبت الأديانُ على استخدامِها، ويبدو أنها ما تزالُ تُحقّقُ نتائج مُرضية ليظلّ استخدامُها شائعًا حتى أيامنا هذه.</p>
<p dir="rtl">في كتابِ "الحرانيون السومريون – في أصول ومُعتقدات العشائر الزراعية في الجزيرة والفرات" توقّفَ الباحثان قصي المسلط الهويدي وخلف علي الخلف عند الرسالةِ الثانية التي وجهها بولص الرسول إلى أهل ثيسالونيكي، وقدّما تأويلًا لتعبير The man of sin الذي ورد في الرسالة وتُرجمَ من اليونانيّة إلى اللغات الأخرى، وجاءت ترجمتُهُ إلى اللغة العربية في عمومِ الأناجيل بـ "رجل الخطيئة". وسين هو الإله القمر في العقائد السومريّة والحرّانية، وقد جاء في الإصحاح الثاني من الرسالة:</p>
<p dir="ltr"><span style="color:#4e5f70">2:3. Let no man deceive you by any means: for unless there comes a revolt first, and the man of sin be revealed, the son of perdition.</span></p>
<p dir="rtl">ونرى ورودَ إنسان الخطيئة، وابن الهلاك، في وصف The man of sin. وهذا هو تأويلُ الباحثين، الذين ارتأيا أنّ المقصود في العبارة السابقة ما هو إلا الإله سين نفسه. وسواء كان تأويلُ الباحثين مصيبًا أم لا، فإنّ بولص الرسول في إطارِ سعيهِ التبشيريّ دأبَ على شيطنةِ الآخر والدعوةِ إلى قتاله. ورغم مرورِ قرابة ألفي سنةٍ على تلك الرسالة، إلا أنّ صلاحيّتها لم تنتهِ حتى اللحظة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الصهيونيّة والدفاع عن الحضارة</span></strong></p>
<p dir="rtl">أما الجبهة الثانية التي وجّهَ إليها نتنياهو رسائلهُ المباشرة فكانت "الدول المتحضّرة" على حدّ تعبيره، فقد قال في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع نظيرهِ (بالمعنى الفكري أيضًا) الروماني مارسيل سيولاكو الذي كان أول رئيس وزراء أجنبي زار إسرائيل بعد بداية العدوان إنّ إسرائيل تخوضُ "حرب جميع الدول المتحضرة". وقال لاحقًا إلى أنّها "حرب الحضارةِ ضدّ الهمجية". بُنيةُ خطاب نتنياهو لم تأتِ من فراغ، فاعتبار أنّ العدوان يقع ضمن إطار الصراعِ الحضاريّ، والفكرة التمييزية التي تنطوي عليها نظرية الصراع الحضاريّ ليست جديدة، إنما هي نظرة بدأت في أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين، وشاعت في أواخرِ القرنِ العشرين وبدايات القرن الحالي، واعتُبرت مانيفيستو للتياراتِ اليمينية التي تميلُ إلى الانعزال والهيمنة. وليس كتاب "صراع الحضارات" لصاموئيل هنتنغتون مصدرها إنما هو خلاصتها. الكتاب الذي بدأ كمقالٍ في العام ١٩٩٣ وطوّرهُ صاحبُهُ إلى أن صار نظريةً وكتابًا نُشر بعد ذلك بثلاث سنوات، طرحَ شكلًا تقسيميًا مختلفًا للعالم، مبنيّ على أسس تتعلقُ بالهوية الثقافية لدى الشعوب. اعتبرَ هنتنغتون أنّ عالم ما بعد الحرب الباردة عالمٌ مكوّنٌ من عدد محدد من الحضارات، وأنّ العوامل الثقافية المشتركة والاختلافات هي التي تشكّلُ قاعدةَ المصالح وتلعبُ دورًا في الخصوماتِ وتقاربِ الدول. ويلفتُ الانتباه أنّ تقسيمة الفيلسوف والأكاديميّ الذي كان مخططًا أمنيًا في ولاية الرئيس جيمي كارتر، ومستشارًا لنائب الرئيس جونسون، ارتكزت على الانتماءات الدينية، في مفارقةٍ شديدة الغرابة (وسيّئةِ الطويّة على الأرجح)، إذ تُرجّحُ هذه النظرة التي صارت نظريّةً أنّ الانتماءات الدينيّة هي التي تحرّكُ الحضارات. وكأنّ الأديانَ وُلدت قبل الحضارة الإنسانيّة! ثمّ وفي مفارقةٍ أخرى لا تقلٌّ غرابةً يعتبرُ هنتنغتون أنّ ولعَ المسلمين بالعنف والقتال هو من حقائق القرن العشرين، وكأنّ المُسلمين هم من خاضوا حربين عالميّتين راح ضحيّتهما أكثر من ستين مليون شخصًا خلال النصف الأول من القرن العشرين، أو كأنهم كانوا قادةَ الحربِ الباردة، وصراع العالم متعدد الأقطاب!</p>
<p dir="rtl">ورغم إيلائهِ أهميّة كبيرة للتطور المذهل في وسائل الاتصال والعولمة وقدرة المجتمعات على الوصول إلى بعضها البعض، إلا أن هنتنغتون ظلّ مصرًا على أنّ ثمّة صراع حضاريّ يحكمُ علاقةَ البشر ببعضهم البعض، النظريّةُ التي تُرجّحُ بالتالي كفّة شعبٍ على شعبٍ أو شعوب أخرى. وظلّ ميّالًا لانعزاليّة البشر والدول، يقول في كتابهِ "إن بقاء الغرب يتوقف على الأمريكيين بتأكيدهم على الهوية الغربية، وعلى الغربيين عندما يقبلون حضارتهم كحضارة فريدة وليست عامة، ويتّحدون من أجل تجديدها والحفاظ عليها ضد التحديات القادمة من المجتمعات غير الغربية." وهنا يُمكنُ الانتباه إلى أنّهُ اشترطَ لبقاءِ الغرب بمعناه السياسيّ أن يعتبرَ هذا الأخير أنّ حضارتَهُ خاصّة وليست عامةً، وأن يكون مستعدًا للتحديّاتِ القادمة من المجتمعات غير الغربية. أوليست هذه إحدى الأفكار التي تقومُ عليها الأحزابُ اليمينية الناهضة في العالم؟</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الإبادة حرصًا على مصلحة الضحايا</span></strong></p>
<p dir="rtl">ثالثُ جبهات الخطاب الصهيونيّ وجهها نتنياهو نحو التيّارات المُعادية لتيّار الإخوانِ المُسلمين، والتي وإن ضمّت في جبهتِها طيفًا من التيّاراتِ المؤيدة للربيع العربي، إلّا أنّ زعامَتها فعليًا بيد القوى التي قادت الثوراتِ المضادّة لثورات الربيع العربيّ ذاك. وفي خطابٍ لهُ قال نتنياهو: "إننا بحاجة إلى النصر ليس فقط من أجل أنفسنا، ولكن من أجل الشرق الأوسط، من أجل جيراننا العرب، من أجل سكان غزة الذين وقعوا في قبضة هذا الطغيان الأسود الذي كان قاسيا عليهم ولم يجلب لهم سوى سفك الدماء، والفقر والبؤس. نحن بحاجة للفوز لحماية إسرائيل والشرق الأوسط".</p>
<p dir="rtl">رسالةُ نتنياهو كانت لدولِ المنطقة، ولهذه الدول خصومات سياسية وصلت حدّ العداءات متفاوتة الشدّة والاستمراريّة الزمنيّة والمعارك الدمويّة مع تيّارات الإخوان المسلمين، سواء قبل ثورات الربيع العربيّ أو بعده، ولم تقتصر على قواعد وكوادر الجماعة، بل نالت من قياداتها، ووصلت إلى سجنِ رئيسٍ وصل إلى الرئاسة بانتخابات ديمقراطية، قبل أن يفارق الحياة، في محبسه!</p>
<p dir="rtl">قرّرَ نتنياهو أنّ كلّ سكان غزّة هم منظمة حماس وبيئتها الحاضنة، وأسِفَ في أكثر من مقابلة لأنّهُ لا يُمكنُ تجنّب وقوع الأخطاء في مثل هذا النوع من العمليّات العسكرية، أسِفَ لحالِ الغزازوة، بل واعتبرَ أنّهُ يخوضُ المعركةَ باسمِهم أنفسهم ضدّ تيّار الإخوان المسلمين. وبهذا يكونُ نتنياهو قد حاولَ القفز على كلّ حِبال الابتزاز الممكنة، حاربَ أعداء بني إسرائيل العماليق الشياطين، واستعانَ بالتوراة، وحارب أعداء الحضارةِ الهمجيين واستعانَ بنظريّاتِ السيد هنتنغتون، وحاربَ الإخوان المسلمين، ووصفهم بالدواعش والنازيين والبرابرة، مما يوحي بقصورٍ في فهمِ كلّ تيّار أو جماعةٍ من هؤلاء أيضًا.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الصوت اليهوديّ كمتغيّرٍ فاعل</span></strong></p>
<p dir="rtl">في خضمّ كلّ هذا تنامت على مدارِ أيّامِ العدوان حركة احتجاجيّة عالميّة طالت كلّ مفاصل الحياة العامّة، ومنها ما هو غير مسبوقٍ في تاريخ الصراع. وفرض حجم الدمار والعنف ولا منطقيّة الردّ الإسرائيلي على عمليّة طوفان الأقصى (هل هناك ردود منطقية على مقاومة المحتل؟!) بالإضافة إلى الرغبة والنيّة بالإبادةِ الجماعية التي كانت واضحة عند المسؤولين الإسرائيليين وتصريحاتهم الدمويّة المُفزعة، فرضت على العالم كلّهِ ابتداءً بالدول التي سارعَ قادتها لزيارة إسرائيل وإعطاء نتنياهو تفويضًا بالقيام بالمذبحة، بعضَ التفافٍ على الموقف أو تشذيبًا خجولًا له، وكانت أبرز الأصوات الناقدة والمحتجّة أصوات يهودية وقد أعطت القضية الفلسطينية خلال العدوان الأخير ثقلًا مضاعفًا في العالم بإعادة فتح ملفّ الفصل بين اليهوديّة والصهيونيّة. أصوات جاءت من شرائح يهوديّة مختلفة وضمّت مفكّرين ورجال دين وباحثين وطلابًا في الجامعات الغربية، لا سيّما الأمريكية، وفي مفارقةٍ لافتة، تعرّضَ بعضُ المُنخرطين في هذه الاحتجاجات في أمريكا تحديدًا إلى التضييق والاعتقال!</p>
<p dir="rtl">احتج اليهود أفرادًا ومنظماتٍ على الرّبط بينهم كديانة وبين الصهيونيّة فكرًا وممارسةً، ووصل الأمر إلى لفظهم أخيرًا تهمة العداء للسامية ونفورهم منها، بعد أن بات استخدامُها وفق البروفيسور اليهودي آفي شلايم "يُمارسُ للتغطية على جرائم الدولة الصهيونية". في ذلك السياق قالت الكاتبةُ اليهوديّة الأمريكيّة ماريون إنغرام التي تبلغ ٨٧ عاماً "أنا ناجية من الهولوكوست ومن أسوأ قصف خلال الحرب العالمية الثانية، أطلب إيقاف قتل أهل غزة. نحن نسمح للتاريخ أن يكرر نفسه مجدداً".</p>
<p dir="rtl">وبعد أقلّ من أسبوع على بدايةِ العدوان، منتصفَ أكتوبر الفائت أوقفَ مئات المتظاهرين من اليهود محطةَ القطارات المركزية في نيويورك في تظاهرةٍ رفعت شعارَ "لا تقتلوا باسمِنا" دعت إليها منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام". وفي حوارِ مصوّرٍ قال الحاخام الأرثوذوكسي الحنان بيك المقيم في بريطانيا ما لا يريدُ كثيرٌ من العربِ حتّى قولَهُ أو تصديقَه، رغمَ أنّهُ من نوافلِ القول في المجتمعات المختلطة دينيّاً وعرقيًا كمجتمعات هذه البقعة الجغرافية: "الفلسطينيون لا يكرهون اليهود، بل يكرهون الاحتلال، المشكلة ليست في الدين، إنما في الاحتلال والقتل وسلب الأرض من الناس".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">معركة القيمِ المُستقِرّة</span></strong></p>
<p dir="rtl">كلّ ذلك لم يمنع من انقضاء شهر ونصف الشهر على العدوانِ، لم يتغيّر خلالها حالُ الفلسطينيين الرابضين تحت وطأةِ الوحشيّةِ الصهيونيّة. الوحشية التي لطالما كانَ من أسبابِها الإحساسُ بالقدرةِ والاستطاعة، وغيابُ الإحساس بإمكانيّة المحاسبة، ذلك التفويضُ الذي صارَ عمرُهُ قرنًا كاملًا ويجدُ دائمًا من يدافعُ عنه، هو المتغيّر الأهم في المعادلةِ الحاليّة، إن في الولايات المتحدة التي بات يصعبُ التغاضي عن سماع صوت اليهود الرافضين للسلوكِ الصهيونيّ المدعوم أمريكيًا وغربيًا فيها، أو في أوروبا التي شهدت مظاهراتٍ غير مسبوقة في عواصم مهمة مثل لندن وباريس وبرلين وأودت في طريقِها بوزيرة الداخليّة البريطانية سويلا برافرمان التي انتقدت تساهلَ الشرطة مع المتظاهرين المؤيدين لفلسطين، وقد تُزعزِعُ منظوماتٍ كاملة مثل الاتحاد الأوروبي، فقد أثمرت المظاهرات الضخمة دول مثل إسبانيا وبلجيكا وصارتا تهددان وحدة صوتِ الاتحاد بخروجهما عن السياق وتحذيرهما بوضوح بأنهما قد تتخذان خيارات مختلفة لخيارات الاتحاد إذا لم يعترف هذا الأخير بدولة للفلسطينيين ضمن إطار حلّ الدولتين.</p>
<p dir="rtl">القيمُ المُستقرّةُ في "العالم الأول" كالديمقراطيّة قد تلعبُ دورًا حاسمًا في تعزيزِ هذا المُتغيّر الجديد، فالقضيةُ بالنسبةِ لكثيرين لم تعد معركة فلسطين، إنها معركةُ الحريّة الفردية والجماعيّة، والحقّ بالقول والنقد والاحتجاج بدون التعرض لتهم من قبيل "النيل من هيبة الساميّة"، وبدون اتخاذ إجراءات عقابيّة بسبب الموقف السياسيّ، وهذا من أهمّ الركائز التي قامت عليها الدول الحديثة، والقولُ بغيرِ ذلك نكوصٌ بالنسبةِ للقيم التي تتبنّاها هذه الدول وتُدرِجُها في مناهجها المدرسية وعليها ينشأُ الناس. وعلى ذلك فقد خرجت المسألة الفلسطينيّة من حيّزِ كونِها قضيّةً تخصُّ الفلسطينيين والإسرائيليين لوحدِهم، رغم كلّ محاولاتِ التقارب الإسرائيليّة العربيّة، والتي من شأنِها عزل الفلسطينيين في مواجهةِ الدولة الصهيونيّة وداعميها الكثر. ومحاولة التنصّل من الحقّ الفلسطينيّ باعتبارِ الحقّ مسألةً نسبيّة (أحيانًا!) وبتبريرِ السلوكِ الصهيونيّ بدوافعَ لدى الأنظمة العربية ولدى جزء من مجتمعات العالم العربي تتعلّق بالحذر والخوف والخصومة، التي لم تكن كيديّة دائمًا ولها سياقات تُفسّرُ أسبابَها، مع جماعة الإخوان المسلمين واستطالاتِها، ومع التيّارات الإسلاميّة عمومًا. ولعلّ ما قاله البروفيسور اليهودي نورمان فينكلشتاين أستاذ العلوم السياسية الأكاديمي والناشط الذي ينتمي لأبوين قُدّرت لهما النجاة من المحرقة "إذا أردتم تفكيك حماس وتدميرها، فعليكم أن تدمروا الحكومة الإسرائيلية وتفككوها" يمكنُ اعتبارُهُ الردّ المناسب على تلك المبررات، لا من الناحية الأخلاقية فحسب، بل من الناحية السياسية أيضًا.</p>
<p dir="rtl">لكن مهلًا، هل تقولُ السوسيولوجيا شيئًا آخر؟!</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21393">الرسالة والمرسِل والمرسَل إليه: قراءة في خطابات نتنياهو خلال الحرب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>فلسطين، القضية السهلة الصعبة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21350</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 26 Oct 2023 07:00:37 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d8%8c-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%87%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b9%d8%a8%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>لعلّ السمةَ الأوضح للقضيّة الفلسطينية في أذهان نسبةٍ كبيرة من شعوب العالم العربي أنها قضيّة سهلة. يسهلُ إعلانُ الموقفِ من القضيةِ الفلسطينية، على الرغمِ من ظهورِ تياراتٍ تُحاولُ طرحَ وجهاتِ نظرٍ مخالفة للسياق من زوايا عدّة ولأسبابٍ كثيرة، من بينِها ضرورة نزع القدسيّة وإنزال القضيّة إلى مصاف القضايا "الأرضيّة" بحيث يُمكنُ التفاوضُ لها وعليها، والمرونة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21350">فلسطين، القضية السهلة الصعبة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">لعلّ السمةَ الأوضح للقضيّة الفلسطينية في أذهان نسبةٍ كبيرة من شعوب العالم العربي أنها قضيّة سهلة. يسهلُ إعلانُ الموقفِ من القضيةِ الفلسطينية، على الرغمِ من ظهورِ تياراتٍ تُحاولُ طرحَ وجهاتِ نظرٍ مخالفة للسياق من زوايا عدّة ولأسبابٍ كثيرة، من بينِها ضرورة نزع القدسيّة وإنزال القضيّة إلى مصاف القضايا "الأرضيّة" بحيث يُمكنُ التفاوضُ لها وعليها، والمرونة تلك تحتاجُ إلى ما هو أدنى من المُقدّس ليتمّ التعامل معها بواقعيّة ووضع أهداف مرحليّة لها، قابلة للقياس والتحقّق. ولوجهاتِ نظر تلك التيّارات أسباب أخرى مثل محاربةِ النظمِ الحاكمة في المنطقة العربيّة بالتضادّ التام معها. فإذا كان اعتبارُ أنظمةِ الاستبداد العربيّ القضيّة الفلسطينية مركزيّة بغرض خلقِ مبرّرٍ لتسويف وتأجيلِ التنميةِ في بلادها، بل ونفي وتجريم أحقيّة المطالبة بالحريّة أيضًا وأولًا، ما دامَ المُحرّرُ منه ليس قوّةً خارجيّة، فإنّ المنطق يقولُ، بالنسبةِ لتلك التيّارات، أن نقفَ جميعًا ضدّ تلك الذريعةِ المرفوعةِ في وجوهنا بعصى أنظمتنا الغليظة.</p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم من واقعيّة تلك التيّارات، أو نزوعها إلى فرض الواقعيّة حتّى على مسائل الحقّ والحقيقة، إلا أنها تتخلّى، على نحوٍ يُثيرُ الاستغرابَ والرّيبةَ، عن واقعيّتها، إذ ترفضُ أفكاراً مثل تلاقي مصالح الخصوم في مسألةٍ ما وافتراقها في أخرى. كما وترفضُ الاعترافَ بواقعيّةِ أنّ كلّ ما يجري في فلسطين هو نتيجة طبيعية لواقعِ حالِ الشّعب الفلسطيني ومسارات قضيّته المتعرّجة والدامية. تنسى تيّارات الواقعيّة السياسيّة أحيانًا أنّ واقعَ فسادِ السلطات الفلسطينية سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة إنما يعاني منهُ الشعبُ الفلسطينيّ نفسُهُ قبل أي أحد. ولا يستقيمُ منطقٌ بجعلِ ذلك الفساد سببًا للتنصّل من الوقوف مع الشعب الفلسطينيّ لكي لا يواجه، فوق سلطته وسلطة الاحتلال وسلطات الدول المجاورة، الشعوب أيضًا! والمنطقُ لا يقول إن سوء إدارة المؤسسات الفلسطينية ينفي بالضرورة جوهريّة القضيّة (إذا كانوا يكرهون كلمة مركزية) وتأثيرها في حالِ دول وشعوبِ المنطقة، ذلك على الرغم من أنّ أنصار تلك التيّارات لا يبذلون جهدًا كبيرًا للوصول إلى الحقيقة التي لا يُمكنُ لأحدِهم إنكارها: أنّ لإسرائيل يد عليا في تحديد شكل أنظمة الحكم وآليّة الإدارة في دول جوار فلسطين والموافقة عليه.</p>
<p dir="rtl">وعلى أية حال، فإنّ هذه التيّارات رغم تناميها خلال العقد الأخير من القرن العشرين والربع الأول من القرن الواحد والعشرين ما تزال أقلّ عددًا وأضعف تأثيرًا ولم تستطع خلال ما يقاربُ الثلاثين عامًا إلى الآن أن تنزعَ عن القضيّة الفلسطينية سِمةَ السهولة.</p>
<p dir="rtl">وبالمقابل فإنّ هذا النّزوع (الذي قد يشبهُ الغيرةَ الطفولية) إلى فصلِ القضايا ثمّ خلقِ تمايزاتٍ جوهريّة بينها وبذلِ مجهودٍ في إثباتِ أحقيّةِ واحدةٍ على الأخرى، لم يكن حكرًا على شرائح من شعوب العالم العربي إزاء القضيّة الفلسطينية، بل إن العكسَ أيضًا صحيح، إذ إنّه كان موجودًا بدورِهِ عند قطّاعات ملحوظة من الشارع الفلسطينيّ تجاهَ قضايا الشعوب الأخرى، وفي الحالةِ السوريّة تحديدًا تلقّى السوريون صدماتٍ من شرائح متنوعة من فلسطينيين، لم يشكّلوا أغلبيةً طبعًا ولكنّهم لوحظوا، تجاه قضيّة الشعبِ السوريّ وانتفاضته في وجهِ نظام آل الأسد، وقد كان من بينهم كتّاب وصحفيون وشعراء وفنانون. ها هو العدوان الإسرائيليّ على قطّاعِ غزّة يُثبتُ للكلّ ما لم يكن بحاجةٍ للإثبات: الأسد لم يتحرّك لإنقاذ فلسطين، ولم يفتح الجبهات، في وقتٍ كان يُمكنُ لذلك أن يزيد المعضلة الإسرائيلية وفق رأي محللين كثر في العالم من بينهم ضباط استخباراتٍ سابقون ومسؤولون أمميون، مثل سكوت ريتر، أحد مفتّشي الأمم المتحدة عن الأسلحة النووية في العراق بين عامي ١٩٩١ و ١٩٩٨، والذي أكّدَ على ضعف القوات البريّة الإسرائيليّة، وحذّر في مقابلة تلفزيونية من أنّ الاجتياح البري لقطاع غزة سيجعلُ من أي حركة على الجبهتين السورية واللبنانية تضعُ حكومة إسرائيل، بل و"التجربة الإسرائيلية" برمّتها، كما أسماها ريتر، أمام تحدّي بقاء جدّي.</p>
<p dir="rtl">كما ولم يتحرّك الأسد لدعمِ حماس، وهو ما يُشكّلُ جزءً من ذرائع تيارات الواقعية السياسية لاتخاذِ موقفٍ "إنسانويّ" مما يجري في غزة، فيما يُشبهُ موقفَ شخصٍ ألمانيّ من القضية الفلسطينية!</p>
<p dir="rtl">يتجنّبُ دُعاةُ تحميل حماس مسؤولية ما جرى ويجري في غزّة بحجّة تجريم المسار المسلّح في الحالة الفلسطينية، أنّ فلسطين ليست محتلّةً منذُ عامين ولا بدّ من التروّي وإعطاء فرصة للمسار السلمي ليأخذ مجراه في محاولة لتقليل الخسائر وتفادي الهزيمة. يتجنّبون تاريخَ الاحتلال، ويتمّ التعامل مع كلّ القضية على أنّ حلّها الوحيد سياسيٌّ لا عسكريّ وهدفه تطبيق القرارات الدولية والعودة إلى حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧، بدون أن يرفّ لهم جفنٌ واحدٌ بإغفالهم لتسعة عشرة سنةً كاملة من الاعتداء قبل الرابع من حزيران ١٩٦٧، ولا يعتبرُ أولئكَ أنّ الموافقة على هذه الصيغة بحدّ ذاتِها إنما هي بادرة حسن نوايا "سلميّ" تمامًا يقدّمهُ الفلسطينيون في سبيل إنهاء مأساتِهم. يتناسى أصدقاؤنا أولئكَ أنّ الفلسطينيين جرّبوا كلّ المساراتِ الممكنة في سبيل نيل حقوقهم الطبيعية، بما فيها ذلك المسار الذي كان ذروة مكتسبات انتفاضة ١٩٨٧ السلمية: أي اتفاق أوسلو!</p>
<p dir="rtl">نعم، أثبتَ العدوانُ الإسرائيليّ المُستمرّ ما لم يكن بحاجة إلى إثبات، لكنّهُ بالتوازي أعادَنا إلى سؤالٍ كان أقلّ وحشيّةً فيما مضى، وأعاد قطاع غزّة طرحهُ نيابةً عن كلّ فلسطين: هل القضية الفلسطينية سهلة على كلّ العالم؟</p>
<p dir="rtl">ردود أفعال العالم على ما يجري توحي بعكسِ ذلك. نعاصرُ بأنفسِنا انقلابَ المفاهيم والتسميات، فالقضيّةُ بالنسبةِ للولايات المتحدة وأوروبا يتحوّلُ اسمُها إلى "القضية الإسرائيلية" لا الفلسطينية وتبقى فلسطين والشعب الفلسطيني "الفيل" الوحيد الذي يبرد بمفرده في غرف اجتماعاتهم، وما السُّعارُ المجنونُ الذي يصيبُ حكومات ونسبة معتبرة من شعوب هذه الدول إزاء ما يجري إلا تعبير صارخٌ عمّا تعنيه إعادةُ فتحِ الصراع على نحوٍ يجعلُ من الإسرائيليين مجتمعًا قلقاً غيرَ مستقرٍّ أو آمن، ما يجعلُ من المحتمل أن يُعيدُ التفكيرَ في قيمة المكتسبات التي يحقّقها انتقاله للحياة في الأرض المُحتلّة، مقابلَ الحياة دائمة القلق والتهديد. هل يريدُ العالمُ ذلك؟!</p>
<p dir="rtl">جُنّ جنونُ أوروبا، إعلاميّون وسياسيون، قادةُ رأيٍ ومؤثرون، أندية رياضيّة ووسائل إعلام، أسماء كبيرة تحوّلت إلى أبواق تضليل وكذب، أندية بحجم بايرن ميونخ الألماني تُحاسبُ لاعبًا مغربيًا أعلنَ تضامنَهُ مع أهل غزّة، فرنسا تضعُ "قيمَ الجمهوريّة" جانبًا وتمنعُ المظاهرات المتضامنة مع غزة بالقوة، فيخرج وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان ويتّهم اللاعب الفرنسي الجزائري الأصل كريم بنزيمة بأنه ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين على خلفيّة إعلان الأخير تضامنهُ مع ضحايا غزّة.</p>
<p dir="rtl">يُدينُ الغربُ (وبعضُ سكّان الشرق عربًا وغير عرب) أيّ تضامن مبنيّ على الرابطة الدينية الإسلاميّة، بعضُ العرب يرون أنّ التضامنَ مع الفلسطينيين يجب ألا يرتبطَ بوشيجة الدين، فالحيفُ واقعٌ على الكلّ في الأرض المحتلة، وهذا صحيح. غير أنّ أيًا منهم لحظة إدانتهِ تلك، يتجاهلُ أنّ دولةَ الاحتلال برمّتها، بل ومشروعُها ونظريّتُها وسلوكُها إنما هو قائمٌ على أساس الدين!</p>
<p dir="rtl">حملات الكذب والتحريضٍ الغربية هذه يشاهدها العالمُ بأسرهِ على الهواء مباشرةً، ففشلُ "التجربةُ الإسرائيلية"، بتعبير سكوت ريتر، ناهيك عمّا يعنيهِ من احتماليّة استغناء اليهود الصهاينة عن الحياة غير الآمنة والعودة إلى دولهم (لا ننسى أنّ ملايين منهم يحملون جنسيةً أخرى) وزيادةِ الضغط على حكوماتٍ لديها مشاكل كبرى في الاقتصاد والتنمية وقضايا محليّة شديدة التعقيد مثل التنمية وصعود اليمين وأزماتِ المهاجرين وقضايا الاندماج، يُضافُ إليها التهديد الحقيقيّ الذي يحيطُ بتجربة "الاتحاد الأوروبي" برمّتها، والتي كان ثمّة دلائل كبرى على أنّها تقفُ على خيطٍ رفيعٍ يُخشى أن ينقطع، لا سيّما إذا كان الخصم السياسيّ، روسيا الاتحادية يملك رئيسًا من قبيل فلاديمير بوتين، رجلُ الاستخبارات العنيد والطموح، والمستعدّ للإجرام لأجلِ طموحِهِ في أيّ وقت!</p>
<p dir="rtl"> ما تزالُ أوروبا إلى اليوم قادرةً على تجنّبَ دفعِ ثمن الهولوكوست من جيوبها الشخصية، وإحالةِ الثمن إلى شعوبٍ ودول أخرى، لكن هل تستطيعُ فعلَ ذلك إلى الأبد؟</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21350">فلسطين، القضية السهلة الصعبة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المرئيّ واللا مرئيّ... عن رنسيير وفوكو وأسئلة زهير شاهين</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/21314</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 11 Sep 2023 14:32:01 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d9%91-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7-%d9%85%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d9%91-%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d9%81%d9%88%d9%83%d9%88-%d9%88/</guid>

					<description><![CDATA[<p>جماجِمُنا الجسرُ أحذيةٌ لا نرى لابسيها نُحسُّ بها تتركُ الآنَ آثارَها فمن أبدعَ الرقعةَ الأبجديّةَ أيُّ يدٍ وَزّعَتْ في الكواليسِ أحجارَها ومن علّمَ الفيلَ ألّا يصيرَ حصانًا ومن يمنحُ القِطعَ الهامشيّةَ أدوارَها ومن يا تُرى قد أعدَّ التُّراثْ؟ تموتُ البيادقُ دونَ اكتراثْ... زهير شاهين   قلّةٌ قليلةٌ من النّاس تعرفُ صاحبَ المقطعِ أعلاه. الشاعر السوريّ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21314">المرئيّ واللا مرئيّ... عن رنسيير وفوكو وأسئلة زهير شاهين</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">جماجِمُنا الجسرُ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أحذيةٌ لا نرى لابسيها</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">نُحسُّ بها</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">تتركُ الآنَ آثارَها</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">فمن أبدعَ الرقعةَ الأبجديّةَ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">أيُّ يدٍ وَزّعَتْ في الكواليسِ أحجارَها</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ومن علّمَ الفيلَ ألّا يصيرَ حصانًا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ومن يمنحُ القِطعَ الهامشيّةَ أدوارَها</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ومن يا تُرى قد أعدَّ التُّراثْ؟</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">تموتُ البيادقُ دونَ اكتراثْ...</span></p>
<p dir="rtl" style="margin-right:120px"><span style="color:#7f8c8d">زهير شاهين</span></p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">قلّةٌ قليلةٌ من النّاس تعرفُ صاحبَ المقطعِ أعلاه. الشاعر السوريّ الذي تجاوزَ مرحلةَ الـ لا مرئيّ عيانًا، ليكونَ تقريبًا شخصًا مجهولًا. فعيانيّتهُ تقتصر على عائلتِهِ وعدد لا يتجاوزُ أصابعَ الكفّ الواحدة من الأصدقاء، ناهيك عن أنّهُ لم يُخلّفْ شعراً منشورًا في أيِّ مكانٍ في العالم، سوى بضعة مقاطع يحفظُها أصدقاؤهُ ويتداولونها فيما بينهم أحيانًا وعلى موقع فايسبوك أحيانًا أخرى، ولا يجدُ المرءُ لهُ أيّ أثرٍ مكتوبٍ عامّةً، فاختفاؤهُ عن الصورةِ كان قرارًا شخصيًا تمامًا، بوادرُهُ بدأت قبل تحقُّقهِ الفعليّ. على ذلك فإنّ معرفتَهُ (ناهيك عن عيانيّته) تقتصرُ، هي الأخرى، على شرائح قليلة من السوريين قبل بقية الشعوب: يعرفُهُ طلّابُ كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة دمشق ما بينَ عامي ٢٠٠١ – ٢٠٠٨، في السنواتِ الأولى تحديدًا كان زهير أحدَ الشعراء الذين شقّوا طريقهم في أمسياتِ كلية الآداب، وكانَ، فيما أمكنت ملاحظتُهُ من المتداولِ في ذلك الوقت، شاعرًا مختلفًا لا عن مُجايليه ومُزامليه في الجامعة فحسب، إنما في الشعر السوري عامّةً. ولمن يتذكّر، فإنّ تلكَ المرحلة، شهدت كثافةَ حضورٍ لافتةً للأنشطة الثقافية في كليّة الآداب، إذ كان من الممكنِ أن يحضرَ أمسيةً شعريّةً أكثرُ من سبعمائة شخص، تغصُّ بهم مقاعد المدرّجِ الثامن في كليّة الآداب. ومن هناك، يعرفُهُ أصدقاؤهُ وبعضُ أقاربِهم وأصدقائهم، وقد انكفأ عن كتابةِ الشعرِ منذُ زمنٍ بعيد.</p>
<p dir="rtl">بالعودةِ إلى المقطع، فهو مأخوذٌ من قصيدةٍ كانَ اسمُها: أشكال، وكُتبت قبلَ قرابةِ العشرينَ عامًا. ثمّةَ سؤالٌ عميقٌ وشفّاف وصادقٌ يختتمُ بهِ زهير شاهين هذا المقطع، ومصداقيّتهُ ليست نابعةً من كونِهِ يحملُ معنىً عميقًا، بل من تماهي العميق مع الواقعيّ. الواقعيُّ هنا أنّ "جماجمنا الجسرُ" وأنّنا كحالِ الجسورِ، وإنْ كنّا نرتفعُ عن شيءٍ ما فإننا ننخفضُ عن أشياءَ أخرى، الأحذية التي لا نرى لابسيها مثلًا، رغم أننا "نُحسُّ بها... تتركُ الآنَ آثارَها". </p>
<p dir="rtl">لسببٍ ليس غامضًا تمامًا، يأخذُنا المقطعُ الشعريّ السابق من خلال أسئلتهِ الكثيرة إلى محاولاتِ تأصيلهِ فكريًّا، وعبرهُ نتذّكرُ ميشيل فوكو وجاك رنسيير.</p>
<p dir="rtl">يحيلُنا مفهومُ تقسيم المحسوس الذي تحدّث عنه جاك رنسيير إلى فهم هذا الأخير للسلطة. فإذا أخذنا بعينِ الاعتبار أنّ رنسيير كان متأثرًا بأفكار ميشيل فوكو، فإنه لا بدّ لنا أن نتذكر أفكار فوكو نفسه، أو تلك الأفكار التي استندَ إليها رنسيير (وهو مختصّ بعلم الجمال) ليكوّن منها الرابط ما بين الثقافة المرئية وعلم الجمال من جهة، والسياسة من جهة أخرى.</p>
<p dir="rtl">فمفهوم تقسيم المحسوس لدى رنسيير، يهتمّ بما هو أبعد من الحسّي/ المحسوس، ليشرح الكيفيّة الإنشائية للفئات والتسلسلات الهرميّة القادرة على تحديد ما هو مرئي وما هو غير مرئي، وهنا يُمكنُ التذكيرُ بجملة أرسطو الشهيرة: "تكلّم لكي أراك"، وأرسطو نفسهُ كان قد عرّف المواطن على أنّه شخص يشارك في وظائف الحكومة عبر العملية الديمقراطية. أي أنّ الذي لا يشارك في وظائف الحكومة ليس مواطنًا، بالمعنى الإغريقي القديم!</p>
<p dir="rtl">ثمّة إذن قوى مجتمعية هي التي تحدد المحسوسات، وهنا يتقاطع رنسيير مع فوكو، فقد كان ميشيل فوكو فيلسوفًا ومُنظرًا اجتماعيًا معروفًا على نطاق واسع بتحليله النقدي للسلطة وتأثيراتها على المجتمع. وقد طوّر فوكو مفهوم القوة كقوة منتشرة تعمل على جميع مستويات المجتمع، وتشكل أفكارنا وسلوكياتنا وعلاقاتنا. حدد فوكو ثلاثة أنواع من السلطة: السلطة السيادية، والسلطة التأديبية، والسلطة الحيوية. ورأى أن السلطتين السيادية والتأديبية منوط بهما سنّ القوانين وتنفيذها ومعاقبة المخالفين، كما في حالة السلطة السيادية، بينما تعمل السلطة التأديبية من خلال إنشاء قواعد ومعايير يتوقع من الأفراد الالتزام بها من أجل اعتبارهم أعضاء "عاديين" أو "منتجين" في المجتمع.</p>
<p dir="rtl">في هذا كلّه نجدُ السبب الذي يجعلُ مفهوم تقسيم المحسوس الذي يشير عموماً عند جاك رنسيير إلى الأنماط والأشكال المتبعة في تقسيم أعضاء الجماعة الاجتماعية حجة مركزية في الثقافة المرئية. رنسيير يُعرّفُهُ بأنّه: </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">"نظامٌ للأجساد يتولى تعريف نظام التوزيع والتخصيص لطرائق الفعل وطرائق الوجود وطرائق القول؛ ويشرف على أن تظل هذه الأجساد معينة، بالاسم، إلى موقع محدد ومهمة محددة. وهو نظام ما يرى وما يقال، المنوط به الإشراف على أن يكون نشاطٌ بعينه مرئيًا ونشاطٌ آخر غير مرئي، كلامٌ بعينه مفهومٌ لأنه خطاب وآخر غير مفهومٍ لأنه إزعاج".</span></p>
<p dir="rtl">ثمّة تقسيمةٌ هرميّة للموجودات المحسوسةِ يحتجُّ عليها رنسيير، ويعتبرُ أنّهُ مناصرٌ دائمٌ للأجزاءِ المُهملة، المُهمّشة، غير المسموحِ لها بأن تكون مرئية، إنّهُ احتجاجٌ على نظامِ القوّة، القادرة على فرضِ القواعدِ والقوانين، ورنسيير تلميذُ الماركسيين والبنيويين، نظامُ المحسوسات بالنسبةِ لهُ مملوكٌ من قبل تلك القوّة، وبالتالي فإنه يقفُ إلى جانبِ الأجزاء غير المرئيةِ. وهو احتجاجٌ فنيٌّ بالضرورة، سوى عن أنّهُ يميلُ لتجريمِ الانحياز وعدم المساواة. لكلِّ لوحةٍ في العالم أوجهٌ عدّة. ثمّة من يُقرّرُ ذلك. وجهُ اللوحةِ قد يُباعُ بأرقامٍ قياسيّة، لكن، من يلتفتُ إلى ما تخفيهِ خلفَ كواليسها ما قيمةُ غير المرئيّ قياسًا بالمرئي؟ ومن وزّعَ الأدوار ككلّ وسمحَ وقرّر؟!</p>
<p dir="rtl">ناقشَ ميشال فوكو الفكرة من خلالِ لوحةِ وصيفاتِ الشرف للرسّام الإسباني دييغو بلاسكوث (<a href="tel:١٥٩٩ – ١٦٦٠">١٥٩٩ – ١٦٦٠</a>) والتي يمكنُ اعتبارُها لوحةً داخلَ اللوحة، إذ أرادَ بلاسكوث أن يرسمَ نفسهُ بينما يرسمُ ملكَ وملكة إسبانيا. لوحتانِ في لوحة واحدة، ولكلّ منهما تكوينُهُ الخاصّ المختلف عن الآخر، ثمّةَ مجموعةُ أبعادٍ في اللوحتين، ولكلّ بُعدٍ زاويةُ نظرٍ، ولكلُّ زاويةِ نظرٍ مرئيٌّ ولا مرئيّ. نحن لا نرى الملك والملكة في لوحةِ وصيفاتِ الشرف إلا من خلال مرآةٍ في صدرِ اللوحة، يظهرُ من خلالها وجهيهما، بينما ما نراهُ نحنُ في اللوحة، بعيدًا عن محتوى المرآة، هو الأميرة الصغيرة ابنتهما ووصيفاتها، بالإضافة إلى بلاسكوث نفسه، الذي يبدو على يسارِ اللوحةِ التي نراها، يرسمُ لوحةً يراها كلّ من نراهم، ولا نراها نحن! ومن هنا، فإنّ مسألةَ تحديدِ الأهميّة من خلالِ المرئيّ أو غير المرئيّ مسألة نسبيّة تمامًا، إذ ليس بالضرورةِ أن يكون المرئيّ هو الأكثر أهميّة وحاجةً للتفكّر. بعضُ أهميّةِ الميتافيزيقيا ينبعُ من هنا، من المجهول، غير المرئيّ، وما قد يُخفيه.</p>
<p dir="rtl">يرفضُ عالمُ الجمال رنسيير فكرةَ التمييز وعالمها ونظام حياتِها. ذلك هو احتجاج رنسيير، ولهذا هو مركزيّ في الثقافة المرئية.</p>
<p dir="rtl">وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن رنسيير ولدَ في العام ١٩٤٠، أي في السنة الثانية من الحرب العالمية الثانية، وشهد، بالتالي، بشكلٍ مباشرٍ إمّا في السنوات الخمس الأولى من طفولته، أو بشكلٍ غير مباشر عبر ما يرشحُ من وسائل الإعلام في سنواته اللاحقة، موجةً رهيبة ومشينة في التاريخ البشري فيما يتعلق بالتمييز العنصري. فعلى الرغم من أنّ التمييز العنصري، القائم على أساس العنصر، أو الجنس، أو الأساس القوميّ والعرقي، أو اللغة، أو الدين، أو المولد، أو الرأي السياسي، أو النسب أو اللون إلخ… بدأ، وأخذَ صفاتٍ وتمّ تأريخهُ بمرحلةٍ تسبق مرحلة الحرب العالمية الثانية بقرون، إذا ما تذكّرنا أنّ نظام العبودية الذي سادَ في روما أيام الإمبراطورية الرومانية هو نظامٌ عنصريّ، وأنّ العنصرية لم تتوقّف منذُ بدايةِ التأريخِ لها حتى العصر الحالي. لكنّ القرن العشرين، منذُ بداياتِهِ وحتى نهايتهِ شهدَ موجاتٍ شائنة من العنصرية. وفي السياقِ ذاتهِ، وخدمةً لأغراضٍ سامّةٍ وشرّيرة تمّ استخدامُ الألوان، لا في إطارٍ جماليٍّ فنيٍّ كما هو مُتوقّعٌ من الألوان، بل في المساعدةِ على التفرقة والتمييز.</p>
<p dir="rtl">أُجبِرَ اليهودُ في الحقبةِ النازيةِ على وضعِ إشاراتٍ بألوانٍ معيّنة على أذرعهم لتمييزهم عن غير اليهود، كذلك فرض النظامُ الشيوعيُّ سلوكًا مماثلًا على أولئكَ الذين يخرجون عن طاعة الحزب، أو يختلفون معه.</p>
<p dir="rtl">وليسَ استثناءً استخدام الألوان في إطارٍ ينافي عملها الجماليّ، إذ لطالما فرض نظامُ قوّةٍ ما (وفق التراتبية الهرميّة التي تحدّث عنها رنسيير وفوكو قبله) استخدامَ الألوان كأداةٍ من أدوات الانضباط والقوّة، حتى في أنظمة العدالة الجنائية والنظام الصحّي أو النظام التعليمي. استخدامٌ يدّعي منظروهُ، لتبرير استخدام الألوان في سياقٍ تمييزيّ، أنّ ثمة ألواناً معيّنةً ترتبطُ بسلوكيّاتٍ معيّنة لدى البشر.</p>
<p dir="rtl">وإذا كانت أزياءُ السجناء ذات اللونِ الموحّد من بين الأمثلة الكثيرة على هذا الاستخدام، كما في حالةِ أزياء المدارس الموحّدة في كثيرٍ من الدول، فإنّ العلامة الفارقة تبقى دائمًا مع اللون الأبيض.</p>
<p dir="rtl">يعودُ استخدامُ اللون الأبيض في خدمة العنصريّة إلى قرونٍ خلت. في أمريكا الاستعمارية، مثلًا، أُجبِرَ الأفارقةُ المُستعبَدون على ارتداء ملابسَ زاهية الألوان لتمييزهم كممتلكات. العنصريّةُ في استخدامٍ كهذا لا تتوقّفُ على تمييز الأفارقة عن سواهم من خلال ملابسهم، إنما هي وسيلةٌ من وسائل المُلّاك على تثبيت سطوتهم وهيمنتهم على الأجسادِ السوداء.</p>
<p dir="rtl">في أواسط القرن العشرين أيضًا، أُجبرَ ذوو البشرةِ الداكنة على الوقوف في وسائل النقل العامة تاركينَ المقاعد للبيض. كذا في جنوب أفريقيا ونظام الفصل العنصريّ.</p>
<p dir="rtl">لكنّ المسألةَ تتعلقُ بما هو أعمق وأكثر تجذرًا وعمقًا من القرن العشرين والممارسات التمييزية العنصرية كُلِّها خلاله، والتي ما هي إلا نتيجة لقرونٍ سبقت.</p>
<p dir="rtl">قبل هذا كُلِّه، ثمّة قوّة تفرضُ النظامَ والأعراف والتقاليد والأفكار والمعتقدات، ثمّة تراتبيّة هرميّة تقودُ إلى التسليم بأن يكون لباس العاملين والعاملات في قطّاع التمريض مثلًا أبيض، على اعتبارِ أنّهم/نّ ملائكةُ الرحمة.</p>
<p dir="rtl">لكن من قال إنّ الملائكةَ بيضاء بالضرورة؟ وهل من دافعٍ لإسباغِ اللون الأبيض على القيم الخيّرة سوى العنصريّة؟!</p>
<p dir="rtl">ثمّةَ من يُقرّرُ إذن، وهنا يتساءلُ زهير شاهين، عن أولئكَ الذين يمنحون القطع الهامشيّة أدوارها، ويمتلكون القدرة على إعداد ما سنتعاملُ معهُ لاحقًا على أنّهُ: التراث!</p>
<p dir="rtl">لم يغيّر اختفاءُ زهير شاهين، التّامُّ، عن المشهد الشعريّ السوريّ من قيمةِ الآثار الشحيحة المتداولة من قصائده، فالنبرةُ الخافتةُ اليائسة والتي لا يرشحُ منها أيُّ أملٍ كانت تطغى على اشتغالهِ الشعريّ. يبدأُ شاهين قصيدةَ أشكال نفسها بـ:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">هنالك ذات ارتجالٍ أتينا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ولم تنتظرنا الأسرّةُ مفردةً</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لم تُخبَّأ لنا قطعةٌ من ثيابٍ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ولم تنتظرنا الدُّمى</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ولم تذبحِ الأمهاتُ لنا أيَّ زوجِ حمامٍ لنغفوَ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">كنّا ننامُ اتقاءً لوجه السعالي</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ونُحرَقُ بالنّارِ كي نفهما</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لهذا أصيبتْ أصابعُنا بالعمىْ.</span></p>
<p dir="rtl">لم يكن زهير شاهين متفائلًا حينَ كتبَ قصيدتهُ هذه، على عكسِ رهطٍ كبيرٍ من السوريين شعراء وسياسيين وفنانين، وقد كان هؤلاء، لأسبابٍ مجهولةٍ تمامًا، متفائلين بالتغيير في سوريا عقبَ وفاةِ حافظ الأسد، تفاؤلٌ كان من بين أسباب اليأس لدى نموذجِ زهير شاهين، الذي كانَ، فيما يبدو، يرى الأمرَ برمّتهِ محض يأس. كان زهير رافضًا للتفاؤل، يقول في أشكال:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">التفاؤلُ جرحٌ بلا وتدٍ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">مقتلٌ هادئٌ دونما مجزرةْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">بعضُ قبرٍ صغيرٍ يضمُّكَ في مقبرةْ.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ثم يختمُ شاهين قصيدتهُ بـ:</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ولا بدّ من عطشٍ كي نُقابلَ صوتَ المياهِ بهذا الفرح!</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">لنُتقنَ قوسَ قزحْ</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ونُقلعَ عن تبغنا طائعين.</span></p>
<p dir="rtl">انقضت عشرونَ عامًا على كتابةِ قصيدةِ أشكال لزهير شاهين، كانت كافيةً لأن يُحسّ السوريون بأنّهُ ما من أملٍ يُنتَظرُ في ظروفِ بلادهم الحاليّة. ولا بدّ أنها كافية كي نفكّرَ في معنى المرئيّ واللا مرئيّ وقيمةِ كلّ منهما ومحدداتها.</p>
<p dir="rtl">يبدو أنّ أوانَ التفكيرِ في تساؤلِ زهير قد حانَ فعلًا:</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">من علّمَ الفيلَ ألا يصيرَ حصانًا</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#4e5f70">ومن يمنحُ القطعَ الهامشيّةَ أدوارَها؟!</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/21314">المرئيّ واللا مرئيّ... عن رنسيير وفوكو وأسئلة زهير شاهين</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تجميدُ الزّمن</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20734</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 22 Dec 2021 17:24:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%aa%d8%ac%d9%85%d9%8a%d8%af%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%91%d9%85%d9%86/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عرّفَ أرسطو الزمنَ بأنهُ «مقدار الحركة لجهة المُتقدّمِ أو المُتأخّر»، أي أنّهُ أخرجهُ من مفهومٍ تجريديّ قائمٍ بذاتِهِ، إلى مفهومٍ ماديٍّ قابلٍ للقياس، لكنّ قابليّتهُ للقياس تنبعُ من الإدراك الشخصيّ، أي أنّ الزمنَ لا يُمكنُ أن يقيسَ نفسهُ بنفسِه. إنّما يقومُ العقلُ بهذه المهمّة استنادًا إلى الحواس والوعي والإدراك التي من خلالها نستطيعُ الانتباهَ إلى [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20734">تجميدُ الزّمن</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">عرّفَ أرسطو الزمنَ بأنهُ «مقدار الحركة لجهة المُتقدّمِ أو المُتأخّر»، أي أنّهُ أخرجهُ من مفهومٍ تجريديّ قائمٍ بذاتِهِ، إلى مفهومٍ ماديٍّ قابلٍ للقياس، لكنّ قابليّتهُ للقياس تنبعُ من الإدراك الشخصيّ، أي أنّ الزمنَ لا يُمكنُ أن يقيسَ نفسهُ بنفسِه. إنّما يقومُ العقلُ بهذه المهمّة استنادًا إلى الحواس والوعي والإدراك التي من خلالها نستطيعُ الانتباهَ إلى تقدُّمِ أو تأخرِ الأشياء.</p>
<p dir="rtl">سلّطَ محمود درويش الضوءَ في مقالتهِ «الزمن الأجوف» المنشورة في جريدة <a href="https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=6109&page=1" target="_blank" rel="noopener">اليوم السابع </a>بتاريخ ٢٩/٦/١٩٨٧ على سؤالٍ طرحتهُ جريدة «حداشوت» اليومية الإسرائيلية، التي كانت تصدرُ بين أعوام ١٩٨٤ – ١٩٩٣ على خمسةِ مفكّرين وفلاسفة إسرائيليين في سياقٍ تأمليّ، تزامنًا مع ذكرى مرور عشرين عامًا على حربِ حزيران ١٩٦٧. وكانَ سؤالُ الصحيفةِ آنذاك: لمصلحةِ من يعملُ الزمن؟</p>
<p dir="rtl">وبمعزلٍ عمّا يُذكّرُنا بهِ مقالُ محمود درويش من القصور الذي نعانيهِ حاليًا في الاطّلاع عمّا يدورُ في صحافةِ الاحتلال، ويعكسُ، بصورةٍ ما، ما يُفكّرُ بهِ المجتمعُ الإسرائيليّ، فإنّ من المفيدِ استعادة بعضِ الإجابات التي تلقّتها الصحيفة، واستخدام السؤال نفسه إزاء وضعنا الرّاهن، وتوسيع زاويةِ النظرِ، بحيثُ يصحُّ أن يطرحَ مواطنو الرّبيع العربي وأنصارهُ السؤال ذاتهُ على أنفسهم: لمصلحةِ من يعمل الزمن؟!</p>
<p dir="rtl">يتساءلُ درويش في بدايةِ مقالته: «هل تبلورَ مفهومُ الزمنِ في مجتمعٍ يطردُ من وعيهِ الخرافيّ ضرورة الاعترافِ بأنّهُ مجتمعُ احتلال؟ وهل تقاطعَ مفهومُ الزمن الموظّف لدى المُحتلّ، مع زمنِ الصراع لدى الواقعين تحت الاحتلال؟ وهل تتلاقى النظرةُ الإسرائيليّةُ الخائفةُ من الزمن، أو المُطمئنّةُ إليه، مع النظرةِ العربيّة المُطمئنّةُ إلى الزمن، أو الخائفة منه؟»</p>
<p dir="rtl">لا غرابةَ في أن يرى الواقفون على مُرتفعِ الخرابِ مُنتشينَ بانتصاراتهم أنّ الزمنَ يعملُ في صالحهم. ليس من المنطقيّ أن يروا غير ذلك، لا سيّما إذا كانوا يُدركون جيّدًا، وإن في قرارتهم، أنّهم يأخذونَ ما ليسَ لهم. أولئكَ ينطلقونَ دائمًا من فكرةِ الرّاهنِ في الزمن، فبالرّاهنِ، بالنسبةِ لهم، يُمكنُ القبضُ على المُستقبل، الذي يُصبحُ مع مرورِ الأيام أبدًا لا ينتهي. ذلك من صلافةِ الانتصارات وخيلاء المنتصرين.</p>
<p dir="rtl">ولأنّ هذه الصلافة واجبة في كلّ أنظمةِ الغطرسة، فمن غير المُمكنِ السماحُ بتزعزع قناعة السيطرة على المستقبل انطلاقًا من لحظة الانتصارِ الراهنة، فقد أقالت غولدا مئير موشيه ديان عقب حرب أكتوبر ١٩٧٣ بعد تحميلهِ مسؤولية الخسائر التي تكبّدتها دولة الاحتلال، إذ لا مكانَ لمن يُمكنُ أن يشكّ بقدرة السيطرة على الغد.</p>
<p dir="rtl">تستحقُّ بعض الإجابات التي تلقّتها الصحيفة الإسرائيلية التوقّفَ عندها، فالشاعرة «داليا رابيكوفيتش» مثلًا لم تكن تشكُّ في قدرة التحكمِ بالغد فحسب، بل كانت متيقّنةً من أنّ الكارثةَ قادمة: «أحسُّ بأنني مسافرةٌ في القطار إلى مسافاتٍ بعيدة، ستنتهي بارتطام. الآن كلّ شيء على ما يرام، ولكن كلّما اجتاز القطار مسافةً جديدة، اقتربَ لحظةً من موعدِ الارتطام.»</p>
<p dir="rtl">شكُّ رابيكوفيتش لن يكون مُستغربًا حينَ نتذكّرُ أولًا أنها ليست جنرالًا، وحين نعلمُ أنّها من مواليد فلسطين ما قبلَ النكبة ثانيًا (ولدت ١٩٣٦ – وتوفّيت ٢٠٠٥)، وأنها عارضت النزعة العسكرية، بل والسياسة الإسرائيلية برمّتها تجاه الفلسطينيين، وكانت تنشرُ قصائدها دعمًا لهم وتضامنًا معهم، بل وكتبت في جريدة الكرمل ثالثًا.</p>
<p dir="rtl">وفيما بدت الشاعرةُ قارئة لحتميّة التغيّر التاريخية، أحالَنا الفيلسوف «آسا كاشير» المولود في القدس ١٩٤٠، إلى التفكير في مفهوم الزمن من منظورِ الفلاسفة القدامى. كاشير، وقد كان أستاذًا في القانون ومؤلّفًا لمدوّنة قواعد وأخلاقيّات السلوك المهني للجيش الإسرائيلي (لنا أن نتخيّل نوعيّة القيم التي أرساها الرجل) ومهندسًا لحروبٍ إسرائيليةٍ كثيرة، رأى أنّ من أخطاء إسرائيل الجوهرية هو غياب مفهوم الزمن. إذ لا مفهومَ للزمنِ في المكانِ الذي لا يحدثُ فيهِ أيّ تغيير، وهو ما انطلقت منه السياسة الإسرائيلية عبرَ السيطرة على ما يجري، بحيثُ يُمكنُ تجميدُ الزمن عند لحظةِ السيطرة هذه.</p>
<p dir="rtl">وتقاطعت نظرةُ كاشير، جزئيًا، مع نظرةِ فيلسوفٍ آخر هو «يرمياهو يوفيل» المولود في حيفا (١٩٣٥-٢٠١٨) والذي نبّهَ لخطرِ تجميدِ الزمن في الوعي الإسرائيلي، بحيثُ يصيرُ الحاضرُ هو المُستقبل. إذ أنّ الزمنَ التاريخيّ، في رأيه، لا يُمكنُ تجميدُه. وانتهى يوفيل إلى اعتبار أنّ الزمن يعملُ على المدى البعيد لمصلحة الفلسطينيين وفي عكس مصلحة إسرائيل، فيما يعملُ على المدى القريبِ والمتوسط، وعلى نحوٍ كارثيّ، ضدّ الطرفين.</p>
<p dir="rtl">كلُّ تلكَ المقتطفاتِ من تأملات وإجابات المفكّرين الإسرائيليين على سؤال الزمن، تأخُذُنا، ولو على سبيلِ التحايلِ لا المقارنة، إلى التفكيرِ في السؤالِ ذاتِهِ الذي طرحتهُ جريدة حداشوت، بعد وضعهِ في سياقِ الربيع العربيّ ومآلاتهِ، لا سيّما وأنّ الثورة المضادّة لانتفاضاتِ التغيير تبدو أكثر وضوحًا بعد دخولِ تلك الانتفاضات عقدها الثاني، واتّخاذِ قوى تلك الثورة المضادّة خطواتٍ جادّة في إعادةِ تعويمِ الأنظمة العربية، سواءٌ بشكلٍ مباشرٍ كما يجري مع النظام السوريّ، أو من خلالِ التذاكي والالتفاف كما جرى في الحالةِ المصرية ويجري في ليبيا التي يستعدُّ سيفُ الإسلام القذافي للدخولِ إلى مُعتركِ انتخاباتها الرئاسية!</p>
<p dir="rtl">ولعلّ الدخولَ في مرحلةِ التطبيعِ العربي مع دولةِ الاحتلالِ الإسرائيليّ دليلٌ على أنّ قوى الثورة المضادّة تحاولُ التلاعبَ بالمستقبلِ من خلالِ الارتكانِ إلى تجميدِ الزمنِ عند الحاضر.</p>
<p dir="rtl">لكنّ السؤالَ يُطلُّ برأسهِ بمكرٍ: هل حقًا يُمكنُ تجميدُ الزمن؟</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20734">تجميدُ الزّمن</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«فلسطين الصغرى»: راهنيّة المأساة التاريخية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20690</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 07 Nov 2021 21:54:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<category><![CDATA[أيام فلسطين السينمائية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ba%d8%b1%d9%89-%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%86%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>لعلّ من أنسبِ ما يتبادرُ إلى الذهن بعد الانتهاء من مُشاهدة فيلم «فلسطين الصغرى» الوثائقي التسجيلي، للمخرج عبد الله الخطيب، بيت الشعر الذي كتبهُ الشاعر العراقيّ الراحل محمد مهدي الجواهري في قصيدة «أيها الأرقُ» ويقول فيه: أنا عندي من الأسى جبلٌ ... يتمشّى معي وينتقلُ ذلك الأسى الفلسطينيّ الذي لم يسقط بالتقادم، ولم تُفقدهُ تاريخيّتُهُ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20690">«فلسطين الصغرى»: راهنيّة المأساة التاريخية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">لعلّ من أنسبِ ما يتبادرُ إلى الذهن بعد الانتهاء من مُشاهدة فيلم «فلسطين الصغرى» الوثائقي التسجيلي، للمخرج عبد الله الخطيب، بيت الشعر الذي كتبهُ الشاعر العراقيّ الراحل محمد مهدي الجواهري في قصيدة «أيها الأرقُ» ويقول فيه:</p>
<p dir="rtl">أنا عندي من الأسى جبلٌ ... يتمشّى معي وينتقلُ</p>
<p dir="rtl">ذلك الأسى الفلسطينيّ الذي لم يسقط بالتقادم، ولم تُفقدهُ تاريخيّتُهُ لا الراهنيّةَ ولا الطزاجةَ، كأنما ثمّة قدريّة ما، تُلاحقُ هذا الشعب منذ أكثر من سبعين عامًا في حلّهِ وترحاله.</p>
<p dir="rtl">يمتدّ الشريطُ السينمائي «فلسطين الصغرى» على تسعين دقيقة، صُوِّرت بكاملها داخلَ مخيّم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، جنوب العاصمة السورية دمشق، في الفترة ما بين ٢٠١٣ – ٢٠١٥، وهي الفترة التي فرض خلالَها النظامُ السوريّ وحلفاؤهُ حصارًا خانقًا على من تبقّى من سكّان المخيّم (قُدّرَ عددهم بنحو ٤٥ ألفًا)، ويجمعُ ما بين التوثيق والتسجيل معاً.</p>
<p dir="rtl">التوثيق، بما يحملهُ من معنىً عام، يسعى الفيلم من خلاله لأن يكون وثيقةً دالّةً على معايشة السكّان لواحدة من أقسى فصول رواية الإنسان الفلسطينيّ منذُ احتلال بلاده.</p>
<p dir="rtl">والتسجيل، بمعناهُ الأكثر خصوصيّة من عموميّة التوثيق، مستمدٌّ من نصوصٍ كتبها المُخرجُ وجمعها لاحقًا في كتاب «قواعد الحصار الأربعون»، ومستمدٌّ، بالتوازي، من كون مخرجِ الفيلم، هو أحد أبطاله. وإذا كان يصحُّ إطلاق صفة البطولة على المُحاصَرين، فقد كان الخطيب أحد أبطال الحصار أيضًا.</p>
<p dir="rtl">غيرَ أنّ المخرجَ لم يصنع فيلمًا عن نفسهِ، ولا عن والدته، أم محمود، الممرضة المتطوعة، والسيدة التي تُشبهُ «بابا نويل الحصار» بالنسبةِ للكهول والأطفال المحاصرين في مربّعٍ ضيّقٍ خانقٍ، لا يتّسعُ لأملٍ ولا مجالَ فيهِ للتفكيرِ بأكثر مما يُمكنُ أن تحملهُ هذه المرأة للكهولِ من أدويةٍ تمدّ حياتهم المؤقتة ساعاتٍ إضافيّة. وبوالينَ وسكاكرَ للصغار، الذين حين سألهم المُخرجُ في نهاياتِ فيلمه عما يحلمون به أجابَ أحدهم بأنّه يحلمُ بأن يرى أمّهُ ويأكل الخبز، بينما أجابَ آخر بأنهُ يحلمُ بأن يأكل السكّر!<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="900" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/0458533-1.jpg" width="1600"></div>
<p dir="rtl">
وإذا كانَ رياض الصالح الحسين قالَ في قصيدتهِ «قلبٌ مكسور» قبل نحوِ أربعينَ عامًا:</p>
<p dir="rtl">اجمعِ الرجال وقل لهم:</p>
<p dir="rtl">نحنُ لسنا لصوصًا</p>
<p dir="rtl">إننا نعملُ ثماني ساعاتٍ في اليوم</p>
<p dir="rtl">ومن حقّنا أن نأكل السفرجل.</p>
<p dir="rtl">...</p>
<p dir="rtl">فقد يصحُّ التساؤلُ عمّا فعلَهُ سُكّانُ المُخيّمِ لكي يستحقّوا عليه حصارَ الجوع؟ ما الذي فعلهُ الأطفالُ ليحلموا بالسكّر؟!</p>
<p> </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">تاريخيًا</span></strong></p>
<p dir="rtl">أُنشئَ مخيّمُ اليرموك في العام ١٩٥٧ بقرارٍ من الحكومة السورية، على قطعة أرضٍ لا تتجاوزُ ٢،١ كم، في ضواحي العاصمة الجنوبية. ليحتضَ قسمًا من اللاجئين الفلسطينيين الذين كان عددهم في عمومِ سوريا عام ١٩٤٨ حوالي ٧٥ ألف لاجئ، جاء أغلبهم من مدن الشمال الفلسطيني وتوزّعوا على أربعة عشر مخيّمًا على الأراضي السورية، وقد كان اليرموك أكبر هذه المخيّمات. ومع مرورِ الزمن اتسع المخيّم وازدادَ عدد سكّانه باضطراد، حتى باتَ نقطة اتصالٍ مباشرة تربطُ الأحياء الجنوبية بقلبِ العاصمة.</p>
<p dir="rtl">في ثمانينيات القرن الماضي تحوّل اليرموك إلى ملاذٍ آمنٍ للمعارضين السوريين الذين يحاولون التخفّي عن أعين المخابرات وأذرع النظام التي تحاولُ أن تطالهم. على أنّ نسبةَ الفلسطينيين القليلة والتي لم تتجاوز ١٥٪ من سكّان المخيّم مع بدايات الثورة السورية عام ٢٠١١، لم تُفقد المخيّم فلسطينيّتهُ، وإمكانيّات هذه الفلسطينية من لعبِ دورٍ كان يعزُّ على المدن والأحياء السوريّة نفسها أن تلعبه خلال الانتفاضة. فرمزيّة اليرموك، ورغبة أهله في الوقوف إلى جانب الشعب السوري، جعلتاه يعودُ إلى الدورِ الذي لعبهُ في الثمانينيات، بأن يكون ملاذًا للهاربِ والنازح والفاقد والمستجير. وعلى الرغمِ من تمييز أغلبية فلسطينيي اليرموك للحقّ من الباطل، وعلى الرغم من أنّ كثيرين منهم كانوا يشاركون السوريين في احتجاجاتهم التي اجتاحت البلاد، إلّا أنّ المُخيّم بذاتِهِ ظلّ هادئًا نسبيًا، محافظًا على نفسهِ كمكانٍ يُمكنُ للمحتاجين الاستفادة منه، ومحافظًا على سكّانه الذين خبِروا جيدًا مآلات التدخل في شؤونِ دولِ لجوئهم. إلّا أنّ "أحداث الخالصة" (المُربّع الأمنيّ للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة) في السادس من حزيران عام ٢٠١١، والتي تلت استشهادَ أربع وعشرينَ شابًا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، قبل ذلك بيومٍ واحد، غيرت قواعدَ اللعبة قليلًا، إذ حَمّل سكّانُ المخيّم مسؤولية استشهاد هؤلاء لمن شجّعهم ودفعهم للذهاب إلى الجولان، تخفيفًا للاحتقانِ في سوريا، ولإشغال الرأي العام السوري والعربي، بالقضية التي لا تعلو عليها قضيّة: فلسطين.</p>
<p dir="rtl">قواعد اللعبة تلك، تغيرت كليًا بعد أن قصفت طائرات الميغ التابعة للنظام السوري، مخيّم اليرموك في ديسمبر ٢٠١٢، ليرى العالمُ بأسرهِ صورةَ التهجير الفلسطينيّ الجديدة، في مشهدٍ ذكّرَ بالخروج الأول.</p>
<p dir="rtl">فهل ثمّة أسىً قدريّ أكثر من هذا؟<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img decoding="async" alt="" height="900" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Little_Palestine_06-1.jpg" width="1600"></div>
<p dir="rtl">
بدأ حصار اليرموك في حزيران ٢٠١٣، ودارت كاميرا المخرج عبد الله الخطيب، وكاميرات أصدقائه، لرصد تفاصيل الحياة اليومية، وتوثيق الجريمة المنظمة التي يتعرّض لها السكّان. ثمّة تدرّجٌ وتسلسلٌ منطقيّ في الفيلم، ليس للأحداث فحسب، إنّما للصراع النفسيّ الذي يخوضهُ الأفرادُ مع الحصار، ومع أنفسهم في الحصار، وقد عبّر التعليق الصوتيّ المرافق للصورة، والمأخوذ، كما أسلفنا، من يوميّاتٍ كان يكتبُها المخرجُ، عن ذلك الاصطراع بدقّةٍ وبلاغة، رغم سقوطِهِ أحيانًا في فخاخ «الكليشيه» التي لم تُنقص من جماليته. يقولُ المخرجُ، الذي أكّدَ دائمًا في تعليقه على ضرورة الحفاظ على الإنسانيّة، إنّ الحصارَ يُخرجُ كلّ كوامنِ النفس البشرية وتناقضاتها معًا:</p>
<p dir="rtl">«سيدفعُكَ الخيرُ للركضِ وراء الصواريخ، كي ترفعَ الرّكامَ عن طفلٍ تركهُ أهلهُ عندما هربوا من صوت الطائرة.</p>
<p dir="rtl">وسيغريكَ الشرُّ لبيعِ حليبِ الطفلِ ذاتهِ كي تشتري لفافةَ تبغ».</p>
<p dir="rtl">مع مرور أيام الحصار، ونفاذ كل ما من شأنهِ أن يُبقي الناس على قيدِ الحياة، أو الأملِ بالحياة، تضطرمُ الأفكارُ في رؤوس المحاصَرين، أفكارٌ لم تصل، في حالةِ اليرموك، إلى تلك الحلول والحيل النفسيّة التي شغّلت مخيّلة محمود درويش في «حالة حصار» على سبيل المثال، حين رأى أنّ الحصار قد يمتدُّ «إلى أن نُعلّمَ أعداءنا نماذجَ من شعرِنا الجاهليّ»، فأعداؤنا هذه المرّة يحفظونَ ما نحفظهُ من قصائدَ وأغنيات، واليرموكيّون المُحاصَرون كانوا يُفكّرونَ بما هو أبسط من ذلك، كانوا يُفكّرون بالخبز...</p>
<p dir="rtl">لم يخفْ عبد الله الخطيب في فيلمهِ من تمديد الصورة. كانت اللقطاتُ طويلةً منذُ بدايةِ الفيلم، كأنما أراد أن ينقلَ المشاعر التي تعتملُ في نفوس المُحاصَرين إزاء الوقت. الوقتُ في الحصار طويل، والسّاعاتُ تبدو ذائبةً لشدّةِ الانتظارِ كساعات سيلفادور دالي في الصحراء. ألم يقُل الوصفُ الشعبيُّ للانتظار: طويلٌ مثل يومٍ بلا خبز؟!</p>
<p dir="rtl">ذلك اليومُ الذي بلا خبزٍ عاشهُ ما تبقّى من سُكّانِ اليرموك لسنتين. وكانت حصيلتهُ، وفق الفيلم، سقوط ١٨١ شخصًا متأثرين بالجوع والعطش ونقص الأدوية.</p>
<p dir="rtl">يختمُ عبدالله الخطيب فيلمهُ بمشهدٍ لرجلٍ، ظهرَ خلال الفيلم ثلاثَ مرّات: الأولى، في بداية الفيلم، حيثُ بدايات الحصار أيضًا، كان يرتدي بزّة رسمية، ويقومُ بدورِ الوجيهِ الاجتماعيّ خلال احتفالِ السكّانِ بزواجِ أحدهم. كانَ الرجلُ ضاحكًا، يُمازحُ الخطيب وباقي المحيطين. يحثّهم على الزواجِ وإن تحت الحصار، ولا تبدو عليهِ علائمُ التعب.</p>
<p dir="rtl">أما المشهد الثاني، فقد كان وسطَ حشدٍ من الناس أمام مبنى للأونروا، يُطالبُ باللغة الإنجليزية بفتحِ الطرق وإدخال الطعام والأدوية. وقد بدا أكثر إرهاقًا وغضبًا من المشهد الأول.</p>
<p dir="rtl">وأمّا المشهد الثالث، وهو آخر مشهدٍ في الفيلم، فقد كان الرجلُ يجلسُ، مُنهكًا، وعليهِ علائمُ الحصار الخانق، أمامَ موقدٍ ناريّ، يُغنّي، بصوتٍ مخنوقٍ بدايةً: I will hold you in my arms forever and liberate you Palestine ، قبل أن يفقدَ تمالكهُ لنفسهِ ويبكي...</p>
<p dir="rtl">تلكَ كانت نهاية حكاية «فلسطين الصغرى» لعبدالله الخطيب. الحكاية التي تستحقُّ أن تكون إحدى أبرز وأهمّ الوثائق على ما لحقَ بالناسِ من ضرر خلال سنوات الجحيم السوريّ الأخيرة.</p>
<p dir="rtl">لعلّ فلسطين الكبرى، التي يُعرضُ الفيلم على أرضها ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان «أيام السينما الفلسطينية»، تحظى بنهايةٍ أفضل من التي حظيَ بها اليرموك، «فلسطين الصغرى» أو «عاصمة الشتات» كما يحلو للفلسطينيين تسميته.</p>
</div>
<p><iframe title="LITTLE PALESTINE, DIARY OF A SIEGE by Abdallah Al-Khatib - Trailer" width="800" height="450" src="https://www.youtube.com/embed/XQ5PfEAHdj4?feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20690">«فلسطين الصغرى»: راهنيّة المأساة التاريخية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«مقالات &quot;اليوم السابع&quot;»... دقّة المفكّر وشجاعة المثقّف</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20458</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 16 Apr 2021 18:45:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%af%d9%82%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d9%91%d8%b1-%d9%88/</guid>

					<description><![CDATA[<p>يُذكّرُنا كتاب "محمود درويش؛ مقالات اليوم السابع" الذي أعدّهُ وحرّرهُ وقدّمَ لهُ الكاتب الفلسطيني حسن خضر، وصدرَ عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية العام الماضي، بجانبٍ آخرَ قلّما يلتفتُ إليه مُحبّو أكثر الشعراء العرب جماهيريةً منذُ عصر المتنبّي. ذلك الجانبُ الجليُّ/ الخفيُّ الذي تكفّلت تجربةُ درويش الشعرية بإزاحتهِ عن واجهةِ مُنتجهِ خلال سنوات حياته بين عامي ١٩٤١ [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20458">«مقالات &quot;اليوم السابع&quot;»... دقّة المفكّر وشجاعة المثقّف</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">يُذكّرُنا كتاب "محمود درويش؛ مقالات اليوم السابع" الذي أعدّهُ وحرّرهُ وقدّمَ لهُ الكاتب الفلسطيني حسن خضر، وصدرَ عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية العام الماضي، بجانبٍ آخرَ قلّما يلتفتُ إليه مُحبّو أكثر الشعراء العرب جماهيريةً منذُ عصر المتنبّي. ذلك الجانبُ الجليُّ/ الخفيُّ الذي تكفّلت تجربةُ درويش الشعرية بإزاحتهِ عن واجهةِ مُنتجهِ خلال سنوات حياته بين عامي ١٩٤١ عامُ ولادتهِ في البروة، و ٢٠٠٨ عام وفاتهِ في هيوستن.</p>
<p dir="rtl">فتجربة محمود درويش الشعرية، وحياته السياسية كانت أقرب إلى النّاس من كتاباته الصحفية، التي يُذكّرُنا كتابُ "مقالات اليوم السابع" بجودتها وانضباطها، إلى حدٍّ بعيد، على إيقاعِ الصحافةِ بوصفها نوعًا كتابيًا مختلفًا عن الأنواعِ الأخرى من صنوف الكتابة الإبداعية. وقد يبدو ذلك طبيعيًا إذا ما تذكّرنا أنّ الميلَ العام دائمًا ينحو إلى ما يمسُّ الجوانب الشعوريّة العاطفية أكثرَ من الجوانبِ العقليةِ التركيبية. فنجدُ أنّ العدد الأكبرَ من الناس يحفظُ الشعرَ والموسيقى أكثر من المقالات، حتى تلك التي تُكتبُ عن الشعر والموسيقى!</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="423" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/IPS-book-cover-7th-day-final-01_Fotor-2.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">لكنّ المُشترَكَ دائمًا بينَ كلّ تلك الأنواع الكتابية، هو شرط الحامل الفكريّ، الذي لا بدّ من توافرهِ في كلّ أنواعِ الكتابة. ولعلّ التذكير بمثلِ هذا الشّرط لدى محمود درويش من خلال انتخابِ بعضِ مقالاتهِ وإعادة نشرها في كتابٍ بعدَ أكثر من ثلاثين سنة على كتابتها ونشرها لأول مرة، لا يقلُّ أهميّةً عن المقالاتِ نفسها، ذلك أنّنا نشهدُ دائمًا اصطراعاً بينَ فصلِ المُنتَجِ الإبداعيّ عن معايير مُنتِجِه، التي شكّلت مواقفَهُ من القضايا الإنسانية الجوهرية.</p>
<p dir="rtl">فإذا كان القول إنّ الحفاظَ على الإبداع يستدعي التخفّفَ من مُحاكماتِ سلكوكِ أصحابهِ وتخفيفِه من غلواء السياسة، قولًا فيه بعض الوجاهة لجهةِ أنّ الإبداع ليس وثيقةً سياسية، فإنّ من الوجاهةِ أيضًا أن نعرفَ البُنى الفكرية التي حرّكت إبداع المبدعين، حيثُ أنّ القصائدَ مثلًا لا تكتبُ نفسَها بنفسِها، وقد لا تكفي الموهبةُ لإخراجها إلى حيّز التداولِ العام بأفضل صورة، استنادًا إلى العنوانِ الفرعيّ لكتابِ الشاعر العراقيّ الرّاحل فوزي كريم: القلب المفكّر؛ "القصيدةُ تُغنّي، ولكنّها تُفكّرُ أيضًا!"</p>
<p dir="rtl">انقسمَ كتابُ "مقالات اليوم السّابع" إلى ثلاثةِ أبوابٍ، تضمّنَ كلٌّ منها مجموعةً من المواد سبقَ ونُشرت في مجلة اليوم السابع التي كانت تصدرُ بين عامَي ١٩٨٣ و ١٩٩١ من العاصمة الفرنسية باريس، وكان الكاتب الفلسطيني بلال الحسن هو من رسمَ خطّها التحريريّ وترأسه. تطبعُ السياسة عمومًا، والقضية الفلسطينية خصوصًا مواد الباب الأول، والذي اختارَ لهُ المُعدُّ حسن خضر اسمَ "فضاء الآخر"، وهو بابٌ يُعرّفُنا على محمود درويش عبرَ علاقتهِ مع الآخر، والذي يُصادفُ أنّهُ ليسَ آخرًا فحسب، بل مُحتلّاً. ساجلَ محمود درويش أفكارَ المفكرين والكتّاب والصحفيين الإسرائيليين، بقدرِ مساجلتهِ لمواقف قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين الدمويّة. ولعلّ هذا الباب من أبرز أوجهِ الأهميّة التي ينطوي عليها نشرُ الكتاب، إذ إنّ النصوص والمقالات التي جاءت في البابين التاليين: "كتاب المراثي" و"سهمٌ في الخاصرة" على أهميّتها، وجماليّاتها الإبداعية، تُعتبرُ أكثر شهرةً من المقالات السياسية السجالية التي افتُتِحَ فيها الكتاب في بابه الأول.</p>
<p dir="rtl">غيرَ أنّ السّجالَ لم يكن لغرضِ الإيغالِ في عداءِ المُحتلّ كما يوضحُ درويش في مقالتهِ المعنونة "إلى الخائفين"، وهي أول مقالات الكتاب، إذ يقول:</p>
<p dir="rtl">"في وسعنا أن نجدَ في الماضي كل ما نشاءُ لتركيب الصورة التي نريدها للحاضر. وفي وسعنا أن نقرأ، في مدينة طليطلة، على سبيل المثال، اندماج اليهود الطوعي في الثقافةِ الإسلاميةِ والعربيةِ، ومحافظتهم على خصوصيتهم وهويتهم. وفي وسع مناحيم بيغن، على سبيل المثال أيضًا، أن يوقف التاريخ عن العمل، وأن يعتقد أنّ الحبرَ لم يجفَّ بعدُ عن المعاهدةِ بين الملك سليمان وبين ملك صور. في وسعنا أن نجد الشرعيةَ المبتغاةَ لطموحنا إلى الانغلاق ولرغبتنا في التفتح. في وسعنا أن نجد العالم ينقسم إلى نوعين من البشر: يهود ولا يهود، وفي وسعنا أن نجد شعوبًا أخرى قد تتمكنُ من صياغةِ هويتها بمنأى عن حبها أو عدائها لليهود أو العرب".</p>
<p dir="rtl">إلّا أنّهُ، أي السجال، يرمي إلى نهضةٍ مشرقيّةٍ، لا يُمكنُ أن تقومَ بدونِ ترسيمِ الحدود الفكرية والأخلاقية، وبدون إعادةِ الحقوقِ إلى أصحابها. عندئذٍ فقط يُمكنُ للمشرقِ أن ينهض على قاعدةٍ سليمة.</p>
<p dir="rtl">يُحذّرُ محمود درويش في أكثر من مقالة، من خطرِ التماهي مع الدّور الذي يرسمُهُ لنا خصومُنا، كأن يُطالَبَ الكاتبُ العربيّ الفلسطينيّ بالتهوّدِ، لجهةِ المظلوميّة الأكثر شيوعًا في عالم القرن العشرين، لإثباتِ مظلوميّتهِ أو حتّى لوصفِها. وقد توفّي محمود درويش قبل أن يرى إلى أيّ درجةٍ باتَ يصعبُ التعبيرُ عن ظُلمِ الفلسطينيين ما لم يكن مُلحقًا بصكّ الغفران من الذنب اليهوديّ، الذي لم يرتكبهُ الفلسطينيون أصلًا!</p>
<p dir="rtl">مات قبل أن يرى صعوبةَ التساؤلِ: هل يُمكنُ للمظلومِ أن يَظلِم؟</p>
<p dir="rtl">وفي السياقِ ذاتهِ نقرأُ في مقالةٍ أخرى بعنوان "من لا يُريدُ ساميّةً جديدة؟" كيف يسلط محمود درويش الضوء على الدعاية الصهيونية المضللة في العالم، عبرَ محاججة إيلي فايزل، وهو كاتبٌ وروائيّ أمريكي من أصولٍ رومانية، يُعتبرُ أحدَ النّاجين من المحرقة اليهودية التي قضى فيها بعضُ أفراد عائلته ضمن من قضوا، ثمّ حصلَ على جائزة نوبل للسلام عام ١٩٨٦. ويُبرّرُ درويش مقالتهُ بقوله: "بما أنّ السيد إيلي فايزل حصل على جائزة نوبل للسلام، فإننا مطالبون بأن نأخذَ كلامهُ على محمل الجد". العبارةُ التي تبدو ساخرةً، يُمكنُ فهمها على نحوٍ دقيق حين نقرأ في متن المقالة أنّ السيد السلميّ فايزل قد قالَ سابقًا: "أنا عميق الارتباط بإسرائيل. أحبُّها من كلِّ قلبي. ولكن من الطبيعي أن نُجرح عندما نشاهدُ، على التلفزيون، صور الجنود الإسرائيليين، وهم مضطرّون إلى إطلاق الرصاص المطاطي، والغاز المسيل للدموع على الأطفال."</p>
<p dir="rtl">مقولةُ فايزل هذه تدفعُنا بقوّةٍ نحو تقبّلِ جملة محمود درويش الساخرة في افتتاح المقال، فما الذي يُمكنُ أن يُقالَ عن "نوبليّ" يعتبرُ أن الجنديّ الإسرائيليّ قد اضطرَّ لقتلِ الفلسطينيين؟</p>
<p dir="rtl">على ذلك، فإنّ الحاجة لإعادة نشرِ "مقالات اليوم السابع" لمحمود درويش تتعاظمُ يومًا بعد يوم، ليس لما تنطوي عليه من دروسٍ كثيرة في فنّ الكتابةِ فحسب، ولا لأنها وثائق تاريخية يجدرُ بنا أن نحفظها عن أولئكَ الذين يتبنّون اليوم خطابَ "السلام" وقد كانوا بالأمس إما مشاركين، أو منظّرين للظلمِ الذي وقع على الفلسطينيين ولم يُعلنوا القطيعة مع دولةَ الاحتلال، أو مع نظريّتها الأخلاقية المشروخة القائمة على مبدأ تعزيز غيابِ الآخر تكريسًا لحضور الاحتلال. إنما لأنّ الكتابَ يكشفُ حجمَ الهوّةِ التي نحنُ فيها اليوم، بعد قرابة أربعين عامًا من كتابةِ مقالاته المنتخبة، ولافتقارِ المثقّفين المُدافعين عن القضايا إلى المعرفةِ اللازمة لمساجلةِ الاحتلال، أيّ احتلال، وإلى شجاعةِ القول رغم ما قد يلحقُه من أذى.</p>
<p dir="rtl">فمن يجرؤ اليوم، مثلًا، على ملاحقةِ مظلومي الأمس بحقيقةِ أنّهم ظُلّام اليوم؟!</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20458">«مقالات &quot;اليوم السابع&quot;»... دقّة المفكّر وشجاعة المثقّف</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«سأكونُ بين اللوز»... سيرةُ الرجوعِ إلى الجمال</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20420</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 19 Mar 2021 16:47:52 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[حسين البرغوثي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b3%d8%a3%d9%83%d9%88%d9%86%d9%8f-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%88%d8%b2-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ac%d9%88%d8%b9%d9%90-%d8%a5%d9%84%d9%89/</guid>

					<description><![CDATA[<p>قدّمَ الأدبُ العربيّ خلال تاريخِهِ نماذجَ كثيرة لمواجهةِ الكُتّابِ للموت، بوصفهِ مصيرًا محتومًا لهم، وللأحياءِ عمومًا. في القرنِ العشرين كتبَ نديم محمّد ديوانَهُ الشهير "آلام" وقد ضمّ اثنين وعشرين نشيدًا تفوحُ منها رائحةُ الألم الذي خلّفهُ مرضُ السلِّ إلى أن فتكَ بصاحبهِ نهايةً في العام ١٩٩٤. وكتبَ بدر شاكر السيّاب في رائعتهُ "الوصيّة": مِن مرضي [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20420">«سأكونُ بين اللوز»... سيرةُ الرجوعِ إلى الجمال</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">قدّمَ الأدبُ العربيّ خلال تاريخِهِ نماذجَ كثيرة لمواجهةِ الكُتّابِ للموت، بوصفهِ مصيرًا محتومًا لهم، وللأحياءِ عمومًا. في القرنِ العشرين كتبَ نديم محمّد ديوانَهُ الشهير "آلام" وقد ضمّ اثنين وعشرين نشيدًا تفوحُ منها رائحةُ الألم الذي خلّفهُ مرضُ السلِّ إلى أن فتكَ بصاحبهِ نهايةً في العام ١٩٩٤. وكتبَ بدر شاكر السيّاب في رائعتهُ "الوصيّة": مِن مرضي</p>
<p dir="rtl">مِن السريرِ الأبيضِ. بعد ذلكَ بأعوام، وصفَ أمل دنقل ببراعةٍ وصدقٍ حالهُ في صراعهِ مع المرضِ الخبيث، والألوان التي رآها في غرف العمليّات، والإحالات التي فكّرت فيها مخيّلتهُ للونِ الأبيض:</p>
<p dir="rtl">أربطةُ الشاشِ والقُطْن،</p>
<p dir="rtl">قرصُ المنوِّمِ، أُنبوبةُ المَصْلِ،</p>
<p dir="rtl">كوبُ اللَّبن</p>
<p dir="rtl">كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.</p>
<p dir="rtl">كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!</p>
<p dir="rtl">لكنّ سيرةَ إياب الراحل حسين البرغوثي "سأكونُ بين اللوز" إلى قريتِهِ كوبر في قضاء رام الله، لا تنحصرُ في ثيمةِ مواجهةِ المرض، ولا يجعلُ منها كون هذا المرض سرطانًا بكائيّة البتّة، كما لا تحتوي على ما يجعلُها كتابةً لتوثيقِ الألم، أو الهلوسات التي يراها المرضى في أيامهم الأخيرة، كتلك التي قرأناها في مُذكّرات جهاد هديب مع المرض، أو في مرثيّة أمجد ناصر لنفسه (وقد عاد كلٌّ من أمجد ناصر وجهاد هديب إلى بيوتهم الأولى في الأردن في أيامهما الأخيرة). عودةُ حسين البرغوثي "ليكون بين اللوز" عودةٌ أخذت بُعدًا فكريًا يُحصِّنُها من السقوطِ في شركِ العاطفة. في الصفحةِ الأولى من الكتاب الذي أصدرتهُ المؤسسة العربية للدراسات والنشر في العام ٢٠٠٤ (وصدر<a href="https://khanaljanub.com/writer/husseinbarghouti/" target="_blank" rel="noopener"> بطبعة جديدة</a> عن الدار الأهلية في عمّان، ٢٠١٧)، بعد عامين على وفاةِ صاحبهِ، يقولُ البرغوثي: "بعد ثلاثين عامًا أعودُ إلى السكنِ في ريف رام الله، إلى هذا الجمال الذي تمّت خيانته."</p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم من إدراكِ الكاتبِ لطبيعةِ هذه العودة، لجهةِ أنّها أخيرة ونهائية، إذ يقولُ في الجملةِ التي تلي: "نفيتُ نفسي طوعًا عن بدايتي فيه، واخترتُ المنفى، وأنا ممّن يُتقنون البدايات، وعودتي، بالتالي، نهاية غير متقنة."</p>
<p dir="rtl">غير أنّ هذا الإدراك لم يكن يعني بالنسبة لهُ تسليمًا بإحصاءِ الأيامِ المتبقّية.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="523" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/239857649867-1.jpg" style="float:left" width="333"></p>
<p dir="rtl">حسين البرغوثي لم يعُد إلى قريتِهِ "ليكونَ بين اللوز" فحسب، كما يقولُ عنوانُ الكتاب. كانَ كمن تنبّهَ، وإن بسببِ السرطان، إلى أنّ ثمّة ما نسيَ فعلهُ في صباهُ الأول. في بدايةِ شبابه يكونُ الإنسان أكثر قابلية لخوضِ المعارك، أكثر حيويةً واحتمالًا للمشاق التي تحملُها هذه المعارك، وأقلّ انتباهًا للوقتِ المهدورِ، ولتفاصيلِ الجمال الذي يُمكنُ أن تلتقطها العين، تحديدًا في المكانِ الأول، حيثُ يكونُ الارتحالُ هاجسًا طبيعيًا، يستتبعُ الرغبةَ بالاستقلالية. غيرَ أنّ الحياةَ تصقلُ التجربة، تضفي عليها شيبًا كالذي تُضفيهِ على مفارق الإنسان وروحه. وحياةُ حسين البرغوثي التي لم تمتدَّ لأكثر من ثمانية وأربعين عامًا (١٩٥٤ – ٢٠٠٢) حظيتْ بتجاربَ مهمّة وثريّة صقلتْ أفكارَ الرجلِ وموهبتهُ على حدٍّ سواء، فكانَ أن اختارَ العودةَ لأنّهُ: "لا يعودُ أحدٌ إلى أوَّلهِ، ولو لِمامًا، إلّا إن عادَ إلى تاريخِه، إلى نفسهِ في تاريخه." أرادَ الراحلُ في إيابهِ وفي سيرتهِ الأخيرة أن يعودَ إلى نفسِهِ إذن، فليست بودابيست المجرية وسياتل الأمريكية، وقد قضى زمنًا في كلٍّ منهما للدراسة، أماكنُ يتمكّنُ الإنسانُ من الرجوعِ إلى نفسهِ فيها، فتاريخ الشخص، على ذلك، وفق البرغوثي، لا يعني وجودهُ الماديّ الملموس فحسب، بقدرِ كونهِ امتدادًا لتاريخِ أشخاصٍ آخرينَ ورثَ ملامحهم وأماكنَهم. وهو بهذا المعنى تاريخ ليسَ شخصيًا تمامًا. وأرضُ بداياتِهِ بالتالي هي الأقدر على تقريبهِ من نفسه.</p>
<p dir="rtl">وعلى الرغم من أنّ كتابة هذا النصّ السرديّ الذي وصفهُ محمود درويش بقولهِ: "لعلّهُ أجمل إنجازات النثر في الأدب الفلسطيني"، كانت متزامنةً مع أحداث الانتفاضةِ الثانية، ومزاولةِ فلسطين والفلسطينيين مهمّتهم التاريخية القدَريّة بالحياةِ على صفيحٍ ساخنٍ، إلّا أنّ النازعَ الذاتيّ لكتابةِ هذا النصّ النثريّ ظلّ طاغيًا، بحيثُ لا تُذكرُ الانتفاضةُ فيهِ إلّا مرةً واحدة، وبشكلٍ عرضيّ لا يبتغي تسليطَ الضوء عليها، ليحتفظَ النصُّ لنفسهِ بميزةٍ نادرةٍ في ظروفٍ كهذه، وهي أن يظلّ وفيًا لأسبابِ كتابته. لم نرَ الاحتلالَ بمعناهُ السياسي، من خلال الثورة أو الكفاح الفلسطينيّ، إنما من خلال سياجِ المستوطنات حولَ مرابعِ تاريخِه، أو حرائق الجبالِ والتلال. الأماكن التي قرّر أن يعودَ البرغوثي إليها ليفهمها، وليفهمَ نفسهُ فيها.</p>
<p dir="rtl">لم تكن سيرةُ "سأكون بين اللوز" سيرةً كفاحٍ عام، رغمَ التقاطعات الكبيرة بين الشخصيّ والعام فيها، لكنها لم تنتمِ للأدبِ السياسيّ، إذ لطالما حاولَ الكاتبُ التخفّفَ من ثِقلِ السياسة، والسخريةَ منها أحيانًا، كما في أحدِ مقاطعِ كتابهِ "الضفّة الثالثة لنهر الأردن": "عملتُ في تعبيد الطرق و حرضتُ العمال على المطالبة بجزمٍ مطاطية وكفوفٍ ضد البرد، ونظمتُ إضراباً عاماً لهم . حصلوا على مطالبهم و طردتُ أنا". سخريةٌ تشي بملمحٍ من ملامح شخصيّة حسين البرغوثي، المُنطلقة، المنفلتة مما قد يجعلها حبيسةً لفكرةٍ أو مذهب، أو قابِلة بالمسلّمات دونَ تفكير.</p>
<p dir="rtl">نرى الكفاحَ من زاويةٍ أخرى، زاوية الشخص الذي لم يعد قادرًا على القيام بما هو أكثر من التردّد على قسم الأورام في المستشفى، واكتشاف أنّ وجوده زائد عن الحاجة في ظرفٍ كانت المستشفيات مشغولةً بالجرحى والشهداء، بما لا يتركُ فرصةً للاهتمام بالمرضى العاديين! وحسين طوال حياتِهِ كان يريدُ أن يكون عاديًا، شخصًا يحظى بحياةٍ عاديّةٍ، يقطفُ من مساكبِ حديقةِ المنزلِ خضراواتٍ تكفي لصنعِ صحنِ سلطة لهُ ولزوجتهِ وابنهِ الوحيد، ويتناوله في فيء شجرة زيتون. ويبدو أنّ هذه الرغبةَ امتدّت أكثرَ مما ينبغي، فيكون حتى في مرضهِ، مريضًا عاديًا لا يثيرُ اهتمام أحد.</p>
<p dir="rtl">يُذكّرُنا الشاعر الراحل أحمد دحبور في إحدى مقارباتهِ لكتاب "سأكون بين اللوز" وقد كان هو من قدّمَ له، بما قالهُ الدكتور عبد الرحمن بدوي بشأن الفيلسوف الدانماركي الوجودي سورين كيركغراد: "خليطٌ غريب من الاعترافات العاطفية الشخصية والتأملات الفلسفية والمقالات الأدبية، وفي الكتاب تتعاقبُ الأجناسُ الأدبية: يوميات، عرض منظم، مناجيات، صور أدبية، تفسير أحلام.. إلخ".</p>
<p dir="rtl">«سأكونُ بين اللوز»، سيرةُ الطبيعة والحكايات الجبالِ والبشر والحجر والتلال، يرويها رجلٌ أجبرهُ السرطان على التفكير في بداياته، فعادَ طفلًا، يرى الأشياء بعينِ الطفلِ ويحكيها ببراءة الأطفال، وبمخيّلةِ الأطفالِ القادرة على اجتراحِ السحر من أبسط الأشياء. لكنّها، بالإضافةِ إلى ذلك كلّهِ، سيرة مُلهِمةٌ للتفكير في العودة إلى الجمال الذي تمّت خيانته.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20420">«سأكونُ بين اللوز»... سيرةُ الرجوعِ إلى الجمال</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حاتم علي الذي يخصّنا</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20331</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[تمّام هنيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 01 Jan 2021 15:52:13 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%ad%d8%a7%d8%aa%d9%85-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%8a%d8%ae%d8%b5%d9%91%d9%86%d8%a7/</guid>

					<description><![CDATA[<p>توقّفَ قلبُ المخرج والممثل والكاتب السوري حاتم علي صباح يوم التاسع والعشرين من ديسمبر في غرفةٍ في فندق ماريوت – القاهرة، بعد أن ظلَّ يدقُ لثمانيةٍ وخمسينَ عامًا. فالراحلُ الذي ولد في الثاني من حزيران عام ١٩٦٢، بعد أشهرٍ قليلة من الانفصال وانتهاء التجربة الوحدوية بين سوريا ومصر وما خلّفتهُ هذه التجربة من آثار وندوب [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20331">حاتم علي الذي يخصّنا</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">توقّفَ قلبُ المخرج والممثل والكاتب السوري حاتم علي صباح يوم التاسع والعشرين من ديسمبر في غرفةٍ في فندق ماريوت – القاهرة، بعد أن ظلَّ يدقُ لثمانيةٍ وخمسينَ عامًا.</p>
<p dir="rtl">فالراحلُ الذي ولد في الثاني من حزيران عام ١٩٦٢، بعد أشهرٍ قليلة من الانفصال وانتهاء التجربة الوحدوية بين سوريا ومصر وما خلّفتهُ هذه التجربة من آثار وندوب على الشخصيّةِ السوريّة في قيامها ونهايتها، لم يكن قد تعلّمَ الكلامَ كما ينبغي حينَ استولى العسكر على السلطة في سوريا، وشاءت أقدارُهُ أن يشهدَ أولى فواجعِ حكمِ هؤلاء العسكر مبكرًا، وأن يحتفلَ بعامه الخامس نازحًا رفقةَ عائلتهِ من الجولان السوريّ في أعقابِ هزيمة حزيران ٦٧ التي أفضتْ، من جملةِ ما أفضتْ إليه، إلى احتلال الجولانْ. بدايةُ الحياة كثيفة الأحداث تلك، فتحت البابَ أمامَ تساؤلاتٍ كثيرة وكبيرة، سوفَ تطبعُ اشتغالات صاحبِ «أحلام كبيرة» لاحقًا، عن جدوى البيتِ والوطن، وعن معناهما. عن السلطةِ ومغانمها ومغارمها، وعن الفقر وغياب العدل.</p>
<p dir="rtl">عاشَ حاتم علي في منطقة الحجر الأسود المُتاخمة لمخيّمي فلسطين واليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، وهي إحدى الضواحي شديدة الهامشية والعشوائية في العاصمة، حيثُ الأملُ لا يعدو كونه مفردةً يستخدمُها أبناء الطبقة الوسطى في أحاديث أمسياتهم. تشرّبَ تاريخهُ الشخصيّ بكلّ تفاصيله، لم يكن معزولاً ولا بعيدًا عن حياة الناس، وأسوةً بسكّانِ تلك المناطق لم يمتلك ترفَ الترفّعِ عن تفاصيلِ الحياة اليومية، فكانَ والداهُ يعملان في سوق الخضار في الحجر الأسود، بينما كان هو يشقُّ طريقَ تحصيلهِ العلميّ بأناةٍ وهدوء، متأملًا وسائلًا وقلقًا، وواحدًا من روّادِ مقهى أبو حشيش في مخيّمِ اليرموك، حيثُ يتمكّنُ من توظيفِ حاسّتي السمع والبصر فيما يغذّي تلكَ التساؤلاتِ، مثلما يغذّي القلق!</p>
<p dir="rtl">قد يقولُ قائلٌ إنّ الأعمال الخالدة التي أخرجها حاتم علي مثل "التغريبة الفلسطينية" أو "الزير سالم" تُنسبُ لمؤلّفينَ رؤيويين كممدوح عدوانْ ووليد سيف، غيرَ أنّ السؤال هنا يكمُنُ في استعداد المؤلِّفَينْ للمغامرة بمنحِهِ فرصةَ إخراج ما كتباه إلى المشاهدين، وهو لم يكن قد تجاوزَ الثمانية والثلاثينَ عامًا حين أخرج الزير سالم، وما يزيدُ عليها بأربع سنوات في التغريبة؟</p>
<p dir="rtl">لم تكن سوريا تخلو من المخرجينَ آنذاك، ولم يكن لحاتم علي بصمة إخراجيّةً تُذكر، لكنّ المسألة تتعلّقُ، على الأرجح، بتوافقٍ فكريٍّ – رؤيويّ بينه وبين المؤلِّفَينْ. ونحنُ هنا لا نتحدّثُ عن كاتبين عاديَّين، بل عن ممدوح عدوان ووليد سيف!</p>
<p dir="rtl">قدّم حاتم علي نفسَهُ كمخرجٍ في الزير سالم، بشكلٍ يُذكّرُ بما فعلهُ رياض الصالح الحسين شعريًّا وفقَ شهادةٍ كتبها سابقًا الشاعرُ الأردنيّ الراحل أمجد ناصر في رياض حين قال:</p>
<p dir="rtl">"لم يكن رياض الصالح الحسين ممن يتزلفون إلى الزمن، وهو ممن لم يحتاجوا إلى رأفته، قصيدته جاهزة وبصمته حاضرة منذ توقيعه الأوّل".</p>
<p dir="rtl">قدّمَ نفسَهُ من خلالِ أبطالِهِ في سيرةِ البكريينَ والتغلبيين واصطراعهما المديد. مدّ أصابعهُ إلى أوراقِ ممدوح عدوان وسحبَ الشخصيّات بحيثُ وقفتْ أمامَ المشاهدينَ شخصيّاتٍ من لحمٍ ودمٍ ومشاعر، وعليه فقد فكّرَ مع المؤلّفِ مليًّا في مساءلةِ هؤلاء الأبطال بوصفهم بالغينَ راشدينَ مسؤولينَ عن سلوكيّاتهم التي أنتجتْ دمًا عميمًا لا طائلَ منه، وفكّكَ مفهومَ الصفحِ والمسامحة وأخضعهُ لشروطهِ التاريخية وللتركيبة الذهنية للشخصيّات. وسخِرَ، بلا سخريةٍ، من ثنائيّةِ الخيرِ والشرّ، لصالحِ انتصارٍ واضحٍ للضعفاء والمظلومين.</p>
<p dir="rtl">انحيازُ الراحلِ للأضعف تكررَ في أعمالهِ لاحقًا. في التغريبةِ الفلسطينية لم يكنْ الانحيازُ مبنيًا على شعاراتٍ مكررة وممجوجة، فهو لم ينحزْ إلى الفلسطينيين في مواجهة الإسرائيليين، إنما للأضعف في مواجهة الأقوى، لزارعِ الأرضِ في مواجهة مالكِها، للمظلوم في مواجهة الظالم. ذلكَ قبلَ أن يُعمّم الظلمُ على الكلّ مع النكبة عام ١٩٤٨، فينحازَ لهم جميعًا في مواجهةِ ظُلّامهم الجدد، المستمرّين. خارجًا من فخّ التخصيص والمفاضلة بين مظلومٍ وآخر، باختيارهِ الذكيّ أن يبدأ مسلسله من «قريةٍ فلسطينية» لا على التعيين، كمن يُريدُ القولَ: اختر أيّ مكانٍ في فلسطين، واعتبر أنّ هذه حكايته.</p>
<p dir="rtl">كذا فعلَ في ثلاثيّةِ الأندلس، فقد انحازَ لعبد الرحمن الداخل في صقر قريش، إلى أن صارَ حاكِماً خاضعًا للتغييرات التي لا بدّ، في رأي حاتم علي، أن تفرضَها السلطةُ على الأشخاص ما إن يتبوّؤوا سدّةَ الحكم، ولما تفرضهُ السُّلطةُ من سلوكيّاتٍ تطبعُ شخصيّةَ الحاكم. عندئذٍ اختارَ الانحيازَ إلى بدر، خادم «صقر قريش» ورفيق رحلته إلى الأندلس وشريكه في تخطيط بناء الدولة هناك ووزيرهِ السابق. بدر، الذي عزلهُ «الداخل» فاختارَ الانكفاءَ والابتعادَ عن قرطبة التي لطالما حلُم بها. ولعلّ المشهدَ الأخير الخالدَ في المسلسل، يختصرُ تأمّلَات وليد سيف وحاتم علي في فكرةِ السلطة، وهواجسهما في أن يردَّا الاعتبارَ للمظلومين. في حوارٍ ثريٍّ بين الحاكمِ الذي ظَلمَ وخادمهِ الذي ظُلِم، يتشككُ عبد الرحمن الداخل في كلّ تاريخه، يتساءلُ عن جدوى كلّ ما قام بهِ في سبيلِ إحياء دولةِ أجدادهِ في الأندلس، وما إذا كانت فكرةُ الدولة تلك تستحقُّ كلّ ما فعلهُ لأجلها، وكلّ أولئكَ الضحايا الذينَ قضوا في سبيلِ قيامِها والحفاظِ عليها، ثمّ يستطردُ «صقر قريش» متمعّناً في فكرةِ الحقّ ذاتها، وفي نسبيّتها؛ فالحقُّ عندَ أحدهم هو الباطلُ عند أعدائهِ، والعكسُ صحيح. قيمةُ هذا المشهد الحواريّ الخالد لا تكمنُ في تلك الأفكار، إنّما في ورودِها على لسانِ الحاكمِ لا المحكوم، على لسانِ الظالمِ القويّ لا المظلومِ الضعيفْ، ذلكَ تحديدًا ما يجعلُها تحملُ ردّ اعتبارٍ للضعفاء.</p>
<p dir="rtl">ولعلّ تداخلَ الشخصيّ بالعام في سيرة ومسيرة حاتم علي فرضَ نفسهُ على المشهدِ الأخيرِ من حياتِهِ، فالتراجيديا السوريّة العامّة لا تنفكُّ تتركُ آثارَها على السيرةِ الشخصيّة لأبناء التغريبة السورية: يغادرُ حاتم علي بيتَهُ مجبرًا في بداية حياتهِ، يعيشُ نازحًا في الحجرِ الأسود، ينحازُ إلى المهمشين، يُحاولُ القول مبكرًا "إنّ الطغاةَ شرط الغزاة"، يثورُ المهمشون، يقتلهم الطغاة فالغزاة، يُغادرُ البلادَ في رحلةٍ لجوءٍ أبتْ حياتُهُ إلا أن يختبرها، ثمّ يموتُ وحيدًا مُحاطًا بجدرانِ غرفةٍ فندقٍ في القاهرة. فتكتملُ حلقات المسلسل. تلكَ رحلةٌ مكتملةُ أركانِ الألم.</p>
<p dir="rtl">سيطوفُ اليوم جثمانُ حاتم علي في شوارعِ الشام التي وصلها بتابوتٍ مختومٍ بالشمع الأحمر، ثمّ سيُدفنُ في مقبرةِ باب الصغير.</p>
<p dir="rtl">أولم يقل عبد الرحمن الداخل في المشهد الأخير من صقرِ قريش: لو كانَ للمرءِ أن يختارَ موضعَ قبرهِ ما اخترتُ غيرَ الشام؟!<br />
 </p>
<div data-oembed-url="https://omny.fm/shows/safahat/ff257a09-bab3-46d3-94b9-acc900bab17e/embed">
<div style="height:180px; left:0; position:relative; width:100%"><iframe allow="encrypted-media;" allowfullscreen="" src="https://omny.fm/shows/safahat/ff257a09-bab3-46d3-94b9-acc900bab17e/embed?style=cover" style="top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; position: absolute; border: 0;" tabindex="-1"></iframe></div>
</div>
<h5 dir="rtl">للاستماع إلى المزيد من المقالات، يمكنكم الاشتراك في خدمة <a href="https://www.sowt.com/ar/ashtrakat-swt/sfhat-swt" target="_blank" rel="noopener">«صفحات صوت»</a> إما من خلال الموقع أو تطبيق<a href="https://podcasts.apple.com/us/channel/safahat-sowt-%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%B5%D9%88%D8%AA/id6442484437" target="_blank" rel="noopener"> آبل بودكاست</a>.</h5>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20331">حاتم علي الذي يخصّنا</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-07-20 14:27:35 by W3 Total Cache
-->