<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>ألبرتو مانغويل - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%A3%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%AA%D9%88-%D9%85%D8%A7%D9%86%D8%BA%D9%88%D9%8A%D9%84/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/ألبرتو-مانغويل</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sun, 30 Mar 2025 11:14:00 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>ألبرتو مانغويل - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/ألبرتو-مانغويل</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ألبرتو مانغويل: غياب مؤسسة حيوية عن الخطط الكبرى لغزة (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35145</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 26 Mar 2025 11:30:02 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35145</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتبها ألبرتو مانغويل خصيصاً للمجلة ، في٥/٣/٢٠٢٥. &#160; في قمة عربية طارئة عُقدت مؤخرًا في القاهرة، وضع القادة العرب خطة لإعادة إعمار غزة، مع التأكيد على عدم تهجير الفلسطينيين الباقين فيها على قيد الحياة. وتضمنت الخطة تشكيل لجنة إدارية تتولى إدارة القطاع مؤقتًا، على أن يُنقل الحكم لاحقًا إلى القيادة الفلسطينية المعترف بها دوليًا في [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35145">ألبرتو مانغويل: غياب مؤسسة حيوية عن الخطط الكبرى لغزة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #808080;">كتبها <span style="font-weight: 400;">ألبرتو مانغويل خصيصاً للمجلة ، في٥/٣/٢٠٢٥.</span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">في قمة عربية طارئة عُقدت مؤخرًا في القاهرة، وضع القادة العرب خطة لإعادة إعمار غزة، مع التأكيد على عدم تهجير الفلسطينيين الباقين فيها على قيد الحياة. وتضمنت الخطة تشكيل لجنة إدارية تتولى إدارة القطاع مؤقتًا، على أن يُنقل الحكم لاحقًا إلى القيادة الفلسطينية المعترف بها دوليًا في الضفة الغربية. واعتُبر هذا المقترح خطوة أولى نحو تحقيق حلم طال انتظاره: إعادة توحيد الدولة الفلسطينية المنقسمة، وهو الحلم الذي طالما راود الفلسطينيين في الوطن والشتات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن يبدو أن هذا الاقتراح لم يأخذ في الاعتبار واحدة من أهم المؤسسات الفلسطينية، التي وصفها مديرها، عيسى قراقع، بأنها "مشروع دولة، بل أكبر من الدولة نفسها، لأنها تجسد الذاكرة الفلسطينية العميقة والممتدة عبر تاريخ فلسطين الطويل": المكتبة الوطنية الفلسطينية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المكتبات الوطنية، سواء كانت أسطورية كمكتبة الإسكندرية، أو واقعية ومتواضعة مثل المكتبة الوطنية الأوكرانية "فيرنادسكي"، هي قبل كل شيء مبانٍ رمزية. وكما كتب عيسى قراقع بعبارة بليغة: "الأمة التي لا تمتلك مكتبة وطنية، لا وجود لها." فهذه المكتبات تمثّل جوهر هوية قرّائها سواء كانوا ملوكًا ذوي طموح أو ضحايا صامدين، وتمنحهم مرآة لفهم ذاكرتهم الثقافية والسياسية، ولغتهم وأدبهم، وأسباب وجودهم والأساطير التي تشكّل وعيهم الجمعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما المكتبات العادية، سواء كانت عامة أو خاصة، فهي عوالم محددة بمحتوياتها المختارة واستخداماتها الانتقائية. في المقابل، تُجسّد المكتبة الوطنية فضاءً شاملاً يحتوي على كل هذه العوالم ويمنحها البقاء. فالمكتبة الخاصة قد تُروى من منظور فردي، بينما تشكّل المكتبة الوطنية جوابًا جماعيًا على لعنة برج بابل؛ تحوّل فوضى اللغات التي أراد الله بها معاقبة الطموح البشري إلى نظام إنساني راقٍ، وإلى وسيلة للتفاهم والحوار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رأى الفلاسفة الرواقيون في اليونان القديمة، ومن تبعهم من شُرّاح العصور الوسطى، أن الكون كائن حيّ نابض، يتكوّن من جسد وروح. وانطلاقًا من هذا التصوّر، فإن الإنسان ليس إلا صورة مصغّرة عن هذا الكون الشاسع والمبهم، فيما يُعدّ الكون ذاته تجسيدًا مضخّمًا للإنسان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">آمن هؤلاء المفكرون بأن الروح البشرية، كونها جزءًا من الروح الكونية، هي بالنسبة للجسد البشري مثلما الروح الكونية بالنسبة للكون، وأن الجزء العقلي من هذه الروح يعمل داخل كل فرد كما يعمل العقل الكوني في مجمل الكون. والأهم من ذلك، أنهم اعتقدوا بأن الكون يؤثر في الإنسان كما يؤثر الإنسان في الكون. فإذا كان الكون كله جسدًا عضويًا واحدًا يمتلك الحياة والحركة والروح، فإن المكتبة يمكن اعتبارها مستودعًا لكلتا الروحين، الكونية والبشرية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهذا ما قصده بورخيس عندما اقترح أن مصطلحي الكون والمكتبة ليسا سوى وجهين لمفهوم واحد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قلتُ إنّ المكتبة الوطنية، مجازيًا، تُجسّد هوية قرّائها. وكما قال محمود درويش بأنّ المجاز عن فلسطين أقوى من فلسطين على أرض الواقع. وهذا لا يشير فقط إلى ما يؤمن به هؤلاء القرّاء عن أنفسهم، بل أيضًا إلى ما يختارون تذكّره من تجربتهم الماضية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فالمكتبة، كما يوضح ريتشارد أوفيندن، مدير مكتبة بودليان، هي فضاء للأدلّة؛ لا تكتفي بتوثيق الواقع، بل تكشف أيضًا ما نُعرض عنه، ما نختار أن ننساه، أو نمحوه من الذاكرة الجمعية. فكل مكتبة، بطبيعتها، قائمة في ظلّ شكلٍ من أشكال الرقابة: سواءً بسبب إقصاء متعمّد أو ضرورات قاهرة ناتجة عن شُحّ الموارد أو ضيق المساحة أو خشية السلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، حتى في حضور الرقابة، تظلّ المكتبة الوطنية رمزًا للتطلّع إلى ما يمكن أن يكون عليه العالم في أفضل صوره، أو إلى ما قد نندم على ما ضاع منا إلى الأبد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أدرك الإنسان، منذ فجر البشرية، أنه لا يستطيع البقاء منفردًا. ومع ذلك، لا يزال الفرد يُفتَن مرارًا بوهم الانعزال، فيغفل عمّا يجمعه بغيره من بني جنسه، وما يمكّنه من الصمود في وجه الأخطار التي تتهدّده.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لقد مُنحنا جميعًا إمكانية الإيمان، الأمل، والمحبة، وقبل كل شيء الكاريتاس، تلك المحبّة الفاعلة التي  تُضفي المعنى على كلّ فضيلةٍ سواها. والتاريخ، في مآسيه الكبرى، أثبت مرارًا، ورغم الصيحات العالية للطغاة المتعطشين للدماء وأصحاب اليمين المنفلت أن الأنانية ليست فضيلة، وأن من منفعته على حساب الآخرين إنما يحكم على نفسه بالهلاك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحمل المكتبة بين رفوفها هاتين الإمكانيتين المتناقضتين: الأولى تحت شعار رامبو: "الأنا هو الآخر". والثانية، تحت صرخة الفاشية الإسبانية: "يحيا الموت".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتابه "السيد ومبعوثه "(2009) ، يجادل الطبيب النفسي إيان ماكغيلكريست بأن نصفي الدماغ البشري يمكن النظر إليهما بوصفهما يمثلان وظيفتين مختلفتين: المنطق والإبداع. النصف الأيسر يتعامل مع التفاصيل، بينما يركّز النصف الأيمن على الصورة الكلية. هذان النمطان من الإدراك لا يتعارضان، بل يمنح كلٌّ منهما الأفضلية لنمط معيّن من الفهم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يراقب النصف الأيمن المحيط العام، ويهتم بالعواقب طويلة المدى لأفعالنا. أما النصف الأيسر فيركّز على التقاط فريسة واحدة، أو بلوغ هدف مباشر. وإذا تُرك المجتمع خاضعًا بالكامل لهيمنة النصف الأيسر، فسينزع إلى تجاهل التعاطف، وإهمال البيئة، والتعامي عن نتائج الأفعال الأنانية المتمركزة في اللحظة الراهنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يرى التلموديّ في النصف الأيسر تمثيلًا للعالَم الصغير، وفي النصف الأيمن صورةً للعالَم الكبير؛ والصراع بين هذين القطبين، في البيولوجيا كما في الميتافيزيقا، صراع متشابه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يشير تاريخنا إلى أن النصف الأيسر بات مهيمنًا منذ الثورة الصناعية على الأقل، وأننا انعزلنا في قواقعنا، بعيدًا عن الآخرين وعن العالَم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، تواصل مكتباتنا تذكيرنا بأن التوازن بين النصفين جوهري. ما إذا كنّا نصغي لهذا التذكير، فتلك مسألة أخرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في سومر القديمة، كان يُنظر إلى الأحداث الأرضيّة للسياسة والدين على أنها انعكاسات لما يجري في السماء. ما يحدث على الأرض له ما يقابله في عالم الآلهة، ولا يُفهم إلا في ضوئه. سلوك الملك، مثلًا، كان يُرى في حركة الكواكب، وكانت أسرار الآلهة تُكتشف في أحشاء حيوانٍ يُقدَّم قربانًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في واحدة من أقدم الملاحم التي وصلتنا، يُروى أن سكّان مدينة أوروك عاشوا تحت حكم ملك شاب متسلّط يُدعى جلجامش، اشتهر بظلمه وقسوته. كان يستخفّ بالمعرفة، ويهوى المصارعة، ويُجبر الرجال على مصارعته "حتى وإن كان لديهم ما هو أهمّ"، ويستمتع بإذلال النساء، حتى العرائس منهنّ. فدعا أهلُ أوروك الآلهةَ أن تجد لهم مخرجًا. لكنهم لم يطلبوا موت الملك، لأنهم أدركوا أن المجتمع السليم يجب أن يتعافى دون أن يلجأ إلى القتل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">استجابت الآلهة بإرسال رجل بريّ يُدعى أنكيدو ليصارع الملك. وفي هذا الصراع الجسدي بين الحضارة الفاسدة والطبيعة البريئة، خرج الرجلان وقد تغيّرا. في تاريخ البشرية، يظهر جلجامش وأنكيدو بأسماء مختلفة، لكن الصراع نفسه يتكرّر. يجب على جلجامش أن يتعلّم كيف يحكم بالعدل، وعلى أنكيدو أن يتعلّم قوانين المجتمع. ولا بدّ من تكرار هذه الرحلة مرة بعد مرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا تقوم المجتمعات إلا على أسس العدالة والرحمة. ويجب علينا أن نعيد تذكير أنفسنا بهما باستمرار، حتى لا نضلّ الطريق باسم "التقدّم". وكما كتب غلبرت كيث تشيسترتون ساخرًا: "من الواضح أنه لا أمان في مجتمعٍ تُعتبر فيه مقولة رئيس المحكمة بأن القتل خطأ مقولةً مبتكرة ومبهرة". ولكي يحمي المجتمع نفسه من نفسه، علينا أن نعلّق هذه البديهيات على كل باب، ونضعها على كل رف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يبدو أن تجارب البشرية تنتهي إلى نتيجة حاسمة. يعود الميكروكوزم الإنساني مرارًا وتكرارًا إلى حالٍ من الظلم المتعمّد والطموح الأناني، يركّز على ما يريده الفرد لنفسه وحده، ويقابله دومًا الماكروكوزم بعواقب هذه الأفعال في محاولة لإعادة التوازن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ملحمة جلجامش، يتجسّد هذا التوازن في موت أنكيدو، رمز الطبيعة. أما نحن، فنواجه تحذيرات متكررة من انقراضٍ محتمل للحياة البشرية على الأرض. كان رعايا جلجامش يصلّون للآلهة طلبًا للخلاص. وربما نحن، عوض الصلوات، نحتاج إلى شيء آخر: أفعال صغيرة من المقاومة، متكررة وعنيدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أفعال صغيرة من المقاومة، لا تجيز مرور الكوارث المتعمّدة في صمت. رفض بسيط للخضوع في لحظات الظلم. انسحابات متواضعة من المشاركة في أعمال الخراب المتعمّد. هذه بعض الاستراتيجيات التي قد تتيح لنا، ربما، فرصة للبقاء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الأعراف اليهودية، يعتمد خلاص البشرية على ستة وثلاثين شخصًا من "الأبرار الخفيّين"، يُعرفون باسم "لاميد- فوفنيك" (الأبرار الخفيّون الستة والثلاثون)، لا يعرف أحدهم الآخر، ويقوم على وجودهم مصير العالم. أما في الإسلام، فيرتفع هذا العدد إلى أربعين. فقد سمع الخليفة عثمان بن عفان والده يقول إن عدد الأبرار أربعون. فسأله: "أأربعون رجلا؟"، فأجابه والده ألا يقول رجالا، وإنّما بشر، لأن بين هؤلاء أيضًا يوجد نساء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يكون أحد هؤلاء الأبرار الأقل ظهورًا بيننا، لكنّ التعرّف عليهم يتطلّب منّا فضيلة المحبة، أو "الكاريتاس"—قدرتنا على التماهي مع الآخر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأدب الذي جمعناه عبر العصور على رفوف مكتباتنا، بكل ما فيه من غموض ثري ولا نهائي، قادر أن يعلّمنا التعاطف مع شايلوك كما مع ماكبث، الشفقة على بريام كما على آخيل، الحبّ لأنتيغونا كما لهكوبا. يخبرنا، كما في الأوديسة، أن كلّ حياة هي رحلة، وكما في الإلياذة، أن كلّ حياة هي معركة، وأننا جميعًا منفيّون وكادحون.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يسمح لنا، مثل بارتلبي، أن نرفض أن نكون شركاء في بيروقراطية عبثية أو أنظمة ظالمة، ويمنحنا الحق أن نقول علنًا: "أؤثر ألّا أفعل." لكن خطاب هذا الزمن هو نقيض الأدب. لا يحتمل غموضًا، ولا يطرح أسئلة مفتوحة تخلق حوارًا. ينقض مبدأ الكاريتاس، معلنًا لا أهمية الآخر، أو، ما هو أسوأ، إنكار وجوده. يردّد صدى عبارة روما: "يجب تدمير قرطاج." يمارس الإبادة، ويمحو ثقافات تعتبر "غريبة"، ويسجن الكتّاب والفنّانين، ويحرق الكتب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وكما يعرف أي قارئ، فإن هذا الواقع ليس حكرًا على زمننا. ففي عام 213 قبل الميلاد، أمر الإمبراطور الصيني تشين شي هوانغ بإحراق كتب كونفوشيوس، وأعدم 460 من علماء الكونفوشية حرقًا. وفي عام 1258، أضرم الأمير المغولي هولاكو خان النار في مكتبة بيت الحكمة أثناء حصاره لبغداد. وفي عام 1562، أمر الأسقف الكاثوليكي دييغو دي لاندا بتدمير مدوّنات حضارة المايا في يوكاتان. أما في نيويورك في القرن التاسع عشر، فقد دمّر أنطوني كومستوك، مؤسّس "جمعية مكافحة الرذيلة" عام 1873، نحو خمسة عشر طنًا من الكتب التي اعتبرها فاسدة. وفي عام 1933، جمع النازيون شاحنات محمّلة بالكتب المصنّفة كـ"غير ألمانية"، وألقوها في نيران ساحة بيبيلبلاتس في برلين. وحتى في قرننا هذا، لا تنقصنا أمثلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في شباط عام 2025، داهمت الشرطة الإسرائيلية "المكتبة العلميّة" في القدس الشرقية، وهي فضاءٌ معروف الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يرتاده الدبلوماسيون الأجانب، والكتّاب الزائرون، والقرّاء اليوميون. وقد تم وضع بائعَي الكتب، محمود منى وأحمد منى، قيد الإقامة الجبرية، ومُنعا من العودة إلى مكتبتهم لمدة خمسة عشر يومًا. سواء كانت مكتبة أو محلّ كتب، فإنّ الاعتداء على مكانٍ يحتضن الكلمة المكتوبة هو جريمة ضد الإنسانية، ويُضاف إلى القائمة الطويلة والمؤسفة من أعمال العنف المرتكبة ضد الكلمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، لا تحدث هذه الأفعال في الظل. ثمة دائمًا من يشهد عليها، وسيتقدّم في النهاية "ملائكة التوثيق" ليشهدوا على هذا الفعل المشين. صوتٌ يرفع نفسه بالاحتجاج، بلاغٌ قانونيّ فردي، مظاهرة شعبية تقف في وجه الجريمة، لافتة شجاعة يرفعها شخص واحد بصمت، كلها دلائل على أن "العالَم الصغير" قادر هو أيضًا على التأثير في حركة "العالَم الكبير" المهيمن.</span></p>
<figure id="attachment_35146" aria-describedby="caption-attachment-35146" style="width: 700px" class="wp-caption aligncenter"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="wp-image-35146 size-full" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/6240.jpg.webp" alt="" width="700" height="467" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/6240.jpg.webp 700w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/6240.jpg-300x200.webp 300w" sizes="(max-width: 700px) 100vw, 700px" /><figcaption id="caption-attachment-35146" class="wp-caption-text">Protesters outside court in Jerusalem on Monday. Photograph: Quique Kierszenbaum/The Guardian</figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">كما هو الحال مع جماعة "لاميد-فوفنيك" (Lamed-vovniks)، قد لا نعرف يومًا اسم المرأة، ولا ديانتها، ولا جنسيتها، تلك المرأة التي وقفت تتظاهر أمام المكتبة المُداهَمة في القدس، لكن صورة وجودها وحدها تكفي لتؤكّد أن المقاومة، مهما بدت ضئيلة، تظلّ دائمًا خيارًا ممكنًا في وجه الظلم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّ هذه الصورة -صورة المحتجّة- جوهرية، ويجب عرضها أمام جميع القرّاء، ليشاهدوها، وليجدوا فيها ما يكفي من الأمل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لأنني، بدافعٍ من الخرافة أو الإيمان الرمزي، أؤمن أن الأشياء الصغيرة -كفردٍ واحد يقف في وجه الطغيان- يمكن أن تتحوّل إلى رمز، إلى مجاز، إلى شارةٍ مرفوعة في وجه الموجة الجارفة من الدمار التي تهبّ على العالم من جديد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">علينا أن نتذكّر أن النصف الأيسر من أدمغتنا، وإن كان مهووسًا بالتفاصيل ومصبّ اهتمامه اصطياد الغنيمة، إلا أنه يستطيع أيضًا أن يرصد العيوب في النموذج المجتمعي الذي أنشأته أنانيتنا. ومن خلال ذلك، يمكن له أن يساعد الكُلّ- أي ذلك "الكون الكبير" المصاب بجشع لا نهاية له وعنف أعمى- على أن يتعافى مرة أخرى، وأن يوفّر إطارًا أكثر صحة لحياتنا على هذه الأرض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مثل كلمةٍ مضيئة في كتابٍ ينتظر بصبرٍ على رفوف المكتبة الوطنية الفلسطينية، متربّصة بقارئها الحقيقي، فإن هذه الصورة تُظهر لنا، بدقّة، قوّة الميكروكوزم المتخيَّل حين يعكس الماكروكوزم المنشود، المتخيَّل أيضًا، الذي يحتويه.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35145">ألبرتو مانغويل: غياب مؤسسة حيوية عن الخطط الكبرى لغزة (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ألبرتو مانغويل عن غزة: الحرب الأبدية (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34481</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ريم غنايم]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 23 Dec 2024 09:56:57 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34481</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتبها مانغويل في لشبونة في 4 تشرين الأول 2024 لنشرها حصرياً في هنا. &#160; "...ما يفعله الطغاة، الهراء القديم الذي يتحدثون عنه إلى قبر بارد؛ [...] التنوير الذي وقع إقصاؤه، الألم الذي تحوّل إلى عادة، سوء التسيير والحزن: كل هذا علينا أنْ نعانِيهِ مرّةً أخرى و.هـ. أودن، "1 سبتمبر 1939" &#160; الحرب الحالية في الشرق [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34481">ألبرتو مانغويل عن غزة: الحرب الأبدية (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;">كتبها مانغويل في لشبونة في 4 تشرين الأول 2024 لنشرها حصرياً في هنا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #808080;"><span style="font-weight: 400;">"...ما يفعله الطغاة،</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">الهراء القديم الذي يتحدثون عنه</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">إلى قبر بارد؛</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">[...] التنوير الذي وقع إقصاؤه،</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">الألم الذي تحوّل إلى عادة،</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">سوء التسيير والحزن:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">كل هذا علينا أنْ نعانِيهِ مرّةً أخرى</span></span></p>
<p style="padding-left: 80px;"><strong><span style="color: #999999;">و.هـ. أودن، "1 سبتمبر 1939"</span></strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحرب الحالية في الشرق الأوسط هي، بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، دائرة مفرغة. من أين تبدأ الدائرة؟ ما هي نقطة الانطلاق؟ قد يجيب نتنياهو بأن الصراع يبدأ مع هجوم حماس الدموي في 7 أكتوبر 2023، الذي قُتل فيه 1195 فردًا من الإسرائيليين والأجانب. وفق حماس، فإنّ الصراع قد بدأ قبل ذلك بكثير، مع قيام دولة إسرائيل عام 1948، عندما تم تهجير 750,000 فلسطيني من أراضيهم لإقامة دولة جديدة. قد يختار المؤرخون أحد هذه التواريخ لمحاولة تفسير هذه الحرب بين الأشقاء. أما اللاهوتيون فقد يعودون إلى زمن أبعد من ذلك، عندما أمر يهوه إبراهيم بالبقاء مع سارة، والدة إسحاق، الذي سينحدر منه العبرانيون، وطرد هاجر وولدها إسماعيل، الذي يُعتبر أبو العرب، وفق المرويّات. يعلمنا الكتاب المقدس أن يهوه، بدءًا من قصة قابيل وهابيل، دائمًا ما يزرع بذور الفتنة بين الإخوة، متجاهلاً النصيحة التي سيقدمها لاحقًا "الفيزكاتشا العجوز" إلى مارتن فييرو: "يجب أن يتحد الإخوة لأنهم إذا تقاتلوا / سيفترسهم من في الخارج". وهذا ما يحدث الآن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان اليونانيون على دراية بهذه القصص الدموية الأبديّة. لقطع دوائرها المفرغة (لعنة بيت أترِيوس، على سبيل المثال)، ابتكر اليونانيون فكرة "المدد الغيبيّ".  في حالة "الأورستيا"، فإنّ أثينا هي التي تحوّل ربّات الانتقام إلى الإومينيدات الخيّرات، مما يضع حدًا لسلسلة القتل. كان الجمهور اليوناني يطالب بخاتمة تنطوي على حلّ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن في القرن الحادي والعشرين، لا يمكن حلّ المسائل بمثل هذه الأناقة. تتواجد في المشهد جوقة من أصحاب المصالح الراسخة بلا هوادة لمنع ربّات الانتقام من أن يتحوّلنَ إلى خيّرات، ولإبقاء الصراع مستمرًا. السياسيون الذين تعتمد طموحاتهم على أن يُنظر إليهم كفائزين، وتجار الأسلحة الذين يجمعون الثروات من مبيعاتهم، والمستثمرون الصغار الذين يجنون أرباحًا من هذه التجارة الشائنة، والقوى الأجنبية التي تسعى للحفاظ على مواقعها من خلال ترك الآخرين يمزق الواحد منهم الآخر – كل هؤلاء لا يريدون قطع هذه الحلقة المفرغة. الجشع والطموح (مع الاعتذار عن استخدام هذه الاستعارات المبتذلة) يعتقدان أنهما خالدان ولا يمكن المساس بهما. إنهما لا يريدان أن يفهما أن قانون القصاص، الذي يطالب بـ "العين بالعين"، يؤدي دائمًا، كما قال غاندي، إلى عمى عالمي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">علّق أساف أوريون، عميد سابق في الجيش الإسرائيلي، على الوضع الراهن قائلاً إنه لا يمكننا التنبؤ بنهاية الصراع لأن "نحن لا نزال في منتصف الفيلم". من خلال ما نشاهده، يبدو أن الجمهور لا يراهن على نهاية سعيدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أراد يوربيدس أن تأتي الإلهة أثينا بالإومينيدات إلى المدينة لتجذّر الخير في قلب المجتمع المتنازع. وبنفس الهدف، وضع الصوفيون إيمانهم في التجانس الداخلي (والضروري) للعالم. تحدث القبالي إسحاق لوريا عن شرارات معينة من الضوء (نيتسوتسوت) عالقة داخل عقد الشر (كليبوت)، والتي تتحرر من خلال أفعالنا الخيرية (ميتسفوت)، مما ينير الكون الذي أصبح مظلمًا على نحوٍ شيطاني. العقيدة الإسلامية تقول نفس الشيء. "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"، وهو حديث للنبي محمد. لا يمكن للخير (حسن النية) أن يتحقق في مجتمع متنازع إلا عبر الحوار. وهذا ما لا يريده مهندسو هذه الحرب: إنّهم لا يرغبون في أن يجلس قابيل ويتحدث مع هابيل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أثينا ليست مجرد إلهة قادرة على تحويل الفيوريس (ربّات الانتقام) إلى كائنات خيّرة. غير مرّة خلال مسيرتها المزدحمة، تتصرف أثينا بنفسها كربّة انتقام شرسة، بلا رحمة أو عطف، لتحثّ على الحرب. في "أياكس"، وهي مسرحية مبكرة لسوفوكليس، تعلن الإلهة لبطلها أوديسيوس أن أياكس، عدوّه، قد تكالبت عليه المصائب. ثم يقدم أوديسيوس إجابة تحول الملك اليوناني فجأة إلى كائن نبيل أكثر بكثير من الربّة المحاربة: "رغم عداوتي له، أشفق عليه وعلى ما آل إليه حاله، فقد تكالبت عليه المصائب. من يدري؟ ربما يصيبني يومًا ما أصابه، فإنني أرى أننا لسنا سوى أطياف ضعيفة رغم أننا لا نزال على قيد الحياة". لا تعرف أثينا كيف تشعر بالتعاطف الذي يشعر به أوديسيوس. مثل حكام اليوم، تفكر الرّبّة فقط بمصطلحات النصر أو الهزيمة، ولا تفكر أبدًا في خلق حوار بين الأعداء المفترضين. في عالمها، في عالم الجشع السياسي، النّصر هو ما يقام له وزنٌ، مهما بدا مستحيلًا أو وهميًا.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34481">ألبرتو مانغويل عن غزة: الحرب الأبدية (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«شخصيات مذهلة من عالم الأدب» لمانغويل… الشّخوص كمواضيع أدبية</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20452</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[علاء رشيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 10 Apr 2021 16:42:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b0%d9%87%d9%84%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d8%a8-%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%ba%d9%88%d9%8a%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتاب بعد الآخر، يبرع ألبرتو مانغويل في ابتكار الأفكار التي تفتح احتمالات السرد عن الأدب: «المكتبة في الليل»، «تاريخ القراءة»، «فن القراءة»، «تأملات قارئ شغوف»، وفي كتابه الحالي «شخصيات مذهلة من عالم الأدب» (دار الساقي، ٢٠٢٠) يختار المؤلف 37 شخصية أدبية وكائنات تخييلية حيوانات خرافية وكذلك من قصص الأنبياء، كلها منتقاة من التاريخ الأدبي الديني العالمي، [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20452">«شخصيات مذهلة من عالم الأدب» لمانغويل… الشّخوص كمواضيع أدبية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">كتاب بعد الآخر، يبرع ألبرتو مانغويل في ابتكار الأفكار التي تفتح احتمالات السرد عن الأدب: «المكتبة في الليل»، «تاريخ القراءة»، «فن القراءة»، «تأملات قارئ شغوف»، وفي كتابه الحالي «شخصيات مذهلة من عالم الأدب» (دار الساقي، ٢٠٢٠) يختار المؤلف 37 شخصية أدبية وكائنات تخييلية حيوانات خرافية وكذلك من قصص الأنبياء، كلها منتقاة من التاريخ الأدبي الديني العالمي، فنرتحل في حكايات بين الأدب الآسيوي والأوروبي والأمريكي، وما يلحظ في هذا الكتاب هو إدراج شخصيات من الأدب الديني: أيوب، النبي يونس، ومن الأدب الفارسي والعربي: سندباد في ألف ليلة وليلة، ومن الأدب الأندلسي: سيدي حميد بن جلي، بالإضافة إلى شخصيتي كركوز وعواظ العثمانيتين.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الشخصيات الأدبية تعلمنا عن أنفسنا أكثر من المرآة</span></strong></p>
<p dir="rtl">في المقدمة يكتب مانغويل عن تأثير الشخصيات في حياتنا الحقيقية كأفراد: "تعلمت تجاربي في الحياة -الحب والموت والصداقة والفقد والامتنان والدهشة والألم والخوف- بالإضافة إلى هويتي المتغيرة من الشخصيات الخيالية التي قابلتها عبر قراءتي أكثر مما تعلمته من وجهي المظلل في المرآة أو من صورتي المعكوسة في عيون الآخرين". ويرى مانغويل أن الشخصيات التي ابتكرها شكسبير وسرفانتس أكثر حضوراً في الثقافة الإنسانية من حضور مؤلفيها أنفسهم. فالقارئ يتعلم من "أليس" اكتشاف العالم عبر اللغة، والثقة الوطيدة بالنفس من جين آير، والكآبة العميقة من المسيو تيسيت في أشعار فاليري، فيكتب عن ذلك: "يعملني بريام البكاء على موت الأصدقاء الشباب كما يعلمني أخيل البكاء على موت أحبائي المسنين، كما ترشدني ليلى ذات الرداء الأحمر ودانتي عبر مسالك الحياة المظلمة والوعرة، كما يُعييني جارُ سانشو، ريكوتي المنفي، على فهم فكرة التحيز والأهواء البغيضة. لا يمكن حبس الشخصيات التخييلية المتجذرة في التاريخ بين دفات الكتب التي تسكنها".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">عوليس اللاجئ</span></strong></p>
<p dir="rtl">الفصول  الـ37 مخصصة كل منها لشخصية، يقدم مانغويل قراءة تأويلية لهذه الشخصيات وحضورها في الأعمال الأدبية المنحدرة منها، لكنه أيضاً يقدم لها تأويلاً يربطها بمشكلات الحضارة الإنسانية في الفترة المعاصرة: "تحتوي صفحات الأدب القديمة البعيدة على تجارب اليوم. ففي هذه الأزمنة البائسة، يعكس التهجير القسري واللاجئون المتفائلون وطالبو اللجوء المرميون على الشواطئ الأوروبية صورة عوليس وهو يبحث عن بيته".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">ليلى الثائرة، وأليس اللغوية، والوحش الضروري للإنسانية<br />
<img decoding="async" alt="" height="523" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/شخصيات-مذهلة-في-عالم-الأدب-غلاف-1_Fotor-2.jpg" style="float:left" width="333"></span></strong></p>
<p dir="rtl">في هذا الكتاب، تتكرر العديد من الشخصيات التي كتبها عنها مانغويل في كتب سابقة: أليس، روبنسون كروزو، وجيم من "جزيرة الكنز"، يقدم لكل منها قراءته التأويلية الممتعة والعميقة عنها، فيكتب عن حكاية ليلى والذئب: "تتلخص رؤية ذات الرداء الأحمر في عقيدة ثورو: العصيان المدني. فهي تعرف أن عليها تنفيذ أوامر أمها الصارمة، لكنها تختار أن تفعل ذلك بطريقتها. فالطرق الأقصر بين النقطة أ والنقطة ي ليس لأمثالها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعابر المستقيمة والضيقة، وهي تطبق ما يكتبه هولدن كولفيلد في رواية «الحارس في حقل الشوفان»: أحب عندما ينحرف أحد ما عن الطريق، فهنا تكمن الإثارة". أما "دراكولا، برام ستوكر" فهو الوحش الذي لا ينفك يتكرر حضوره بكثافة في الثقافة الإنسانية، في الروايات وفي الأفلام والرسوم المصورة: "لذلك علينا قبول الحقيقة الساطعة التي تؤكد أن الكونت دراكولا قد أصبح وحشاً ضرورياً في عصرنا الموحش". وتتحول بلاد العجائب التي تدخلها أليس إلى العالم المجنون الذي نلقى أنفسنا فيه كل يوم بكل ما فيه من نعيم وجحيم ومطهر، مكان علينا أن نتجول فيه كما نتجول في الحياة. وعلى غرار أليس لا نمتلك إلا سلاحاً واحداً في رحلتنا، وهو اللغة فبواسطة الكلمات نشق طريقنا عبر غابة الحياة، وبالكلمات تكتشف أليس الفرق بين طبيعة الأشياء ومظاهرها. تكشف الكلمات لأليس ولنا أن الحقيقة الثابتة الوحيدة في هذا العالم المحير هي أننا نخفي جنوننا تحت غطاء من العقلانية.</p>
<p dir="rtl">من الأدب الآسيوي يختار مانغويل شخصية الراهب البوذي الآثم سينغ تشن في الرواية الكورية الشهيرة "حلم الغيمات التسعة" المكتوبة في القرن السابع عشر من قبل الباحث البارز كيم مان-جونغ. يعاقب هذا الراهب الذي يعني اسمه "الطبيعة الحقيقة الأصلية" أو "الرغبة الشهوانية" لخرقه التعاليم البوذية، واستعماله قواه الصوفية في تحويل البراعم إلى مجوهرات لإرضاء الفتيات الجنيات. فيخضع إلى نوع من رحلة التطهير، ليولد من جديد باسم آخر شاو-يو أي "الزائر الصغير" لعائلة فلاحية فقيرة يموت مُعيلها وتربيه بعد ذلك أمه الأرملة. تتضمن الرواية عدداً من التلميحات إلى الطبيعة الحلمية لما نعتقد أنه العالم الحقيقي، لتبين أن عالم الحواس ليس حقيقياً وأن عالم الروح هو العالم الحقيقي، فالأول مجرد استيهام، أما الثاني فهو الواقع الحقيقي الوحيد. يكتب مانغويل: "إذا كان على سينغ تشن أن يكمل رحلته في غمار الحرب والجنس، وإذا كانت هذه الإنجازات العسكرية والغرامية التي حققها مجرد ظل لظل آخر، فماذا نكون نحن القراء: ظلالاً تلحق ظل على صفحات كتاب؟"</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">ثنائي الجسد والطبقة الاجتماعية</span></strong></p>
<p dir="rtl">يختار مانغويل التوقف عند هاتين الشخصيتين العثمانيتين، اللتين يعود أصلهما إلى روايتين. الأولى تقول بأن كركوز وعواظ ولدا من رحم شكوى قدمها فلاح فقير إلى السلطان: "فعلى غرار هاملت، يقرر الفلاح اللجوء إلى أسلوب العرض بدلاً من السرد، فيأتي بدميتي ظل صنعهما من جلد الجمل لتؤديا حكاية احتيال القضاة عليه. وتقول رواية أخرى أن كركوز وعواظ كانا بناءين يعملان في تشييد مسجد في البصرة ويعمدان إلى إلهاء العمال الآخرين بمجموعة من الخدع والألاعيب". لقد قرأت هذه الثنائية على عدة مستويات، هي ثنائية الجيد فقد رأى بعض الباحثين في شخصية كركوز تجسيداً لجسم الإنسان من الخصر إلى الأسفل، الأكل والضرط وممارسة الجنس، بينما يمثل عواظ الجزء الأعلى أي الدماغ الذكي والقلب الحساس. وعلى غرار جزئي الجسد الواحد، يكمل كل منهما الآخر. وثنائية الطبقة الاجتماعية، لأن كل منهما يقف على طرف النقيض من الطيف الاجتماعي للآخر. إذ أن كركوز، على غرار سانشو، رجل أمي شعبي، فطن وصريح في آرائه. أما عواظ، فيتمتع بالثقافة واللباقة والانتهازية والأنانية، كما أنه مسكون بفكرة الثراء السريع الذي يفشل دائماً في تحقيقه. يتكلم عواظ اللغة التركية العثمانية ويقتبس الشعر ويسعى إلى تثقيف كركوز وتهذيبه، كما يفعل دون كيخوته مع سانشو لكنه يخفق في ذلك.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">سيدي بن جلي وقوة الثقافة المقموعة</span></strong></p>
<p dir="rtl">يرى مانغويل أنه سواءً صحّت ادعاءات ثربانتس بأنه وجد رواية "مغامرات دون كيخوته" كمخطوطة في سوق طليطلة مكتوبة باللغة العربية من قبل المؤلف الأصلي سيدي حميد بن جلي، أو أنه أدعى ذلك كنوع من التكنيك الأدبي، إلا أن حضور سيدي بن الجلي في أحداث ما يعتبر أول نص أدبي من نوع الرواية، دليل على قوة الثقافة العربية الأندلسية رغم أن الرواية ولدت في الفترة التي أبعد ثلثا سكان إسبانيا من المسلمين واليهود عن شبه الجزيرة، ولم يسمح سوى لأولئك الذين اعتنقوا المسيحية، أو تظاهروا باعتناقها بالبقاء تحت لقب الموريسك. لقد ظهر اسم سيدي بن جلي في واحدة من روائع الأدب الإسباني والعالمي بينما كانت ثقافته الأندلسية العربية تقمع ويجري إخفاؤها من التاريخ: "إذ ينبئنا حضور سيدي حميد الطاغي باستحالة إسكات الثقافة المنبوذة، وأن الأدب غالباً ما يكون أكثر حكمة من القائمين عليه".</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">أيوب، وتمرد المواطن على ظلم المسؤولين</span></strong></p>
<p dir="rtl">يلحظ في كتاب مانغويل الحالي حضور لافت لشخصيات مستمدة من الأدب الديني. لكن القراءة التي يقدمها عن حكاية أيوب الأكثر إسقاطاً على راهنية الواقع. أيوب الرجل المستقيم الثري الصالح في الكتاب المقدس يخسر أفراد عائلته وزوجته وأولاده وثروة أعظم رجل في الشرق في أيام وليالي، وذلك من اختبار الرب القاسي له، وابتلي أيوب جسدياً بالبثور المتقرحة من أخمص قدميه إلى قمة رأسه. لكن أيوب لم ينطق بكلمة تشي بالتذمر أو الشكوى واكتفى بقشط البثور. حاول أصدقاءه وزوجته إقناعه بأن اللعنة الإلهية التي حلت به لها تفسير منطقي، وربما بأن أيوب لم يتصرف بالتقوى الذي يدعيه. لكن أيوب أصر أنه طالما فعل الصواب بصبره: "بالنسبة إلى الكثير من القراء، يمثل أيوب المواطن المثالي الصالح. فعندما تسير الأمور على ما يرام، تراه ممتناً وشاكراً، وكذلك الأمر عندما تسوء. إذ نادراً ما يتذمر أو يطالب بشيء، بل يقبل مشيئة ربه وسيده صاغراً خانعاً. وبالنسبة إلى أيوب ليس هناك اتحادات أو نقابات عمال، ولا جمعيات تقاعد، ولا هيئات أهلية معنية بالمواطنين".</p>
<p dir="rtl">في الحكاية الإنجيلية، يربح أيوب في النهاية، يقول العالم اللاهوتي جاك مايلز أن أيوب تمكن من إسكات الله في نهاية المطاف. إذ أن الله لا يتكلم بعد ذلك أبداً. فبعد أن يدرك الله أن أيوب قد تغلب على المصائب التي لحقت به عمداً، يقرر بصمت أن يكافئ عبده على ورعه الشديد ويهبه ضعف ما سلبه منه. هكذا تكون النهايات السعيدة. لكن مانغويل يرغب لأيوب المظلوم المعاصر مصيراً مختلفاً: "تستمر معاناة أيوب في واقعنا دون أي أمل في المكافأة. والسؤال إلى متى سيصبر أيوب؟ كم من الأشياء يجب أن يخسر ليدرك أن هذا الظلم الواقع عليه غير مقبول على الإطلاق؟  فمتى سيسأل من المسؤول؟ متى يجب على الرجل أن يدافع عن نفسه ضد قرارات السلطة التعسفية؟ وكم من الحقوق ستسلب من أيوب قبل أن يقول كفى؟</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20452">«شخصيات مذهلة من عالم الأدب» لمانغويل… الشّخوص كمواضيع أدبية</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ألبرتو مانغويل... دون جوان القراءة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20023</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[كمال الرياحي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 30 Mar 2020 11:06:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a3%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d9%88-%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%ba%d9%88%d9%8a%d9%84-%d8%af%d9%88%d9%86-%d8%ac%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9/</guid>

					<description><![CDATA[<p>من دون جوان إلى كازانوفا ومن جيمس دين  حتى جورج كلوني. ومن مارلين مونرو إلى مونيكا بيلوتشي. عرفنا أبطالا وبطلات  كثر للغواية، تلك الغواية التي تتوجه عادة نحو إسقاط الجميلات في حبال الرجال أو الرجال في مصيدة النساء. لكن لم نتوقع  أن يظهر كاتب يسقطنا في حبائل النشاط الإنساني الأكثر هشاشة والمهدد اليوم من راهن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20023">ألبرتو مانغويل... دون جوان القراءة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">من دون جوان إلى كازانوفا ومن جيمس دين  حتى جورج كلوني. ومن مارلين مونرو إلى مونيكا بيلوتشي. عرفنا أبطالا وبطلات  كثر للغواية، تلك الغواية التي تتوجه عادة نحو إسقاط الجميلات في حبال الرجال أو الرجال في مصيدة النساء. لكن لم نتوقع  أن يظهر كاتب يسقطنا في حبائل النشاط الإنساني الأكثر هشاشة والمهدد اليوم من راهن ما بعد الحداثة وانجازاته: القراءة. لم يكن هذا الدون جوان سوى صاحب "فن القراءة" و "يوميات القراءة" و"تاريخ القراءة" و"مدينة الكلمات" و"المكتبة في الليل" و"قاموس الأمكنة المتخيلة" و"في غابة المرآة" و"الفضول" وذاكرة القراءة"... ذلك الرجل الملتحي ذو الشعر الأبيض الكاتب الكندي الأرجنتيني ألبرتو مانغويل.</p>
<p dir="rtl">"لم يعش مانغويل حياة عادية ليكون مثلنا. مازال في ذهني رجل خيال". فكرت بذلك وأنا أخطو نحوه  في مطار تونس قرطاج لمصافحته. قد يتبخر الرّجل وأجدني أمسك الوهم كما حصل مع دون كيشوت فنحن نتحلل في الأشياء التي نقضي حياتنا نمارسها ولم يمارس مانغويل  طوال حياته إلا قراءة الكتب الخيالية وتقليب صفحاتها. فهل يتحول إلى شخصية خيالية ووحش من وحوش كتابه «وحوش خرافيون: دراكولا، أليس، سوبرمان، وأصدقاء أدب آخرون»؟ </p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">مانغويل شخصية خيالية</span></strong></p>
<p dir="rtl">كانت آخر رسالة وصلتني من مانغويل بعد أن أعلمته بتغيير برنامج استضافته من استضافة رسمية إلى استضافة شطارية من قرائه في تونس: "عزيزي كمال. ليس لسلطة القرّاء من حدود. نلتقي".  كانت رسالة صريحة وغامضة في آن ولكن المقالات الكثيرة التي نشرت بكل اللغات تتحدث عن منع دخوله تونس بطلب من وزير الشؤون الثقافية قد وصلته وراسلني قبل يوم يشد أزري ويقول إنه يتفهم أن الأمر ليس بيدي وأنه مستعد ليأتي  إلى تونس إذا ما تعثرت الاستضافة، في أي وقت آخر. وضعت في اعتباري إمكانية أن يحذر من بلد ربما لا يعرف عنه شيئاً، بلد حديث عهد بالديمقراطية وثورته مازالت طرية تعيش مشاكل كبيرة. كل ذلك كان هاجساً يطرق ذهني وأنا أنظر إلى البوابة بعد أن حطت طائرة الخطوط الفرنسية المتوقع وصوله فيها. لم يكن من الممكن الاتصال به من داخل المطار فألبرتو مانغويل لم يملك هاتف جوال طوال حياته. لا هاتف غبي ولا ذكي. فقط يتواصل عبر الإيميل بجهاز اللاب توب. ولكنني في لحظة تذكرت أن القراءة تجعل القارئ  أقوى ولا يمكن للخوف أن يجد مدخلا للقارئ الحقيقي والكاتب الحقيقي فما بالك بالرجل المكتبة. تذكرت أيضاً حبه الاستثنائي لدون كيشوت ومن يحب دون كيشوت لا يمكن إلا أن يكون فارساً نبيلاً. وهذا ما كان فقد أطل مانغويل من البوابة يجر حقيبته الصغيرة كما تخيلته لكن بدا أكثر شباباً عما توقعت خاصة بعد أن حدثني عن وضعه الصحي منذ أشهر.</p>
<p dir="rtl">صافحني ومن معي وبادر بالاعتذار على ما سببه لنا من مشاكل وإرهاق. كان يعتذر كما شخصية روائية أتعبت عشاقها في استحضارها في الواقع. لم يعد مانغويل شخصية متخيلة. فقد وقف معنا مبتسماً مازحاً أمام المطار ينتظر السيارة الغارقة في إجراءات الحركة المعقدة، كان يسأل طوال ذلك الوقت عن هوية كل الذين من حوله من الكتاب واهتماماتهم. لم يسأل مانغويل عن وضع البلاد والعباد والأمن. كأنه لا يرى العالم إلا قراء وكتب. في السيارة واصل أسئلته الكثيرة عن الكتاب و"بيت الرواية" وفي الفندق وقع لي رواية "عودة" تلك النوفيلا الكابوسية التي تناول فيها الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية. سألني لماذا هذه الرواية بالذات؟ أجبت: إنها الرواية التي أكدت لي أنك ستحضر رغم كل الظروف. لم أفسر له المزيد، تركناه يصعد إلى غرفته. صار مانغويل في تونس. انتهى.</p>
<p dir="rtl">لم أقل لحظتها لمانغويل أنني شرعت في كتابة نوفيلا هو بطلها.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">من أين جاء بابا نوال الكتب؟</span></strong></p>
<p dir="rtl">يبدو ألبترو مانغويل بلحيته البيضاء ولطفه أشبه ببابا نوال وإن لم يحمل زيه الأحمر الشهير، لكنه أيضاً يبدو محملاً مع كل كتاب بهدايا كثيرة للقراء فلا يمكنك أن تخرج من كتاب مانغويل بيدين فارغتين بل في الغالب ستخرج محملاً بعشرات الكتب، أو بالأحرى عناوين كتب وملخصات ستذهب مباشرة للبحث عنها لتقرأ من جديد. وهذا الطابع البابنوالي لألبرتو مانغويل هو الذي جعله محبوباً من كل قراء العالم الذين يبدون باختلاف مستوياتهم العلمية والثقافية مثل الأطفال الذين ينتظرون ليلة الميلاد هدايا بابا نوال. ظل بابا نوال في ذاكرة الأطفال حتى بعد أن يكبروا يأتي من مجهول مقدس أشبه بالأحلام، وكذلك يأتي مانغويل إليهم من الأحلام، من القراءة التي شبهها جان بول سارتر بالحلم الخاص. لكن ولئن ظل بابا نوال متكتما على اسم وطنه الأم فإن مانغويل بدا أكثر كرماً عندماً ينعطف كل مرة إلى سيرته ليحدثنا عن الطفل وعن المراهق وعن الشاب، تلك السيرة المبثوثة في كل كتبه عبر قوة الذاكرة التي تحرك إنتاج نصوصه. ولعل أبرزها كتبه في الأوتوبيوغرافيا "يوميات القراءة" و"مع بورخيس" وفي "غابة المرآة" و"ذاكرة القراءة" و"الفضول".</p>
<p dir="rtl">يحدثنا مانغويل في كتابه "مع بورخيس" عن أهم حدث شكل حياته منذ كان مراهقاً يتمثل في تحوله إلى قارئ للكاتب الكبير خورخي لويس بورخيس من سنة 1964 إلى 1968 يقول : "كنت محظوظاً حد الكفاية بأن أكون من بين العديدين الذين يقرؤون لخوخي لويس بورخيس، اشتغلت بعد المدرسة في "بيغماليون"، وهي مكتبة أنغلو، ألمانية في بيونس آيرس، حيث كان بورخيس زبوناً دائماً... كان يأتي إلى بيغماليون أواخر الظهيرات، وهو في طريق عودته من عمله كمدير للمكتبة الوطنية. ذات يوم، بعد اختياره عناوين من الكتب، سألني إن كان لدي شيء آخر أفعله، وما إذا كنت أستطيع أن أحضر وأقرأ على أسماعه في أوقات المساء، حيث أن والدته، وقد بلغت التسعين، أصبح التعب ينال منها بسهولة. "كان ذلك عندما كان مانغويل في سن السادسة عشر وأصبح يتردد على بيت بورخيس "ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع" ليقرأ عليه ما يشير عليه بورخيس.</p>
<p dir="rtl">لم يحدثنا مانغويل عنه بل كان حديثه عن بورخيس لم يحدثنا يوماً عن مشادة بينهما أو عن مضايقة أوعن حالة توتر بين القارئ المراهق والكاتب العجوز. </p>
<p dir="rtl">أشعر وأنا أعيد قراءة مؤلفات مانغويل أنه خدعنا كما كان يخدعنا بابا نوال فنحن رغم كل الكلام الذي حبره مانغويل والكتب التي توحي بأنه يتحدث عن نفسه لم يكن في الحقيقة يكتب إلا غموضه فلم نعرف من مانغويل إلا القارئ، وحكاية السيرة الذهنية التي يمكن أن نخلص إليها من خلال قراءاته لا تعني أبداً أننا نجحنا في التجسس على ذهنه فالرجل يعرف ما هي الأبواب التي يفتحها لنطل على أفكاره، أما حياته الخاصة فقد ظلت غامضة. </p>
<p dir="rtl">حتى ابنته أليس التي ذكرها في" يوميات القراءة" لم نتأكد منها إلا في جولاتنا معه بتونس عندما أخبرنا أنه زار معها تونس منذ سنوات طويلة وله ابن آخر يعيش في أنجلترا هو روبرت الذي ذكره، أيضاً عرضاً في "يوميات القراءة". </p>
<p dir="rtl">تعرفت أيضا على أوقات الكتابة عند مانغويل صدفة عندما سأله صديقي الإعلامي والروائي ماهر عبد الرحمان متى تريد أن نمر عليك لنقوم بزيارة متحف باردو فرد: "متى تريد"، فأردف ماهر عبد الرحمان: "متى تنهض أنت من النوم ؟" فأجاب: "الثالثة صباحا". كنا نعتقد أنه يمزح لكنه أكد ذلك عندما واصل "إنه الوقت الأفضل للكتابة بالنسبة إلي". إجابة ماهر هي التي كانت نهاية النكتة: "عند تلك الساعة أكون أحاول أن أنام فليكن موعدنا العاشرة والنصف". في مؤلف "الفضول" يكشف أنه اشتغل صحافياً في شبابه ببوينس آيرس. خلاصة الأمر إذن: مانغويل؛ رجل يحب الكتب منذ طفولته، كان قارئاً لبورخيس، أب لطفلين صارا رجلاً وامرأة يرسل إليهما بطاقات بريدية من أي مكان بالعالم. اشتغل بالصحافة وبتأليف الكتب. مازال ينهض الثالثة فجراً للكتابة. لا ليس هذا فقط.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">اليهودي الخيالي؟</span></strong></p>
<p dir="rtl"> كشفت لنا تصريحاته وحواراته ويومية من" يوميات القراءة" ومقالة له بعنوان"أن تكون يهوديا" أنه من عائلة أرجنتينية يهودية وكان عرف ذلك صدفة وهو في السابعة من عمره عندما ناداه تلميذ بالمدرسة الانجليزية في بيونس آيرس: "هيه، يا يهودي، يعني، أبوك يحب المال؟" يقول مانغويل أنه صدم من تلك اللهجة التي فيها إهانة مبطنة ودهش أن ينادى باليهودي فوالداه لم يكونا متدينان ولا يمارسان أي شعائر. سنكتشف بعد ذلك عبر كتابه "ذاكرة القراءة" أنه ابن لدبلوماسي أرجنتيني قضى سنوات قليلة من عمله في تل أبيب في بداية الخمسينات أين أنشأ أول مكتبة منزلية خاصة به. يحاول مانغويل بعد ذلك أن يفهم ما معنى أن يكون يهوديا من خلال الكتب نفسها وخاصة من خلال كتاب"اليهودي الخيالي" لألان فنكلكروت، فمانغويل لا يحمل ذلك الإرث اليهودي الأوروبي الذي شكلته الأساطير المختلقة سياسياً فنحن بالنسبة إليه لا تشمل كل اليهود ولا يشعر بذلك الانتماء كالآخرين. يقول: "عندما كنت أراقب جدتي توقد شموع السبت وتردد الصلوات الطقوسية وهي ترسم بيديها من فوق الأضواء المتراقصة دوائر متقابلة لم أكن أشعر بأدنى ارتباط بالمناطق الغابية القاتمة والغابرة، ذات الضباب الشتائي واللغات العتيقة التي كانت أصولها تعود إليها." ويضيف بعد أن يورد حديثاً عن الهولوكوست: "وحتى هذه الصورة، لا أشعربأنني مرتبط بتلك الفظائع الرهيبة إلا بالوكالة: فحسبما أعرف، لم نفقد بسبب النازيين أي فرد من عائلتنا؛ لأن أهل والدتي ومثلهم أهل والدي كانوا هاجروا قبل الحرب العالمية الأولى بفترة طويلة نحو إحدى المستوطنات التي أقامها البارون هيرش في شمال الأرجنتين... ولم أسمع بخبر الهولوكست إلا في حقبة متأخرة من مراهقتي، وكان ذلك حصرا بقراءة أندريه شوارتز بارت وأنّا فرانك" وينهي مانغويل مقاله "أن تكون يهوديا"، وبعد سلسلة من التساؤلات إن كان فعلاً ينتمي للشعب اليهودي في العالم، يكتب: "إننا أيضاً العصر الذي فيه نعيش، وهو عصر لا يمكننا أن نتغيب عنه. فلنا وجودنا الخاص، ولسنا مستعدين للبقاء خياليين". <br />
<img decoding="async" alt="" height="442" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/89533855_238798513953587_7088928059889287168_n_Fotor-1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">ويؤكد عدم عصبيته لليهودية في ما كتبه في "يوميات القراءة" متحدثاً عن احتفائه بعيد الميلاد فيقول: "توضيب ما بعد عيد الميلاد. اتبعت عائلتي (مع كونها يهودية، لا سبب يدعوها إلى الإبقاء على مظاهر الميلاد) تقليد رفع زينة الميلاد في الصباح التالي لليلة الثانية عشرة، وإلا فسوف تستجلب لنفسها سوء الحظ."</p>
<p dir="rtl">عندما قدمت له ابنتي أليسار رواية "عاشق مولع بالتفاصيل" ليوقع لها رسم طفلة تشبهها ورسم نفسه في شكل بابا نوال يقدم لها كتاباً.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">مانغويل الداعية</span></strong></p>
<p dir="rtl">يدعونا مانغويل  للقراءة، وإعادة القراءة أساساً، وهنا نفهم منه أن القراءة الواحدة لا تكفي فنحن نقرأ الكتب باستعداداتنا المعرفية والنفسية. ولا يمكن أن يكون إدراكنا للكتاب الذي قرأناه ونحن صغار كما استعادته ونحن كبار. يقول مانغويل  في مقاله "قارئ في غابة المرآة": "إن الكتاب يصبح كتاباً آخر في كل مرة نعيد فيها قراءته. "أليس" الأولى من أيام الطفولة كانت تعني لي رحلة. مثل "الأوديسة" أو "بينوكيو"، ولقد شعرت دائماً بأنني أفضل حالاً برفقة أليس مما أنا عليه برفقة أليس أو دمية من خشب. ثم جاءت من بعد ذلك أليس المراهقة فعلمنا حق العلم ما عانت منه عندما قدم إليها الأرنب مارس خمراً... أو عندما أرادت اليرقة أن تقول بالضبط من تكون وما يعني لها ذلك... وفي فترة لاحقة من العشرينات من عمري، اكتشفت قضية شاب الكبار في "مختارات من الفكاهة السوداء" من تأليف أندريه بروتون وانجلى أمامي  بوضوح أن أليس كانت شقيقة السرياليين وعقب حديث لي مع سرفيو ساركوزي في باريس، تنبهت بسهولة إلى أن همتي دانتي كان مديناً بالكثير للمذاهب البنيوية المعروضة في مجلتي Change و Tel Quelوفي فترة أبعد وأبعد...".</p>
<p dir="rtl">هكذا يعدد لنا مانغويل حياة النص مع كل قراءة جديدة بتقدمنا في السن وتقدمنا في المعرفة. فالكتاب الحي هو الذي يتحمل قراءات مختلفة ومستويات من القراءة عديدة وهذا ما يذكرنا بما قاله جان بول سارتر في كتابه "ما الأدب ؟" عندما يكتب: "العمل الأدبي خذروف عجيب لا وجود له في الحركة. ولأجل استعراضه أمام العين لا بد من عملية حسية تسمى: القراءة. وهو يدوم ما دامت القراءة، وفيما عدا هذا لا يوجد سوى علامات سود على الورق."</p>
<p dir="rtl">يهتم البترو مانغويل بالقراءة لا بوصفها ترفاً بل نشاطاً إنسانياً ضرورياً للقارئ من ناحية وللكاتب أيضاً، وهنا يذكرنا بجان بول سارتر: "وحيث إن الخلق الفني لا يتم إلا بالقراءة، وحيث إن الفنان يكل إلى آخر مهمة إتمام ما بدأ، وحيث إنه يستطيع إدراك أهميته في تأليفه إلا من ثنايا وعي القارئ، إذن كل عمل أدبي دعوة... دعوة موجهة من الكاتب إلى حرية القارئ لتكون عوناً للكاتب على إنتاج عمله."</p>
<p dir="rtl">لا ينصحنا ألبرتو مانغويل كثيراً بالقراءة ولا بطرق معينة لها فيقول في أحد الحوارات: "لا أحبّ إعطاء القواعد. إلى جانب ذلك، لا يوجد أي قاعدة. لا توجد طريقة صحيحة أو خاطئة للقراءة. كل قارئ يعرف أفضل طريقة للقراءة. ”كما أنه يحسن بنا الظن ويعتبر القراءة أمراً مفروغاً منه فيقول إنه لو توقف عن القراءة لمات. إنما يلح مانغويل على إعادة القراءة لذلك كتبه تستعيد أحياناً ما قد تناوله من روايات وشخصيات سبق وقد تحدث عنها، وهنا يمكننا أن نفهم كيف يكتب مانغويل وأن التكرار هو إعادة خلق المعنى و"تحيير وإيقاظ" الأرانب والخنازير من صياد عنيد في غابة كثيفة. ألم يطلق على كتابه عنوان "في غابة المرآة". يقول في "يوميات القراءة": "أفتح وأنا في الطائرة نسخة من اختراع موريل لأدلفو بيوي كاساريس، إنها قصة شخص محتجز في جزيرة يعتقد أنها مسكونة بالأشباح، وقد قرأتها للمرة الأولى منذ ثلاثين أو خمس وثلاثين سنة".</p>
<p dir="rtl">يفرق ألبرتو مانغويل بين القراءة الموجهة والقراءة المغامرة فيعتبر القراءة الأولى بالقراءة المنظمة والتي "لا تقدم كبير فائدة" ويمثل لها بقائمة الكتب المعترف بها رسمياً كقائمات الكتابات الكلاسيكية والتاريخ الأدبي وفهارس المكتبات المبوبة، ويعتبر أن عفو الخاطر قد يجود باسم مفيد لم يرد في تلك القائمات، ولكنه يرفع الرغبة الذاتية إلى أعلى درجات الاستراتيجيات المفيدة في القراءة، أي الرغبة التي تنتج اللذة الخاصة، والتي تضعنا أحياناً "في حالة النعمة وتتيح لنا تحويل الكتان إلى خيطان من ذهب" فتنهض القراءة فعلاً شبقياً وممارسة أيروسية.</p>
<p dir="rtl">ولئن كانت القراءة حلم يحلمه القارئ بكل حرية من وجهة نظر سارتر ففي كل قراءة عملية تخريب من وجهة نظر مانغويل فنحن نقرأ لنعيد تشكيل العالم وفق عملية احتجاج على المعطى. ذلك المعطى الذي كرسته المؤسسات الدينية والأخلاقية والسياسية والإشهارية والتربوية والإعلامية. القراءة الحرة حرب على المعاني الموثوق بها وحرب اللحظة على التاريخ فاللحظة جارحة حية بينما التاريخ ملفوف باليقين وعبر اللحظة التي سماها سارتر بالحركة نعيد تخيل شكل الخذروف الذي يدور.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">دون جوان المكتبات </span></strong></p>
<p dir="rtl">إن ارتباط مانغويل بالكتب والمكتبات يشي بأنه مكتبي كبير خاصة بعد أن تقلد منصب مدير المكتبة الوطنية بالأرجنتين. غير أن الحقيقة غير ذلك. لم يكن مانغويل سوى دون جوان المكتبات، أي مجرد غاوي ومحرض على الكتب وكما الدون جوان لا يظل أبداً مع من يغويه فيتنقل من فريسة إلى أخرى ظل مانغويل كائناً مترحلاً يؤسس المكتبات ويتركها ليؤسس غيرها. فبعد أن كانت الولادة في الأرجنتين أخذه والده الدبلوماسي إلى تل أبيب وعمره أشهر ثم يعود إلى بوينس آيرس ثم يغادرها إلى كندا وأماكن مختلفة من العالم ثم يستقر في فرنسا ثم يغادر إلى نيويورك ويستعد الآن لمغادرة أمريكا إلى بيونس آيرس من جديد. كان في البداية سفراً اضطرارياً بسبب مهنة الأب وصار جزءاً من هويته الخاصة. وربما ما يدفعه إلى العودة إلى بوينس آيرس هو ما ذكره هو نفسه: "أتذكر الزهو الغريب الذي أحسست به عندما أخبرنا أستاذ التاريخ أن تدشين بيونس آيرس قد بدأ بمكتبة."</p>
<p dir="rtl">يكتب في كتابه "ذاكرة القراءة" وفي نفس اعترافي: "لم أكن مكتبياً حقيقياً، رغم توضيب وتفريغ الكثير من المكتبات طوال حياتي كقارئ. كانت مكتباتي (حتى الأخيرة في فرنسا) تفتقد إلى الفهارس، وكانت أقسامها متفردة تفرد المجانين، ذات ترتيب اعتباطي، أبجدي في جزء منه، أما الآخر، فدواعيه خافية وقد لفها النسيان غالباً، ولكني أعرف دائماً كيف أهتدي إلى أي كتاب لأنني كنت المستخدم الوحيد."</p>
<p dir="rtl">إن الصفة الأولى لدون جوان أنه خائن، لذلك يخون مانغويل دائماً المدن التي يقيم فيها، فقط يبقى وفياً لــ"مدينة الكلمات".</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20023">ألبرتو مانغويل... دون جوان القراءة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>«أخبار من بلاد أجنبية»... الحضارة المفروضة بالقمع والتعذيب</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20020</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[علاء رشيدي]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 27 Mar 2020 11:10:47 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a3%d8%ae%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%af-%d8%a3%d8%ac%d9%86%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%b1%d9%88/</guid>

					<description><![CDATA[<p>قد يفاجأ المطلع على كتب ألبرتو مانغويل غير الروائية، وعلى دراساته النقدية الأدبية، حين التعرف على روايته الأولى التي نشرها في العام 1991، "أخبار من بلاد أجنبية" (دار الساقي، ٢٠١٨). فالرواية لا تحوي ملامحاً من الأدب الفانتازي، الحكايات الشعبية، أو تقارباً مع أي من الأعمال الأدبية الكبرى التي طالما كتب عنها مانغويل كمرجعياته الأدبية المفضلة. [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20020">«أخبار من بلاد أجنبية»... الحضارة المفروضة بالقمع والتعذيب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">قد يفاجأ المطلع على كتب ألبرتو مانغويل غير الروائية، وعلى دراساته النقدية الأدبية، حين التعرف على روايته الأولى التي نشرها في العام 1991، "أخبار من بلاد أجنبية" (دار الساقي، ٢٠١٨). فالرواية لا تحوي ملامحاً من الأدب الفانتازي، الحكايات الشعبية، أو تقارباً مع أي من الأعمال الأدبية الكبرى التي طالما كتب عنها مانغويل كمرجعياته الأدبية المفضلة. بل على العكس، الرواية مغرقة في الواقعية، توظف بعض التقنيات السردية في تغيير صوت السارد بين الفصل والآخر، والانتقال في زمن الرواية بين الحاضر، الماضي، والتاريخ لمعالجة موضوعتها.</p>
<p dir="rtl">وإن بدا مانغويل في كتبه النقدية مهتماً بتاريخ السرد، تاريخ القراءة، تاريخ المكتبات، وتاريخ الأدب، إلا أنه في هذه الرواية يركز على أحداث من التاريخ السياسي، ليطرح عليها سؤال الرواية الأعمق: ازدواجية الإنسان بقدرته على الإتيان بالخير لكن أيضاً ابتكار الشر؟ كيف تروى أفعال الإنسان وسلوكياته حين يتراوح دوره بين المتنور والجلاد؟ لماذا تنقل الحضارة بأدوات القمع والموت؟ هذه الأسئلة لا تعالجها الرواية بأسلوب الإدانة المطلقة، بل إمكانية التفهم لآليات سلوكيات البشر العنفية والقمعية.</p>
<p dir="rtl">شخصيات الرواية هي أفراد عائلة أينما حلوا سيكونون في بلاد أجنبية. في الجزائر هم الفرنسيون المستعمرون، في باريس هم ذوي الأقدام السوداء، أي الفرنسيون المولودون في الجزائر، في الأرجنتين هم العسكر الأوربي، وفي كيبك الكندية الفرنسية هم الإسبان القادمون من بوينس آيريس. كل ذلك من خلال حكاية عائلة أنطوان بيرنس الضابط الفرنسي الذي يكلف بمهمات سرية في العديد من البلدان. </p>
<p dir="rtl">كل فصل من الرواية يجري في مدينة، وبالتالي لكل منها ملامح سياسية وأحداث تاريخية مختلفة عن الأخرى. الفصل الأول بعنوان "هنا"، تجري أحداثه في كيبك الكندية، ونتابع الحكاية من منظور الطفلة آنا، التي تعاني من الإختلاف الثقافي بين الأرجنتين التي أتت منها وكيبك القادمة إليها، بين الثقافة الإسبانية والثقافة الفرنسية، هي حكاية القادم الجديد المختلف ثقافياً. فحين تطرح آنا في المدرسة سؤالاً في الصف بالإسبانية، تبقى الكلمات معلقة بالهواء، ويضحك زملاء الصف، ويخبرها المعلم بأن عليها التكلم بالفرنسية فقط في الصف، فتقطع آنا وعداً على نفسها بأنها مذاك فصاعداً، طوال ماتبقى من أيام حياتها لن تتكلم الإسبانية أبداً.</p>
<p dir="rtl">الفصل الثاني بعنوان "هناك" يروى بضمير الأنا على لسان الأم ماريان، نعود إلى الماضي، إلى الجزائر التي تناضل في سبيل التحرر من الحكم الفرنسي، يفتتح الفصل بحكاية مأساوية تشير إلى الكراهية المتبادلة بين المجتمع الجزائري والفرنسيين في البلاد، حادثة يستدرج ثلاثة صبية جزائريين صديقهم الفتى الفرنسي إلى التلة ليقوموا بإضرام النار في جسده، انتقاماً لقتل الفرنسيين للجزائريين.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="431" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Akhbar-mn-belad-ajnabia-3_Fotor-2.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">برهافة، ترصد الرواية التحولات التي يعيشها المجتمع الجزائري في تلك الفترة، وكذلك الفئة الفرنسية التي تعيش في الجزائر والتي أطلق عليهم لاحقاً "ذوي الأقدام السوداء". التبدل الذي يشوب العلاقة بين المجتمع الجزائري وبين تلك الفئة الفرنسية التي طالما عاشت في الجزائر واعتبرتها جزءاً من الوطن، بينما الآن يُفرض عليهم الرحيل، وتتكاثر الظواهر التي تبين كراهية الجزائريين لوجودهم. تروي ماريان عن طفولتها في الجزائر: "كنا نلعب مع الفتيات العربيات الكثيرات. كنا نغني بالعربية أغنيات القفز على الحبل، نلعب وأعيننا معصوبة بوشاح. لكننا كنا، وظللنا، فرنسيين. كان كل تعارف بيننا وبينهن يتوقف بعد انتهاء دوام المدرسة"، والآن، تلك النسوة المنقبات الوجوه، وعلى رؤوسهن مناديل سود، يتجمعن في الشوارع ويطلقن عويلاً مولولاً طويلاً كان بمقدوره الدفع بالجنود الفرنسيين إلى الجنون، إنها رغباتهن في طرد الفرنسيين.</p>
<p dir="rtl">عبر متابعة حكاية الجزائر في تلك المرحلة من وجهة نظر إحدى العائلات الفرنسية، تسمح لنا الرواية بالتعرف على الصورة النمطية التي كان يسم بها الفرنسيون أهالي الجزائر الأصليين: "العرب لايعرفون الجنس، بل إنجاب الأطفال فقط، إنهم يتكاثرون كالأرانب. آه تعرفون ليس لديهم إحساس بالملكية، وهم أكسل شعب على الأرض" إنها الصورة الإجبارية التي يفرضها الأقوى ثقافياً وعسكرياً على الثقافة الأضعف، لقد كتب عنها إدوارد سعيد في "الإستشراق"، وكتب عنها صادق جلال العظم في "ذهنية التحريم"، وركز عليها سلمان رشدي في أدبه. في مسرحية "الزنوج" لجان جينيه، يصبح على السود أن يتلبسوا الصفات التي فرضها عليهم البيض ليصبحوا سوداً، الأسود صورة ثقافية يرسمها الأبيض، ويصبح الأسود مضطراً لتجسيدها، فيخاطب أرشبالد مجموعة الممثلين السود في المسرحية بالقول: "آمركم بأن تكونوا سوداً إلى حد شرايينكم التي يجري فيها دم أسود. وأن تجري فيها أفريقيا. على الزنوج أن يتزنّجوا، وأن يتشبثوا إلى درجة الحمق بكل ما يُتهمون به: في سوداهم، في رائحتهم، في عيونهم الصفراء، في أذواقهم لأكل لحم الإنسان"</p>
<p dir="rtl">هذا يشبه ما يرد في رواية مانغويل أيضاً، فالضابط الفرنسي يعتقد أن الفدائيين الجزائريين المناضلين من أجل الإستقلال لم يكونوا مجرمين بقدر ما كانوا "مفتقدين إلى الخلاص"، يروي لماريان: "لم نعلمهم شيئاً، بإستثناء الطاعة، لقد علمناهم أن الطاعة حسنة، بغض النظر عمن يتولى القيادة. علمناهم أن يرفعوا عيونهم ويشخصوا بأبصارهم. اليوم نحن الأسياد، في الغد قد يكون السيد واحداً منهم"، ويذكر قصة لكافكا يختطف فيها الحيوان السوط من يد سيده، ويجلد نفسه لكي يصبح سيداً بدوره. كما يفعل جينيه في "الخادمتان" اللتان تتماهيان في لعبة السيدة والخادمة إلى درجة أن تقتل الأخت التي تلعب دور السيدة، أختها التي تلعب دور الخادمة.</p>
<p dir="rtl">يعود فرنسيو الجزائر إلى الإستقرار في جنوب فرنسا، لكنهم يعاملون بتمييز وعنصرية من قبل الفرنسيين، الذين يسمونهم بالعنف والقبول بالعيش كمستعمرين في ماضيهم في الجزائر، مما يضطر الضابط العائد إلى بلاده للتساؤل عن هويته: "ماذا يعني أن يكون المرء فرنسياً؟ نحن بحاجة إلى تعريف هويتنا، فمن دون تعريفات ليس ثمة فهم ولا إنجازات. التعريف يقتضي الرقابة والتشويه، ولكن سنكون منافقين لو أدعينا أن بإمكاننا التوصل إلى أي شيء من دون تعريفات".</p>
<p dir="rtl">تتقرب ماريان من المجتمع الباريسي بانخراطها في صداقة مع أعضاء فرقة مسرحية يتدربون على عرض، تشتري أيضاً آلة تصوير فوتوغرافي، ستتحول صورها حاملة لسرد الرواية عن الأحداث التي تعيشها باريس في صيف 1968، ماعرف بثورة الطلاب احتجاجاً على اعتقال السلطات الفرنسية لطلاب جامعيين أبدوا مناهضتهم لحرب فيتنام. وفي الفصل التالي تتنقل الرواية إلى بوينس آيريس، أيضاً لنتابع مرحلة إشكالية من تاريخ الأرجنتين، والتي تدخل دوامة من الحكم العسكري والعنف، ويعيش المجتمع آلام الاختفاءات القسرية للمعتقلين والمخطوفين. والمعروف أن الأمهات الأبناء المختفين قسرياً رحن يتظاهرن بإستمرار أمام المقار الحكومية وفي الساحات الرئيسية في البلاد لكن الجنرال بيديلا أشاع بين الناس بأن هؤلاء الأمهات لم تملكن أولاداً بالأصل، وما هن إلا "أمهات بالوهم"، وهو اللقب الذي أطلق عليهن.</p>
<p dir="rtl">الفصل الأخير من الرواية يحمل طبيعة خاصة، فهو مروي بلسان الضابط الفرنسي نفسه، الأب الذي تابعنا حكايته على طول الرواية، مروي بطريقة المونولوج الطويل، مروي إلى ابنته التي تكبر وتنضج، يخبرها فيها عن ماضيه، عن أفعاله كضابط عسكري فرنسي في الجزائر وفي الأرجنتين، يبرر الفظائع المرتكبة، ويبين حتمية أحكام السياسات التي نفذها، لتنتهي الرواية بطلب البنت من والدها أن يوقف السيارة وتخرج منها وحيدةً في الطريق. إنها ترفض فظائع السياسة في القمع والتعذيب والخطف، مازالت مقنعة بإمكانية أخرى لبناء العالم.</p>
<p dir="rtl">الذاكرة والهوية موضوعتان بارزتان أيضاً في الرواية، الذاكرة المرتبطة بالسرد، ذاكرة الأماكن أو الأحداث، وبالأدق ذاكرة المدن الأربعة في ذهن الشخصيات التي تروي لنا الأحداث. فالأحداث السياسية والتاريخية تروى من خلال ذاكرة الأفراد، ذاكرة الشخصيات، من ذاكرة آنا نتعرف كيبك، ومن ذاكرة الأب أنطوان نتعرف الجزائر، أما باريس وبوينس آريرس فنكتشفهما من السرد الذاتي لماريان. وعند سرد ماريان مثلاً، يداخل النص بين الأحداث الواقعية في ذاكرة ماريان وبين أحلامها الشخصية: "كانت لدي المقدرة على صياغة أحلامي في أشكال مقصودة، على المزج بين الذاكرة والاختلاق، وكنت قادرة على تلوين الماضي في نومي أحياناً. كنت أرغب في تذكر الأشياء كما ينبغي لها أن تكون، كما أردتها أن تكون"، إذاً يبقى السؤال كيف تروى الأحداث السياسية من ذاكرة الأفراد، دون أن يدخل وجهة نظرهم الأخلاقية في رؤية التاريخ؟</p>
<p dir="rtl">كما أن التاريخ الجمعي والذاكرة الفردية يتداخلان، فكذلك ينتقل سؤال الهوية من الثقافة الجمعية إلى الفرد، يتجلى ذلك في المقطع البديع الذي تكتبه ماريان عن ذلك: "من أنا ؟ أتخيل نفسي في قاعة للمرايا، ولكن كل مرة تعكس لي وجهاً مختلفاً. إنهم جميعاً نفسي، ولكن أيهم يتعين عليّ اختياره، لأن الإختيار واجب".</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20020">«أخبار من بلاد أجنبية»... الحضارة المفروضة بالقمع والتعذيب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المقابلة: ألبرتو مانغويل (٢/٢)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20019</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 26 Mar 2020 12:48:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%84%d8%a9-%d8%a3%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d9%88-%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%ba%d9%88%d9%8a%d9%84-%d9%a2-%d9%a2/</guid>

					<description><![CDATA[<p>ما يلي هو الجزء الثاني من المقابلة. يمكن قراءة الجزء الأوّل هنا.   كيف يمكن أن تساعد القراءةُ بالعربيّة ووجود مكتبات عربيّة المجتمع الفلسطيني داخل دولة إسرائيل مثلاً (كأقلية أصلانية) أو في الضّفة وغزة، على الحفاظ على وجودهم الثقافي؟ أوّلاً، أعتقد أنّه علينا وضع فكرة الأقلّيّات جانباً، لأنّه في اللّحظة الّتي تعرّف فيها مجتمعاً ضمن [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20019">المقابلة: ألبرتو مانغويل (٢/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<div dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">ما يلي هو الجزء الثاني من المقابلة. يمكن قراءة الجزء الأوّل </span><a href="http://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=5656">هنا</a><span style="color:#7f8c8d">.</span></div>
<p> </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">كيف يمكن أن تساعد القراءةُ بالعربيّة ووجود مكتبات عربيّة المجتمع الفلسطيني داخل دولة إسرائيل مثلاً (كأقلية أصلانية) أو في الضّفة وغزة، على الحفاظ على وجودهم الثقافي؟</span></p>
<p dir="rtl">أوّلاً، أعتقد أنّه علينا وضع فكرة الأقلّيّات جانباً، لأنّه في اللّحظة الّتي تعرّف فيها مجتمعاً ضمن نطاق الأغلبيّة والأقلّيّة، تنسب أنت قوّة معيّنة للأغلبيّة ودونيّة ما للأقلّيّة. سواء كان ذلك المجتمع أصلانيّاً أم مثليّاً أم أيّ مجتمع آخر. أودّ اعتبارهم كجزء من المجتمع نفسه، بينما تتقاطع التّصنيفات الّتي تعرّف المجتمع بدوائرها. لذا، يمكنك أن تجد فلسطينيّاً أسود مثليّاً، حيث تتقاطع عدّة عناصر في الشّخص ذاته. لكنّني أعتقد أنّه على المجتمع، ذلك الّذي نسمّيه مجتمع الكتاب، مجتمع الكلمة المكتوبة، أن يخلق مكتبة بأيّ طريقة ممكنة، لأنّ المكتبات كينونات حيّة تحمل ذكرى قرّائها وتعكس لقرّائها هويّتهم. أعرف من أنا لأنّ المكتبة تمنحني الوثائق لفهم من أكون. صديقٌ لي في مكتبة بودليان في أوكسفورد، قال لي مرّة ضمن حديثٍ عابرٍ لنا: "المكتبة هي المكان للأدلّة". وأعتبر هذا أفضل تعريف للمكتبة. كون المكتبة مكاناً لحفظ الأدلّة. في حال أردت فحص واقع تاريخيّ ما لمجتمع ما أو فرد ما، ستملك المكتبة تلك الوثائق. لا أدري إن كنت تعرف الصّحافيّ الإسرائيليّ جدعون ليڤي... حسناً، هو واضحٌ جدّاً في هذه النّقطة، وأظنّني ذكرت ذلك خلال حديثي. هو يقول إنّه يمكننا الحديث عن كلّ الأمور، لكنّ هناك أمر واحد لا جدال فيه: على إسرائيل أن تعيد الأراضي المحتلّة. نقطة. لا يوجد ما بعد ذلك.</p>
<p dir="rtl">أمّا المكتبة فستعطيك تلك الأدلّة. لا حاجة بك إلى السّياسيّين للجدال حولها ونقاشها. تذهب إلى المكتبة وتحصل على النّصوص والخرائط والقصص، تجدها كلّها هناك. لذلك باعتقادي أنّ المكتبة أمرٌ ضروريّ. ربّما أخبرتك عن المحاولة الّتي قمت بها في المكتبة الوطنيّة الأرجنتينيّة، لدعم المكتبة الوطنيّة الفلسطينيّة، لكنّها كانت محاولة صعبة جدّاً. لا أريد ذكر الأسماء المعنيّة، لكنّني أستطيع أن أفهم...</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">يمكننا ذكرها...</span></p>
<p dir="rtl">حسناً، أعتقد أنّ المجتمعات في المنفى، وأعرف أنّ ذلك ينطبق على المجتمع الأرجنتيني في المنفى خلال فترة الدّكتاتوريّة وما إلى ذلك... أوّلاً، حقيقة أنّك منفيّ لا تجعل منك قدّيساً. هنالك أناسٌ رائعون في المنفى وهنالك محتالون في المنفى. كما أنّ الطّموح إلى تقلّد السّلطة في المنفى لا يموت أبداً. لذلك، عندما تحاول تطبيق مشروع مشترك، تكون لديك عشرون مجموعة ذات مصالح متضاربة، فيفشل المشروع ولا يتحقّق. فيقول شخصٌ ما: "لا كلّا، عليّ الموافقة أوّلاً على..." والثّاني يقول "عليها أن تكون في هذا المكان في رام الله"... لا يهمّ، لكنّني أسترجع الفكرة الأولى: أعتقد أنّه من الضّروريّ أن تكون لفلسطين مكتبة وطنيّة، وستتمتّع بدعم العديد من المكتبات الوطنيّة. لقد سبق وتحدّثت إلى مدير المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة، ومدير المكتبة الوطنيّة الإسبانيّة، ومدير المكتبة الوطنيّة الكولومبيّة، حتّى مكتبة الكونغرس، والمكتبة البريطانيّة. جميعها كانت ستكون راعيات للمكتبة الوطنيّة الفلسطينيّة، وكان بإمكانها أن تكون مكتبة افتراضيّة كذلك. العديد من المكتبات، إضافة إلى المكتبة الوطنيّة الأرجنتينيّة، كانت ستمنح مكتباتها الافتراضيّة للمكتبة الوطنيّة الفلسطينيّة. ولم أتوصّل حتّى للحديث مع الدّول العربيّة، الّتي، بين قوسين، أعتقدها جبانة للغاية في عدم مساندتها لفلسطين. أعتقد أنّ الأورغواي تدافع عن فلسطين أكثر من السّعوديّة أو... على أيّة حال، يمكن إتمام الأمر، وأتمنّى أن يتمكّن الأشخاص من وضع طموحاتهم الخاصّة جانباً واستثمار إيمانٍ حقيقيّ بقضايا أهمّ.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">عند تحدّثك عن المكتبات في المنفى، خطر لي –بما يخصّ كونها غائبة لكنها حاضرة في الوقت ذاته– سؤال عن المكتبات الشّفويّة (أو التراث الشفوي) في حال كحال الفلسطينيين مثلاً.</span></p>
<p dir="rtl">طبعاً. حسناً، أقول دوماً عندما أتحدّث عن مجتمع الكتب بأنّنا نحتاج إلى التّذكّر أنّها جميعها مجتمعات قويّة جدّاً وتعمل بشكلٍ جيّد، ولديها مفاهيم مختلفة عن الزّمان والمكان، كما العلاقات بين المستمع والقارئ، وإلخ. المشكلة هي، وهنا عليّ التّطرّق إلى الدّعاية السّياسيّة، أنّ الأمر سيلائم ويريح كثيراً الموجودين في السّلطة في عدّة أماكن. مثلاً، سيريح حكومة نتنياهو القول إن قصص ولقاءات وأحاديث الشّعب تكفيهم... يكفيهم ذلك. بالطّبع، فكريّاً، للشّفويّ ذات القيمة والقوّة المنسوبة للمكتوب، لكن سياسيّاً، الأمر مختلف. فنرى الأمر يتكرّر طول الوقت، في المجتمعات الأصلانيّة في الأمازون -الّتي هي مجتمعات شفويّة- تُصرف قضاياها الّتي تأتي بها للمحكمة في البرازيل: عليكم بوضعها على الورق.</p>
<p dir="rtl">لذلك، استراتيجيّاً، سيكون من الخطأ اتّباع تلك الفكرة. طبعاً، في اللّحظة الّتي تُنشأ فيها المكتبة، يكون على المكتبة الوطنيّة دمج قسم هامّ من التّقليد الشّفويّ. طبعاً، يجب فعل ذلك. لكن لا يمكن اقتراحها كبديل، فسيُحطّ من قدرها.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هي ليست بقوّة المكتوب...</span></p>
<p dir="rtl">للأسف، لأنّه في الواقع يجب أن تكون بقوّة المكتوب. كان يجب أن تكون كذلك، لكن ثبت أنّها ليس كذلك... لا في أستراليا، ولا في شمال كندا، وما إلى ذلك. لهذه المجتمعات تقليد شفويّ مهمّ. هذه المجتمعات أكثر تعقيداً بكثير ممّا نتصوّر، لكنّها لا تُؤخذ بعين الاعتبار، لا تتواجد على نفس مستوى الملعب العالمي، كمجتمع يتعامل مع الكتب المطبوعة. كما أنّه ما من سبب يمنع فلسطين من الحصول عليها. فهي موجودة لديها. لا نتكلّم هنا عن الحاجة إلى فرض لغة مكتوبة ومطبوعة على مجتمع لا يحتوي عليها، كما في حال قبائل الأمازون، تلك ليست حالة فلسطين. لفلسطين تقليد أدبيّ غني. أنتما أدرى منّي. لذا لن أنصح أبداً بقبول فكرة "يسمح لكم بالحفاظ على تقليدكم الشّفويّ لكنّكم لا تستحقّون المكتوب."</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">ماذا عن دمج التراث الشّفويّ في المكتوب؟</span></p>
<p dir="rtl">طبعاً. يجب فعل ذلك. في أستراليا، المكتبات الوطنيّة حريصة جدّاً على دمج التراث الشّفويّ، ولديها نظام كامل لاستشارة الحضارات الأصلانيّة. لقد حاولت فعل أمرٍ مشابه في الأرجنتين، لكنّني لم أستطع بسبب السّياسة هناك. أردتُ إنشاء مركز للدّراسات الأصلانيّة، فهناك العديد من الأشخاص الأصلانيّين المستبعدين عن التّصوير السّياسيّ. لذلك اتّبعت بعض الأمثلة من كندا، فلكندا محاولات جيّدة جدّاً، لن أقول مثاليّة، لكنّها أفضل من لا شيء. وأستراليا كذلك، لديها أنظمة تتّبعها. لكن مرّة أخرى، ليست تلك الحال بالنّسبة لفلسطين. الفلسطينيّون ليسوا قبيلة صحراويّة صغيرة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"> وحالتها أحدث تاريخيّاً...</span></p>
<p dir="rtl">هي أحدث ولكن لفلسطين كذلك تقليد أدبيّ وفلسفيّ طويل الأمد. لن أعرّفه لكما، فأنتما تدركانه أفضل منّي.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="خاص: رمان الثقافية" height="735" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/٩٧٥٦٥٩٤٦٧٨٩٨٧٩٨٦٧٤٩٨-3.jpg" width="1111"></div>
<p dir="rtl">
<span style="color:#ff0066">في حديثنا عن السردية الفلسطينية -المكتوبة بشكلٍ خاصّ- لطالما قال محمود درويش إنّه يرغب بأن يكون شاعر طروادة. لأنّنا نجهل سردية طروادة، ونعرف عن السردية أو النسخة الأخرى فقط..</span></p>
<p dir="rtl">طبعاً.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هل يحتاج الفلسطينيّون إلى شاعر طروادة؟</span></p>
<p dir="rtl">آمل ألّا يصل الأمر إلى طروادة. كان على عوليس التّوجّه إلى المنفى لأنّهم أحرقوا المدينة واغتصبوا نساءها وقتلوا رجالها، ولذا، انشالله [يقولها بالعربيّة] لا يحصل ذلك. لكن علينا أن نتذكّر أنّ الشّعراء الإغريق، التّراجيديّين الإغريق، منحوا الطّرواديّين أصواتاً. لذا نجد صوت المهزوم في "نساء طروادة" وفي "أجاكس" وفي غيرها من المسرحيّات. تلك هي عظمة التّراجيديا الإغريقيّة، أنّها لم تهلّل للإغريق. في الواقع، لقد عوقب يوريبيدس لأنّه مدح الفرس في إحدى كتاباته. لذا، صحيح، بالنّسبة لشاعر طروادة، لأنّ الفلسطينيّين لم يعطوا صوتاً من خلال شعراء غير فلسطينيّين. مع العلم بوجود البعض الّذين تكلّموا أو كتبوا عنهم.</p>
<p dir="rtl">هل تعرف شاعرة تدعى روث پاديل؟ شاعرة بريطانيّة؟ إنّها رائعة، ولديها قصيدة بعنوان "تعلّم صنع عود في النّاصرة". هي قصيدة طويلة، شبه ملحميّة، عن صناعة... هنالك حرفيّ يبني عوداً ويتحطّم العود... هي قصيدة جميلة جدّاً. لكنّ درويش سبق وأصبح شاعر طروادة. دائماً ما يذكرون أدونيس وتقدّمه لجائزة نوبل، حسناً، يتحجّم أدونيس أمام درويش. درويش شاعرٌ هائل، هو شاعرٌ ملحميّ، بذكاء وإدراك عميق، فهو ليس بوقاً للبروباغندا بأيّ معنى للكلمة. هو يقف جنباً  إلى جنب مع دايدو. لديه شعرٌ رائع عن... لا أذكر اسم القصيدة، لكنّه كان يتحدّث إلى صديق والصّديق يمانع الحوار، ودرويش يحاول الضّغط من أجل الحوار.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هل تقصد "سيناريو جاهز"، قصيدة يجد إثنان نفسيهما فيها عالقين في حفرة مع ثعبان؟</span></p>
<p dir="rtl">نعم، هذه هي.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">في الحقيقة، وفي موضوع آخر، لديّ فضول حول ما يجعلك تقتني كتاباً لا تعرف كاتبه؟</span></p>
<p dir="rtl">[يضحك] الغلاف، العنوان، دار النّشر، الجملة الأولى، الجملة الأخيرة...</p>
<p dir="rtl">قبل بضعة سنوات، اقتنيت ما تحوّل إلى إحدى كتبي المفضّلة. وهي قطعة إنشائيّة قصيرة كتبها فيلسوف هنغرايّ. قرأتها بالإسبانيّة لأوّل مرّة -وقد كلّفت أحدهم بترجمتها للإنكليزيّة بعدها- عنوانها كان "دوستويفسكي يقرأ هيغل في سيبيريا وينفجر بالبكاء". كيف لك ألّا تقرأ كتاباً كهذا؟</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هل القراءة مهنة؟ هل هي هواية؟ كيف تعرّفها؟</span></p>
<p dir="rtl">هي كلّ تلك الأشياء، لكن قبل أيّ شيء، هي فنّ. نحن مخلوقات قارئة، أي أنّنا طوّرنا، أكثر من أيّ حيوان آخر، حسّاً لقراءة العالم، ولقراءة النّاس حولنا -لذا نقرأ المشهد الطّبيعي حولنا، السّماء، نقرأ وجوه الآخرين، ومن ثمّ طوّرنا المخطوطات في بعض المجتمعات لتدوين وقراءة تجاربنا. هي جزء من تركيبتنا الجينيّة من أجل البقاء. وبنفس الطّريقة الّتي يبني بها الرّياضيّون أجسادهم للتّمكّن من الصّمود في الماراثونات أو رفع الأثقال، يتمكّن القارئ المتمرّس من الغوص أكثر في عمق النّصّ والاستفادة منه بشكلٍ أكبر. لكن مرّة أخرى، نحن نعيش في مجتمعات، وقد أصبحت برمّتها تقريباً، استهلاكيّة لدرجة أنّ المجتمع نفسه لم يعد يريد احتضان القراءة أو تشجيعها. لأنّ القراءة ليست فعلاً مستقلّاً عن الوظائف الفكريّة. </p>
<p dir="rtl">لقد حلّل بعض علماء الأعصاب عمليّة القراءة وقالوا بصددها إنّها "معقّدة جدّاً، ولو نجحنا في فهم ما يحصل في الدّماغ عندما نقرأ، ما يحصل بالضّبط، سنتمكّن من فهم فعل التّفكير". فالقراءة والتّفكير مرتبطان ببعضهما البعض. لذا، يشكّل المواطن الّذي يقرأ بشكلٍ فعّال مواطناً متأمّلاً مفكّراً ويطرح الأسئلة. أمّا المجتمع الاستهلاكيّ، فلا يريد لذلك أن يحصل. كلّما طرحت المزيد من الأسئلة، كلّما قلّ قبولك للدّعايات. إنّ الدّعاية... لغة الدّعاية مركبّة بطريقة تجعلك تستقبل رسالتها كالمانترا، وأحياناً لا يكون لها أيّ منطق، لكنّها تتردّد في العقل، وتزرع فكرة الاسم أو الشّيء الّذي عليك شرائه. لكن، في ٩٠ بالمئة من الحالات أو أكثر، إن توقّفت للتّفكير بالأمر، فتسأل نفسك، هل أحتاج حقّاً لهذا الشّيء الّذي يكلّف ٢٥ مرّة مبلغ كتاب؟ هنالك الكثير من هذه الأمثلة.</p>
<p dir="rtl">على فكرة، كان كتاب "بدون لوغو" لنعومي كلاين يصلك مع إبرة صغيرة تمكّنك من إزالة العلامات التجارية عن الملابس. لكن في جميع الأحوال، هذه المبادرات الصّغيرة لن تفعل شيئاً لتوقف المجتمع الاستهلاكيّ. تواجه العديد من الأسئلة حول كيفيّة العيش بطريقة أفضل ومحاولة الانخراط نحو مجتمع أكثر عدلاً، تواجه مشكلة فصل نفسها عن السّياق العام. لا تعتبر القضيّة الفلسطينيّة، ومسألة الافتقار إلى القراءة، ومسألة المليون لاجئ على أبواب تركيّا مواضيع منفصلة. لو كانت هذه رواية، كان مؤلّفها سيجعلها متضافرة في كلّ من فصولها -سيكون على تولستوي أن يحكي القصّة– فلا يمكنك فصلها لأنّ المشكلة والحلّ مرتبطة بعدّة جوانب من المجتمع، بحيث لا توجد طريقة لحلّ قضيّة واحدة بدون حلّ جميعها، أو أقلّه قسم كبير منها.</p>
<p dir="rtl">لديّ حفيدتان، إحداهما تبلغ ٨ سنوات من العمر والأخرى ٤. وأنا أحاول أن أكون متفائلاً من أجلهما، لكنّهن لا أعرف كيف، لا أرى ما يشجّع على التّفاؤل بطريقة ذكيّة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">هل تؤمن بفكرة غرامشي " تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة"؟</span></p>
<p dir="rtl">بالتّأكيد، ولدينا جميعاً مسؤوليّات فكريّة، لكن تأتي لحظة يكون فيها ضغط المياه كبيراً جدّاً فينفجر السّدّ. يمكنك محاولة تثبيته مكانه، يمكنك محاولة تقليد الولد الهولنديّ الصّغير وإدخال إصبعك في شقّ السّدّ، لكن تأتي لحظة لن تتمكّن أكثر من احتوائه.</p>
<p dir="rtl">في أكثر لحظاتي حلكة، أفكّر بالبشريّة بأنّنا نتمتّع بنزوة انتحاريّة، أنّ تدمير أنفسنا هو جزء من إرادتنا. ولعلّ الأمر سيكون جيّداً للكوكب، فنحن سرطان لهذا الكوكب، وسيكون الكوكب بحالٍ أفضل من دوننا، لحسن الحظّ، أو لسوئه، لحسن حظّ الكوكب ولسوء حظّنا نحن. كلّ ما نفعله الآن هو سامّ لنا لكن ليس للعديد من المخلوقات الأخرى. فالصّراصير ستبقى على قيد الحياة، أعشاب البحر ستبقى... لا تهمّها السّموم، لكن الأمر مختلف بالنّسبة للمخلوقات الأخرى.</p>
<p dir="rtl">هنالك كاتب أرجنتينيّ يدعى ماركو دي نيڤي، ولديه كتاب من النّصوص القصيرة، جميعها مختلقة، ويدعو الكتاب "فالسيفيكاسيونس" [أي "فبركات"]. وفي إحدى القصص المختلقة من الكتاب المقدّس، نجد نوح، الّذي طلب منه بناء الفلك وإحضار اثنين من كلّ أصناف الحيوانات، يقول إن بعض المخلوقات كانت أرقّ بكثير من أن تتمكّن البقاء على قيد الحياة، مخلوقات، يقول، يبدو إلى جانبها الغزال كمخلوق متوحّش. ولذا، هذه المخلوقات آخذة بالاحتضار الآن أو قد سبق واحتضرت. لذلك هي لن تنجو. لكنّ الصّراصير ستنجو. إذاً ربّما كان كافكا على حقّ.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">نعم، قد نتمنّى يوماً أن نستيقظ لنجد أنفسها صراصير. كي لا نأخذ المزيد من وقتك، أطرح عليك سؤالاً أخيراً: هل لديك طقوس للكتابة والقراءة.</span></p>
<p dir="rtl">طاقتي في الصّباح تختلف عن طاقتي في المساء. أصحو في ساعة مبكّرة جدّاً، الخامسة أو السّادسة صباحاً، وأحبّ الكتابة في الصّباح حينما يكون عقلي منتعشاً. كذلك، عندما أخلد إلى النّوم وأعرف أنّني سأكتب في اليوم التّالي، أحاول التّفكير فيه، لأنّه بشكلٍ ما، تعمل الشخصيات الصّغيرة في دماغي خلال اللّيل، وفي الصّباح أستيقظ لأجد فيه بعض الأفكار لوضعها على الصّفحة. لكن بعد الغداء، أكون شبه عاجز عن الكتابة. يمكنني القراءة وأستطيع كتابة الملاحظة وربّما التّرجمة، لكنّ طاقتي المسائيّة تختلف جدّاً عن تلك الصّباحيّة. </p>
<p dir="rtl">لا يوجد مكان معيّن حيث أقوم بالقراءة. أقرأ في جميع الأوقات وجميع الأمكنة. وكنت أعتقد أنّني عاجزٌ عن الكتابة بعيداً عن مكتبي، لكن الآن، مع سفري المستمرّ، أجدني قادراً على الكتابة في الطّائرات والمطارات، الأمر الّذي كان يبدو لي مستحيلاً في السّابق. لقد خطّطت لهذه الرّحلة إلى باريس لأنّه كان عليّ إلقاء محاضرة في كوليج دو فرانس لكنّها ألغيت لأنّ المنظّم كان في مدينة ميلانو، وهو يخضع الآن للحجر الصّحّي لمدّة أسبوعين بسبب الڤايروس. أتدري، نحن نتكلّم عن مشكلات سياسيّة وفكريّة، وها هو ڤايروس صغير يغيّر كلّ شيء.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20019">المقابلة: ألبرتو مانغويل (٢/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المقابلة: ألبرتو مانغويل (١/٢)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20018</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 25 Mar 2020 16:25:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%84%d8%a9-%d8%a3%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%aa%d9%88-%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%ba%d9%88%d9%8a%d9%84-%d9%a1-%d9%a2/</guid>

					<description><![CDATA[<p>التقيناه مساءً في بهو فندق "لْوي الثاني" في حيّ دور النّشر والمكتبات في باريس، وكان أوّل ما قاله "نادني مانغيل، بدون مستر". أجرينا المقابلة التي خرجت بمعظمها عن الأسئلة المعدّة مسبقاً لها، وامتدّت لساعة تناولت فيها القراءة والمكتبات والمنفى وفلسطين ودرويش... شاركت في إجراء المقابلة وترجمتْها عن الإنكليزية ياسمين حاج. ما يلي هو الجزء الأول... في كتابك "يوميّات القراءة"، تعيد [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20018">المقابلة: ألبرتو مانغويل (١/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">التقيناه مساءً في بهو فندق "لْوي الثاني" في حيّ دور النّشر والمكتبات في باريس، وكان أوّل ما قاله "نادني مانغيل، بدون مستر". أجرينا المقابلة التي خرجت بمعظمها عن الأسئلة المعدّة مسبقاً لها، وامتدّت لساعة تناولت فيها القراءة والمكتبات والمنفى وفلسطين ودرويش...</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#7f8c8d">شاركت في إجراء المقابلة وترجمتْها عن الإنكليزية</span> <a href="http://rommanmag.com/view/authors/authorDetails?id=142" target="_blank" rel="noopener">ياسمين حاج</a><span style="color:#7f8c8d">. ما يلي هو الجزء الأول...</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">في كتابك "يوميّات القراءة"، تعيد قراءة كتبك المفضّلة. كيف تختلف إعادة القراءة عن القراءة؟</span></p>
<p dir="rtl">هو سؤالٌ مهمّ. مع التّقدّم في السّنّ، تكتسب، أو أكتسب أنا، تفضيلات للقراءة. والأمر ذاته بالنّسبة للأمكنة والنّاس. لا أريد اكتشاف أماكن جديدة ولا أريد تكوين صداقاتٍ جديدة. أرغب بالتّواجد في الأمكنة القديمة ورؤية أصدقائي القدامى. أرغب بالسّماح لروتين ما بتأسيس ذاته. الأمر ينطبق على الكتب كذلك. أنا أقرأ أعمالاً أدبيّة جديدة، وأكتشف بالطّبع كتباً جديدة، لكنّني أفضّل العودة إلى الكتب الّتي أحبّ.</p>
<p dir="rtl">تتيح لك إعادة القراءة إدراك كم القراءة هي عملٌ خلّاق. أي لدى قراءتي لكتاب كـ "كيم" لرديارد كيبلينغ أو "مدام بوفاري" لغوستاڤ فلوبير، كلّما أقرأه، أكتشف أموراً جديدة في الكتاب، وأجلب معي للكتاب ذكريات من قراءاتي السّابقة. لكنّ هذه الذّكريات لا تشكّل قراءات توثيقيّة، هي قراءات مبتكرة. ذاكرتنا ترغب بأن تكون كاتبة، وتعيد كتابة فقرات وتضيف الشّخصيّات... أحياناً، أعتقد أنّني أتذكّر كتاباً ما، لكنّني أكتشف لدى معاودة قراءة صفحة ما بأنّه مختلف. لكن مع ذلك، يبقى ما اختلقته أنا، ما أعتقد أنّني أتذكّره، جزءاً من ذلك الكتاب.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">كتبك ومكتباتك هذه... هل تعتبر نفسك في منفى، بعيداً عنها؟ وأنت تنقّلت بين مدن عديدة.</span></p>
<p dir="rtl">كلّا. لقد كنت... أنا لستُ منفيّاً، لأنّني أعرف الكثير من الأشخاص الموجودين في المنفى قسراً. لكنّني لم أُجبَر على المكوث في المنفى. أنا، كيف أصف ذلك؟ أنا منفيّ بالصّدفة. لقد وُلدتُ في الأرجنتين، وعندما كنت أبلغ شهرين من العمر، بُعث أبي حينها ليشغل منصب السّفير الأرجنتيني في إسرائيل. أمضيتُ السّنوات السّبع الأولى من حياتي هناك. عندما بلغتُ التّاسعة عشر، سافرتُ وعشتُ في خمسين مكان مختلف، بما في ذلك في البحار الجنوبيّة. ثمّ عام ١٩٨٢ وصلتُ إلى كندا وأصبحتُ مواطناً كنديّاً، وعشتُ هناك مدّة عشرين عاماً. انتقلتُ بعدها إلى فرنسا حيث عشتُ مدّة خمسة عشر عاماً، وأنا الآن في نيويورك. خلال مكوثي في نيويورك، طُلب منّي أن أدير المكتبة الوطنيّة في الأرجنتين، قانتقلتُ إلى هناك ومكثتُ مدّة ثلاث سنوات، عدتُ بعدها إلى نيويورك. والآن، أعتقد أنّه ستتوجّب عليّ مغادرة نيويورك في حال أعيد انتخاب ترامب، فأنا لا أودّ العيش في ظلّ دكتاتوريّة أخرى.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">لديك إذن مكتبات في العديد من هذه الأمكنة.</span></p>
<p dir="rtl">نعم.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">إلى أيّ مدّى تعزّز مكتبتك في كلّ من هذه الأماكن روابطك مع هذه الأماكن وهذه المدن؟</span></p>
<p dir="rtl">لا أعتقد أنّها تعزّزها. لقد وجدتُ أنّني أخلق في كلّ مكانٍ أعيشه عشّاً ما، وتكون الكتب هي الأغصان والأوراق لذلك العشّ. بالتّأكيد، الكتب تتراكم، ولذلك لم أتمكّن من حمل كتبي معي من مكانٍ إلى آخر، باستثناء فترة استقراري في فرنسا. هناك، اعتقدت أنّني سأعيش هناك للأبد، فمكتبتي، كلّ كتبي كانت هناك، كتب أتت من الأرجنتين، من كندا، من جميع الأنحاء.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">لقد ذكرت ذلك في كتابك "المكتبة في اللّيل".</span></p>
<p dir="rtl">بالضّبط. وعندها، اعتقدت أنّ تلك هي الجنّة، لكن إحدى الدّلالات على الجنّة هي فقدانها. فقدتُ الجنّة عام ٢٠١٥ لأسباب إداريّة، حيث اضطررتُ إلى مغادرة فرنسا. بعنا المنزل، وعرض عليّ ناشري في كيبيك مساحة للاحتفاظ بصناديق الكتب، وهي هناك حتّى الآن. لذلك، في كلّ مكانٍ عشتُ فيه، كان منزلي هو المكتبة، وتلك المكتبة، التي صدف ووُجدت في عدّة أماكن مختلفة، كانت كالبساط السّحريّ من "ألف ليلة وليلة"، حيث تجد نفسك في مكانٍ مختلف، لكنّ البساط يبقى هو ذاته.<br />
 </p>
<div style="text-align:center"><img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="735" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/SLM_7012_Fotor-1.jpg" width="1111"></div>
<p dir="rtl">
<span style="color:#ff0066">ذكرتَ أمراً عن الأشخاص في المنفى، وأودّ ربطه مع المكتبة والمدينة. هل يمكن لمكتبة في بيتك أن تشعرك بالاطمئنان أنك فعلاً في مكانك، أن تخفّف من الشعور بالمنفى حيث لا يكون أحدنا في مكانه؟ كحال الفلسطينيين وغيرهم ممن يعيشون قسراً خارج أوطانهم.</span></p>
<p dir="rtl">لقد كان لي الحظّ أن أتعرّف جيداً إلى -ولا أقول أن أتصادق مع، لأنّ الصّداقة كلمة كبيرة- محمود درويش، وكانت لنا عدّة محادثات. وتلك المحادثات كانت تعود دوماً إلى موضوع المنفى. أنا أعتقد أنّ الجانب الّذي اهتمّ به هو أنّه بينما على المنفيّـ/ة أن يترك مكاناً له في المنفى ليشعر أنّه يخصّه، يُحمَّل المنفيّـ/ة فجأة عبأً اسمه المنفى، وأنّه يحمل ذلك المنفى إلى كلّ تلك الأمكنة المختلفة، تصبح مكتبة الشّخص المنفيّ في الوقت ذاته منزلاً في ذلك المنفى ورمزاً له. إن اطّلعنا على الأعمال الأدبيّة ورأينا كيف بنى المنفيّون مكتباتهم والعلاقة بينهم وبين مكتباتهم، سنرى مجالاً متعدّداً من العلاقات. أحد أشهر المنفيّين السّياسيّين هو بروسبيرو في مسرحيّة "العاصفة" لشكسبير. هناك، لديه كتبه بحوزته، وتمنحه هذه الكتب قوّته. يقول كاليبان للبحّارة "خذوا كتبه منه وبذلك تنزعون قوّته عنه". لكنّ قصّته مختلفة جدّاً عن مكتبة القبطان نيمو، الّذي هو منفيّ، لكنّه منفيّ طوعاً. هو اختار المنفى لأنّه اختار أن يبني النّوتيلوس (أي الغوّاصة البحريّة)، والفرار من الحضارة. لكنّ الحضارة هي الّتي نفته في الحقيقة، لأنّ عائلته كانت قد قُتلت في حرب تلك الحضارة. وقد أخد مكتبة معه، والّتي تكبر وتزداد حتّى اليوم الّذي يدخل فيه هو إلى الغوّاصة. لذا، لا تشكّل تلك المكتبة رمزاً لقوّته كما في حال بروسبيرو، بل محاولة للاحتفاظ بالعالم كما هو في لحظة مغادرته له. يمكننا التّمعّن في مكتبات أخرى من المنفى، لكنّني أعتقد أنّ مكتبات المنفى الأكثر تأثيراً هي تلك الّتي لا تحوي على كتب ملموسة.</p>
<p dir="rtl">لديّ صديق هو في المنفى في فرنسا، وعندما أراد المغادرة، لم يستطع أخذ أيّ كتب معه، لكن لحسن حظّه أنّه كان قد حفظ العديد من الأشعار والنّصوص عن ظهر قلب، فكانت تلك هي مكتبته. لقد جمّع الآن كتباً في فرنسا، لكن لم يكن أيّها مشابهاً لتلك الّتي كانت بحوزته قبلها. ينطبق الأمر كذلك على بعض الكتّاب الّذين نجحوا في العمل ضمن مكتبة لم تكن مكتبتهم. مثلاً دانتي، الّذي كتب الكوميديا الإلهيّة كاملةً في المنفى. لا يمكنني تخيّل كيف تمكّن من ذلك. لا يمكنني تخيّله حتّى لدى عملك ضمن مكتبتك الخاصّة، حتّى لدى وجود عشرين شخصاً يعملون لديك. كيف تنظم قصيدة متكاملة كهذه مع كلّ ما يتضمّنها من معرفة الثّيولوجيا والتّاريخ والسّيكولوجيا وعلم الحيوان وكلّ ذلك، ضمن أبيات شعريّة بديعة! لذا، مكتبات المنفى هي مختلفة جدّاً، لكن ما من مكتبة تستطيع انتزاع حالة المنفى، حتّى ولو شيّدتَ مكتبةً خارقة، كما في حال بروسبيرو أو القبطان نيمو، تبقى أنت منفيّاً. </p>
<p dir="rtl">أمرٌ آخر أودّ إضافته. شيءٌ ما اكتشفته لدى حديثي مع، ليس مع الكتّاب الفلسطينيّين، بل الكتّاب الإسرائيليّين، هو أنّه في عام ١٩٤٨، العام الّذي وُلدت، وعندما أقيمت دولة إسرائيل، أحد الأمور الّذي قام بها الجيش، عندما شرّدوا الفلسطينيّين كان نهب مكتباتهم، وذلك لم يكن نهباً عاديّاً. حسناً، أنت تعرف القصّة أفضل منّي، حيث يدخل الجيش البيوت ويدمّر الكتب. كلّا، لقد أقرّوا بأنّ "فلان هو صاحب هذا المنزل ونحن أخذنا منزله منه، لكنّه لم يعد لاسترداد الكتب، ولذلك سنضع الكتب في المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة". وكنتُ قد كتبتُ نصّاً منذ مدّة عن المكتبات حيث ذكرتُ هذه الحقيقة –وعندها أخطأت فقد كتبتُ أنّ هذه القصّة حدثت بعد حرب ١٩٦٧ بدل عام ١٩٤٨، لا يهمّ إن كانت السّرقة قد حصلت في الوقت هذا أم ذاك. لكنّني حينها استلمتُ رسالة مثيرة للاهتمام من أحد أمناء المكتبة في المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة تنصّ على أنّه "صحيح، لدينا هنا كتب لهؤلاء الفلسطينيّين، لكنّنا على استعداد لردّها لهم في حال عاد الفلسطينيّون للمطالبة بها". حسناً، طبعاً، لكنّ ذلك يشابه الحكومات الّتي تقول الآن إنّها على استعداد لمناقشة إعادة اللّوحات الّتي نهبها النّازيّون والموجودة اليوم في المتاحف الوطنيّة. هنالك أناس استغرقتهم ٢٠ و٣٠ عاماً في المحاولة لاسترداد لوحة واحدة، لكنّ الحياة أقصر من ذلك. ذلك كلّه للقول إن مكتبة المنفى تستمرّ في التّواجد في المنفى.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">وحديثاً كذلك، فقد صادرت إسرائيل كتباً عربيّة في السّنة الماضية، وفي عدّة مناسبات أخرى، مانعةً إيّاها من العبور إلى القراء الفلسطينيين. السياسة ذاتها لنهب مكتبات كاملة عام ١٩٤٨، كما سبق وذكرت.</span></p>
<p dir="rtl">نعم، والأمران مختلفان جدّاً. يختلف كثيراً نهب مكتبة خلال احتلال الأرض عن فرض الرّقابة على الكتب الوافدة عبر حدود دولة يُفتَرَض أن تكون ديموقراطيّة.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">ما الفرق؟</span></p>
<p dir="rtl">حسناً، الفرق هو أنّ الحالة الأولى تدرج ضمن أفعال الحرب، والأخرى هي فعل لفرض الرّقابة خلال حكم يفترض أنّه ديموقراطي. وهذا حصل عدّة مرّات كذلك خلال حكومة ساركوزي في فرنسا: أرادت حينها "الجبهة الوطنيّة" (يمين متطرف) في جنوب فرنسا تطهير المكتبات الحكوميّة من جميع الأعمال، حتّى تلك المكتوبة بالفرنسيّة، الّتي كتبها كتّاب من شمال أفريقيا. لذا، لم يكن ذلك فعلاً حربيّاً بل إرهاباً فكريّاً إن صحّ التّعبير. وبالطّبع، يحدث هذا في عدّة أماكن خلال الحرب. لكنّني أعتقد أنّ الأمر يختلف عمّا حدث في عام ١٩٤٨، حيث كان ذلك استغلال المحتلّ لقوّته. وقد فعل الإسبانيّون الأمر ذاته في المكسيك، حيث حرقوا الكتب. </p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">كذلك النّازيّون في الثّلاثينيّات، حادثة حرق الكتب المعروفة...</span></p>
<p dir="rtl">نعم، لكن علينا التّفريق بين هذه جميعها، فالنّازيّون في الثّلاثينيّات أحرقوا كتب مواطنين ألمان وكتّاب ألمان، لذلك فهو لونٌ مختلف من الظّلم.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">لكن جميعهم يتشاركون الحدث ذاته.</span></p>
<p dir="rtl">ما يتشاركونه هو عدم احترامهم للحرّيّة الفكريّة. يتشاركون اعتقادهم بأنّ هذا النّوع من الرّقابة يستطيع وقف تبادل الأفكار. لكن منذ زمن جلجامش وهذه الأمور لا تنجح. كلّ حكومة حاولت فرض الرّقابة لم تتمكّن من فرض الرّقابة على الفكر ذاته، حتّى ولو قتلت الكاتب.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">لماذا يستمرّون إذاً؟</span></p>
<p dir="rtl">أعتقد أنّ الحكومات موهومة بالسّلطة المطلقة وبالخوف من التّنازل عن تلك السّلطة. لذلك تعتقد الحكومات أنّها مع قضائها على الشخص أو الشيء المادي ستنجح هي في القضاء على حرّيّة الفكر والأفكار الموجودة في الجوّ. وبالطّبع، أنا وأنت نعلم أنّ الأمر مستحيل. لو كان الأمر ممكناً، لكنتُ حاولتُ القضاء على الجبهة القوميّة في فرنسا أو النّازيّين الجدد أو الفاشيّين في حكومة نتنياهو أو في حكومة ترامب. لكنّ الأمر غير ممكن، وعلينا العيش مع هذا الواقع. أمّا الإشكاليّة الاستراتيجيّة المتجذّرة فهي أنّه بتبنّيك الموقف الإنسانيّ، عليك إتاحة الحوار، لكن من حيث الموقف الفاشيّ، عليك القضاء على الحوار. لذلك، في حال أردت إجراء حوار مع أحد مؤيّدي ترامب، لن يكون الأمر ممكناً، كونه هو لا يشجّع الحوار، كونه يعلم أنّه في حال سمح لأيّ شرخ ولو بسيط يُتاح من خلاله تبادل الأفكار، قد يثبت خطأه. هذه نقطة ذكرها عاموس عوز عن الحوار. قال إنّه قادر على التّحاور مع الفلسطينيّين لكنّه غير قادر على التّحاور مع مؤيّدي نتنياهو.</p>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066">حسناً، خلال محاضرتك أخيراً في تونس، قلت "لا أحد يعاني كما يعاني الفلسطينيّون". الآن والفلسطينيّون ناشطون في المجال الثّقافي والأدبي والفنّي وغيره. هل ترى رابطاً بين المعاناة والإبداع؟</span></p>
<p dir="rtl">طُرح عندها هذا السّؤال. هذه فكرة وُلدت مع نصّ يُنسَب لأرسطو. في رسالة له، نجد قطعة يقول فيها، أو يسأل: "لماذا يولد العقل الخلّاق من الميلانكوليا؟" يطرح السّؤال جوابه، ولا أعتقد أنّ الإجابة صائبة بالضّرورة. في تاريخ الأدب، في تاريخ الفنون، لطالما كانت هناك نزعة للحديث عن المعاناة أو تصوير المعاناة، لأنّها ملفتة كموضوع، على ما أعتقد. فهي تخلق التّعاطف بطريقة قد لا تتمكّن منها القصص السّعيدة. نحن لا نثق بالسّعادة، ونرغب بالتّعاطف مع معاناة قد لا تخصّنا بالضّرورة. ندرك عند الاطّلاع على قصص الرّعب والقصص الدّراميّة والقصص التّراجيديّة أنّها تشكّل جزءاً من الحالة الإنسانيّة. </p>
<p dir="rtl">لكنّني أعتقد أنّه من الخطر اقتراح الفكرة الّتي تنصّ على وجوب المعاناة من أجل الخلق. فذلك يؤدّي إلى عدّة أمور: أحدها هو إذلال الفنّان، أي بموجب هذه الفكرة، على الفنّان أن يكون معدماً أو محروماً، لا يجوز دفع أجرٍ جيّد للفنّان لأنّ ذلك، أي عدم دفع ما يستحقّه، يساعده على خلق فنّه. في ذلك الصّدد، قصّة لا أعرف صحّتها تماماً، لكن يُحكى أنّ ناشراً ما، كان مهتمّاً بكتابات بلزاك الأولى، فذهب لرؤيته لاقتراح كتابٍ عليه لنشره، يدفع هو، أي النّاشر، مستحقّاته. وهنا أنا أختلق العدد تماماً، لكن لنقل أنّه أراد دفع مئة فرنك في حينه. لكن مع تجواله في الحيّ الّذي كان يقطنه بلزاك وإدراكه لفقر ذلك الحيّ في باريس، قال لنفسه أنّه سيعرض عليه خمسين فرنكاً بدل ذلك. أمّا لدى دخوله البناية السّكنيّة المهملة فجعله يقول لنفسه "سيفي خمسة وعشرون فرنكاً بالغرض". فيصعد الدّرج نحو العلّيّة الّتي كان يقطنها بلزاك، ويقول له: "مسيو بلزاك، أنا معجب بأعمالك وأريدك أن تؤلّف كتاباً لي، أعطيك مقابله عشرة فرنكات". إذاً الفكرة هنا هي ربط فقر الفنّان بالحسّ الإبداعي. وذلك أمرٌ خطيرٌ جدّاً.</p>
<p dir="rtl">أمّا الأمر الآخر فهو أنّه على الفنّان أن يعاني في سبيل الإبداع. وهنا، نبدأ بالتّشكيك في الكتّاب والفنّانين الّذين لا يعانون. شخص مثل روبرت لويس ستيڤنسون كان رجلاً عانى طول عمره من مرض السّل. أخذُ نفسٍ واحد كان يرهقه. مع ذلك، كان أحد أسعد الأشخاص على قيد الحياة. لذلك، لفترة طويلة من الوقت، كانت كتاباته تُعتبر متدنّية لكونها انبثقت عن شخص لم يجسّد معاناته الخاصّة، بل صرف النّظر عنها.</p>
<p>
<span style="color:#7f8c8d">الجزء الثاني والأخير من المقابلة... <a href="http://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=5657">هنا</a>.</span></p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20018">المقابلة: ألبرتو مانغويل (١/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مانغويل قارئاً لبورخيس</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20017</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[طلال بو خضر]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 25 Mar 2020 14:21:46 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%ba%d9%88%d9%8a%d9%84-%d9%82%d8%a7%d8%b1%d8%a6%d8%a7%d9%8b-%d9%84%d8%a8%d9%88%d8%b1%d8%ae%d9%8a%d8%b3/</guid>

					<description><![CDATA[<p>قصّة بجودة الحلم "ذات يومٍ رأيت كاهناً باسكيّاً معمّراً يعمل وسط سحاباتٍ من النّحل، كان بمقدوره أن يخبر النّحلات بأن تبقى بعيدة أو أن يرشدها إلى خلايا مختلفة، أتذكّر أيضاً حارس الأحراش في سلسلة جبال الرّوكي الكنديّة الذي كان يعرف موقعه بالضّبط من خلال قراءة الطّحالب بأصابعه على جذوع الأشجار. أستطيع الجّزم بحقيقة أنّ ثمّة [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20017">مانغويل قارئاً لبورخيس</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><span style="color:#ff0066"><strong>قصّة</strong><strong> </strong><strong>بجودة</strong><strong> </strong><strong>الحلم</strong></span></p>
<p><strong>"</strong>ذات يومٍ رأيت كاهناً باسكيّاً معمّراً يعمل وسط سحاباتٍ من النّحل، كان بمقدوره أن يخبر النّحلات بأن تبقى بعيدة أو أن يرشدها إلى خلايا مختلفة، أتذكّر أيضاً حارس الأحراش في سلسلة جبال الرّوكي الكنديّة الذي كان يعرف موقعه بالضّبط من خلال قراءة الطّحالب بأصابعه على جذوع الأشجار. أستطيع الجّزم بحقيقة أنّ ثمّة وشيجة بين هذا الكتبيّ العجوز وبين كتبه ستحكم عليها قواعد الفيزيولوجيا بأنّها ضربٌ من المحال<strong>"</strong>.</p>
<p>هكذا يقارب ألبرتو مانغويل تلمّس بورخيس لكتبٍ لا يعرفها في متجرٍ أو في مكتبة، بورخيس الذي داخل منزله يعلم أين مسكن كلّ كتاب فيذهب إليه دون أن يخطئه، يجد نفسه مرّاتٍ قرب رفوفٍ غير مألوفة فيمرّر يديه فوق كلّ كتابٍ كما لو أنّه يجسّ سطحاً مجعّداً لخارطةٍ مجسّمة وينتظر من جلد يديه أن يقرأ له الجّغرافيا.<br />
<strong>"</strong>النّاس يمكنها أن تضيّع حياتها في المكتبة، يجب أن يتمّ تحذيرهم من ذلك<strong>"</strong>، يقول بورخيس، لكن ومع ذلك، إنّ جوهر الحقيقة لديه يكمن في الكتب، قراءة الكتب، تأليف الكتب، التّحدّث حول الكتب، كان يعي باطنيّاً مسألة متابعة الحوار الذي بدأ قبل آلاف السّنين: <strong>"</strong>مع الزّمن، كلّ قصيدةٍ تصبح مرثاة<strong>"</strong>. ربّما هو أيضاً قصد مانغويل ذاته وألمح إلى حواريّةٍ طويلةٍ بينهما عن ولع مانغويل بالكتب والمكتبات، أعود هنا إلى كتاب مانغويل "المكتبات في الليل" (دار الساقي، ٢٠١٦):<br />
<strong>"</strong>في طيش فتوّتي، حين كان أصدقائي يحلمون بمآثر بطوليّة في حقول الهندسة والقانون والمال والسّياسة كان حلمي أن أصبح أمين مكتبة<strong>".</strong></p>
<p>مكتبة بيغماليون الأنغلو-ألمانيّة كانت واحدةً من ملتقيات المهتمّين بالآداب عموماً هناك في بيونس آيريس خلال منتصف القرن الفائت، مانغويل الشّاب الذي يعمل في المكتبة بعد انتهاء مدرسته سيصغي يوماً إلى عجوزٍ أعمى يطلب منه أن يقرأ له شيئاً ما، ورث بورخيس العمى عن أسرته، في بداية ثلاثينيّات عمره بدأ نظره يتراجع تدريجيّاً حتّى غلبه الظّلام أبديّاً بعد عيد ميلاده الثامن والخمسين. لاحقاً وبدايةً من عام ۱۹٦٤ وحتّى ۱۹٦۸ سيقرأ مانغويل بين عديدين لبورخيس الذي كان زبوناً دائماً في المكتبة، يزورها في طريق عودته من عمله كمديرٍ للمكتبة الوطنيّة، ثمّ سيتحوّل مكان القراءة من المكتبة إلى منزل بورخيس الذي يتقاسمه مع أمّه والخادمة فاني.</p>
<p><span style="color:#ff0066"><strong>"</strong><strong>مرآةٌ</strong><strong> </strong><strong>عملاقةٌ</strong><strong> </strong><strong>لمتاهة</strong><strong>"</strong></span></p>
<p>لا يكتب مانغويل عن بورخيس فقط كصديقٍ أو كمعلّم لكن أيضاً كندّ وعدوّ شاعريّ مشتهى، كما لو أنّها رغبةٌ هائلةٌ بحياكة زمنٍ بهيئة قصيدةٍ بين كاتبين، عمر مانغويل الصّغير فترة معرفته ببورخيس لم يكن ليجعل منه شريكاً لدوداً حينها بقدر ما جعله مصغياً مسجّلاً لأدقّ تفاصيل شخص بورخيس، بدايةً بالمنديل المعطّر بماء الكولونيا كما تقدّمه له الخادمة والذي يحمله بورخيس دائماً في جيب سترته العلويّ بأطرافٍ مرئيّة، وليس انتهاءً بشخصيّات بورخيس المتخيّلة منها التي أحبّها مانغويل والواقعيّة التي عايشها، <strong>"</strong>القارئ المثاليّ قادرٌ على الوقوع في غرام إحدى شخصيّات الكاتب<strong>"</strong>. يعرف مانغويل بورخيس معرفة العالم بمخبره ويصفه كما يصف من يهوى جمع الفراشات بمتعةٍ ألوان جناح فراشةٍ لا يملّ النّظر إليها.</p>
<p>مانغويل إذ يتذكّر زياراته المبكّرة لشقّة بورخيس، يصفها كمكانٍ حميمٍ دافئٍ معطّرٍ بأريجٍ ناعم، ويصف وجوده فيها كأنّه خرج للتوّ من قبضة الزّمن أو أنّه دخل لتوّه زمناً تشكّل من تجارب بورخيس الأدبيّة، من إيقاع عهود إنكلترا الفيكتوريّة والإدوارديّة، من عصر التّعبيريّة الألمانيّة، من فصول الصّيف في مدريد ومايوركا، من الصّحارى ومياه النيل، بورخيس الرّحالة الذي لم يكن ليعنيه أكثر ممّا هو استحضارٌ لقراءاته، سيثبّت كلّ شيءٍ في مخيّلته أو في كتبه وقصائده أو حتّى سيعلّقها حوله في أماكن جلوسه كصفحةٍ من ألف ليلة وليلة وصفحةٍ من الكتاب المقدّس هنا أو صفحةٍ من هوميروس وأخرى من فرجيل هناك.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="454" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/4758677981.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p>عالم بورخيس بكليّته كان لفظيّاً، نادراً ما داخلته موسيقى أو لون وشكل، هو ذاته اعترف مرّات عديدة أنّه وبقدر ما كان الفنّ التّصويريّ مبعث اهتمامٍ بالنّسبة له، كان هو فيه دائماً أعمى، حتّى إعجابه بأعمال صديقه خول سولار وأعمال أخته نورا وكذلك دورير وبيرنيسي وبليك ورامبرنت وتيرنر، كان كلّه إعجاباً أدبيّاً وليس أيقونيّاً، أيضاً بدا أصمّاً تجاه الموسيقى، قال أنّه أعجب ببرامز لكنّه قلّما استمع إلى موسيقاه، وبالنسبة للأفلام كان يتذكّر الموسيقى التي رافقت أفلاماً محدّدة، لكنّه كان يوليها اهتماماً أقلّ من اهتمامه بحكاية الفيلم.</p>
<p>علاقة مانغويل ببورخيس تظهر بجانبٍ منها في رمزيّة سرد مانغويل لزيارات صالات السينما التي كانا يقومان بها، بورخيس في الغالب سيكون قد شاهد الفيلم سابقاً أو أنّ أحداً رواه له بالتّفصيل بعد عماه، مانغويل يراقب تفاصيل بورخيس متجاهلاً الفيلم، بين الفينة والأخرى سيتظاهر بورخيس أنّه يستطيع رؤية ما يحدث على الشّاشة وحتّى سيعقّب على مدى إتقان مشاهد المعارك بين العصابات أحياناً كما على تناسق الألوان وجمال نساء الفيلم في أحيانٍ أخرى، مانغويل سيسجّل حياة بورخيس في ذاكرته كفيلمٍ كثيف التّفاصيل، ثمّ سيخرجان للمشي سويّةً نحو البيت وفي داخل كلّ منهما فيلمه الخاص.</p>
<p>بورخيس أيضاً يبدو مرّاتٍ مراهقاً شاعرياً فائض العواطف قرب مانغويل الذي يراقبه بهدوء عشيقٍ سريّ، يحكي مانغويل أنّ بورخيس سأله مرّة إذا كان يستطيع مرافقته لحضور الفيلم الموسيقيّ "قصّة الجّانب الغربيّ" من بطولة ناتالي وود وجورج شاكيريس، كان قد حضره مرّات عديدة ولم يبد أنّه سيملّ منه أبداً، في الطّريق كان بورخيس يدمدم "ماريا" ويقدّم ملاحظةً عن مدى صحّة قول أنّ اسم المعشوق يتحوّل من اسم بسيطٍ إلى منطوقٍ إلهيّ: بياتريس، جولييت، لسبيا، لورا، ثمّ يضيف بعدئذٍ: كلّ شيء يصبح مبقّعاً بذلك الاسم.</p>
<p>مرّةً أجهش بورخيس بالبكاء في نهاية فيلم "ملائكة بوجوهٍ قذرة" عندما يظهر خوف جيمس كاغني أثناء اقتياده إلى الكرسيّ الكهربائيّ وبذلك فإنّ الصّبية الذين ألّهوه لن يرفعوا أنظارهم إليه بعد الآن. ثمّ، واقفاً على حدود البامباس، المشهد الذي قال عنه أنّه أثّر في الأرجنتينيين ما أثّر مشهد البحر في الإنكليز، تدحرجت دمعة على وجنته وتمتم: "Carajo, la patria- بعد الله، يا وطني". بكى عندما قرأ بيت شعرٍ لكاتب أرجنتيني منسيّ هو مانويل بيرو لأنّه ذكر شارع نيكارغوا، الشارع القريب من المكان الذي ولد فيه بورخيس، وتلذّذ بتلاوة أربعة أبياتٍ لروبين داريو:<br />
البجعة تعوم ثمّ تعوم على البحيرة الهادئة<br />
ذلك أنّ في الأحلام ينتظر أولئك التّعساء<br />
حيث جندول ذهبيّ يرسو منتظراً<br />
عروس لودفيغ البافاريّ.</p>
<p><span style="color:#ff0066"><strong>"</strong><strong>كم</strong><strong> </strong><strong>هو</strong><strong> </strong><strong>مؤسف</strong><strong> </strong><strong>أنّك</strong><strong> </strong><strong>لم</strong><strong> </strong><strong>تولد</strong><strong> </strong><strong>نمراً</strong><strong>"</strong></span></p>
<p>مانغويل، الكتبيّ، الطّفل الذي بالصّدفة دخل بيت العملاق، تظهر عاطفته المتوقّدة كقارئ لبورخيس-المتخيّل في رأسه كما الواقعيّ- في التقاطه خيبات الآمال أمام مكتبة بورخيس الفقيرة وهو الذي أسمى الكون مكتبةً بل وتخيّل الفردوس على شكل مكتبة والجّحيم -منتقداً إل غريكو حينها-فردوساً يشبه الفاتيكان مليئاً بالدّوقات والمطارنة، ربّما لأنّه أدرك كما قال مرّةً أنّ اللغة تقلّد الحكمة وحسب.</p>
<p>ماريو فارغاس يوسا اعتاد زيارة بورخيس أواسط الخمسينيّات، علّق مرّةً على المحيط المفروش متسائلًا لماذا لا يسكن هذا المعلّم منزلاً أكثر اتّساعاً وفخامة، ليردّ بورخيس على "أحمق البيرو" حسب وصف مانغويل قائلاً: ربّما كانت تلك الطّريقة التي يتعاملون فيها مع الأمور في ليما، لكنّنا هنا في بيونس آيريس لا نهوى التّفاخر.</p>
<p>ذات مرّة، أثناء وجود مانغويل في بيت بورخيس، أحضر ساعي البريد طرداً كبيراً يحتوي على طبعةٍ فاخرةٍ من قصّة بورخيس "المؤتمر" المنشورة في إيطاليا حينها من قبل فرانكو ماريا ريتشي، الكتاب الضّخم تمّ تجليده بعنايةٍ وتغليفه بعلبةٍ من الحرير الأسود مع أوراق فابريانو زرقاء طبع عليها بالذّهب وامتلأت بالرّسوم التأمليّة المشغولة يدويّاً على طراز فنّ التانتريك في الثقافتين الهندوسيّة والبوذيّة، طلب بورخيس من مانغويل أن يصف له الكتاب، ثمّ بعد أن أصغى بانتباهٍ صرخ بقوّة: هذا ليس كتاباً بل علبة شوكولا!، وأهداه لساعي البريد المرتبك.</p>
<p>بورخيس المشاكس كانت أيضاً شخصيّةً حاضرة قرب ظلّها الشّفيف مانغويل، هو مثلاً وعلى الرّغم من تقدّم سنّه وعمى بصره لم يكن بحاجةٍ إلى نسخٍ من كتبه التي ألّفها والتي كان يتذكّر كلّ شيء بها لا بل يقوم مرّات بسردها وتصحيحها وتعديلها في ذاكرته، النّسيان بالنّسبة له كان أمنيةً طال تكرارها مع إدراكه أنّها أشبه بالمستحيل، أمّا التّناسي فهو التّصنّع الذي يفعله ليراقب ما استطاع من انشداه ونشوة سامعيه، كأن يقول لصحفيّ أنّه لم يعد يتذكّر أعماله الأولى فيستشهد الصّحفي بها محاولاً مداهنته بسطرين من قصائده ليصحّح بورخيس الاستشهاد الخاطئ بهدوءٍ متابعاً قول القصيدة حتّى النهاية.</p>
<p>قصّته "استعارة طويلة للأرق" هي أيضاً حسب قوله استعادةٌ لذاكرته التي لا تلين ككومة القمامة التي يمدّها دائماً بالجّديد ولا ينظّفها أبداً، الذّاكرة كلّها بالنسبة إليه هي إعادة قراءة، إنّه يتذكّر أغاني التانغو، قصائداً قديمةً لشعراء ماتوا منذ زمن بعيد، نتفاً من حواراتٍ وكلماتٍ على صور، أحجيات من سطرٍ وحيدٍ ومطوّلات قصائد إنكليزيّة وألمانيّة وإسبانيّة وبرتغاليّة وإيطاليّة، أبياتاً من ملاحم الشّمال، حكايات عن ناس التقاهم ومقاطع من فرجيل. يقتبس من الأوديسّة كي يفسّر ذلك: "تحوك الآلهة للإنسان المحن كي يكون للأجيال القادمة ما تغنّي عنه".</p>
<p>معظم روّاد الكتابة بالإسبانيّة أقرّوا أنّهم مدينون لبورخيس، من غابريل غارسيا ماركيز إلى خوليو كورتاثار ومن كارلوس فوينتس إلى سيفيرو سارودي، أيضاً الرّوائي الأرجنتينيّ موخيكا لاينث الذي كتب عنه:<br />
إلى شاعرٍ شاب،<br />
لن يجديك أن تتبنّى فكراً ما يتطلّع إلى الأمام،<br />
لأنّك حتّى لو كتبت كمّاً مهولاً،<br />
سيكون بورخيس قد سبقك إلى كتابتها.</p>
<p><span style="color:#ff0066"><strong>"</strong><strong>أكثر</strong><strong> </strong><strong>واقعيّة</strong><strong> </strong><strong>بقليل</strong><strong>"</strong></span></p>
<p>الحسّ المرهف لدى مانغويل لعبثيّة بورخيس ودعاباته اللاذعة أيضاً كان رؤيةً واضحةً أنّ بورخيس الذي يهوى النّقاشات جميعها كان نافذ الصّبر تجاه الغباء، وهو الذي قال مرّةً بعد اجتماعٍ خاصّ مع أستاذٍ جامعيّ فارغ حسب وصف مانغويل: أفضّل أن أتحدّث إلى قاطع طريقٍ ذكيّ. في الأرجنتين هنالك على الدوام ميلٌ لدى الناس للنّقاش كأنّهم يترجمون حيواتهم إلى كلماتٍ يتبادلونها، أحبّ بورخيس نقاش كلّ شيءٍ حتّى خلال تناول وجبات الطّعام التي لم تكن لتلهيه بأصنافها وجودتها عن الحديث مع الأشخاص حوله، كان يؤمن أنّ في وسع أيّ إنسانٍ أن يختبر ما اختبره إنسان آخر.</p>
<p>"حياتنا ليست فردانيّة على الإطلاق"، يقول مانغويل، بما أراه تأثّراً شديداً ببورخيس. مانغويل قارئٌ ممتاز لكتب بورخيس وناقدٌ أصيلٌ لها، من مرحلة الغنى الباروكي في واحدٍ من أوائل كتبه وهو إيفارستو كارييغو، إلى النّبرة المقتضبة في قصصٍ مثل الموت والبوصلة والرّجل الميّت، يرى مانغويل أنّ بورخيس شيّد لبيونس آيريس الإيقاع والميثولوجيا اللذين من خلالهما عرفت المدينة بعد أن أوحت لفترةٍ بالالتباس والبهوت رغم كونها مدينةً مرموقةً للفكر والثّقافة، لكنّها احتاجت كغيرها إلى خيالٍ أدبيّ يرقى بها إلى ما يتجاوز الواقع، توحي بيونس آيريس الآن بمزيدٍ من الواقعيّة لأنّها تحافظ على بقائها ضمن صفحات بورخيس وهو ابنها المتجذّر الذي استمدّ من وراء سياج حديقة منزل عائلته في محيط باليرمو قصصاً وقصائداً لما أسماهم المتغطرسون، وهم قطّاع الطّرق المحليّون الذين رأى فيهم الشّعر والكفاح في عالمٍ سفليّ ومن حيواتهم المتواضعة كان يسمع أصداء الإلياذة وملاحم الفايكنغ القديمة، هكذا وحسب وصف مانغويل: بيونس آيريس البورخيسيّة هي المركز الميتافيزيقيّ للعالم.</p>
<p>بورخيس، حسب قارئه وصديقه مانغويل، توجّب دائماً أن يكون فردانياً، لا قوميّاً، بلا جماعةٍ أو مدرسةٍ أو فكر، توّاقاً لأدبٍ كلّ كتاباته مرئيّة كإبداعات الرّوح ذاتها كما كان يقول محتجّاً: في الجامعة لا ندرس الأدب بل تاريخ الأدب. مع ذلك فقد غيّر بورخيس الأدب إلى الأبد، بعد المجاهرة بأنّ القارئ وحده هو من يمنح الحياة للأعمال الأدبيّة، وأنّ الأدب هو فقط إبداع المؤلّف لنظريّةٍ مستحيلة، هكذا فإنّ هناك قراءاتٍ لنصّ واحدٍ بعدد قرّائه، متنوّعة تنوّع ألوان الطاووس، وليس ما فعله بورخيس إلّا أن وضع القوانين لنسق ألوان هذا الطاووس.</p>
<p>تطلّع بورخيس إلى النّهاية، قال أنّه لم يستطع فهم أونامونو الذي كتب أنّه توّاقٌ للخلود: "الشّخص الذي يتوق إلى الخلود لابدّ أن يكون مجنوناً، أليس كذلك؟"، أيضاً أضاف: "لا أريد أن أموت في لغةٍ لا أستطيع فهمها". مات في الرابع عشر من حزيران عام ۱۹۸٦ في جنيف، المدينة التي اكتشف فيها هايني وفيرجيل وكيبلغ ودي كوينسي، كان آخر كتابٍ قرئ له هو هاينرش أوفتردنغن لنوفاليس، وهو الكتاب الأوّل الذي قرأه في جنيف أيّام مراهقته.</p>
<p>بترجمةٍ ممتازة من أحمد م.أحمد وعن دار الساقي عام ۲۰۱٥ صدر "مع بورخيس"، المذكّرات التي حسب "الرّجل المكتبة مانغويل" هي مذكّرات المذّكرات التي قد تحرّضها وقائعٌ وصورٌ وكلماتٌ بسيطة حتّى يصير هو ذاته مانغويل غير متأكّدٍ حدّ اليقين أنّها حدثت فعلاً كما هي في ذاكرته، ثمّ سيذكر ما كتب بورخيس في شبابه: "تحّرضني حكمٌ صغيرةٌ تضيع أدراج الرّياح مع كلّ موت".</p>
<p>يمكن للكاتب أن يأمل الرّضا بإيصال امرئٍ واحدٍ على الأقلّ إلى خاتمةٍ لائقة، لا؟<br />
ينهض بورخيس مرافقاً صديقه مانغويل حتّى الباب، يقول دون أن ينتظر ردّاً: "ليلة سعيدة، إلى الغد، أليس كذلك"؟، ثمّ يطبق الباب بهدوء.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20017">مانغويل قارئاً لبورخيس</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>امنحنا قليلاً من &quot;راحة بالك&quot; يا مانغويل!</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20016</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عمار المأمون]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 25 Mar 2020 13:30:07 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%85%d9%86%d8%ad%d9%86%d8%a7-%d9%82%d9%84%d9%8a%d9%84%d8%a7%d9%8b-%d9%85%d9%86-%d8%b1%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%83-%d9%8a%d8%a7-%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%ba%d9%88%d9%8a%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>عام 1957، في لقاء تلفزيوني مع الكاتب والطبيب الفرنسي المتعاون مع النازيّة لوي فيردينياند سيلين، سأل المذيع سيلين، إن كان يتوقع أن كتابه الأول "رحلة في أقاصي الليل-1932" سيحوله إلى كاتب إشكالي في فرنسا، فيجيب سيلين بأنه دخل عالم تأليف الكتب، دون رغبة بأن يصبح مشهوراً، أراد فقط أن يكسب بعض النقود الإضافيّة كي يشتري [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20016">امنحنا قليلاً من &quot;راحة بالك&quot; يا مانغويل!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl">عام 1957، في لقاء تلفزيوني مع الكاتب والطبيب الفرنسي المتعاون مع النازيّة لوي فيردينياند سيلين، سأل المذيع سيلين، إن كان يتوقع أن كتابه الأول "رحلة في أقاصي الليل-1932" سيحوله إلى كاتب إشكالي في فرنسا، فيجيب سيلين بأنه دخل عالم تأليف الكتب، دون رغبة بأن يصبح مشهوراً، أراد فقط أن يكسب بعض النقود الإضافيّة كي يشتري شقة صغيرة، فحياته كطبيب فقط أصبحت مستحيلة، وهو دوماً بوجه صعوبات ماديّة، يتضح منطق سيلين "المهنيّ" و"الأنانيّ" لاحقاً، حين نكتشف أنه قام بالتبليغ عن أحد الأطباء اليهود الأجانب، وذلك كي يأخذ منصبه في أحد المستوصفات، وهذا ما حصل، إذ تم ترحيل الطبيب لمعسكر الاعتقال إثر بلاغات سيلين المتتالية.</p>
<p dir="rtl">في كتابه "ذاكرة القراءة: مرثاة وعشرة استطرادات" الصادر عام 2018، عن دار الساقي بترجمة جولان حاجي، يُخبرنا الأرجنتيني ألبيرتو مانغويل في واحدة من "استطراداته" عن صورة الكاتب المُتعب، الفقير، المعذب، اللاجتماعي وكاره الآخرين، ويرى أنها صورة توارثتها المخيّلة الثقافيّة واتفقت عليها دون أن تكون بالضرورة صحيحة.</p>
<p dir="rtl">لكن، لا بدّ من الإشارة إلى وجود شرط طبقيّ يخضع له الكتّاب يرتبط بمرحلة القراءة والكتابة، تلك الساعات الطويلة من الجهد "العدمي" و"المجاني" الذي قد ينتهي بـ"كتاب" أو قد لا ينتهي بشيء، ولا نتحدث هنا عن المتسرعين والمتصفحين والضائعين في صفحات الانترنيت، بل أولئك "القرّاء" حسب مانغويل، الذين فعلاً يحاولون أن يمتهنوا "القراءة"، لا الكتابة.</p>
<p dir="rtl">هذا الاختلاف الطبقيّ يظهر غامضاً في كتاب مانغويل الذي يفصح لنا فيه عن علاقته مع مكتبته الشخصية ذات الـ35 ألف كتاب، وكيفية توضيبه للكتب من أجل الانتقال من فرنسا إلى مانهاتن في الولايات المتحدة، إذ يخبرنا عن علاقته الماديّة مع الكتب/ أصدقائه وما يعيد إليه كل واحد منها من ذكريات، بعكس بورخيس، الذي لم يمتلك سوى بضعة مئات من الكتاب، كونه يعتمد على ذاكرته فيما يكتب، لا على ما يمتلكه من كتب.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="431" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/zakerat-alqeraa-2_Fotor-2.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">نطرح هذه المفارقة لا غيرةً بل غبطةً، فمانغويل، المتأني كما يظهر في الكتاب، سيّد لزمنه ومشرّع لروتين القراءة الذي كانت نتيجته امتلاك مكتبة عملاقة وقراءات موسوعيّة، والاستطرادات العشرة في الكتاب تكشف لنا عن هيمنة مانغويل على زمنه الشخصي، كم هائل من الحكايات والسياقات المختلفة تتراكم ضمن كل استطراد لتكشف لنا عن علاقة مانغويل مع المكتبة ومع الكتابة نفسها، تشبيهات وحكايات قصيرة وحكم وآراء تدفعنا للحاق بكل واحدة منها وقراءة الكتاب الذي حوته، وربما هذا جزء من خدعة يوقعنا بها، إذ يعترف بداية أنه لا يمتلك منهجاً للكتابة عن المكتبات، بل تسوقه الأفكار والاقتباسات بعيداً عن البداية الصلبة المتماسكة، ويتداعى منهج الكتاب الواضح على حساب كل استطراد، وكأنه يقول لنا، إن أعجبك ما قرأت ابحث في مكتبة ما عن الكتاب الذي اقتبست منه هذه الحكاية.</p>
<p dir="rtl">لكن، الخدعة السابقة تنكشف أمامنا حين ننتهي من الكتاب، الذي هو أشبه بفروع شجرة تقودنا نحو جذور لا نهائيّة، فالمكتبة ضد النسيان، ومدرسة للمواطنة، المكتبة علامة عجز البشريّة عن إدراك الكمال، في ذات الوقت، هي مُحرّك استمرارها، وهنا تتضح تقنيّة مانغويل، التي تشبه ما يسمّى الـ"Copia"، فن الكتابة الذي أشتهر به إراسموس الروترادميّ، الذي يمكن وصفه بأنه تمرين إبداعي على إعادة كتابة نصوص مكتوبة مُسبقاً وتقديماً بشكل جديد، لخلق علاقات جديدة بينها وتكوينها بصورة مختلفة، هو فنّ المعلّمين وتمرين الطلاب، وأسلوب لتشكيل الموضوع بصورة جديدة بالاعتماد على تاريخه الأدبيّ والثقافيّ، هو فن الكتابة عن الكتابة.</p>
<p dir="rtl">أن تستطرد، يعني أن تمتلك الزمن الكافي لتترك العنان لأفكارك، وتبحث بعيداً مُحتفلاً بالطريق وما تخفيه الصفحات من اكتشافات، لكن هل سنتابع ونتقصى وراء كل اقتباس وحكاية ذكرها مانغويل؟ ربما. هل يبهرنا أسلوبه وبناءه لاقتباساته من عالم الكتب ؟ نعم. هل نشعر بالغيرة من عدد الكتب التي لديه؟ نعم، لكن راحة البال هي أكثر ما يثير الغيظ، لا تفكير بأجرة المنزل يتخلل حديثه عن مكتبته، لا ذِكر لمصاريف الشحن، لا إشارات واضحة إلى أسعار الكتب، بل استطرادات تثير الغيرة، سببها الوقت الكافي لقراءة معاجم وكتب ومكتبات بأكملها باتزان وهدوء.</p>
<p dir="rtl">لنناكف مانغويل قليلاً، ونستفيد من سرعة الوصول إلى المعلومات التي توفرها الانترنت وننسخ ونلصق الاقتباس التالي الذي لم نتأكّد أنه لجيمس جويس: "الحياة أقصر من أن نقرأ كتاباً سيئاً"، مانغويل يختلف مع هذه الفكرة، الكتب الرديئة مهمة كي نتعلم منها ونقتبس منها لاحقاً مثالاً عن "كتاب رديء". </p>
<p dir="rtl">نحن "مُستهلكي" مئات الغيغابايتات من ملفات الـPDF، والمحكومين بـ"إيقاع العصر"، لا نكره الكتاب الورقي، لكن نفضل سهولة الوصول إلى ما نريد ببضعة لمسات، لأننا لا نمتلك وقتاً للاستطراد والبحث المضني، لا لأننا كسالى ولا لأننا مستهلكين، بل لأن امتهان "الكتابة" أو "القراءة" بشكل جدّي يعني أننا لن نمتلك أبداً ثمن منزل، سننتظر الجوائز والمنح ومزاجها السياسيّ كيّ "نتفرّغ"، أو ستبتلعنا دوّامة الصحافة الثقافيّة ومفاوضات ثمن "القطعة"، نحن نقرأ الكتب الرديئة في الكثير من الأحيان لا للاستطراد أو تعلم اجتناب أسلوبها، بل لإتمام عدد "القطع" التي يجب أن نكتبها كل شهر.</p>
<p dir="rtl">لا يمكن الاختلاف حول ما يقوله مانغويل، المستكشفين الغزاة حملوا مكاتبهم وتخيلاتهم إلى العالم الجديد ودمّروا تقاليده، الطغاة أحرقوا المكاتب ونفوا الشعراء والكتّاب، لكن، في ظل ديكتاتوريات وطنيّة لم تنهار بعد، العدالة والمواطنة قيم ما زالت بعيدة، لتكون المكتبة "مدرسة للمواطنة" والعيش المشترك، حياتنا اليوميّة المهددة لا يمكن أن تترك للفرد زمناً ليقرأً، أو حتى يكتب، القراء والكتاّب مهددون من قبل غيلان السلطة، مانغويل نفسه اختبر ذلك مع محاولة منعه من دخول تونس، هناك جغرافيات لا راحة للبال فيها، محكومة بشرط اقتصاديّ يهدد الاستطراد، ويحول الكتابة إلى عناء جسدّي. تخبرنا آنا غريغوريغنا زوجة فيودور دوستيوفسكي في مذكراتها -التي لا أمتلك نسخة ورقيّة عنها- أن زوجها الذي تصيبه نوبات صرع ويحب القمار، أملى عليها "المقامر" في 26 يوماً سداداً لديونه التي بقيت تلتهمه حتى موته.</p>
<p dir="rtl">لا نحاول الحديث عن آلام الكتاب، ولا تبنّي الصورة المتخيّلة التي تحدث عنها مانغويل، لكن نكتب ونقتبس و"نستهلك" غيرةً من الوقت، وراحة البال، والرغبة بـ"الاستطراد" التي يمتعنا بها مانغويل. أكتب من رغبة بمطابقة الصورة التي يظهر فيها هو، هادئاً، محاطاً بالكتب، يمتلك الوقت الكافي ليسرح بعيداً بحثاً عما كانت تحويه مكتبة الاسكندريّة من مخطوطات.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20016">امنحنا قليلاً من &quot;راحة بالك&quot; يا مانغويل!</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>لنفرض على الكاتب مصائر أبطاله... مانغويل يعاقب ستيفنسن بمأساة جيكل وهايد</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20014</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[أحمد مجدي همام]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 24 Mar 2020 11:22:28 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[ألبرتو مانغويل]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b1%d8%b6-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a7%d8%aa%d8%a8-%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a3%d8%a8%d8%b7%d8%a7%d9%84%d9%87-%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%ba%d9%88%d9%8a%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>الهجرة إلى المحيط الهادي في يونيو من العام 1888 استأجر الكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسن (1850 – 1894) يختًا ليقله هو وعائلته من سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية إلى جزيرة ساموا في جنوب المحيط الهادي، حيث اعتاد الكاتب الاسكتلندي على التطواف في البلاد بحثًا عن الأجواء الدافئة والحارة التي تساعد رئتيه المريضتين بالسل على [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20014">لنفرض على الكاتب مصائر أبطاله... مانغويل يعاقب ستيفنسن بمأساة جيكل وهايد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">الهجرة إلى المحيط الهادي</span></strong></p>
<p dir="rtl">في يونيو من العام 1888 استأجر الكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسن (1850 – 1894) يختًا ليقله هو وعائلته من سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية إلى جزيرة ساموا في جنوب المحيط الهادي، حيث اعتاد الكاتب الاسكتلندي على التطواف في البلاد بحثًا عن الأجواء الدافئة والحارة التي تساعد رئتيه المريضتين بالسل على أداء وظيفتهما. وسبق له زيارة بلجيكا وفرنسا والولايات المتحدة ونشر أكثر من نص في أدب الرحلات، قبل أن يزور 33 جزيرة في سفرته البحرية من سان فرانسيسكو إلى المستعمرة البريطانية ساموا، في رحلة استغرقت 4 شهور كاملة، وانتهت باستقرار ستيفنسن ووالدته وزوجته فاني أوزبورن وولديها في ساموا. حيث لن يغادرها ستيفنسن أبدًا، بعدما وجد فيها ضالته، جنته التي ستعينه على الاستمرار في الحياة والتنفس، والتي ستفتنه بألوانها الزاهية وثقافة أهلها الطيبين وتقديرهم له بوصفه "راوي حكايات" أو "توسيتالا" كما ترد في اللغة المحلية للسامويين.</p>
<p dir="rtl">في العام 2000 نشر الكاتب الكندي أرجنتيني الأصل ألبرتو مانغويل (1948) روايته "ستيفنسن تحت أشجار النخيل"، والتي صدرت ترجمتها العربية عن دار الساقي في بيروت في 2017 بتوقيع المترجم والشاعر السوري جولان حاجي.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">عقاب للهائمين تحت أشجار النخيل</span></strong></p>
<p dir="rtl">تتكئ الرواية القصيرة "ستيفنسن تحت أشجار النخيل" على حالة من التناص، لا مع الرواية الأشهر لستيفنسن: "الحالة الغريبة لدكتور جيكل والسيد هايد" الصادرة في 1886، بل وتقتبس من حياة ستيفنسن ذاته، عبر إحالات وغمزات عدّة، استخدمها مانغويل بين السطور، لإضفاء قدر كبير من المصداقية على روايته عن الروائي الاسكتلندي الذي حدد منفاه الاختياري في ساموا وتشبّث به حتى الموت.</p>
<p dir="rtl">قبل أن يكتب ستيفنسن "الحالة الغريبة لدكتور جيكل والسيد هايد" كان يمر بضائقة مالية، وقد أشار عليه ناشره بتأليف "قصة مرعبة تُباع بشِلِن"، لنشرها في موسم أعياد الميلاد المرتبط بالقصص الخرافية، لتخرج هذه التحفة الفنية الخالدة.<br />
<img loading="lazy" decoding="async" alt="" height="449" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/imagerepository_Fotor1.jpg" style="float:left" width="300"></p>
<p dir="rtl">في الرواية التي باتت تُعرف شعبيًا باسم "دكتور جيكل ومستر هايد"، التقط ستيفنسن فكرة إنسانية وفلسفية رهيفة متمثلة في التمازج بين الخير والشر داخل الإنسان، ومن ثم طرح سؤال جدلي حول إمكانية الفصل بين الخير والشر المتمازجين في النفس البشرية عن طريق عقار صنعه دكتور جيكل، ما ينتج عنه خلق شخصية السيد هايد الشرير، الذي سيأخذ في التضخم والتعملق حتى يسيطر على حياة جيكل.</p>
<p dir="rtl">حققت الرواية عند صدورها صدى مذهلًا وصل إلى أن الملكة فيكتوريا (1837 – 1901) ورئيس وزرائها قرآها وأثنيا عليها، وباعت في الأشهر الستة الأولى منذ صدورها قرابة الأربعين ألف نسخة، وباتت جملة مثل "جيكل وهايد" مثلًا شعبيًا للتدليل على الشخص ذي الوجهين الذي يجاهر بالخير ويضمر الشر. </p>
<p dir="rtl">اختار ألبرتو مانغويل توظيف كل هذا الزخم في روايته "ستيفنسن تحت أشجار النخيل"، واستهلها باقتباس من "الأنساب المختارة" للألماني غوته: "ما من أحد يهيم تحت أشجار النخيل ويفلت من العقاب".</p>
<p dir="rtl">وعقاب ستيفنسن يحدث بعد أن ينبثق قرين لستينفسن نفسه، مثلما انبثق هايد من داخل أغوار الدكتور جيكل. وكان قرين ستيفنسن هنا رجل دين اسكتلندي متعصب اسمه السيد بيكر. كان ستيفنسن يحظى بمكانة كبرى في ساموا، فبين الأهالي هو راوي الحكايات "توسيتالا"، وعند هؤلاء البدائيين الطيبين كانت الحكايات ومعقوليتها وتسلسلها المنطقي وسيلة لاستيعاب أي شيء وتصديقه. أما بين الجالية الأوروبية في الجزيرة فقد كان ستيفنسن أحد الكتّاب المرموقين أصحاب الحظوة. كان الوضع هكذا حتى ظهر السيد بيكر، الشبحي، الذي لا يراه أحد إلا ستيفنسن نفسه، إذ جرت العادة أن يلتقيه صدفة بين الحين والآخر أثناء تنزهه قرب الشاطئ، وعندما استقصى ستيفنسن من سائقه سوسيمو عنه أكد له هذا الأخير عدم وصول أي مبشرين أوروبيين إلى الجزيرة.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color:#ff0066">جرائم لا إرادية</span></strong></p>
<p dir="rtl">تتحول حياة الأرخبيل الهانئة التي يحياها ستيفنسن وعائلته إلى جحيم، ويبدأ ذلك عندما تقع سلسلة من الجرائم في الجزيرة الهادئة، تبدأ بمقتل مراهقة محلية شديدة الجمال بعد تعرضها للاغتصاب، بخلاف الحريق الذي يندلع في إحدى الحانات، وكان العامل المشترك بين الجريمتين هو ستيفنسن نفسه، إذ يُعثر على قبعته في مسرح الجريمة الأولى، بينما يُرى أثناء دخوله للحانة التي توهم أنه دخل إليها لمجادلة قرينه السيد بيكر في أفكاره المتطرفة، قبل أن تتضح الحقيقة المستنسخة من "دكتور جيكل والسيد هايد".. لم يعد هناك ستيفنسن واحد، بل صار اثنين، ستيفنسن وبيكر، مقابل جيكل وهايد، الخير والشر، الإعجاب في العلن والنهش في الخفاء، حياة تحت الأضواء وأخرى في الأغوار السحيقة. إنها النفس البشرية بعد تحليل لونها الرمادي وفصله إلى عنصريه الأوليين: الأبيض والأسود، مع السماح لكل واحد منهما بالنمو في مسار مستقل.</p>
<p dir="rtl">لقد اختار ألبرتو مانغويل، لروبرت لويس ستيفنسن، أن يتجرع من نفس الترياق الذي أعده وخلق به مأساة دكتور جيكل والسيد هايد، فرض عليه مصائر أبطاله – أبطال ستيفنسن نفسه – وحقنه بالترياق الذي شربه دكتور جيكل ليتحول إلى السيد هايد، وهكذا تكاثر الاسكتلندي انشطاريًا وتحول إلى ستيفنسن وبيكر، ستيفنسن الوديع المريض الموهوب والمحب، وبيكر المتزمت القاتل الشهواني اللامنطقي. وفي سبيل تمرير هذه الالتواءة القدرية العجيبة، طعّم مانغويل حكايته بقطع مقتبسة من السيرة الحقيقية لروبرت لويس ستيفنسن، وبالإحالات التناصية التي أشرنا لها سابقًا. فقد اعتمد صاحب "تاريخ القراءة" على الكثير من الوقائع المثبتة في حياة ستيفنسن، ونهل من مراسلاته مع هنري جيمس وأندرو لانغ وغيرها من المراجع المثبتة، ثم جاء إقحامه للجانب الكابوسي الخفي من ستيفنسن والمتمثل في السيد بيكر ليخلط الحقائق ويعجنها في عالم شبحي أثيري ذوّب ركائز الواقع، ليخرج بالنص إلى هذه الحالة البلورية الدخّانية المذهلة. </p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20014">لنفرض على الكاتب مصائر أبطاله... مانغويل يعاقب ستيفنسن بمأساة جيكل وهايد</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-30 00:07:48 by W3 Total Cache
-->