<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>عبدالله البياري - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/author/15rommanmag-com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/15rommanmag-com</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Fri, 07 Aug 2026 15:16:14 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>عبدالله البياري - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/author/15rommanmag-com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>سياسات الذاكرة والتذكر بين النكبة والإبادة (إبراهيم نصر الله نموذجا)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38568</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 12 Jun 2026 06:15:14 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38568</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38568">سياسات الذاكرة والتذكر بين النكبة والإبادة (إبراهيم نصر الله نموذجا)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"تُعنى الفاجعة بكل شيء" </span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"ليست الفاجعة معتمة، ولكن الفاجعة مجهولة، وهي الاسم المجهول الذي يثنينا عن تفكره في الفكر ذاته، ويبعدنا بالدنو. ويظل وحيدا كي يتعرض لفكرة الفاجعة التي تعطل العزلة وتتخطى كل أنماط الفكر، من قبيل اليقين الشديد الذي يأتي من الخارج صامتًا فاجعًا"</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">- كتابة الفاجعة، موريس بلانشو</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>مدخل أول</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ماذا تعلمنا من السردية الفلسطينية؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ماذا تعلمنا من المأساة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في حرب الإبادة الإسرائيلية على كل ما هو فلسطيني وعربي، وفي نكبة وصفها البهي الراحل إلياس خوري بالمستمرة، ماذا تعلمنا من النظر إلى سرديتنا الآن وهنا؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحزن لفظة باذخة المعاني، ولكنها بَكماء في حضور هذه الإبادة الممتدة تجاه فلسطين والفلسطينيين والفلسطينيات، وما اختيارها لوصف عطب النظر إلى الفاجعة بعين الأدب والفن والسينما، إلا قيد على هذا البذخ، واختزال للمعنى الحزين فيه. وصف موقف الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله في بيانه الصادر عن "مكتبه" (!!) بالحزن إنما هو قيد على استيعاب تداعيات الأمر، لعل الوصف الأدق في طبقته التالية على الحزن هو: البؤس: موقف بائس حزين تجاه سردية وجودنا، وتمثلاتها في الفنون، وحقنا فيها!</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>مدخل ثانٍ</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كيف يمكننا فهم ملامح ثقافة (ما) لجماعة (ما)، حين تفتقر تلك الجماعة لوحدة جغرافية سياسية واحدة ذات قاعدة اقتصادية اجتماعية منتجة تمثلها، كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين والفلسطينيات؟ وكيف يمكن الحديث عن "ثقافة وطنية" -بقدر ما تحمله كلمة "وطنية" من إشكالات- في حالة شعب جرى تفكيك فضائه الاجتماعي وتوزيع مكوناته بين المنفى واللجوء والاحتلال والاستعمار الاستيطاني؟ لعل هذه الإشكالية هي ما منح الجماعة الفلسطينية خصوصيتها التاريخية، ودينامية التكوين الاجتماعي لها. فالجماعة الفلسطينية لم تتشكل، كما تشكلت جماعات حديثة كثيرة، داخل دولة قومية مركزية أو مجال جغرافي وطني موحد أو فضاء سياسي مستقر. بل تشكلت، إلى حد بعيد، من خلال الثقافة ذاتها؛ من خلال شبكة واسعة من تبادلات وتفاوضات الرموز والسرديات والاستعارات والمخيالات التي عملت بوصفها وسيطًا جامعًا بين أجزاء جماعة جرى تفكيكها جغرافيًا وسياسيًا، وموضعتها على هوامش مجتمعات أخرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، لم تكن الثقافة الفلسطينية مجرد انعكاس لوجود وطني سابق عليها، بل كانت أحد الشروط الأساسية لإنتاج هذا الوجود نفسه وضمان استمراره. فكانت، عبر عقود طويلة، الإطار المرجعي الذي حافظ على الحد الأدنى من وحدة الجماعة الفلسطينية. والإطار الحاوي لعمليات إنتاج المعاني التي جعلت الفلسطينيين يتعرفون إلى أنفسهم بوصفهم جماعة تاريخية واحدة، رغم اختلاف شروط حياتهم وتجاربهم السياسية والاجتماعية، باختلاف مواقعهم وسياقاتهم، بل وحتى اختلاف وتنوع سردياتهم. وهذا الإطار الثقافي بقدر ما يبدو ظاهريًا، قائم مستقلًا عن الإطار السياسي كما هو الحال في الطور الأخير من تشكيلة الاقتصاد السياسي والاجتماعي للرأسمالية (Hardt, M. &amp; Negri, A 2001) إلا أن ثمة علاقة رفد بين الإطارين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقد تبدو تجربتا منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية استثناءً لهذه القاعدة، بوصفهما محاولتين لبناء مركز سياسي جامع للفلسطينيين. غير أن مسار هاتين التجربتين يكشف، بدرجات مختلفة، حدود هذا المركز نفسه. فبدلاً من أن تتحول المؤسسات السياسية إلى فضاء جامع للجماعة الفلسطينية، أعادت إنتاج أشكال جديدة من التهميش والإقصاء. ومع الزمن، تآكلت قدرة هذه المؤسسات على لعب دور المرجعية الوطنية الجامعة، سواء نتيجة الارتهان السياسي والاقتصادي وحتى البيروقراطي في حالة السلطة الفلسطينية، أو نتيجة التكلس المؤسسي وفقدان الفاعلية السياسية في حالة منظمة التحرير، حد "إعادة الإحياء"، بما يحمله هذا من اعتراف معلن بالشيخوخة والموت!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن هل يكفي هذا لفهم بنية الفعل الثقافي الفلسطيني -في جانبه البلاغي والجمالي- ومآلاته، وبالذات مع كثافة الفجوة بين بلاغته البطولية وواقعه المستنزف بالهزيمة، وبؤسها؟ في تلك الفجوة حيث علينا؛ فلسطينيين وفلسطينيات، أن نسأل أنفسنا أين تنتهي البطولة وتبدأ الهزيمة، لم يكن الفعل الثقافي فضاءً محايدًا أو متجانسًا. فكما أن الثقافة الفلسطينية أنتجت إمكانات هائلة للمقاومة والحفاظ على الذاكرة الجماعية، فإنها أنتجت أيضاً أشكالها الخاصة من السلطة والتراتبية والصراع على التمثيل. وهنا تحديداً يصبح السؤال السابق أكثر تعقيدًا: من يملك حق تمثيل هذه الجماعة؟ ومن يملك حق رواية تاريخها؟ ومن يملك سلطة تحويل تجربة جماعية إلى سردية وطنية؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في نقده للتاريخ القومي، حذر المؤرخ الهندي راناغيت غوها، مؤسس نظرية دراسات التابع، من أن الأمة لا تتحدث بنفسها، بل من خلال نخب تدّعي تمثيلها والتحدث باسمها (Guha, 2002). أما عزمي بشارة فقد بيّن أن الذاكرة الجماعية ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي جزء من عملية مستمرة لإنتاج الهوية الجماعية وصياغة الوعي الوطني. يقول بشارة "الذاكرة مثل العقل فردية وليست جماعية، لكنها أيضًا كاللغة اجتماعية لا فردانية. للذاكرة مضمون اجتماعي، وفي هذا المضمون الاجتماعي أو السياسي – الاجتماعي تنفرد الذاكرة الفردية" (بشارة، 2003).  ولدى تقاطع هاتين الفكرتين يظهر أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الحالة الفلسطينية المعاصرة: ماذا يحدث حين تتحول الذاكرة الوطنية من مشاع جماعي تشاركي مفتوح إلى مورد رمزي تتنافس النخب الثقافية على احتكار تمثيله وإدارته وما تأثير ذلك على ذاكراتنا الفردية كفلسطينيين وفلسطينيات؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يكتسب هذا السؤال أهميته من كونه سؤالاً نظرياً فحسب، بل لأنه يظهر بصورة ملموسة في عدد متزايد من السجالات الثقافية الفلسطينية المعاصرة. ولعل نموذجنا هنا هو البيان الصادر عن "مكتب" الروائي إبراهيم نصر الله بشأن فيلم "فلسطين 36" للمخرجة آن ماري جاسر، والذي يرى "مكتب" نصر الله "وجود تشابهات جوهرية مع رواية "زمن الخيول البيضاء"، سواء على مستوى عدد من الشخصيات الرئيسة، أو سياق الأحداث، أو البنية الدرامية والسردية للعمل". فبعيدًا عن مسألة الاقتباس الأدبي أو الحقوق الفكرية، تكشف هذه القضية عن توتر مركب وعميق يتعلق بمن يملك حق تمثيل الذاكرة الفلسطينية، ومن يملك سلطة تحويل التاريخ المشترك للمستعمَرين إلى سردية ثقافية معترف بها، ومن أين يأتي هذا الاعتراف!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذا كانت المؤسسات السياسية الفلسطينية قد فشلت في احتكار تمثيل الفلسطينيين، فإن المجال الثقافي لم يتحول بالضرورة إلى فضاء ديمقراطي مفتوح. على العكس من ذلك، تعمقت الأشكال القديمة من الصراع حول من يملك حق الكلام باسم الجماعة، ومن يملك سلطة تعريف ذاكرتها، ومن يملك حق تحويل تجربة الفلسطينيين التاريخية إلى سردية وطنية معترف بها. وهنا تحديدًا تتجاوز المسألة حدود الإنتاج الثقافي نفسه. فالسؤال لم يعد يتعلق بمن يكتب الرواية الأفضل أو يصنع الفيلم الأكثر تأثيرًا أو ينتج القراءة التاريخية الأكثر دقة، ولا بصياغة بيانات تمجد في الذكر المؤلف الألفا و"مكاتبه"، بل بمن يمنح نفسه الشرعية الرمزية للحديث باسم فلسطين والفلسطينيين. ومن هذه النقطة بالذات تبدأ إشكالية التمثيل التي تبحثها هذه المادة، في نموذج نصر الله و"مكتبه".</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>حق التذكّر</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أن نقول "ذاكرة الجماعة" مثل أن نقول "عقل الجماعة"، معناه أن نستخدم استعارة لغوية، لوصف أمر يخوضه أفراد جماعة (ما) بالفردي منهم قبل المشترك. وحينما تدخل الاستعارة اللغوية في تعريفات الظواهر الاجتماعية، فإنها تساهم في بنائها وتحديدها في التاريخ والجغرافيا، بما أن اللغة تاريخية وجغرافية، خصوصًا إذا تذوتتها وتبنتها غالبية أعضاء الجماعة. أي أن تلك الاستعارة بما هي تخيل، إنما تتكوّن في واقع اجتماعي وتاريخي محدد، يدفع بالفردي إلى حدود الجماعي، والجماعي في تفاوضه مع الفردي. الذاكرة الجماعية لدى الجماعة العضوية، كما هو الحال في أمر الجماعة الفلسطينية، تتجاوز التذكر واستعادة الماضي. إن الذاكرة الجماعية حتى وهي استعارة، إنما هي عالم الجماعة الحاضر في التاريخ، هي ممارسته الحاضرة، والتي تتوزع من خلالها أدوار أعضاء تلك الجماعة في الزمان والمكان. وعليه فإن فعل التذكر هنا على اختلافه إنما هو بقدر ما ينبني على مادة الذاكرة (اللجوء، المنفى، الاحتلال، وغيره) إنما ينبني أيضًا على الخاص والمتفرد من تلك المادة؛ أي كيفية التذكر (أين لجأت وكيف نفيت وإلى أين، وتجربتي مع الاحتلال، وغير ذلك!)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فما معنى أن يستحوذ أحدهم على دور المالك والوصي على تلك مادة الذاكرة بكل عناصرها؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في إحدى أهم مساهماته النظرية، لم ينشغل غوها بالسؤال التقليدي الذي شغل المؤرخين القوميين (وهذا موقف نقدي في ذاته!): كيف تتشكل الأمة بسياسات الذاكرة؟ بل انشغل بسؤال أكثر إزعاجًا: من يتحدث باسم الأمة؟ ومن يملك حق تحويل تجربتها التاريخية إلى سردية معترف بها؟ (Guha, 2002).  بالنسبة لغوها، لم تكن المشكلة الأساسية في غياب الأمة عن التاريخ، بل في الطريقة التي احتكرت بها النخب السياسية والثقافية حق تمثيلها وكتابة تاريخها والتحدث باسمها. أو ما يمكننا وصفه: احتكار قدرة الجماعة على إنتاج استعاراتها وتبادلاتها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الحالة الفلسطينية وفي شأن تاريخ ثورة الـ36، محل التقاطع بما هي مادة للذاكرة ولفعل التذكر والبلاغة المشترك بين الفيلم والرواية: من له أن يحتكر قصة القرية الفلسطينية (واسمها الهادية أو غيره) أو قصة الشاب المتعلم في القرية وهو متعامل مع قيادات فاسدة، وقصة سهرة ماجنة يقيمها الفاسدون، وخوري يساعد الأهالي، وحضور مكثف للضابط الإنكليزي القاسي، وطفل متعلّق ببطل القصة. وكأن يكون من بين الأحداث، مستوطنة مبنية مقابل قرية، يقترب منها فلسطيني فتُطلق النار عليه، حريق في القرية بفعل المستوطنين، استشهاد البطل بعد محاصرته وقد اتخذ القرار بالمواجهة لا الانسحاب، طفل يكمل المسيرة بالانتقام، حرق القرية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكمن أهمية هذا السؤال بالنسبة للحالة الفلسطينية في أنه يسائل سياسات التذكر وليس سياسات الذاكرة والتمثيل فحسب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فإذا كانت سياسات الذاكرة تُعنى بإدارة الماضي وتمثيله وتحديد ما يجب حفظه أو نسيانه داخل السردية الوطنية، وتحويل الاستعارة إلى أيديولوجيا، تستطيع أن تقف بمؤسساتها وحركيتها (الأرشفة والمنهجية والبحث والسرد وغيره) أمام الأيديولوجيا الصهيونية الاستعمارية، فإن سياسات التذكّر تتعلق بفعل التذكر ذاته وليس مادته فقط؛ أي بمن يملك حق استحضار الماضي، وكيفية استحضاره، وبأي لغة وصورة واستعارة يُعاد إنتاجه في الحاضر، بما في ذلك من سياسات التخيل والتلقي والترميز. فالمشكلة هنا لا تكمن في وجود مادة تاريخية مشتركة حول ثورة 1936 وفترتها التاريخية، بل في الادعاء الضمني بأن ثمة جهة أو شخص أو "مكتب" يمتلك علاقة أكثر شرعية من غيره بهذه المادة، أو يملك حقًا استثنائيًا في تحويلها إلى سردية عامة، ومراقبة تناصها في أي فعل ذاكراتي تالي عليه!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعليه، فإن ما تكشفه هذه الحالة ليس صراعًا على الذاكرة بقدر ما هو صراع على حق التذكّر نفسه بمداه الفردي والجمعي. أي على حق الأفراد والجماعات في إعادة استدعاء مشهد أو شخصية أو تفصيلة من تاريخ مشترك وإعادة تخيله وصياغته بلاغيًا وجماليًا من مواقع مختلفة ومتعددة. فحين تتحول الذاكرة إلى موضوع للوصاية، لا يُحتكر الماضي فقط، بل يُحتكر أيضاً الحق في التذكّر. وعند هذه النقطة تحديداً تنتقل المسألة من خلاف حول التمثيل الثقافي إلى صراع حول السلطة التي تمنح بعض الفاعلين حق الكلام باسم الأمة، وتحرم آخرين من الحق ذاته. بل وفي وصف أدق فإن من يقوم بذلك إنما ينتج فلسطينيته المدعاة من خلال انتقاص فلسطينية الآخرين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لمساهمة راناغيت غوها أهميتها النظرية هنا؛ فالسؤال الذي شغله لم يكن سؤال الذاكرة بحد ذاته، بل سؤال التمثيل الذي ينشأ حين تدّعي النخب السياسية والثقافية احتكار الحديث باسم الجماعة. فإذا كان احتكار التذكّر يعني احتكار القدرة على إنتاج الاستعارات التي تفهم الجماعة نفسها من خلالها، فإن احتكار التمثيل يعني تحويل هذه القدرة إلى سلطة رمزية تمنح أصحابها حق تعريف الأمة وتحديد حدودها والتحدث باسمها. وهكذا تصبح السيطرة على السردية التاريخية بما هي مجال التذكر والذاكرة ومادتهما، أكثر من مجرد سيطرة على الماضي؛ إنها سيطرة على الشروط التي يُفهم من خلالها الحاضر نفسه. لأن كل عملية تمثيل للجماعة تحمل في داخلها مفارقة مزدوجة. فمن جهة، لا يمكن للأمة أن تتحدث خارج وسائط تمثيلها، الخطابية والبلاغية. لكنها من جهة أخرى لا تختزل في هذه الوسائط أبدًا، من حيث الصور والجماليات والاستعارات، بل وحتى التاريخ الفردي المتقاطع مع الجمعي. الرواية إذن ليست الجماعة ولا ذاكرتها، والمؤرخ ليس معبرًا عن الجماعي فقط، والمخرج ليس جماعيًا طالما لزم التعبير عن الجماعي دون الفردي. والكاتب الذي يروي فلسطين لا يصبح فلسطين نفسها، ولا سرديته هي سرديتها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين تتراجع المؤسسات السياسية الجامعة، وتضعف قدرتها على تمثيل الجماعة الوطنية، تميل النخب الثقافية إلى ملء هذا الفراغ، لكن هذا الانتقال لا يؤدي بالضرورة إلى توسيع المجال العام. فالصراع الذي كان يدور حول من يمثل الفلسطينيين سياسيًا، يتحول إلى صراع حول من يمثلهم ثقافيًا، وهو أمر حاضر في الثقافة باعتبارها ممارسة سياسية. وهنا تظهر مفارقة الثقافة الفلسطينية المعاصرة. فالحقل الثقافي الذي لعب دورًا مركزيًا في مقاومة المحو الاستعماري، وفي الحفاظ على ذاكرة الجماعة، قد يصبح بدوره وسيطًا لمحو (ما) في هذه الذاكرة. إن أهمية غوها ومنهجيات مناهضة الاستعمار، بالنسبة للحالة الفلسطينية لا تكمن في تقديم إجابات جاهزة، بل في إعادة طرح السؤال الأساسي بصورة مختلفة: إذا كانت الأمة أكبر من النخب التي تتحدث باسمها، وإذا كانت الذاكرة أكبر من السرديات التي تدّعي احتواءها، فمن يملك حق الكلام باسم فلسطين وذاكرة من تلك التي تتمثل؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يكون الجواب الوحيد الممكن هو: لا أحد وكل أحد. لأن الأمة الفلسطينية ليست ملكاً لفاعل سياسي أو لمؤسسة أو لكاتب أو لمخرج أو لمكتب. إنها نتاج تاريخ جماعي ما يزال قيد التشكل. وكل محاولة لتحويل هذا التاريخ إلى ملكية رمزية خاصة لا تؤدي فقط إلى احتكار الذاكرة، بل إلى عطب في قدرة كل منا على التذكر!</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>في "المكتب": الاقتصاد السياسي للذاكرة والتذكر</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في أثناء كتابة هذه المادة، استعدت قصص والدي عن الاستعمار البريطاني لفلسطين، وعن قريته على أطراف يافا، وأتساءل:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان التذكّر فعلًا فرديًا، كما أفعل أنا الآن، إلا أنه جماعي في نفس الوقت، لأنني أتذكر وأرتب مادة الذاكرة المشتركة بيني وبين والدي، لرفد شكل (ما) من المعنى وهو الحق في الذاكرة المشتركة، بما هي (الذاكرة) وهو (فعل التذكر) أفعال مناهضة للمحو الاستعماري، تتوارثها الأجيال لغايات تحديد حدود الجماعة ومعنى الوجود. فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو في هذه اللحظة: ماذا لو قلت لأبي ليس لك الحق في التذكر بهذا الترتيب والتصور، ثمة ترتيب واحد فقط لقصة القرية واسمها وغير ذلك؛ ألا أكون بذلك قد راكمت على فعل الاحتلال بمحو ذاكرته؟ لكن ذاكرتي وذاكرته جماعيتان بشكل (ما)، بقدر ما هما فرديتان، هل هو المتضرر الوحيد هنا!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كيف تتحول الذاكرة التي تنتجها الجماعة عبر تراكم تجاربها الفردية إلى موضوع للملكية والوصاية والاحتكار؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى. فالذاكرة ليست أرضاً يمكن الاستيلاء عليها، ولا مورداً مادياً يمكن احتكاره، ولا سلعة قابلة للتداول في السوق (لأن الاحتلال يحاول إخراجها خارج أي منظومة للتداول والإنتاج، الروائي يقيس مساهمته في السردية الفلسطينية بعدد طبعات روايته!).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سبقت الإشارة إلى أن الذاكرة ليست مادة ثابتة أو مخزونًا من الوقائع الجاهزة، بل عملية مستمرة من التذكر وإعادة التذكر وإعادة التأويل، بما هي عمليات تشكيل وتفاوض. ولذلك فإن الصراع على الذاكرة ليس صراعًا على الماضي بقدر ما هو صراع على الحاضر؛ أي على المعنى وبنائه! يساعدنا مفهوم "التسييج" على فهم هذه العملية. فالتسييج Enclosure في معناه التاريخي لم يكن مجرد إقامة أسوار حول الأرض، بل كان عملية تحويل المشاع إلى ملكية خاصة. الأرض التي كانت متاحة للاستعمال الجماعي أُعيد تعريفها باعتبارها ملكية حصرية لفرد أو مؤسسة أو طبقة اجتماعية. وكما أشار ماركس في حديثه عن "التراكم البدائي"، لم يكن التسييج مجرد انتقال للملكية، بل تأسيسًا لعلاقات سلطة جديدة أعادت تنظيم المجتمع نفسه (Marx, 1867).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فالذاكرة الجماعية، بوصفها مشاعًا رمزيًا، يمكن أن تتحول إلى موضوع للتسييج حين تنتقل من كونها مساحة تفاوض واختلاف وتداول لمادة الذاكرة وسياسات التذكر، إلى كونها مجالاً تدعي بعض النخب حق الإشراف عليه وإدارته ومراقبة استخدامه. هنا لا يعود السؤال: ماذا حدث في الماضي؟ بل ماذا يحدث للحاضر عندما يستحوذ أحدهم على الماضي؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">(يرصد <a href="https://rommanmag.com/archives/38510" target="_blank" rel="noopener">مقال</a> سليم البيك خوفًا محقًا من هذا البيان البائس، إذ يقول: "هذا البيان إشهار رقابةٍ مسبقة على مشاريع مقبلة لسرد الحكاية الفلسطينية فنياً. هو محزن لما يمكن أن يحدثه في نفوس مخرجات ومخرجين شباب، وحتى مؤلفات ومؤلفين، من مخاوف تَناول قصة في التاريخ الفلسطيني، وتتقاطع زماناً ومكاناً مع إحدى روايات الروائي، وتتشابك لطبيعة الأمور أحداث وشخصيات، وثّقتها المراجع قبل الرواية، مخاوف لأن ملاحقة قانونية محتملة سيُلوِّح بها مكتب ادّعاء ما.") إن ما يكشفه البيان ليس فقط محاولة الدفاع عن عمل أدبي، بل محاولة لإعادة تنظيم المجال التذكّري الفلسطيني نفسه. أي رسم حدود بين تمثيل شرعي وتمثيل أقل شرعية، بين من يملك علاقة أصلية بالمادة التاريخية ومن يأتي لاحقاً إليها. وبهذا المعنى لا يصبح الحد أو السياج بين الفلسطيني والإسرائيلي، بل بين الفلسطيني وذاكرته داخل الحقل الثقافي الفلسطيني ذاته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يفتأ الروائي ومكتبه بترديد أن الرواية جاوزت الثلاثين طبعة، في تأكيد أن مشروعية محاججته مصدرها الاقتصاد الكمي ومحمولاته السياسية لعدد مرات طباعة الرواية وانتشارها. ما يؤكد أساسات الاقتصاد السياسي الرأسمالية في التعامل مع المشروعية الثقافية والسردية للرجل ومكتبه، وأن الهيمنة في الحقل الثقافي الفلسطيني ما هي إلا تحويرات على احتكار رأس المال وآليات الإنتاج، التي حولت الذاكرة إلى مصدر لرأس المال الرمزي وموضوعًا للصراع الطبقي والثقافي معًا. وبالتالي فإن جزءًا لا بأس به من الحقل الثقافي الفلسطيني أضحى انتقالاً من إنتاج الذاكرة المشتركة إلى الاستثمار وخصخصتها ورسملتها. فالذاكرة هنا لا تُعامل باعتبارها مشاعًا وطنيًا مفتوحًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولعل أكثر ما يكشف هذا التحول هو الشكل الذي صدر فيه البيان محل السجال. فالبيان لم يصدر عن إبراهيم نصر الله بوصفه كاتبًا يخوض سجالًا ثقافيًا مع مخرجة أو مع عمل فني آخر، بل صدر عن "مكتب إبراهيم نصر الله". وقد يبدو ذلك تفصيلًا ثانويًا، لكنه يكشف تحولاً بالغ الدلالة في موقع المثقف داخل المجال الثقافي الفلسطيني، ولا يختلف عن تحول شاعر المقاومة إلى شاعر الإنسانية في محمود درويش قبله، وبعد مهاتفة الأخير الشهيرة مع الراحل ناجي العلي، حيث قال له: "ما بتعرف مين أنا يا ناجي!" فالمكتب ليس مجرد أداة إدارية. إنه شكل من أشكال المؤسسية الرمزية الطبقية ذات البعد الاقتصادي السياسي. إنه الجهة التي تفصل بين الشخص وصوته، وتحول الرأي إلى بيان، والخلاف إلى موقف رسمي، والكاتب إلى مؤسسة قائمة بذاتها. وفي السياق الفلسطيني تحديدًا، حيث تعاني الجماعة من غياب مؤسسة وطنية جامعة قادرة على تمثيلها، تكتسب هذه الصيغة دلالة إضافية. إذ يبدو المثقف هنا وكأنه لا يكتفي بإنتاج السردية، بل يعيد إنتاج نفسه بوصفه جهازاً مخولاً بحراستها وإدارة حدودها. لا تكمن المشكلة في وجود مكتب أو موظفين أو بنية إدارية. بل في شكل العلاقة التي تنشأ بين هذه المؤسسية الرمزية وبين الذاكرة الجماعية المشتركة. فعندما يصدر البيان باسم "المكتب"، لا يعود الخلاف مجرد اختلاف بين قراءتين للتاريخ، بل يتحول إلى ما يشبه إعلانًا صادرًا عن سلطة تعتبر نفسها مخولة بمراقبة المجال السردي الوطني وتحديد شروط شرعيته. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى "المكتب" بوصفه التعبير المكثف عن عملية التسييج نفسها. فهو لا يحرس نصًا أدبيًا فقط، بل يتصرف كما لو أنه يحرس حقلاً من الذاكرة الوطنية، وأن وظيفة هذا المكتب هو الاستثمار في تلك الذاكرة وسردياتها الروائية. وهنا يغدو السؤال أقل ارتباطاً بإبراهيم نصر الله كشخص، وأكثر ارتباطًا بنموذج المثقف الذي يتحول تدريجيًا من مشارك في إنتاج المشاع الثقافي إلى وصي عليه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا إذا استحضرنا تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في ذروة صعودها. فعلى الرغم من امتلاكها مؤسسات أبحاث وأرشفة ونشر وسينما وإعلام، لم تدّع المنظمة احتكار الذاكرة الفلسطينية. فقد استمرت الذاكرة تُنتج من المخيم والسجن والمنفى والقرية والمدينة، ومن الشعر والرواية والأغنية والشهادة الشفوية. كانت المنظمة تحاول تنظيم الذاكرة، لكنها لم تدّع يومًا امتلاكها. أما ما نشهده اليوم فهو مفارقة معاكسة: مؤسسات وطنية أضعف من أي وقت مضى، يقابلها تضخم مؤسسي بائس لأفراد. ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في تشابه فيلم مع رواية، ولا فيما تنبّه إليه البيك قبلًا من الرقابة المسبقة للروائي ومكتبه، بل في تحول الذاكرة الفلسطينية نفسها إلى مجال للوصاية وبناء المؤسسات. فالمشاع لا يُفقد فقط عندما يصادره المستعمِر، بل أيضًا عندما يستحوذ عليه المؤلف الذّكَر الألفا.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الذّكَر الألفا والبطريركية الرمزية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يسيّج المشاع نفسه. فكل عملية تسييج تحتاج إلى من يعلن حقه في الحراسة والإشراف والوصاية، بجانب "المكتب". السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: من هو الفاعل الذي يمارس هذا التسييج؟ ومن أين يستمد شرعيته؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تساعدنا مساهمة هشام شرابي حول النظام الأبوي المستحدث (Neopatriarchy) في الاقتراب من هذا السؤال. فالأبوية، في تحليل شرابي، لا تقتصر على العلاقة بين الأب وأفراد أسرته، بل تمثل نموذجًا عامًا لتنظيم السلطة في المجتمع العربي الحديث. إنها بنية تنتج الشرعية من خلال احتكار المعرفة والخبرة والتمثيل، بحيث يصبح الأب مرجعًا أخلاقيًا ورمزيًا يسبق الآخرين ويعلو عليهم. وهو لا يمارس سلطته باعتبارها سلطة مفروضة فحسب، بل باعتبارها سلطة ضرورية ومفيدة وحامية للجماعة (شرابي، 1988). وفي الحقل الثقافي الفلسطيني تظهر هذه البنية بصيغ مختلفة. والروائي هنا -مكتبه- لا يقدم نفسه بوصفه منتجًا واحدًا من بين منتجين كثر للمعنى الوطني، يقف معهم على أرضية مساوية (من منا كتب كتابًا عن فلسطين طبع ثلاثين نسخة؟!) بل بوصفه حارسًا لهذا المعنى. وهو لا يتحدث باعتباره مشاركًا في المشاع الذاكراتي، بل باعتباره مؤتمنًا عليه، بعد أن قضى جل عمره في البحث فيه. ومن هنا لا تعود العلاقة بين المثقف والجماعة علاقة إنتاج متبادل، بل علاقة وصاية. فالجماعة تتذكر من خلاله، والتاريخ يمر عبره، والسردية تصبح جزءًا من سلطته الرمزية، المدعومة بعدد الطبعات!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكمن المفارقة في أن هذه البنية تظهر داخل خطاب يدّعي التحرر من الاستعمار. فالمثقف الفلسطيني لا يرث سلطة دولة وطنية مستقرة، ولا يستند إلى مؤسسات بيروقراطية سيادية حقيقية، بل يعمل داخل واقع استعماري يهدد الجماعة بالمحو، بداية من اللغة واستعاراتها إلى أجسادهم. وهنا وجب التمييز بين الحارس والمالك. فالحارس يدرك أن ما يحرسه لا يخصه. أما المالك فيتعامل مع ما يحرسه باعتباره امتداداً لذاته وأناه. تتجلى هذه الأبوية الثقافية بصورة أكثر فظاظةً حين تكون المرأة هي الطرف الآخر في السجال. فالتاريخ الطويل للبنى الأبوية العربية يجعل من الصعب تجاهل البعد الجندري في العلاقة بين روائي مخضرم ومخرجة فلسطينية تعيد تمثيل حدث تاريخي مشترك. فالمسألة لا تتعلق فقط بخلاف بين عملين ثقافيين، بل بمن يملك سلطة الكلام باسم التاريخ والذاكرة. ومن يملك حق منح الشرعية أو حجبها عن تمثيلات الآخرين. ولا يعني ذلك اختزال الواقعة كلها في بعدها الجندري، لكنه بعد لا يمكن تجاهله. فالأب الثقافي لا يكتفي بحراسة الذاكرة، بل يراقب أيضًا شروط الدخول إليها. وهنا لنا أن نسأل سؤالًا مشروعًا: لو لم يترشح الفيلم للأوسكار، هل كان للبيان أن يصدر عن مكتب الروائي؟ لأنه إن لم يكن كذلك، فلن يتبقى لنا سوى تأويل آخر ليس بالأقل سوءًا وهو ما ورد في تأكيدات مختلفة في مواضع مختلفة منها صفحة الروائي: الحقوق المادية، ليس مكتبه فقط هذه المرة!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مقابل هذا النموذج تقدم التجربة الفلسطينية نفسها نماذج أخرى مختلفة. فغسان كنفاني، رغم مكانته المركزية في الأدب والثقافة الفلسطينية، لم يقدم نفسه وصيًا على الثورة الفلسطينية التي كتب عنها، ودفع حياته ثمنًا لها. وإلياس خوري، رغم الدور الذي لعبه في صياغة جزء مهم من الذاكرة الروائية الفلسطينية، والمراكمة الكتابية عن فلسطين، لكنه لم يتعامل مع النكبة بوصفها ملكية أدبية خاصة. على العكس من ذلك، أسهم كلاهما في توسيع المشاع السردي الفلسطيني لا في تسييجه. كانت الكتابة عندهما دعوة إلى مزيد من الأصوات، لا إعلانًا عن حدود الملكية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>في حق الذاكرة أن تبقى مفتوحة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في لحظة كتابة هذه السطور، لا تزال النكبة الفلسطينية مستمرة، ليست النكبة موسمًا سنوياً للتأبين والتذكر ومهرجانات الأفلام وجوائز الروايات، ولا هي مادة يعتاش عليها موظفو المكاتب ومؤسسات الإنتاج. إنها بنية تاريخية متواصلة من المحو والاقتلاع والإبادة. من غزة إلى الضفة الغربية، ومن الداخل الفلسطيني المحتل إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق والخليج، تنفتح النكبة على تأويلاتها وتحويراتها أشكالًا جديدة من العنف الاستعماري الرأسمالي الامبريالي، كل يوم وكل لحظة. وما يجري اليوم من إبادة جماعية في غزة ليس انقطاعًا عن النكبة، بل أحد أكثر تجلياتها كثافة ووحشية، منذ العام 1888.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ففي حين امتدت الإبادة إلى اللغة، فعطبت قدرتها على التعبير والاحتواء، لم يعد مقبولًا أن يستحوذ أحدهم على استعاراتها،  فالمجازات التي أنتجتها الثقافة الفلسطينية عبر عقود طويلة ما عادت تتسع للإبادة، وبات أقرب لفجر جديد من الحرية الباهظة، فقط إذا تأدبنا مع اللحظة. فهذا العجز ليس مدعاة للصمت، بل لتحرير الذات من قيود الحاضر على اللغة، دعوة لنا جميعًا ألا نقف وحيدين كي نتعرض "لفكرة الفاجعة التي تعطل العزلة وتتخطى كل أنماط الفكر، من قبيل اليقين الشديد الذي يأتي من الخارج صامتًا فاجعًا".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندما تعجز اللغة عن التسمية، تصبح الحاجة إلى الخيال أكبر، ولتنفتح إمكانات السرد والذاكرة على كل ما لم تقله اللغة، بعد. وعندما تضيق الذاكرة بما تحمله من فداحات، تصبح الحاجة إلى الجماليات أكثر إلحاحًا. ليست الجماليات هنا ترفًا ثقافيًا ولا زينة بلاغية تضاف إلى أبهة الفاجعة، بل هي إحدى الوسائل التي تبتكرها الجماعات المهددة بالمحو لكي تستمر في إنتاج المعنى، ولكي تواصل سرد نفسها خارج شروط المستعمِر ومؤسساته ولغته وذكوره ومكاتبه، خارج شروط الذكور الألفا التي تحاول احتكار السردية باسمها، وفي ظلها!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولهذا تحديدًا لا يمكن التعامل مع الذاكرة الفلسطينية باعتبارها ملكية خاصة لأحد، أيًا كان. فالنكبة التي لم تنتهِ لا يمكن أن يكون لها راوٍ واحد. والإبادة المستمرة لا يمكن أن تختزل في صوت واحد أو مؤسسة واحدة أو حتى فيلم أو رواية أو روائي ومخرجة. فكل طفل ينجو من القصف، وكل أم تبحث عن ابنها تحت الركام، وكل لاجئ حمل اسم قرية لم يرها قط، لا يحق لكاتب ما أن يمنعه عن تخيلها، حرًا. علينا جميعًا أن نتواضع ونتأدب أمام الفاجعة، لعل لدمائنا ودموعنا ثمن أسمى قليلًا من أنانا ومرايانا المحطمة!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ففي زمن الإبادة، لا يحتاج الفلسطينيون إلى أوصياء جدد على ذاكرتهم. يحتاجون إلى مزيد من الضوء، يتسع لهم جميعًا!</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38568">سياسات الذاكرة والتذكر بين النكبة والإبادة (إبراهيم نصر الله نموذجا)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مدخل في راهنية سؤال المدينة العربية: عن بيروت وغزة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38253</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 09 May 2026 08:36:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38253</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38253">مدخل في راهنية سؤال المدينة العربية: عن بيروت وغزة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #ff0000;"><strong>مدخل أول:</strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في العام 1790 بلغ عدد سكان لندن قرابة 740 ألفًا، بينما كان عدد سكان مدينة نيويورك في العام 1830 قرابة  197 ألفًا أو أقل قليلًا، بينما في القرن نفسه كان عدد سكان مدينة إسطنبول ما يزيد عن 600 ألف، وقبل ذلك بنحو 2500 عام، كان عدد سكان نينوى 120 ألفًا، وبابل 100 ألف. يقول أندريه جوندر فرانك في كتابه "الشرق يصعد ثانية: الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي"، أن إسطنبول كانت المدينة الأولى في أوروبا وغرب آسيا والعالم في القرن السادس عشر بعدد سكان فاق 700 ألف نسمة، في حين كانت العاصمة الصينية بكين ثاني أكبر مدينة من حيث عدد السكان في العالم في ذلك الوقت، بينما كانت القاهرة في المرتبة الثالثة بعدد سكان بلغ 450 ألف نسمة. بوصفٍ أكثر وضوحًا: من بين أكبر ثلاث مدن في العالم، كانت اثنتان من هذا الجزء من العالم والثالثة صينية، بينما باريس لم تتجاوز 125 ألف نسمة في ذلك الوقت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">السؤال: لماذا احتلت مدن نيويورك ولندن وباريس مراكزها في الدراسات الحضرية وطغت على غيرها، ولم تزل كذلك حتى هذه اللحظة؟ ولماذا يصر بعض منظرو التخطيط الحضري على استدعاء تلك المدن باعتبارها نماذج مرغوبة بل وضرورية فيهم تطور المدينة، من الناحية التاريخية وليس الحضرية فقط، ويتعامون -بجهل زنجي المنزل- عن تاريخ حضري كثيف في هذه المنطقة من العالم؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لنا هنا أن نستدعي تقسيم هيغل -الذي تفوح منه العنصرية- لتدفق مجرى التاريخ الإنساني، بالإشارة إلى تحرير العقل والذاتية والفلسفة التقدمية، قائلًا أن التاريخ الإنسانية مر بمرحلة الطفولة في الشرق ثم الشباب المبكر في آسيا الوسطى، والشباب اللاحق في اليونان، والرجولة في روما، ثم نضج في أوروبا، بفضل الأجناس الجرمانية (هيغل 1999). وبالرغم من خفة وتهافت هذا القول، نجد له تناصًا في نظرة ماكس فيبر إلى "المدينة"، إذ يقول:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"إن المجتمع الحضري، بالمعنى الكامل للكلمة لا يظهر بوصفه ظاهرة عامة إلا في الغرب. وقد نجد استثناءاتٍ من حين إلى آخر في الشرق الأدنى (في سوريا وفينيقيا وبلاد الرافدين) ولكن في حالات نادرة وبدائية فقط" (فيبر 1958)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هل تستوي هذه المقاربة في غايتها لطرح إطار تاريخي لمسألة المدينة، دون أن تلق بالًا لتاريخ الصين الحضري التي تستضيف ربع البشرية، أو الحضارة الإسلامية العربية التي حكمت العالم لأكثر من 1200 عام (نصيب الإمبراطورية العثمانية منها فاق ال600 عام وحدها)، وما المخاطرة في الاستناد حصرًا على مقولة أن التاريخ يبدأ وينتهي في الغرب؟!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعليه؛ إذا كان تاريخ المدينة في هذا الجزء من العالم قد أُقصي من السرديات الحضرية المهيمنة، فإن هذا الإقصاء لا يمكن اعتباره مجرد انحراف معرفي أو نقص في التمثيل، بل ينبغي فهمه بوصفه جزءًا من بنية أوسع تُنتج ما يمكن تسميته بشرطِية المحو (conditions of erasure)، فحين تُعاد صياغة التاريخ الحضري العالمي بحيث تتموضع مدن مثل لندن وباريس ونيويورك في مركزه، بينما تُدفع مدن مثل القاهرة، إسطنبول، وبغداد إلى الهامش أو تُختزل في استثناءات ناقصة أو طرفية، فإن ما يُمحى ليس الماضي فحسب، بل الشرعية المعرفية لوجود هذه المدن بوصفها مراكز إنتاج حضري ومعرفي آني ومستقبلي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا النمط من المحو الإبستيمي لا يعمل في الفراغ، بل يتقاطع مع ممارسات مادية وتاريخية تعيد إنتاجه على الأرض، وتضمن له مشروعية واستدامة (ما)، تنطلق من الخطاب إلى السياسات التخطيطية والحضرية. فكما أُقصيت هذه المدن من مفهوم تاريخ المدينة، وأطره، بوصفها مفهومًا نظريًا، تُعاد اليوم صياغتها ضمن أنظمة تخطيط، سيطرة، وحرب، تفترض ضمنيًا أنها فضاءات قابلة لإعادة التشكيل، بالمحو؛ أي بالإبادة العمرانية. هنا، لا يعود العنف مجرد أداة خارجية تُمارَس على المدينة، بل يصبح امتدادًا مباشرًا لبنية معرفية سبقتْه، وحددت ما الذي يُعتبر مدينة، وما الذي يمكن التضحية به. وإذا كان هذا الإطار يبدو تجريديًا، فإن حضوره يمكن تلمّسه حتى في أكثر الأدبيات الحضرية تأثيرًا. فمثلاً، وعلى الرغم من الأهمية النظرية لأعمال ريتشارد سينيت في فهم الفضاء العام والتجربة الحضرية، إلا أن المدينة العربية تكاد تغيب بالكامل عن تحليلاته، كما هو الحال في كثير من أعمال علم الاجتماع الحضري الكلاسيكي والمعاصر. هذا الغياب ليس تفصيلاً عرضيًا، بل مؤشر على حدود الحقل نفسه، حيث تُبنى النظرية انطلاقًا من تجارب حضرية محددة، ثم تُعمَّم بوصفها نموذجًا كونيًا، في حين تُترك مدن أخرى خارج أفق التفكير، وبالتالي لا يتغير مفهوم الإبادة العمرانية حتى لو أبيدت تلك المدن، بل أن مفهوم الإبادة المعرفية يجب أن يمتد إلى  ما محي وطمس من المعارف المرتبطة بتلك المدن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا، يمكن القول إن ما نشهده اليوم من تدمير، محو، وإعادة تشكيل عنيفة للمدن العربية—من غزة إلى بيروت—لا ينفصل عن هذا التاريخ من المحو المعرفي، بل يستند إليه. فقبل أن تُمحى المدينة ماديًا، كانت قد مُحيت من الخيال النظري، وقبل أن تُستهدف بنيتها التحتية، كانت قد فُقدت مكانتها بوصفها مرجعًا حضريًا قائمًا بذاته. بهذا المعنى، فإن الإبادة العمرانية لا تبدأ بالقصف أو الهدم، بل تبدأ في اللحظة التي تصبح فيها مدينة ما غير مرئية معرفيًا، أو قابلة للاستبدال ضمن سردية حضرية لا تعترف بها، ويُجند لهذا الخطاب الكثيرين ممن أسماهم حميد دباشي المخبرين المحليين.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>مدخل ثان:</strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في اللحظة الراهنة من الحرب على المدينة العربية، لم تعد لدينا رفاهية التفكير في المدينة العربية بوصفها فضاءً عمرانيًا يخضع لضغوط التحضر المتسارع، أو بما هي انعكاس لأزمة تخطيطية يمكن معالجتها عبر أدوات الاستدامة أو الحوكمة والشفافية، والتخطيط المجتمعي، أو مشروعات استوديوهات التخطيط الحضري، ومقاربات نزع الكولونيالية العمرانية والتخطيطية. فهذا الخطاب، الذي تبلور خلال العقد الأخير بنفس نيوليبرالي، وبخاصة بعد عام 2013 مع انكسار الحراك الثوري العربي الذي انطلق من الفضاءات الحضرية نفسها، يبدو اليوم عاجزًا عن استيعاب التحول الأعمق الذي طرأ على المدينة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن ما يتكشف بشكلٍ فاضح هو أن المدينة نفسها أصبحت موقعًا لإعادة إنتاج العنف السلطوي وإدامته، ليس بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل باعتباره المنطق الناظم للحياة الحضرية العربية بعد 2013. إن حالة "الحرب المؤجلة" في الخطاب الرسمي العربي—التي تُستدعى وعظيًا على هيئة "انظروا إلى العراق وسوريا"—ليست إلغاءً للحرب، بل إعادة تموضع لها، بوصفها أفقًا مؤجلًا وضروريًا لإعادة تشكيل المدينة والمواطن على السواء. وفي ظل هذا الأفق، تمرّ سياسات التخطيط الحضري العنيف بوصفها امتدادًا غير معلن للحرب، بحيث لم تعد هذه الأخيرة تُخاض على حدود المدن، بل داخلها، في شوارعها، وفي بنيتها التحتية، حيث تتحول البيوت، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء إلى أهداف مباشرة، وتُعاد صياغة الحياة اليومية تحت شروط أمنية وعسكرية متواصلة  (غراهام 2004)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ضمن هذا الإطار، يبرز مفهوم "الإبادة المدينية/العمرانية (urbicide) " لا باعتباره توصيفًا اصطلاحيًا لحالة قصوى، بل أداة تحليلية مركزية لفهم منطق العمل للعنف الحضري. فهو لا يشير فقط إلى تدمير المباني أو البنية التحتية، بل إلى استهداف المدينة بوصفها شكلًا من أشكال الوجود الاجتماعي والسياسي؛ أو العمران بالمعنى الخلدوني، بوصفه شرطًا لإمكان الاجتماع والإنتاج المعرفي. فالإبادة المدينية هي قتل ونفي الحالة المدينية، من شروطها المادية إلى بنياتها الرمزية، عبر تفكيك الروابط التي تجعل الحياة الحضرية ممكنة، من التعددية الاجتماعية إلى الفضاءات المشتركة. بهذا المعنى، لا يعود تدمير المدينة نتيجة عرضية للحرب، بل أحد أهدافها الأساسية، حيث تُستهدف المساحات التي تحتضن الحياة الجماعية بوصفها تهديدًا يجب القضاء عليه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتقاطع هذا الفهم مع ما يطرحه أشيل مبيبي في تحليله لأنماط السلطة المعاصرة، حيث لا يُمارس العنف فقط عبر القتل المباشر، بل عبر إعادة توزيع شروط الحياة والموت (مبيبي 2003)، وإذا كانت سياسات الإماتة، Necropolitic تشير إلى أنماط حكم تُحدد من يحق له أن يعيش ومن يُترك للموت، فإن الإبادة العمرانية تمثل امتدادها المكاني، حيث لا يُستهدف الجسد الفردي فقط، بل المجال الذي يجعل وجوده ممكنًا. فالموت هنا لا يُنتج فقط عبر السلاح، بل عبر تفكيك البنية التي تُمكّن من الاستمرار في الحياة. وفي السياق ذاته، يوضح آيال وايزمان وغيره كيف أصبحت البيئة المبنية نفسها وسيطًا للحرب، تُقرأ وتُعاد هندستها بوصفها فضاءً عملياتيًا يمكن تفكيكه وإعادة توظيفه ضمن استراتيجيات السيطرة (وايزمان 2007) غير أن ما يتجاوز هذا التحليل في الحالة العربية هو أن الاستهداف لا يقتصر على استخدام المدينة، بل يمتد إلى تفكيكها كليًا، بوصفها بنية يجب إزالتها أو إعادة تشكيلها وفق منطق السيطرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في السياق الفلسطيني، يكتسب هذا المنطق كثافة إضافية، حيث يقترح ساري حنفي مفهوم "الإبادة المكانية" (spatiocide)  لوصف نمط من العنف الاستعماري لا يستهدف السكان بشكل مباشر، بل يستهدف الفضاء الذي يجعل وجودهم ممكنًا (حنفي 2013). هنا، لا تكون الغاية إبادة السكان بيولوجيًا، بل دفعهم إلى الاختفاء عبر تفكيك المجال المكاني الذي يحتضنهم. غير أن هذا الشكل من العنف لا يقتصر على لحظة الحرب، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بالعنف التخطيطي، حيث تصبح مشاريع التطوير، وإعادة الإعمار، وحتى السياسات الحضرية اليومية، امتدادًا لنفس المنطق الذي يقود إلى تفكيك المدينة. بهذا المعنى، لا تعود الإبادة العمرانية حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من برامج سياسية تُمارس باسم الحداثة والتخطيط، حيث يتداخل تدمير العمران مع تدمير الإنسان ضمن عملية واحدة (بياري 2024) وهنا، تتلاشى الحدود بين الحرب والسلم، بين التدمير والبناء، إذ يمكن لمشاريع التطوير أن تعيد إنتاج أشكال مختلفة من الإقصاء والتفكيك الحضري. وبالتالي، فإن ما بدأ باعتباره طمسًا إبستيميًا للمدينة العربية ضمن السرديات الحضرية العالمية، يتطور اليوم إلى تفكيك مادي للحالة المدينية ذاتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غير أن هذا المسار لا يقتصر على العنف العسكري أو السياسات المحلية، بل يتغذى أيضًا من بنية أوسع لإنتاج المعرفة الحضرية. ففي ظاهرها، تُقدَّم عمليات "نقل المعرفة التخطيطية" بوصفها تبادلًا تقنيًا محايدًا، تنتقل عبره "أفضل الممارسات" من مدن مثل تورونتو وفانكوفر إلى مدن مثل عمّان وأبوظبي. غير أن هذا التصوير يخفي بنية أكثر تعقيدًا، حيث لا تتحرك المعرفة بوصفها معرفة فحسب، بل بوصفها سلطة. فهذه العمليات تتم عبر ما يُعرف بـ "وكلاء النقل"، وهم خبراء دوليون يُمنحون، في آنٍ واحد، سلطة معرفية وسلطة مؤسسية داخل المدن المستقبِلة  (خريفان وجعفر 2012). ضمن هذا الإطار، لا تدخل هذه الخبرات بوصفها خيارًا بين بدائل، بل بوصفها معيارًا يُعاد من خلاله تعريف ما يُعد معرفة تخطيطية مشروعة ومرغوبة. وحتى حين يُوصف هذا النقل بأنه "تبادل" أو "هجين"، فإن عدم تكافؤ الشروط التي يتم فيها يجعله أقرب إلى إعادة إنتاج هرمية عالمية للمعرفة، حيث تبقى المدينة العربية في موقع المتلقي، بينما يحتفظ النموذج الغربي بموقع المرجع والمقياس. بهذا المعنى، لا تُقاس المدينة العربية بذاتها، بل بمدى اقترابها أو ابتعادها عن نموذج خارجي تُفترض كونيته. وهنا، يتقاطع هذا المسار مع المحو الإبستيمي الذي سبقت الإشارة إليه، إذ لا يُقصى التاريخ الحضري العربي فحسب، بل يُستبدل أيضًا بإطار معياري يُعاد فرضه بوصفه الشكل الوحيد الممكن للمدينة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعليه، فإن راهنية سؤال المدينة العربية لا تشير فقط إلى تحديات النمو السكاني أو التغير المناخي أو ضعف البنية التحتية، بل إلى شرط أعمق يتمثل في كون المدينة نفسها تُعاد صياغتها باستمرار عبر أنماط متعددة من العنف—العسكري، والاستعماري، والمعرفي، والتخطيطي. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد: كيف نُخطط المدينة بشكل أفضل؟ بل: كيف يمكن للمدينة العربية أن تستمر كفضاء للحياة، في ظل شروط تُعيد إنتاجها كفضاء للسيطرة والتدمير في آنٍ واحد؟</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">التخطيط بما هو عنف: المدينة العربية في زمن السلم</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كانت الإبادة العمرانية تمثل أقصى تجليات العنف على المدينة، فإن أحد أخطر تحولات اللحظة الراهنة يكمن في انتقال هذا العنف إلى حقل يبدو، في ظاهره، نقيضًا له: التخطيط. هنا، لا يعود التخطيط أداة لتنظيم الحياة الحضرية، بل يصبح امتدادًا دقيقًا وسائلًا للعنف، يعمل ببطء، وبشرعية، وباسم التنمية، وبقبول مجتمعي اعتباطي في أغلبه. فالفارق بين الحرب والتخطيط، في هذا السياق، ليس فارقًا في المنطق، بل في الوسيلة. إن ما يميز هذا التحول هو أن العنف لم يعد بحاجة إلى لحظة تدمير صريحة، بل أصبح يُمارس عبر إعادة تشكيل الفضاء نفسه، بحيث يُعاد تعريف من يحق له أن يسكن، ومن يُدفع إلى الهامش، ومن يُمحى دون إعلان. وهنا، لا تُفهم سياسات مثل إعادة التطوير، أو التحديث، أو حتى "تحسين البنية التحتية" بوصفها تدخلات تقنية، بل بوصفها آليات لإعادة توزيع الحياة داخل المدينة، وفق منطق إقصائي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا الإطار، يمكن قراءة ما يسميه عبد المالك سيمون بالعيش بين الناس (people as infrastructure) بوصفه نقيضًا لما ينتجه التخطيط المعاصر في المدن العربية. فإذا كانت المدينة، عند سيمون تقوم على شبكات غير رسمية من التفاعل والتكافل تُبقي الحياة ممكنة رغم هشاشة البنى الرسمية (سيمون 2004)، فإن التخطيط النيوليبرالي يعمل على تفكيك هذه الشبكات، واستبدالها بأنظمة مغلقة، مُنظَّمة، وقابلة للضبط. وهكذا، لا يُعاد تنظيم المدينة فحسب، بل يُعاد تشكيل الاجتماعي نفسه، بحيث يُفقد قدرته على الاستمرار خارج الأطر الرسمية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مدن الخليج، يتجلى هذا المنطق بأقصى وضوح. إذ لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج مدينة حديثة، بل بإنتاج نموذج حضري مُفرغ من شروطه الاجتماعية. كما يشير ياسر الشيشتاوي، فإن هذه المدن تُبنى وفق منطق "المدينة المُعولمة"، حيث تُستورد النماذج المعمارية والتخطيطية بوصفها علامات على الحداثة، بينما يُعاد تنظيم السكان ضمن هرمية صارمة من الانتماء والإقصاء (شيشتاوي 2008). في هذا السياق، لا يكون الإقصاء عرضًا جانبيًا، بل شرطًا لإنتاج المدينة ذاتها: مدينة بلا تاريخ، بلا ذاكرة، وبلا إمكانية حقيقية للاجتماع خارج منطق السوق. (تحضرني هنا بعض النماذج لخطاب استشراقي بغيض، يطل علينا من نوافذ في مدن أمريكية وأوروبية ينادي بنسخ أفكار تلك المدن لغايات الرقي بمدننا العربية باعتبار تلك الطرائق وكأنها مفهومة طمنًا، ويجري استدعاء حتى أدوات الخطاب بشكل اعتباطي يخلو من الحد الأدنى من الوعي بالموقعية ومحاولة النقد).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما في عمّان، فإن العنف يأخذ شكلًا مختلفًا، أقل استعراضًا، لكنه لا يقل عمقًا وأثرًا. ما يبدو وكأنه عملية "إعادة تنظيم حضري" أو "تحديث" هو، في جوهره، إعادة هيكلة طبقية للمدينة، تُعاد فيها صياغة الفضاء بما يخدم فئات محددة، بينما تُدفع فئات أخرى إلى أطراف غير مرئية. وهنا، يمكن قراءة هذه العمليات ليس فقط بوصفها إحلالًا طبقيًا  gentrification بالمعنى الكلاسيكي، بل كعملية تفكيك تدريجي للمدينة بوصفها فضاءً مشتركًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا ما تلتقطه هبة بو عكر في تحليلها لبيروت، وإدامة الحرب بما هي دينامية عملية التخطيط ككل، حيث تُظهر كيف أن التخطيط لا يعمل فقط كأداة تنظيم، بل كأداة لإدارة الصراع وإعادة توزيعه مكانيًا (بوعكر، 2018). فالتقسيم، وإعادة التطوير، وإنتاج المناطق "المستقرة" أو "غير المستقرة"، ليست مجرد نتائج جانبية، بل جزء من منطق تخطيطي يُعيد إنتاج الانقسام الطائفي والحربي بدل تجاوزه. وإذا كان هذا التحليل ينطلق من بيروت، فإنه يكشف بنية أوسع يمكن تتبعها في مدن عربية أخرى، حيث يُستخدم التخطيط لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي وفق خطوط سياسية، طائفية، أو اقتصادية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في القاهرة، يتخذ هذا المنطق شكلًا أكثر عنفًا، حيث تُمارس الدولة دورًا مباشرًا في تفكيك النسيج العمراني، تحت غطاء "التطوير" و"إزالة العشوائيات". هنا، لا يكون الهدم استثناءً، بل أداة تخطيطية مركزية، يُعاد من خلالها إنتاج المدينة بوصفها فضاءً قابلًا للضبط والسيطرة. وما يُمحى في هذه العملية ليس فقط المباني، بل أنماط حياة كاملة، وعلاقات اجتماعية، وذاكرة حضرية متراكمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، لا يمكن فصل هذه الحالات عن بعضها، رغم اختلاف سياقاتها. فما يجمع دبي، وعمّان، وبيروت، والقاهرة، ليس تشابهها، بل اشتراكها في خضوعها لمنطق واحد: إعادة تعريف المدينة بوصفها فضاءً قابلًا للإدارة، لا للعيش. وفي هذا المنطق، لا يكون التخطيط أداة لتحسين الحياة، بل وسيلة لإعادة توزيعها، بحيث تصبح بعض أشكال الوجود ممكنة، بينما تُقصى أخرى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يعمل دون أن يُعلن نفسه كعنف. فهو يتخفى في لغة التقنية، والتنمية، والاستدامة، وحتى "الحق في المدينة". لكنه، في جوهره، يعيد إنتاج نفس البنية التي تقوم عليها الإبادة العمرانية، وإن بوسائل مختلفة. فإذا كانت الحرب تُدمّر المدينة بشكل مباشر، فإن التخطيط يعيد تشكيلها بحيث تصبح غير قابلة للسكن لبعض سكانها، أو غير قابلة للحياة المشتركة أصلًا. وعليه، فإن الفصل بين الحرب والتخطيط يصبح غير ممكن. فكلاهما يعمل ضمن منطق واحد، يعيد تعريف من يحق له أن يكون داخل المدينة، ومن يجب أن يُدفع خارجها. وهنا، لا تعود المدينة مجرد ضحية للعنف، بل تصبح أداة لإنتاجه، وإعادة توزيعه، وتثبيته في شكلها العمراني ذاته.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>غزة سرة العالم ومفتاحه</strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليست غزة، في اللحظة الراهنة، ذروة مسار العنف على المدينة العربية فحسب، بل تمثل لحظة كاشفة تُعيد ترتيب أسئلتنا ذاتها. فهي لا تُظهر فقط ما يمكن أن تؤول إليه الإبادة العمرانية في أقصى تجلياتها، بل تتيح أيضًا إعادة فهم العلاقة بين المعرفة، والمدينة، والاستعمار، والرأسمالية خارج الأطر التي طالما حاصرت التفكير في المدينة العربية، كل مقاربة مفصولة بحقلها المعرفي، دون التفكير ولو للحظة بتداخل الحقول المعرفية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في غزة، لا تُدمَّر المدينة بوصفها بنية مادية فقط، بل بوصفها تاريخًا من العلاقات الحضرية التي ربطت هذا الجزء من العالم ببعضه البعض. فالإبادة الجارية لا تستهدف مكانًا معزولًا، بل تبني على ميراث من القطع الحضري في منطقتنا، ونفي امتدادات حضرية كانت، ولا تزال، تشكل نسيجًا إقليميًا متداخلًا: بين غزة والقاهرة، بين حيفا وبيروت، بين نابلس ودمشق. هذه العلاقات—التي كانت تُنتج المدينة العربية بوصفها فضاءً مفتوحًا، عابرًا للحدود—لم تُفكك في لحظة واحدة، بل عبر مسار طويل من التدخلات الاستعمارية التي أعادت رسم الجغرافيا، وحددت الحركة، وأعادت تنظيم الفضاء بما يخدم منطق السيطرة، وباتت الآن بيد الخطاب الاستهلاكي والريعي، ليعيد بنائها خدمة لدولة الاحتلال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، لا يمكن فهم ما يحدث في غزة بوصفه انقطاعًا، بل بوصفه امتدادًا. فالإبادة العمرانية الراهنة تتقاطع مع تاريخ أطول من السياسات الاستعمارية التي عملت على تفكيك العلاقات الحضرية في المنطقة، سواء عبر الاستعمار الأوروبي المباشر، أو عبر المشاريع الاستيطانية التي أعادت تشكيل المجال المكاني على نحوٍ يُقصي إمكان الاتصال والاستمرار. وما فعلته السياسات الاستيطانية الإسرائيلية في فلسطين—من فصل المدن عن بعضها، وتفكيك شبكاتها، وتحويلها إلى جزر معزولة، من قرى وبلدات لا ترقى لأن تكون مدينة حديثة—لا يختلف في منطقه عن ما مارسته قوى استعمارية أخرى، كما في الحالة الفرنسية في الجزائر، حيث أُعيد تنظيم المدينة بما يفصل، ويُصنف، ويُخضع، وما يفعله الآن رأس المال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غير أن ما يجعل غزة لحظة فارقة ليس فقط كثافة العنف، بل وضوحه وبنيته والقدرة الغزية على مواجهته. ففيها، تتقاطع كل المستويات التي اشتغل عليها هذا النص: المحو الإبستيمي، الإبادة العمرانية، العنف التخطيطي، ونقل النماذج الحضرية (مشاريع الاعمار أو الخطط الترامبية). إذ تُظهر غزة، بشكل لا لبس فيه، أن المدينة العربية لم تكن فقط مهمشة في النظرية، بل مستهدفة في الواقع، وأن ما قُدِّم بوصفه "تحديثًا" أو "تخطيطًا" أو "تنمية"، لا يمكن فصله عن بنية أوسع أعادت تعريف من وما يحق له أن يكون داخل المدينة، ومن يجب أن يُدفع خارجها. وعليه، فإن غزة لا تفرض علينا إعادة التفكير في الحرب فقط، بل في المدينة ذاتها: في كيف تشكلت، وكيف فُهمت، وكيف أُعيد إنتاجها ضمن علاقة غير متكافئة بين الشرق والغرب. فهي تكشف أن السؤال لم يكن يومًا تقنيًا—كيف نُخطط المدينة؟—بل كان، وما زال، سؤالًا سياسيًا ومعرفيًا: من يعرّف المدينة؟ ومن يملك حق إنتاجها؟ ومن يُقصى منها، أو يُمحى معها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا، لا يمكن أن يكون الاشتباك مع راهنية سؤال المدينة العربية مجرد استجابة لأزمة آنية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع لإعادة النظر في موقعنا تاريخيًا من المدينة ذاتها: ليس بوصفها موضوعًا للتخطيط، بل بوصفها شرطًا للوجود. أي أن السؤال لم يعد كيف نُحسّن مدننا، بل كيف نستعيد الحق فيها—في عمرانها، وفي ذاكرتها، وفي إمكانها، وبمنطق متحرر من المركزيات المفروضة علينا باسم الحداثة وأثمانها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فاستعادة المدينة العربية، في هذا السياق، لا تعني إعادة بناء ما دُمّر فقط، بل إعادة بناء القدرة على تخيلها خارج النماذج التي فُرضت عليها، وخارج الشروط التي جعلت تدميرها ممكنًا أصلًا. وفي هذا، ربما تكمن المفارقة الأشد: أن المدينة التي تُمحى أمام أعيننا، هي ذاتها التي تفتح أفقًا جديدًا للتفكير—ليس في نهايتها، بل في إمكانها الذي لم يُغلق بعد.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38253">مدخل في راهنية سؤال المدينة العربية: عن بيروت وغزة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تأملات على هامش الحرب: هوميروس في كربلاء</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/38025</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 07 Apr 2026 07:48:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=38025</guid>

					<description><![CDATA[<p>مدخل أول في كتابه الفذ "الشفاهية والكتابية" (1982)، يشير والتر أونج إلى مركزية الإلياذة والأوديسا الهومريتان (نسبة إلى هوميروس)  في المخيال والثقافة الغربية، وكيف أنها ساهمتا في بناء العالم للغرب. يرى أونج أنه "في الثقافات الشفوية كانت الأشكال السردية مثل الملحمة تحفظ المعرفة حول كيفية عمل العالم وكيف ينبغي للبشر أن يتصرفوا." (أونج 1982، 43) [&#8230;]</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38025">تأملات على هامش الحرب: هوميروس في كربلاء</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><strong><span style="color: #ff0000;">مدخل أول</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتابه الفذ "الشفاهية والكتابية" (1982)، يشير والتر أونج إلى مركزية الإلياذة والأوديسا الهومريتان (نسبة إلى هوميروس)  في المخيال والثقافة الغربية، وكيف أنها ساهمتا في بناء العالم للغرب. يرى أونج أنه "في الثقافات الشفوية كانت الأشكال السردية مثل الملحمة تحفظ المعرفة حول كيفية عمل العالم وكيف ينبغي للبشر أن يتصرفوا." (أونج 1982، 43) فقد "كان هوميروس بمثابة موسوعة الشعب اليوناني." (هافيلوك 1963، 61)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولكن ما المميز في الملحمة الهومرية؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول إيريك هافيلوك أن اليونانيين تعلموا أخلاقهم وتاريخهم وسياساتهم من خلال شعرية هوميروس في محلمته، ليس هذا فحسب، إنما لطالما كانت الملحمة لحظة قصها والتغني بها حدثًا أدائيًا، ما يعني أن الزمان والمكان لحظة السرد يتغير بما يناسب البطولة، وعليه كانت الملحمة مرآة للخيال الجمعي للمجتمع اليوناني (كامبل 1949، 18) تأتي مركزية الملحمة الهومرية، واستعادتها هنا من كون "الثقافات الشفوية تصوغ معرفتها كلها تقريبًا بالرجوع إلى عالم التجربة الإنسانية الحية." (أونج 1982، 42). أي أن الشفاهة هنا هي الصفة المفارقة فيما يتعلق بطريقة تكون العالم وترتيبه من خلال السرد وأثره على بناء الجماعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يدعونا هذا الحديث إلى الانطلاق من ثقافتنا العربية الشفاهية في أصلها وجذرها وتأثيراتها وأثرها للبحث عن ملحمة شعرية يمكننا أن نعدها لنا في هذه اللحظة الفارقة من التاريخ، وبالذات مع ما يقع عليها وعلينا من حرب إبادية لم تعد مقيدة بحدود غزة، وبظاهر العلاقة مع النظام الاستعماري الاحلالي الصهيوني الإبادي الإسرائيلي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فبينما الكتابة تعيد تشكيل الوعي، كما يقول أونج (أونج 1982، 78) هي أيضًا تعيد تشكيل العالم. انتقلت الملحمة من الشفاهية بما فيها من أداء وبطولة وقصص، إلى المفاهيم والتجريد والفلسفة، ولعلنا نتفق هنا مع  قول إيريك هافيلوك أن الكتابة هي التي ساعدت على ظهور الفلسفة اليونانية (هافيلوك 1963، 63). وهنا نتنبه إلى أن الكتابة بما هي فعل تثبيت عنيف ومادي وجسدي، نقلت الحقيقة من كونها ما يتبادله المجتمع تفاوضًا وتبادلًا بالعلاقة الجسدية بين أفراده وزمانهم ومكانهم إلى أن أصبحت الحقيقة هي النص المكتوب، وهنا نبني مدخلنا لفهم الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإبادية على إيران، بما هي حرب محو وكتابة.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">مدخل ثان</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يرى الفيلسوف الألماني العنصري، هيغل أن شعبًا أو أمةً (ما) يفتقران إلى التاريخ لا لأنهما لا يعرفان الكتابة، بل لأنهما يفتقران في دولتهما إلى ما يكتبان عنه. فقد نبذ هيغل الهنود الأمريكين لأنهم "عديمي الذكاء على نحو واضح" (غُها 2019، 52) وولا يتميزون بغير "الدونية على كل صعيد" (هيغل 1982، 164). بينما قال على الهند، التي كان معجبًا بمنجزاتها الفكرية: "من الواضح لكل من لديه ولو معرفة بدئية بكنوز الأدب الهندي، أن هذا البلد، الغني إلى هذا الحد بالمنجزات الروحية ذات النوعية العميقة حقًا، لا تاريخ له"، وفي موضع آخر يقول: "ليس للهند كتب دينية قديمة وأعمال شعرية رائعة فحسب، بل كتب قانونية قديمة أيضًا ...، ومع ذلك، فهي لا تزال بلا تاريخ." (غها 2019، 53)</span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="alignleft wp-image-38028" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/518935AVC7L._AC_UF8941000_QL80_.jpg" alt="" width="351" height="550" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/518935AVC7L._AC_UF8941000_QL80_.jpg 638w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/518935AVC7L._AC_UF8941000_QL80_-191x300.jpg 191w" sizes="(max-width: 351px) 100vw, 351px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه الإشارات التي أوردها هيغل في "محاضرات في فلسفة التاريخ العالمي" (1837)، تمكننا من فهم التغيرات التي طرأت على المنظور الاستعماري والمركزية الغربية بعد مغامرات هرناندو كورتيس الذي أباد الآزتك في أمريكا الوسطى، وروبرت كلايف الذي أسس السيادة العسكرية والسياسية لشركة الهند الشرقية في البنغال وأمن الهند وثرواتها للتاج البريطاني. لكن هيغل في عام 1930، سنة المسودة الثانية أضاف تعديلًا على صيغة "لا كتابة لا تاريخ"، والتي كانت تحظى بقبول كبير لدى المستعمرين والامبرياليين، لتغدو "لا دولة لا تاريخ".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غير أن المسألة لا تقف عند حدود الانتقال من الشفاهية إلى الكتابة بوصفه تحولًا تقنيًا أو معرفيًا أنتج دولةً (ما) فحسب، بل تتصل أيضًا بتحولٍ في سلطة تعريف الحقيقة ذاتها. فإذا كانت الملحمة الشفوية تنتج العالم من خلال الأداء، والتداول، والجسد، والذاكرة الجمعية، فإن الكتابة الحديثة، حين التحمت بالدولة والإمبراطورية، حوّلت الحقيقة إلى نصٍّ مثبت، وإلى أرشيف، وإلى سردية سيادية تحتكر القول في من يملك التاريخ ومن يُحرم منه. بهذا المعنى، لا تكون الكتابة مجرد وسيلة لحفظ العالم، بل أداة لإعادة ترتيبه هرميًا: إدخال شعوب في التاريخ، وطرد أخرى منه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا تكتسب ملاحظات هيغل في محاضرات في فلسفة التاريخ العالمي دلالتها الاستعمارية الحاسمة. فالمسألة عنده ليست أن بعض الشعوب بلا ماضٍ أو بلا خيال أو بلا منجز رمزي، بل أنها لا تستوفي شروط “التاريخ” كما يعيد تعريفه العقل الغربي الحديث: الدولة، الأرشيف، والسيادة القادرة على تدوين نفسها باعتبارها ذاتًا كونية. لذلك أمكن له أن يعترف للهند بثراءٍ أدبي وروحي وقانوني، ثم يصرّ في الآن نفسه على أنها “بلا تاريخ”. هذا ليس تناقضًا عرضيًا، بل هو منطق التاريخ العالمي نفسه حين يُصاغ من مركز إمبراطوري: الاعتراف بالمادة الحضارية للمستعمَرين، مع إنكار أهليتهم لامتلاك التاريخ.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذا كان هيغل قد منح هذا الإقصاء صيغته الفلسفية الكلاسيكية، فإن خطاب وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن في 14 شباط فبراير 2026 يكشف صيغته السياسية الراهنة؛ إذ لم يكتفِ باستدعاء ضرورة “إعادة تنشيط الغرب”، بل أحال أيضًا إلى إرث “الإمبراطوريات الغربية الكبرى” ودعا الأوروبيين إلى تجاوز “الشعور بالذنب والعار” المرتبط بتاريخ الاستعمار. هنا لا يعود الاستعمار ماضيًا يُعتذر عنه، بل رأس مال رمزيًا يُستعاد في لحظة مأزق غربي بنيوي، يقوم على المحو ومن ثم إعادة الكتابة بالحرب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا السياق، تبدو الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران استمرارًا لهذا التراث لا من جهة العنف العسكري وحده، بل من جهة بنيته المعرفية أيضًا: فكما أُخرجت شعوب كاملة من التاريخ لأنها لم تكتب نفسها وفق شروط الغرب، تُستهدف إيران اليوم لا بوصفها دولة خصمًا فقط، بل بوصفها عقدةً تاريخية وسياسية وثقافية ينبغي تفكيكها، وتحييد قدرتها على أن تكون فاعلًا في كتابة الإقليم ومعناه. الحرب هنا ليست تدميرًا للموقع فحسب، بل تدميرٌ لحقّه في أن يروي نفسه.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">عن ملحمة لا تنتهي: كربلاء وإنتاج العالم</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا ينقص العرب والمسلمين ملحمة تراجيدية في تاريخهم توازي وتتفوق على مركزية الملحمة الهومرية بشقيها، فتراجيديا كربلاء من حيث تراكبيتها وموقعيتها في الوجدان العربي والإسلامي، قد تعرضت إلى ما تعرضت إليه آداب الهند وغيرها من الشعوب على يد المستعمر الأول، ومن بعده أتت الرأسمالية والحداثة، وما استبطنتاه من سياسات محو، وظفت كل ما قد نتخيله لتمحو وتطمس هذا الإرث، بداية من الطائفية وصولًا على الحروب.</span></p>
<p><img decoding="async" class="alignleft wp-image-38026" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/61ePUfxO2PL._AC_UF10001000_QL80_.jpg" alt="" width="351" height="562" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/61ePUfxO2PL._AC_UF10001000_QL80_.jpg 625w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/61ePUfxO2PL._AC_UF10001000_QL80_-188x300.jpg 188w" sizes="(max-width: 351px) 100vw, 351px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مثل استشهاد سبط رسول الله وابن علي وفاطمة في أرض كربلاء في العاشر من محرم من عام 61 للهجرة المصادف العاشر من تشرين أول أكتوبر من العام 680 ميلادية، حدثًا فارقًا في تاريخ المسلمين والعرب؛ إلا أنه ليس بالحدث التاريخي وحسب، حتى وإن كانت كربلاء بوصفها واقعة تاريخية محددة في الزمان والمكان، حيث استشهد الحسين بن علي وآل بيته وأصحابه في سهل كربلاء بعد مواجهة قصيرة مع جيش الدولة الأموية بقيادة عبيد الله بن زياد. في مستوى الحدث المباشر، يمكن قراءة الواقعة بوصفها حلقة من حلقات الصراع السياسي الذي أعقب تشكّل الدولة الإسلامية الأولى، حيث تحولت مسألة الخلافة إلى صراع على الشرعية والسلطة بين مشاريع سياسية مختلفة. غير أن ما يمنح كربلاء مكانتها الفريدة في التاريخ الإسلامي العربي والشرقي عمومًا ليس مجرد وقوعها، بل قدرتها الاستثنائية على تجاوز حدودها الزمنية الضيقة لتصبح حدثًا دائم الحضور في الوعي الجمعي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فكربلاء، على خلاف كثير من الوقائع التاريخية التي تبقى أسيرة زمنها، تحولت إلى أصلٍ تأويلي يُعاد عبره فهم الظلم والسلطة والعدل. فالحدث هنا لا يظل حبيس الماضي، بل يصبح إطارًا رمزيًا يستدعى باستمرار لفهم الحاضر وإعادة تفسيره. وبهذا المعنى، لا تكون كربلاء مجرد واقعة من وقائع التاريخ الإسلامي، بل لحظة تأسيسية تُعاد كتابتها في كل جيل بوصفها نموذجًا أخلاقيًا للصراع بين الحق والسلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غير أن هذا التحول من الحدث إلى النموذج لم يكن ممكنًا لولا البنية الاجتماعية التي تشكلت حول كربلاء عبر القرون. فالمجالس الحسينية، وتلاوة المقتل، والمراثي الشعرية، واللطميات، ومسرح التعزية، والمواكب، والزيارات، كلها ليست تعبيرات شعائرية فحسب، بل مؤسسات اجتماعية كاملة لإعادة إنتاج الحدث. من خلال هذه الطقوس لا تُستعاد ذكرى كربلاء فقط، بل تُعاد صياغة الجماعة نفسها عبر المشاركة الجسدية والعاطفية في استذكار الألم والعدالة المفقودة، عبر ممارسة بالأساس شفاهية تعيد موضعة الحدث في سياقه الآني. في هذا المستوى، لا تكون كربلاء نصًا محفوظًا في الكتب، بل حدثًا يُعاد تمثيله في الأجساد والأصوات والإيقاع والدموع والتغني المشترك، بل وحتى تنظيم تلك المجالس. فالتكرار الأدائي للمراثي واللطميات يحول الذاكرة إلى ممارسة جماعية حية، بحيث يصبح الحدث التاريخي حاضرًا في كل مرة يُعاد فيها إنشاده. ومن هنا تكتسب كربلاء قوة استثنائية في تشكيل الجماعة، لأنها لا تُحفظ في الأرشيف فقط، بل في الذاكرة الحسية للجسد الجماعي، وحتى أداة تشكيل للمدينة كما يرى بذلك  إبراهيم الحيدري في كتابه "تراجيديا كربلاء" (1999). </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع مرور الزمن، تطورت هذه البنية الاجتماعية لتنتج منظومة رمزية كاملة. ففي المخيال الشيعي لم تعد كربلاء مجرد حادثة تاريخية تُروى، بل أصبحت لغة رمزية يُقرأ بها العالم. فالحسين لا يظهر بوصفه شخصية تاريخية فحسب، بل رمزًا للحق والموقف الأخلاقي، بينما يتحول يزيد إلى رمز للسلطة الظالمة. وبين هذين القطبين تتشكل شبكة من الرموز التي تمنح الجماعة مفردات لتفسير الظلم والمقاومة والشهادة. بهذا المعنى، تصبح كربلاء معجمًا رمزيًا أكثر منها قصة تاريخية. فالناس لا يتذكرونها فقط، بل يفكرون من خلالها، ويستخدمون مفرداتها لفهم ما يواجهونه من ظلم أو صراع أو تضحية. ولذلك يمكن القول إن كربلاء تعمل بوصفها جهازًا تأويليًا يربط الماضي بالحاضر ويمنح التجربة التاريخية معنى أخلاقيًا مستمرًا. إن قوة كربلاء لا تكمن في رمزيتها وحدها، بل في بنيتها الجمالية أيضًا. فالمراثي الحسينية واللطميات والتعزية ليست مجرد وسائل لنقل الحكاية، بل أشكال فنية كاملة تنتج أثر الحدث في الوجدان الجمعي. في هذه الجمالية يلتقي الشعر بالصوت، والإيقاع بالجسد، والدموع بالصورة المسرحية، ليصنعوا معًا اقتصادًا جماليًا متكاملًا للحداد والبطولة والشهادة. فالجمالي هنا ليس طبقة فوق الحدث، بل الوسيط الذي تُعاد عبره صياغة الذاكرة الجماعية. إن القصيدة التي تُنشد في المجلس، والنبرة التي تُلقى بها، والإيقاع الذي يتكرر في اللطم، كلها عناصر تُحول التاريخ إلى تجربة حسية مشتركة. ومن خلال هذا الاقتصاد الجمالي تتشكل حساسية أخلاقية كاملة تجعل من كربلاء معيارًا لفهم العدل والظلم في العالم. من هنا تأتي أهمية النص الصوتي/الشفاهي للملحمة فهي ليست مجرد قصة عن الماضي، بل سردية كبرى تعيد ترتيب العالم أخلاقيًا ورمزيًا. وكما أدت الملاحم الكبرى في الثقافات القديمة دورًا في تنظيم الذاكرة الجماعية وصياغة تصور المجتمع لنفسه ولتاريخه، فإن كربلاء تؤدي وظيفة مشابهة في المخيال الشيعي، حيث تتحول الشهادة إلى مبدأ مؤسس للهوية الأخلاقية للجماعة. إن كربلاء ليست مجرد حادثة في التاريخ، بل شكلًا من أشكال إنتاج العالم. فهي لا تحفظ الماضي فقط، بل تمنح الحاضر طريقة لفهم نفسه، وتمنح الجماعة لغةً رمزية وجمالية تُعرّف بها موقعها في التاريخ.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">هوميروس في كربلاء: نظامان لإنتاج العالم</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كانت كربلاء قد تطورت عبر القرون من حدث تاريخي إلى بنية اجتماعية ثم إلى منظومة رمزية وجمالية كاملة، فإن هذا التحول يضعها في أفق أوسع من مجرد تاريخ ديني أو طقسي، رغمًا عن سوءات الخطاب الطائفي الذي استثمرت فيه الكثير من دول وأنظمة عربية، بإيعاز غربي استعماري. فهي -كربلاء- في هذا المعنى، تقترب من وظيفة الملاحم الكبرى التي أدت في حضارات مختلفة دورًا تأسيسيًا في تنظيم الذاكرة الجماعية وصياغة تصور المجتمع للعالم.</span></p>
<p><img decoding="async" class="alignleft wp-image-38027" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/91suHJZpsWL._AC_UF10001000_QL80_.jpg" alt="" width="351" height="540" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/91suHJZpsWL._AC_UF10001000_QL80_.jpg 650w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/04/91suHJZpsWL._AC_UF10001000_QL80_-195x300.jpg 195w" sizes="(max-width: 351px) 100vw, 351px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الثقافة الغربية الكلاسيكية، احتلت الإلياذة والأوديسة المنسوبتان إلى هوميروس موقعًا مماثلًا. فقد شكّلت هاتان الملحمتان، لقرون طويلة، أحد أهم المصادر التي صاغت المخيال الأخلاقي والسياسي للعالم اليوناني القديم. وكما لاحظ والتر أونج، فإن المجتمعات الشفوية لا تحتفظ بمعرفتها في صيغ نظرية مجردة، بل في سرديات كبرى قادرة على حفظ الخبرة الاجتماعية في قصص بطولية قابلة للتذكر والتكرار. لذلك فإن الأشكال السردية مثل الملحمة كانت، في هذه الثقافات، تحفظ المعرفة حول كيفية عمل العالم وكيف ينبغي للبشر أن يتصرفوا. (أونج 1982، 43) لكن ما يهم في هذه المقارنة ليس فقط التشابه في الوظيفة الثقافية، بل أيضًا الاختلاف في البنية الأخلاقية التي تنتجها كل ملحمة. ففي الإلياذة، تدور الملحمة حول بطولة الفعل والإنجاز الحربي، حيث يسعى البطل إلى تخليد اسمه عبر المجد الذي يحققه في ساحة القتال. إن المجد هنا هو القيمة المركزية التي تمنح الفعل الإنساني معناه، ويصبح الموت نفسه مقبولًا إذا كان يؤدي إلى تخليد الاسم في الذاكرة الجماعية. أما في كربلاء، فإن مركز الثقل الأخلاقي ينتقل من المجد إلى الشهادة. فالبطل هنا لا يسعى إلى النصر العسكري أو إلى تخليد اسمه عبر الانتصار، بل إلى تثبيت موقف أخلاقي في مواجهة سلطة يراها جائرة. ولذلك فإن القيمة المركزية في هذه الملحمة ليست المجد، بل التضحية. فالموت في كربلاء لا يُقرأ بوصفه خسارة في معركة، بل بوصفه انتصارًا أخلاقيًا يثبت أن العدالة يمكن أن تُصان حتى في لحظة الهزيمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى يمكن القول إن الملحمتين تنتجان تصورين مختلفين للعالم. ففي الملحمة الهومرية يتشكل العالم حول البطولة والفعل الذي يخلّد صاحبه، بينما يتشكل العالم في ملحمة كربلاء حول الموقف الأخلاقي الذي يمنح الفعل معناه حتى لو انتهى بالموت. وفي كلتا الحالتين لا تكون الملحمة مجرد قصة عن الماضي، بل نظامًا رمزيًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والتاريخ والعدالة. غير أن التشابه الأعمق بين هاتين الملحمتين يكمن في أنهما لا تعكسان العالم فحسب، بل تسهمان في إنتاجه. فكما أسهمت الملاحم الهومرية في تشكيل المخيال الغربي القديم حول البطولة والسلطة والحرب، فإن كربلاء أسهمت في تشكيل المخيال الشيعي حول المظلومية والشهادة والعدالة. وفي الحالتين تتحول الملحمة إلى جهاز رمزي يمنح الجماعة لغة لفهم نفسها وتاريخها وموقعها في العالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعند هذه النقطة تحديدًا يكتسب الانتقال من المقارنة الثقافية إلى السؤال السياسي الراهن أهميته. فإذا كانت الملاحم الكبرى تنتج أنماطًا مختلفة لفهم العالم وترتيبه أخلاقيًا، فإن الصراعات المعاصرة لا يمكن فهمها فقط بوصفها صراعات على الأرض أو الموارد أو النفوذ السياسي، بل بوصفها أيضًا صراعات بين أنظمة مختلفة لإنتاج العالم نفسه. وهنا يصبح من الممكن قراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أفق أوسع من مجرد نزاع جيوسياسي، بوصفها مواجهة بين تصورات مختلفة للعالم وللتاريخ وللشرعية الأخلاقية.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الحرب بوصفها محوًا وكتابة: الإبادة الجمالية للملحمة</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كانت الملاحم الكبرى لا تكتفي بترتيب العالم بل تسهم في إنتاجه، فإن الصراع بين المجتمعات لا يجري فقط على الأرض والموارد والسيادة، بل أيضًا على طرائق تفسير العالم وسرد تاريخه. فالملاحم، بما هي نظم رمزية وجمالية للذاكرة، تمنح الجماعات لغةً لفهم نفسها ولتحديد موقعها في الزمن والتاريخ. ولذلك فإن استهداف هذه النظم لا يكون مجرد استهداف ثقافي أو رمزي، بل يصبح جزءًا من صراع أوسع على من يملك حق تعريف العالم نفسه. من هذا الموقع أمكننا فهم العنف الاستعماري الحديث بوصفه مشروعًا مزدوجًا: تدمير مادي للأرض والجسد، ومحو رمزي لذاكرة الشعوب وسردياتها. وقد أشار راناغيت غُها إلى أن التاريخ العالمي كما تشكّل في الفكر الأوروبي لم يكن مجرد وصف محايد لتطور المجتمعات، بل بنية معرفية تقوم على إدخال بعض الشعوب في التاريخ وإقصاء أخرى منه (غها 2019، 50).  ومن هنا يمكن فهم ما يشير إليه أميتاف غوش في كتابه "للحرب وجه آخر" (2023) (العنوان الأصلي للكتاب "لعنة جوزة الطيب The Nutmeg’s Curse"، حين يرى أن الاستعمار لم يكن مجرد توسع جغرافي أو اقتصادي، بل كان أيضًا مشروعًا لتدمير أنماط أخرى من المعرفة والعلاقة بالعالم. فالعنف الاستعماري لم يقتصر على السيطرة على الأرض، بل استهدف كذلك الأنظمة الرمزية والثقافية التي من خلالها تفهم المجتمعات علاقتها بالطبيعة والتاريخ. في هذا السياق يصبح من الممكن قراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بوصفها امتدادًا لهذا التراث الطويل من محو العوالم الرمزية للشعوب غير الغربية. فالحرب هنا لا تستهدف دولةً بعينها بوصفها خصمًا جيوسياسيًا فقط، بل تستهدف فضاءً حضاريًا وثقافيًا يمتد لآلاف السنين. إن المواجهة، بهذا المعنى، لا تدور فقط بين قوى عسكرية أو تحالفات دولية، بل بين أنماط مختلفة لإنتاج العالم وترتيبه أخلاقيًا ورمزيًا، ولعل أكثر ما يمثل هذه المعادلة: حرب تنها موسيقا التكنو والترانس، بكا ما فيها من خواء، على اللطميات والبكائيات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن استهداف إيران في هذا السياق لا يمكن فصله عن هذه البنية الرمزية الأوسع. فالحرب لا تسعى فقط إلى تحييد قوة سياسية أو عسكرية، بل إلى تفكيك قدرة هذا الفضاء الحضاري على الاستمرار بوصفه فاعلًا في إنتاج المعنى والتاريخ في المنطقة، وبالذات أنه معنى مخالف لسردية المركزية الأوروبية الغربية، شكل آخر من ترتيب العالم. ولذلك يمكن القول إن ما يجري لا يقتصر على محاولة إخضاع دولة، بل يمتد إلى محاولة إضعاف أحد الأنظمة الرمزية التي تمنح شعوب هذه المنطقة لغة لفهم الظلم والمقاومة والعدالة. إن العنف هنا لا يدمّر المدن والبنى التحتية فقط، بل يسعى أيضًا إلى تقويض البنية الجمالية والرمزية التي تمنح الجماعات قدرتها على رواية نفسها. ما نشهده هو شكل من أشكال الإبادة الجمالية الملحمية. وهي إبادة لا تستهدف البشر أو المؤسسات فحسب، بل تستهدف منظومة الصور والأصوات والسرديات التي تشكّل الذاكرة الأخلاقية لجماعة ما. إنها محاولة لتدمير البنية الرمزية التي من خلالها ترى الجماعة نفسها وتفهم موقعها في العالم.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">اللطمية والتكنو</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بينما تمتد الجذور الثقافية لإيران عبر طبقات تاريخية عميقة تعود إلى آلاف السنين، حيث تداخلت فيها تقاليد الشعر والفلسفة والدين معلا الفنون والآداب والموسيقا والعمارة، تبدو البنية الثقافية الأمريكية حديثة التكوين نسبيًا. فالولايات المتحدة، بوصفها كيانًا سياسيًا حديث النشأة، لم تنشأ من تراكم حضاري طويل بالمعنى الذي عرفته الحضارات القديمة، بل من مشروع استيطاني تشكّل عبر الهجرة والاستعمار والاستحواذ على الأرض، والإبادة الثقافية والجنسية والجماعية، كما يرى بذلك منير العكش في ثلاثيته التي حملت نفس العناوين. هذا الفارق التاريخي لا يعني غياب الإنتاج الثقافي في التجربة الأمريكية، لكنه يكشف طبيعة مختلفة لبنية هذا الإنتاج. ففي حين تتشكل الثقافات القديمة عبر تراكم طويل للذاكرة والأسطورة والطقس والمخيال، تميل المجتمعات الحديثة إلى إنتاج ثقافتها في إطار مؤسسات السوق والإعلام والصناعة الثقافية. ولهذا تبدو كثير من منتجات الثقافة الأمريكية — من السينما إلى الموسيقى الشعبية — مرتبطة بآليات الإنتاج الصناعي والثقافي الحديث أكثر من ارتباطها بتقاليد رمزية عميقة الجذور. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المقابل، تمثل إيران مثالًا على فضاء حضاري يمتلك ذاكرة تاريخية كثيفة تمتد عبر قرون طويلة من الإنتاج الأدبي والفني والفلسفي. فمن الشعر الفارسي الكلاسيكي إلى التقاليد الصوفية، ومن الأساطير الإيرانية القديمة إلى الطقوس الشيعية المرتبطة بكربلاء، تتشكل بنية ثقافية عميقة تُعيد إنتاج نفسها باستمرار عبر اللغة والشعر والطقس والجماليات الاجتماعية. ولذلك فإن ملحمة كربلاء لا تظهر هنا بوصفها حدثًا دينيًا فحسب، بل بوصفها إحدى الطبقات الجمالية التي أعادت عبر القرون تنظيم الحساسية الأخلاقية والرمزية في هذا الفضاء الحضاري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هذا المنظور يمكن قراءة التوترات المعاصرة بين الغرب وإيران بوصفها تعبيرًا عن لحظة أوسع من التحول التاريخي. فكما يشير إيمانويل تود في تحليله لأزمة الغرب المعاصر، فإن المشروع الغربي الذي سيطر على العالم منذ القرن التاسع عشر يواجه اليوم مرحلة من التراجع والجدب والتآكل البنيوي. لا يعود ذلك فقط إلى التحولات الاقتصادية والجيوسياسية، بل أيضًا إلى تآكل القدرة الثقافية للغرب على تقديم نموذج حضاري جامع للعالم، ولعل ما عرف بملفات ابستين التي ليست إلا تنويعًا على تراث طويل وممتد من تلك الممارسات الوحشية والتي يتغير غلافها وسياقها من الاستعمار إلى الرأسمالية إلى الاستهلاك، إلا أنها تظل في جوهرها ثابتة، دليلنا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين يحدث هذا التآكل، تصبح القوة العسكرية إحدى الوسائل القليلة المتبقية لإعادة تثبيت المركزية المهددة. وهنا يتحول العنف الجيوسياسي إلى محاولة لإعادة كتابة العالم من جديد، ليس فقط عبر السيطرة على الجغرافيا، بل أيضًا عبر إضعاف الأنظمة الرمزية التي تمنح المجتمعات الأخرى قدرتها على إنتاج المعنى والتاريخ، والمقاومة. وبالتالي علينا أن ننظر إلى شكل خطابنا واستعاراتنا ونصوصنا، وهو ما علمتنا إياه غزة منذ عامين وأكثر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية (الغربية) في الشرق الأوسط هي أكثر من مجرد مواجهة بين دول أو تحالفات. إنها أيضًا صراع بين نظم جمالية وملحمية مختلفة لإنتاج العالم. فإذا كانت الملاحم القديمة قد منحت الحضارات لغتها لفهم البطولة والعدالة والتاريخ، فإن استهداف الفضاءات التي ما تزال تنتج مثل هذه السرديات يكشف أن الصراع على العالم ما يزال في جوهره صراعًا على من يملك القدرة على روايته. وعند هذه النقطة تعود الملحمة إلى موقعها الأول. فهي ليست بقايا من الماضي، بل شكل من أشكال القوة الثقافية التي تمنح المجتمعات القدرة على الاستمرار في التاريخ. وربما لهذا السبب تحديدًا يصبح استهداف هذه البنى الملحمية — ماديًا أو رمزيًا — جزءًا من الصراع المعاصر. فحين تفقد الحضارات قدرتها على إنتاج سردياتها الكبرى، تفقد معها قدرتها على تفسير العالم. أما حين تبقى هذه السرديات حية في الشعر والطقس والذاكرة الجماعية، فإنها تستمر في إعادة إنتاج العالم، حتى في أكثر لحظات التاريخ اضطرابًا.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/38025">تأملات على هامش الحرب: هوميروس في كربلاء</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>رسم العالم وسكنه: نظرية المكان بين بغداد والقاهرة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37667</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 03 Mar 2026 09:02:15 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37667</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37667">رسم العالم وسكنه: نظرية المكان بين بغداد والقاهرة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">عند دراسة تاريخ المدن يميل الباحث عادةً إلى الانطلاق  مما هو مرئي: شكل الشوارع، توزيع الأسواق، علاقة السلطة بالمجال، ثم يُفترض أن هذه العناصر المادية هي التي كوَّنت المدينة قيد الدراسة، ومن ثم يرحل إلى تاريخ تكون تلك البنى المادية، لينتهي إلى السلطة التي أوجدت تلك المدينة. غير أن هذا المنهج يفترض ضمنًا أن المكان موجود قبل إدراكه، وأن المعرفة تأتي لاحقًا لتصف واقعًا ماديًا مكتملًا. لكن قراءة الجغرافيا الإسلامية المبكرة تضعنا أمام ترتيب معاكس تقريبًا؛ إذ يبدو أن المدينة لم تُفهم بوصفها بنية مادية أولًا، بل بوصفها إمكانية معرفية مستمرة. فالمشكلة التي واجهت الإنسان لم تكن أين يبني، بل كيف يصبح العالم قابلًا لأن يُبنى فيه أصلًا، وذلك شكل علائقي مع الكون والعالم. ولهذا فإن النصوص الجغرافية لا تبدأ بتحديد الحدود أو القياسات، بل ببناء صورة تبادلية يمكن العيش داخلها: تذكر فيها الطرق قبل المسافات، والعلاقات قبل المواقع، والقصص قبل التضاريس. المكان لا يُعطى باعتباره إحداثيات بل باعتباره شبكة من أنماط الوجود والتأويل والتبادل والترميز.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا يلتقي هذا المنظور مع تحليل ابن خلدون للعمران؛ إذ لا تفهم نشأة المدن بوصفها نتيجة التخطيط أو البناء، بل نتيجة اجتماع بشري يخلق شروط الاستقرار أولًا. فالناس لا يجتمعون لأن الحيز المكاني موجود، بل تظهر المدينة لأن الاجتماع أصبح ممكنًا؛ بداية من الخطاب والمعنى، وصولًا إلى ماديته، ويأتي البناء في نهاية العملية لا بدايتها. وبذلك لا يكون العمران شكلًا معماريًا، بل حالة اجتماعية تنتج المكان ذاته، بكل ما في الجذر الثلاثي "م ك ن" من تعدد في المعنى. ومن ثم يصبح الوجود -بمعناه غير المحدود- سابقًا على الإقامة في المادي؛ إذ يستطيع القارئ أن يعرف مدينة لم يزرها ويشعر بقربها أو بعدها دون أن يقيسها، وأن يقرأها ويؤولها نصًا قبل أن تتحول إلى تفاصيل. هذه القدرة على تخيّل المكان ليست أمرًا ثانويًا، بل هي ما يسمح بظهور المدينة نفسها، لأن السكنى لا تتحقق بمجرد البناء، بل حين يصبح الموضع مفهومًا، وفكرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى لا تكون الجغرافيا وصفًا للأرض بل شرطًا لإمكان العمران. فالمدينة لا تظهر حيث توجد الموارد أو السلطة فقط، بل حيث تتكوّن صورة للعالم تسمح للناس أن يروا أنفسهم داخله ومعه ومنه. ومن ثم فإن بغداد والقاهرة، لا يمكن فهمهما كبنيتين عمرانيتين نشأتا من ظروف سياسية أو اقتصادية فحسب، بل كتجسيدين ماديين لطريقة معينة في ترتيب الكون إدراكيًا؛ الحجر يأتي لاحقًا لتصور يجعل العيش ممكنًا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_37669" aria-describedby="caption-attachment-37669" style="width: 1222px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-37669" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/صورة-العالم-1.png" alt="" width="1222" height="1001" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/صورة-العالم-1.png 1222w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/صورة-العالم-1-300x246.png 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/صورة-العالم-1-1024x839.png 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/صورة-العالم-1-768x629.png 768w" sizes="(max-width: 1222px) 100vw, 1222px" /><figcaption id="caption-attachment-37669" class="wp-caption-text">صورة العالم</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">السرد الجغرافي بوصفه صناعةً للمكان</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا تنتج النصوص الجغرافية المكان عبر تحديد موقعه فحسب، بل عبر إدخاله تدريجيًا في أفق التجربة الممكنة، والتي تمتحن علاقة الإنسان بالعالم. فالجغرافي لا يذكر المدينة باعتبارها نقطة على سطح الأرض، بل باعتبارها موضعًا داخل سلسلة من الحركات: كيف يُقصد إليها، من يمر بها، ما الذي يُحمل إليها ومنها، ومن أقام فيها أو ارتحل عنها، وما بنية الرموز التي تحملها المدينة. بهذا المعنى لا تُقدَّم المدينة ككيان مكتمل بل كمرحلة في رحلة وجود. فوجودها لا يُدرك من ثباتها بل من إمكان الوصول إليها، باعتبارها محطة وصول. ولذلك تتقدّم أخبار الطرق على تحديد الحدود، وتسبق أوصاف الأسواق قياس المسافات، لأن الموقع لا يصبح مكانًا إلا حين يمكن تخيّله ضمن حركة البشر. في كتب المسالك والممالك يتشكل العالم بوصفه نسيج انتقال أكثر منه سطح انتشار. فالمواضع تُذكر عبر علاقتها بما قبلها وما بعدها: مرحلة بعد مرحلة، منزل بعد منزل. المسافة لا تُعطى رقمًا بل زمنًا؛ "مسيرة يوم"، "مرحلتان"، "بينهما ليلة". وهذا ليس نقصًا في القياس بل تحويل لطبيعة الإدراك نفسه، وفتحه على تأويلاته المركبة. فالمسافة الهندسية تقاس بالعين، تلك الحاسة التي انبنت عليها كل سياسات الامتلاك والترويض والاحتواء، أما المسافة الزمنية فتُعاش بالجسد. القارئ لا يتلقى صورة العالم دفعة واحدة، بل يعبره تدريجيًا، وكأنه يسافر داخل النص. ومن هنا تتكوّن معرفة عملية بالمكان قبل رؤيته؛ إذ يستطيع أن يتوقع موضع الماء، أو موضع السوق، أو نهاية العمران، لأنه تعلّم الإيقاع الذي تنتظم به الأرض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا الأسلوب السردي يخلق نوعًا من الألفة المسبقة. فحين تتكرر خصائص العمران في سياق الرحلة تصبح المدن مألوفة في تشابهاتها ومتمايزة في مفترقاتها حتى لغير زائرها. ولذلك لا يُبنى الانتماء بعد الوصول فقط، بل خلال الرحلة؛ إذ يصبح المكان جزءًا من خبرة القارئ المتخيلة، وممارسته اللغوية المركبة. وهكذا يتبين أن الجغرافيا السردية لا تهدف إلى إعطاء صورة نهائية للمكان، بل إلى تدريب القارئ على الدخول فيه. إن النص يخلق خبرة أولى بالعالم تجعل الانتقال داخله ممكنًا، بحيث يصبح المرور الفعلي استمرارًا لمرور سابق داخل اللغة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهنا تتحول الكتابة إلى شكل من الإقامة الرمزية: الإنسان يسكن الموضع لأنه صار قابلًا للتوقع والتذكر، لا لأنه رآه. الجغرافيا لا تسجل العالم بل تدرب على العيش فيه. ومن خلال هذا التدريب يتشكل ترتيب خاص للأرض. فالمهم ليس أين تقع المدن على سطح واحد، بل كيف تنتظم في شبكة عبور. الطريق يصبح بنية العالم الأساسية، والعقد التي يصل بينها هي ما يمنحه شكله. لذلك يمكن القول إن النص الجغرافي لا يقدّم خريطة جاهزة، بل ينتجها زمنياً داخل القراءة. فالقارئ يكوّن خريطته الخاصة مع تقدّم السرد، ومع كل انتقال تتماسك صورة العالم أكثر. بهذا تتحول الأرض من امتداد مجهول إلى مجال مألوف، ويصبح السكن ممكنًا لأن الفهم أصبح ممكنًا أولًا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_37668" aria-describedby="caption-attachment-37668" style="width: 900px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-37668" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-بغداد-الأصطخري.jpg" alt="" width="900" height="1244" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-بغداد-الأصطخري.jpg 900w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-بغداد-الأصطخري-217x300.jpg 217w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-بغداد-الأصطخري-741x1024.jpg 741w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-بغداد-الأصطخري-768x1062.jpg 768w" sizes="(max-width: 900px) 100vw, 900px" /><figcaption id="caption-attachment-37668" class="wp-caption-text">خريطة بغداد الأصطخري</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>الفقرة الثالثة</strong></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندما ظهرت الخرائط في هذا السياق لم تكن انتقالًا من الشفوي إلى البصري أو من الجهل إلى القياس، بل كانت إعادة صياغة لنفس المعرفة في وسيط مختلف. فالرسم لم يسعَ إلى القبض على سطح الأرض بوصفه موضوعًا مستقلًا عن الإنسان، بل إلى تثبيت البنية التي تشكلت داخل خبرة الحركة؛ باعتبار الأخيرة مادة تحدث في الزمن/التاريخ والمكان/الجغرافيا، وبالتالي فهي مادة تاريخية. ولهذا لم تُبنَ الخريطة على مبدأ المطابقة الهندسية، بل على مبدأ النص الإدراكي المجالي. ما ينبغي أن يُرى ليس الامتداد الفيزيائي، بل انتظام العالم بحيث يمكن العبور داخله ومنه وفيه. لذلك تتضخم المدن التي تتكرر في المسارات، وتنكمش الأطراف التي لا تدخل في التجربة، لا لأن الرسام يجهل حجمها، بل لأن حجمها المعرفي مختلف. فالخريطة لا تقيس المكان، بل تقيس حضوره في الحياة. من هنا يصبح الحكم على هذه الخرائط بمنطق الدقة الهندسية حكمًا خارج نظامها المعرفي. وهو الأمر الذي تتنبه إليه كارين بينتو في كتابها "الخرائط الإسلامية في العصور الوسطى"، وفيه تقول: "لايزال علم الخرائط الإسلامي مجالًا غير مدروس بالقدر الكافي (..) وذلك لأن تحليل الرسومات الذي يتم في ضوء دراسة الصور (الأيقونوغرافيا) يعد أمرًا مستحدثًا وغير مألوف بعيدًا عن نطاق تاريخ الفن الإٍسلامي، كما أن دراسة الرسومات والأشياء التي لا تتفق مع التعريف الصارم للفن المصغر والهندسة المعمارية يعتبر أمرًا نادرًا في إطار مجال تاريخ الفن. ونتيجة لذلك؛ فإن الرسومات التوضيحية في المخطوطات للعلوم والجغرافيا تم تجاهلها والتعامل معها بصفتها مسلمات في شتى التخصصات."   </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذ إن ما يبدو “خطأً” هو نتيجة اختلاف في تعريف الحقيقة المكانية نفسها. ففي التصور القياسي الحديث تكون الحقيقة مطابقةً بين الرسم والسطح، أما هنا فهي مطابقة بين الرسم والخبرة. الخريطة لا تُقارن بالأرض بل بالمكان بمعناه الأعم. إنها لا تُسأل: هل تشبه العالم؟ بل: هل تجعل المرور فيه ممكنًا؟ ولذلك يُعاد ترتيب الجهات وفق منطق الإدراك لا وفق إحداثيات ثابتة؛ فالقرب ليس مسافة بل إمكانية وصول وتأويل رمزي، والبعد ليس امتدادًا بل إعادة ترتيب. إن الفضاء هنا ليس متجانسًا؛ إنه كثيف حيث يكثر العبور وخفيف حيث ينقطع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولا يقتصر هذا المنطق على الرسوم، بل يظهر بوضوح في مدونات الجغرافيين والرحالة بوصفها حقلًا معرفيًا متكاملًا، لا مجرد مؤلفات متفرقة. ففي كتاب المسالك والممالك لا تُقدَّم المدن كمواضع مستقلة بل كمحطات داخل تسلسل عبور؛ يبدأ الوصف بالمنازل وتعاقب المراحل قبل الوصول إلى العمران نفسه، بحيث يبدو الموضع نتيجة للمسير لا نقطة ابتدائه. القارئ يتعلم الطريق قبل أن يتعلم المكان، وكأن المعرفة المكانية لا تنشأ من الرؤية بل من القدرة على بلوغها ذهنيًا. ولذلك تتكرر عبارات “منها إلى كذا” أكثر مما تتكرر أوصاف الشكل، لأن الهوية المكانية تُبنى عبر علاقتها بما حولها لا عبر حدودها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا المنطق لا يختص بكتب الطرق فقط، بل يظهر أيضًا في وصف المكان لدى المقدسي، حيث تتقدم أحوال السكان والوظائف الاقتصادية على التضاريس، فيغدو الإقليم مجال حياة لا مساحة أرض. المدينة تُعرّف بما يُفعل فيها: موضع تجارة أو علم أو عبور، لا بمجرد موقعها. وكذلك لدى الأصطخري، حيث تنتظم البلاد في شبكات انتقال متصلة تجعل الحدود أقل وضوحًا من المسارات؛ فالعالم يبدو سلسلة علاقات أكثر منه فسيفساء مناطق منفصلة. أما في مصنف الإدريسي فتتحول هذه العلاقات إلى صورة كلية: فالأقاليم تُبنى عبر اتصال المرافئ والطرق البحرية والبرية، حتى يبدو البحر نفسه طريقًا واسعًا لا حاجزًا. إن ترتيب المواضع هنا يعكس كثافة الحركة لا هندسة السطح.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_37673" aria-describedby="caption-attachment-37673" style="width: 640px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-37673" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-العالم-المستطيلة-من-الأصطخري-صورة-5.jpg" alt="" width="640" height="430" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-العالم-المستطيلة-من-الأصطخري-صورة-5.jpg 640w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-العالم-المستطيلة-من-الأصطخري-صورة-5-300x202.jpg 300w" sizes="(max-width: 640px) 100vw, 640px" /><figcaption id="caption-attachment-37673" class="wp-caption-text">خريطة العالم المستطيلة من الأصطخري</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتبلغ هذه الرؤية أقصى وضوحها في نصوص الرحلة لدى ابن بطوطة؛ إذ يصل الرحالة إلى مدينة يعرف إيقاعها قبل أن يراها: أين السوق، أين الجامع، أين موضع النزول. المعرفة لا تأتي بعد الوصول بل تسبقه، لأن النصوص السابقة كوّنت أفق توقع يوجّه التجربة ويراكمها باعتبارها تأويلات متراكبة لنص مكاني متداول في السرد قبل المادي. ولهذا يبدو الدخول تحققًا لما عُرف لا اكتشافًا لما جُهل فقط. الرحلة لا تكشف المكان بل تؤكد قابليته للفهم والتبادل والتأويل. وبذلك تشترك هذه المدونات، رغم اختلاف أنواعها، في وظيفة واحدة: تحويل الأرض من امتداد غريب إلى مجال مألوف عبر إمكان العبور داخله. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا تتضح العلاقة مع الخرائط: فهي لا تضيف معرفة جديدة بقدر ما تضغط معرفة متراكمة. ما تعلمه القارئ عبر التتابع السردي يصبح في الرسم بنية واحدة تُرى دفعة واحدة. الخريطة إذن ليست قطيعة مع النص بل ذروته؛ تجريد بصري لخبرة تشكلت أولًا في القراءة والرحلة. إنها تجعل العالم حاضرًا للنظر كما كان حاضرًا للخيال، وتحوّل الانتماء المتدرج إلى صورة ثابتة دون أن تفقده طبيعته الحركية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يلاحظ المستشرق الفرنسي صاحب الموسوعة في جغرافيا العالم الإسلامي، آندريه ميكيل أن الجغرافيين المسلمين رسموا العالم كفضاء حضارة تنتظم فيه العلاقات لا كمساحة متصلة، بينما يبيّن بول هيك وآدم سيلفرشتاين أن المعرفة الجغرافية كانت بناءً لنظام معنى يحدد موقع الجماعة في الكون أكثر من كونها تسجيلًا للمعلومات. فالحكم على هذه الخرائط بمنطق الدقة الهندسية الحداثية حكم خارج نظامها المعرفي لأن موضوعها ليس سطح الأرض بل إمكانية العيش فيه. ومن هنا لا تمثل الخريطة منظورًا علويًا محايدًا بل منظورًا إنسانيًا متجسدًا. إنها لا ترى العالم من خارجه بل من داخله، تضغط الزمن في المكان: تعاقب المراحل الذي عاشه المسافر يتحول إلى تزامن بصري سردي. ليست عين سيطرة بل ذاكرة تنظيم ومعنى للتأويل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، تتشكل المعرفة عبر المرور لا النظر، ويبيّن ترافيس زاده أن الجغرافيا الإسلامية تخييل يمنح العالم قابلية للفهم قبل صورته النهائية. وهكذا تتضح العلاقة: السرد ينتج قابلية التخيل، والرحلة تنتج قابلية التحقق، والخريطة تنتج قابلية الإدراك الكلي. فهي لا تضيف معرفة جديدة بقدر ما تضغط معرفة متراكمة؛ تجريد بصري لخبرة تشكلت أولًا في القراءة والعبور، لا تمثيلًا لواقع فيزيائي مستقل.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_37672" aria-describedby="caption-attachment-37672" style="width: 600px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-37672" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-المهدية-في-تونس-كتاب-الفضول.jpg" alt="" width="600" height="785" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-المهدية-في-تونس-كتاب-الفضول.jpg 600w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-المهدية-في-تونس-كتاب-الفضول-229x300.jpg 229w" sizes="(max-width: 600px) 100vw, 600px" /><figcaption id="caption-attachment-37672" class="wp-caption-text">خريطة المهدية في تونس - كتاب الفضول</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">بغداد</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا كانت النصوص الجغرافية والخرائط قد نظّمت العالم بوصفه شبكة عبور قابلة للفهم، فإن القبلة تنقله من مجال إدراكي إلى مجال معيش. فالمكان هنا لا يُعرَّف بإحداثياته بل باتجاهه؛ أي أن موضع الإنسان يتحدد بعلاقته بمحور يتجاوزه. وبذلك يتحول الفضاء من امتداد محايد إلى مجال توجّه دائم، حيث لا يوجد موقع بلا دلالة اتجاهية. ليست القبلة نقطة داخل العالم بل علاقة تجعل العالم كله قابلاً للتحديد من أي موضع فيه. يكفي أن يعرف الإنسان وجهته ليعرف مكانه، فلا تعود المعرفة المكانية قائمة على الإحاطة البصرية بل على التموضع العملي. العالم لا يُرى من الأعلى بل يُعاش من الداخل، وتصبح الحركة اليومية تذكيرًا مستمرًا بالبنية التي تنظّمه. بهذا المعنى لا تعمل القبلة عنصرًا معماريًا يُضاف إلى المدينة، بل جهاز إدراك ينتج نظامها؛ إذ تتشكل الأبنية والشوارع داخل مجال موجّه لا فوق سطح متجانس. ومن هنا يغدو الاتجاه أساسًا لبنية عمرانية ممكنة؛ فإذا كانت الخرائط قد جعلت العالم قابلاً للإدراك، فإن القبلة جعلته قابلاً للتجسيد المكاني.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignleft size-full wp-image-37674" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/baghdad.jpg" alt="" width="350" height="381" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/baghdad.jpg 350w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/baghdad-276x300.jpg 276w" sizes="(max-width: 350px) 100vw, 350px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عند هذه النقطة يظهر تأسيس بغداد ترجمة عمرانية مباشرة لهذا التحول. فمصادر تأسيسها لدى الطبري واليعقوبي لا تذكر مجرد بناء عاصمة، بل تصف ترتيبًا مقصودًا للفضاء: دائرة يتوسطها قصر الخليفة والجامع، ومنهما تنطلق طرق شعاعية إلى أبواب تقود نحو جهات العالم. هذا التنظيم لا يحقق الدفاع أو الإدارة فقط، بل يجعل المدينة قابلة للقراءة من داخلها؛ فالمواضع لا تُفهم باستقلالها بل بدرجة قربها من القلب، والحركة فيها انتقال بين مراتب ضمن بنية واحدة. وكما يمنح الاتجاه للإنسان موقعه في الأرض، يمنح المركز للساكن موقعه في المدينة. ولهذا لاحظ الجغرافيون أن بغداد بدت مركز الأقاليم وعقدة المسالك، أي أن مركزيتها لم تكن سياسية فقط بل إدراكية: المدينة تُعرَّف بما يتجه إليها بقدر ما تُعرَّف بما تحتويه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتؤكد الشواهد التاريخية اللاحقة أن هذه المركزية لم تبق رمزية؛ فقد غدت فعليًا ملتقى التجار والعلماء والرحالة من أطراف العالم الإسلامي، حتى تطابق الشكل مع الخبرة. يوضح المؤرخ المعاصر جاستن ماروزي أن بغداد كانت لقرون نقطة التقاء اقتصادي وثقافي وعلمي عالمي، بحيث لم يدخلها الناس كمدينة داخل العالم بل كموضع يُعاد عبره ترتيب العالم نفسه. هنا لا تعبّر الأدبيات عن مبالغة بل عن تجربة حضرية: المركزية لم تكن فكرة سياسية بل واقعًا يوميًا. ولا يقتصر حضور هذا المعنى على العمران والتاريخ، بل يظهر أيضًا في تمثيل المدينة كارتوغرافيًا. ففي خرائط إقليم العراق لدى الأصطخري وابن حوقل والمقدسي لا تُعرض بغداد كمدينة بين مدن، بل كنقطة تنتظم حولها شبكة الأنهار والطرق؛ فالإقليم لا يحتوي المدينة بل يُقرأ منها. والأهم أن الخرائط تحافظ على دائريتها الرمزية حتى بعد تغير شكلها العمراني، لأن موضوعها ليس هيئة المدينة بل وظيفتها المعرفية. وهكذا يتكرر المبدأ نفسه في مستويين: المدينة تنظّم الفضاء المعاش، والخريطة تنظّم الفضاء المتخيَّل. بهذا المعنى لا تكون بغداد عاصمة فقط، بل خريطة مأهولة: ما نظّمته الجغرافيا نظريًا جسّده العمران، وما أعطته القبلة اتجاهًا أعطته المدينة شكلًا. إنها ليست مدينة داخل العالم بل صورة للعالم حين يصبح قابلاً للسكن.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_37670" aria-describedby="caption-attachment-37670" style="width: 1000px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-37670" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-صقلية-كتاب-الفضول.jpg" alt="" width="1000" height="648" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-صقلية-كتاب-الفضول.jpg 1000w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-صقلية-كتاب-الفضول-300x194.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-صقلية-كتاب-الفضول-768x498.jpg 768w" sizes="(max-width: 1000px) 100vw, 1000px" /><figcaption id="caption-attachment-37670" class="wp-caption-text">خريطة صقلية -كتاب الفضول</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;"> القاهرة</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا تظهر القاهرة في الجغرافيا الإسلامية بوصفها مدينة احدى المدن المركزية فقط، بل بوصفها تحوّلًا في طبيعة المكان نفسه. فإذا جسّدت بغداد مبدأ المركز عبر صورة هندسية تنتظم حول قلب واحد، فإن القاهرة الفاطمية تقدّم تصورًا مكانيًا مغايرًا يقوم على الاتصال لا الإحاطة؛ فالعالم فيها لا ينتظم حول نقطة ثابتة بل عبر مجال حركة وانتشار وتأويل. فالفاطميون لم يؤسسوا عاصمة فحسب، بل أعادوا تعريف المجال الذي تُفهم فيه العواصم مكانًا وسياسة ومعنى وعلاقات، ولذلك لا تبدأ قصتها من تخطيطها العمراني وحده بل من موقعها داخل شبكة العالم الإسلامي كما صاغتها النصوص والخرائط معًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكشف الخرائط الفاطمية في القرن الحادي عشر أن التمثيل الجغرافي لم يعد وصفًا للأقاليم بل أصبح أداة إعلان سيادي. فالخريطة التي أُعدت للخليفة المعز في القرن العاشر لم تكن بحثًا علميًا بقدر ما كانت بيانًا سياسيًا يربط شخص الخليفة بجغرافيا المقدس ويعلن طموح الخلافة للامتداد عبر الحرمين إلى المجال الأوسع للإسلام. هنا يتحول التمثيل من تنظيم العالم إلى المطالبة به؛ فالمكان لا يُكتشف بل يُعلن الانتماء إليه قبل السيطرة عليه. ومن هذه النقطة يتغير مفهوم المدينة: فالخرائط البلخية عرضت العالم شبكة مدن متصلة عبر الطرق، أما الخرائط الفاطمية فتجعل المدينة صورة للسيادة نفسها، إذ تركز الرسوم على الأسوار والبوابات والمجمعات السكنية أكثر من تفاصيل الحياة اليومية. ما يُرسم ليس السوق بل القدرة على حماية السوق، أي قابلية الموضع لأن يكون مركز للسلطة والهيمنة، وضمن هذا الإطار تأسست القاهرة. فعند دخول الفاطميين مصر سنة 969 لم يُعاد تنظيم الفسطاط، بل أُنشئت مدينة جديدة مجاورة لها، لا بوصفها توسعًا عمرانيًا بل مجالًا رمزيًا مستقلاً يرتبط بمشروع الخلافة الإسماعيلية وشبكة الدعوة ودار العلم. ولهذا ارتبط عمرانها منذ البداية بإنتاج المعرفة بقدر ارتباطه بالسكن؛ فالمدينة تُبنى حين يصبح العالم نصًا معرفيًا قابلًا للتأويل انطلاقًا منها. وتشير نصوص الفضائل إلى تحول مصر من دار إمارة إلى دار خلافة بل إلى منافسة بغداد على مركزية العالم الإسلامي، ما يعني أن القاهرة لم تُنشأ داخل الخريطة بل بما هي إعادة صياغة لها ولطبقاتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نجد تجليات هذا الأمر بادية على المستوى العمراني بوضوح. إذ يصف المقريزي تكوين المدينة بما هو تراكم فضاءات متجاورة: القصور الفاطمية، ثم الجامع الأزهر، ثم الأسواق، ثم الامتدادات التي تشابكت مع الفسطاط ومرافئ النيل. لا يظهر مركز واحد يحتكر الوظيفة هنا، بل تتوزع البؤر بحسب المسارات؛ فالقلب ليس موضعًا ثابتًا بل يتشكل تبعًا للطريق الذي يسلكه المرء. وبذلك تُفهم المدينة من خلال المرور فيها لا من خلال الإحاطة بها، ويغدو الانتقال ذاته والحركة في المدينة مبادئ التنظيم العمراني. يرتبط ذلك بتصور جغرافي أوسع؛ فالقاهرة نشأت داخل شبكة تجارية وبحرية تمتد بين المتوسط والبحر الأحمر (بحر القلزم) والمحيط الهندي، لذلك لا تُقرأ داخل حدودها بل من خلال موقعها بين مجالات متعددة ومتشابكة. النيل يصبح محورًا إدراكيًا لا مجرد عنصر طبيعي؛ المدن تصطف على امتداده، والأسواق تتكون عند نقاط العبور، والاتجاه يقاس بمجرى الحركة لا بالمسافة عن مركزٍ واحد. ولهذا تُعرَّف تاريخيًا بوصفها معبرًا بين إفريقيا والشرق الإسلامي والبحر المتوسط، لا بوصفها نقطة إحاطة للأقاليم والمجالات المدينية والعمرانية؛ فالمجال لا يتحدد بعقد حضرية بل بمحور حياة مستمر، وتظهر القاهرة كعقدة تفسيرية داخل هذا التدفق لا حدوده.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_37671" aria-describedby="caption-attachment-37671" style="width: 720px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-37671" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-النيل-كتاب-القزويني-صورة-4.jpg" alt="" width="720" height="513" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-النيل-كتاب-القزويني-صورة-4.jpg 720w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2026/03/خريطة-النيل-كتاب-القزويني-صورة-4-300x214.jpg 300w" sizes="(max-width: 720px) 100vw, 720px" /><figcaption id="caption-attachment-37671" class="wp-caption-text">خريطة النيل - كتاب القزويني</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">ينعكس هذا بوضوح في الخرائط الإسلامية. ففي رسوم مصر لدىابن حوقل والأصطخري، ولاحقًا في صورة العالم عند الإدريسي، لا تُعرض القاهرة كدائرة مركزية كما في تمثيل بغداد، بل كنقطة على محور طولي يشكله النيل. تتكثف التفاصيل على مجراه وعلى الموانئ المرتبطة به بينما يبقى شكل المدينة نفسه ثانويًا؛ فالخريطة لا تهتم بتركيبات الموضع (الجغرافي) بل بوظيفته في الحركة. مصر تظهر بما هي ممر، والقاهرة بوابة عبور، أي أن الإقليم لا ينتظم حولها بل يتدفق عبرها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويتأكد هذا المنطق أكثر في الخرائط البحرية المرتبطة بالتقليد الفاطمي، حيث يُعرض المتوسط والبحر الأحمر لا باعتبارهما حدود للأرض بل كمساحات مأهولة بالملاحة. تتعدد أسماء المرافئ ومسارات السفن بينما تنكمش اليابسة إلى فواصل بين طرق العبور. في هذا السياق تبدو القاهرة عقدة تربط بين مجالين بحريين كبيرين، ويتحول النيل إلى امتداد للملاحة البحرية. قيمة الموضع هنا ليست في قربه من مركز ثابت بل في قدرته على وصل مسارات بعيدة؛ فالمدينة لا تنهي الطريق بل تمكّنه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لدى مقارنتها ببغداد يظهر اختلاف نوعي في تصور المكان في القاهرة؛ فبينما تُقرأ بغداد من داخلها إلى خارجها حيث ينتظم العالم حولها؛ فإن القاهرة تُقرأ من خارجها عبر ما يمر بها. في بغداد يتحدد الموقع بدرجة القرب من المركز، وفي القاهرة بدرجة الانخراط في الشبكة. ولذلك لا تعكس الخرائط شكل المدينة بل نمط إدراكها: الدائرة البغدادية تعلم النظام عبر القرب، بينما الخط النيلي والمسارات البحرية تعلم النظام عبر الحركة. بهذا المعنى تصبح القاهرة ترجمة عمرانية لنمط آخر من الجغرافيا الإسلامية نفسها؛ فهي ليست خريطة مأهولة كما هي حال بغداد، بل طريق مأهول. لا يعيش الساكن داخل ترتيب شعاعي يعيده إلى نقطة واحدة، بل داخل مجال انتقال يربطه بأمكنة متعددة. ومن ثم لا تُكتسب معرفة العالم فيها بالإحاطة بل بالعبور المستمر. المدينة هنا ليست صورة للعالم بل وسيلة للمرور فيه: عالم يُفهم لا من مركزه بل من اتصاله.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">من الخريطة إلى العصيان المعرفي</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تكشف بغداد والقاهرة، حين تُقرأان عبر خرائطيتهما، أن المكان لم يكن في هذا التقليد مادةً محايدة قابلة للتقسيم والتراكم الإنتاجي، بل علاقةً تبادلية ورمزية اجتماعية قابلة للسكنى. فالخرائط لم تُنتج أرضًا يمكن امتلاكها، بل عالمًا يمكن العيش فيه. وهذا الفرق هو بالضبط ما فقدته الجغرافيا الحديثة حين تحولت الخريطة إلى أداة سيطرة: من تنظيم العيش إلى تنظيم السيطرة، ومن ترتيب المعنى إلى ترتيب الموارد. فحين ظهر علم الخرائط الاستعماري لم تعد الأرض مجالًا للتأويل المشترك بل سطحًا قابلًا للقياس والتجزئة والتسليع؛ خطٌّ حدودي يفصل، وإحداثيٌّ يحدد الملكية، وشبكة نقلٍ تعيد تعريف المكان باعتباره مسار استخراج.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ضوء ذلك لا تبدو الجغرافيا الإسلامية مرحلة ما قبل علمية، بل تمثل منطقًا آخر للمعرفة المكانية والجغرافية، منطقًا لا يفصل بين إدراك العالم والسكن فيه. بغداد جسّدت مركزًا يُفهم منه العالم، والقاهرة جسّدت شبكة يُعاش عبرها العالم؛ وفي الحالتين لم يكن الفضاء موضوعًا خارجيًا بل شرطًا لعلاقة البشر بعضهم ببعض. المكان لم يُعرَّف باعتباره موضوع اقتصاد، بل بما إمكان اجتماع منفتح على ممكناته. ولهذا لم تكن الخريطة وعدًا بالسيطرة، بل شكلا للتبادل الرمزي للانتماء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن إعادة قراءة هذه النماذج اليوم لا يعني الحنين إلى شكل حضري ماضٍ، بل تحرير مفهوم المكان نفسه من اختزاله الجيواستراتيجي المعاصر، والمقيد برأسمالية الموارد والطاقة. فحين يُعاد تشكيل المنطقة وفق خرائط الممرات والطاقة والمناطق العازلة، يعود الفضاء إلى كونه حسابًا للقوة لا مجالًا للحياة. هنا تصبح استعادة تقاليد جغرافية أخرى فعل مقاومة معرفية: ليس رفض التقنية، بل رفض اختزال الأرض إلى وظيفة. فالعصيان المعرفي يبدأ حين نكف عن رؤية العالم بوصفه شبكة تحكم ونراه مجددًا شبكة عيش.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى لا تقدّم بغداد والقاهرة درسًا تاريخيًا فحسب، بل تفتحان إمكانية نقد للحاضر. فالجغرافيا التي تجعل المدينة خريطة مأهولة أو طريقًا مأهولًا تقترح تصورًا للمجال لا يقوم على الامتلاك بل على المشاركة، لا على التراكم بل على العبور. وفي لحظة يُعاد فيها رسم خرائط المنطقة وفق منطق السيطرة والاقتصاد والإبادة المستدامة في غزة والقاهرة وبيروت وجدة والعوامية وغيرها، يصبح التفكير في المكان خارج هذا المنطق فعلًا سياسيًا بحد ذاته: استعادة للقدرة على تخيل الأرض بما هي علاقة تبادلية جامعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن العودة إلى هذه الخرائط ليست استعادةً للماضي، بل تمرينًا على رفض الحتميات المعاصرة. فحين ندرك أن الخريطة يمكن أن تنظّم الحياة بدل أن تنظّم الهيمنة، يصبح ممكنًا تخيّل جغرافيا أخرى — جغرافيا لا تُحكم من أعلى، بل تُعاش من الداخل. إنها دعوة إلى عصيان معرفي مناهض لكل أشكال الكولونيالية والرأسمالية الحديثة.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37667">رسم العالم وسكنه: نظرية المكان بين بغداد والقاهرة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>السيد والبحر والمدينة: ماذا فقدنا برحيل داود عبد السيد؟</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37316</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 21 Jan 2026 09:46:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفلام]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37316</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37316">السيد والبحر والمدينة: ماذا فقدنا برحيل داود عبد السيد؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في تاريخ السينما المصرية والعربية، يقف داود عبد السيد على تخوم جيل صنع تحوّلًا جذريًا في معنى أن تكون السينما فنًا يفكّر لا يصف، فنًا يقترح لا يكرّر. هو ابن موجة جاءت بعد الكلاسيكيات المؤسسة للميلودراما والتحوّلات القومية في السينما، وبعد الطفرة الجماهيرية التي مثّلتها السينما التجارية في السبعينات والثمانينات، لكنها ليست موجة حداثية صادمة بقدر ما هي وعي مضطرب بالعالم، إلى جانب أسماء مثل محمد خان، عاطف الطيب، رأفت الميهي، خيري بشارة، ويسري نصر الله، ورضوان الكاشف. أسماء شكلت وعيًا وذاكرة بصرية لجيل تشغله الذات في مواجهة المدينة، والإنسان في مواجهة الزمن، لا البطولة ولا الملحمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن موقع داود عبد السيد داخل هذا الطيف ليس خطّيًا ولا قابلًا للتصنيف النمطي. فهو ليس واقعيًا اجتماعيًا بالمعنى الذي عُرف به محمد خان في "أحلام هند وكاميليا" (1988) حيث المدينة من الأسفل، واليومي المعيش مسرحًا دراميًا، أو "ضرية شمس" (1980) وبدايات الواقعية الحضرية الحديثة. ولا هو عاطف الطيب، الذي جسد العلاقة العارية مع السطلة في "البريء" (1986) والشارع بما هو فضاء قلق ومراقب في "الهروب" (1991). ولا هو – داود عبد السيد- تجريبيًا خالصًا مثلما هي سينما رأفت الميهي في "السادة الرجال" (1987) حيث العبث يمتد من البنى الجندرية وصولًا إلى العبث في ومع وبالقانون في "الأفوكاتو" 1983. ولا بصريًا أسطوريًا كما في بعض أعمال يسري نصر الله، مثل "مرسيدس" (1993) حيث المدينة المتاهة والعائلة مجازًا لتفكك الوطنية، وأخيرًا لم يكن يستخدم الواقعية السحرية كما فعل رضوان الكاشف في "الساحر" 2002.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">داود عبد السيد سينمائي تشكيلي-وجودي، يبحث عن المعنى من خلال إعادة تشكيل الواقع، لا عبر محاكاته. الصورة عنده ليست مرآة للمدينة بل طريقة لابتكارها من جديد، كأن الواقع في أفلامه مسودة أولى والسينما هي النسخة الأكثر صدقًا منه. هذه ليست سينما موضوعات، بل سينما تجارب حسّية: عالم تُبنى فيه القاهرة من داخل الشخصيات، لا من شوارعها فقط؛ وتتحول فيه التفاصيل اليومية—مقهى، شارع ضيق، بحر يلامس الأطراف—إلى بنية خطابية وجمالية في آن، ما يجعلها "سينما الهموم الشخصية"، كما وصفها الكاتب المصري علاء خالد في كتاب مقابلاته مع الراحل. هنا يختلف عبد السيد عن جيله: إنّ فيلمه لا "يمثّل" المدينة، بل يفكّر بها، ولا يلتقط ملامح زمنه فحسب، بل يقترح ما يمكن أن يصير إليه الزمن. ولهذا تقترب أفلامه من حافة الاستشراف، لا بما هي نبوءة، بل بصيرة متوترة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن موضعة داود عبد السيد داخل تاريخ السينما العربية ليست اعترافًا بمكانته فقط، بل شرط قراءة لثقافة السينما في العالم العربي وعلاقتها بالمدينة والمدينية والمجتمع. فمشروع داود عبد السيد لا يُفهم دون إدراك لحظة الاهتزاز التي جسدها انتقال السينما المصرية من سرديات قومية كبرى إلى سرديات ذاتية-مدينية، ومن يقين جماعي إلى وعي فردي محاصر، عمقته الفترة الساداتية. وهنا، تحديدًا، تدخل القاهرة: ليس بما موضوع، بل باعتبارها فكرة وهوية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّ ما بدأ قلقًا بصريًا في التسعينات صار واقعًا مكشوفًا بعد 2011؛ وما ظهر كتوتر في فكرة المجال العام صار لاحقًا شرطًا سياسيًا وأخلاقيًا لوجود الفرد داخل القاهرة. إن التحول من "الكيت كات" (1991)  إلى "أرض الخوف" (2000) ثم "رسائل البحر" (2010) ليس تتابعًا زمنيًا في فيلموغرافيا مخرج، بل هندسة شعورية لمآل مدينة بكاملها. تتجسد القاهرة في هذه الأفلام كمساحة تتراجع عنها المراكز وتتكاثر الهوامش، في سيرورة تبعتها فيها مدن عربية أخرى: مدينة لا تحكمها استراتيجيات كبرى بقدر ما تعيد إنتاج نفسها عبر التكتيكات اليومية للعيش والمسير والتأجيل والتفاوض. هنا ينسجم المشهد السينمائي مع ما تصفه ديان سينجرمان عن القاهرة بما هي مدينة "تُدار بالصراع والتفاوض أكثر مما تُدار بالسلطة الصريحة"؛ مدينة لا تعمل وفق مبدأ الدولة الكلية، بل من خلال شبكة كثيفة من القوى الصغيرة المتداخلة والمتضاربة والمتفاوضة. وحين ننتقل إلى طبقة أعمق، يصبح توصيف ديفيد سيمز للقاهرة بوصفها "مدينة خارج السيطرة لا لأنها فوضوية، بل لأنّها تملك منطقًا خاصًا للفوضى" مفتاحًا لقراءة صور داود عبد السيد. فهو لا يصوّر الاضطراب بوصفه عطبًا، بل كآلية اشتغال: شوارع ضيقة تتحرك فيها الشخصيات كاحتمالات، دولة تحضر بقدر ما تغيب، واقعية متوترة لا تستطيع حسم نفسها تجاه ما هو قادم. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المدينة وعلى مستوى السلطة والتحديقة، فإن "البنية البانوبتيكية" (باستعارة من بانوبتيكون Panopticon ميشيل فوكو في نموذج سجنه حيث السلطة تراقب على الدوام) في السينما المصرية — بنية لا تراقب الأجساد فقط بل الوعي ذاته — يفسّر العلاقة الملتبسة بين الكاميرا والمدينة عند داود عبد السيد. فالقاهرة هنا تُرى من الداخل على مستوى الجسد، (في طريقة شبيهة بطريقة المخرج الياباني ياسوجيرو أوزو) لا من الأعلى؛ رؤية مُخترقة، غير يقينية، كأن الصورة نفسها تتعلّم كيف تبصر محتواها. في "البحث عن سيد مرزوق" (1991) و"أرض الخوف" (2000) لا يعود السؤال: من يراقب؟ بل: ماذا تعني الرؤية أصلًا في مدينة تُدار عبر الالتباس المستمر منذ انهيار الدولة القومية ما بعد الاستعمارية، باستعارات ساداتية؟  بهذا المعنى، تبدو القاهرة في سينما داود عبد السيد في حال تحول مستمر على أكثر من مستوى: من فضاء جماعي إلى فضاء فردي، ومن سردية وطنية إلى سردية وجودية، ومن مدينة تُرى إلى مدينة تُختبر وتُجرب. وهو ما يجعل هذه السينما أقرب إلى تاريخ غير مكتوب للقاهرة؛ تاريخ يتشكل عبر مجازات المكان، لا عبر أرشيف المؤسسات الرسمية، وعبر المعنى المتولد من التجربة الفردية لا من الخطاب العام. لذلك لا يتعامل عبد السيد مع المدينة كمشهد، بل كجرح معرفي: كل فيلم يحاول أن يلمسه دون أن يغلقه.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>القاهرة الاجتماعية: الانفصال الطبقي وفقدان المجال العام : الكيت كات (1991)</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تطل علينا القاهرة باسمها ورسمها ووسمها في الكيت كات (1991) لا من خلال اللقطات البانورامية أو صورة العاصمة المنمّقة، والتي تَدرُج مع كل خطاب سياسي مركزي وكل جنرال يصل إلى السلطة، بل من خلال حارة تبدو لأول وهلة ضيقة ومحدودة، لكنها عمليًا هي مقطع عرضي في جسد المدينة الاجتماعية. الحارة هنا ليست مجرد فضاء للفقر الشعبي، كما تصورها التقارير الحكومية الرسمية، بل واجهة مركبة رأسيًا وأفقيًا لمدينة تعيش حالة انفصال طبقي متدرّج؛ طبقات عليا تنسحب إلى فضاءات أخرى أكثر انعزالًا وأسوارًا وحتى خطابًا وأداءات لغوية وجسدية، وطبقات وسطى تهبط بلا شبكة أمان، وتستغلها السلطة السياسية لتمرير ما تريد، وطبقات دنيا تُدفَع إلى مزيد من اللامرئية والعتمة، لتُعامل بإزدراء يمتد من الطبقة إلى الجسد. ما يبدو ساكنًا في الفيلم، ونعني الحارة، هو في الحقيقة أثر ارتجاج اجتماعي طويل: دولة تنسحب من أدوار الرعاية، وسوق يتمدّد في كل وأي فراغ متاح، وعلاقات جيرة تتحول إلى آليات بقاء أكثر منها نسيج تضامن. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا المشهد الصغير في الكيت كات يمكن قراءته في ضوء ما تلتقطه دراسات المدينة عن القاهرة كنموذج لفضاء حضري "متنازع عليه"، حيث لا تُمارَس السلطة من مركز واحد واضح بقدر ما تُعاد صياغتها يوميًا عبر تفاوض بين السكان، البيروقراطية، الأمن، والاقتصاد غير الرسمي. هذه هي الصورة التي ترسمها دراسات حوكمة المدينة، حيث تُقدَّم القاهرة كمدينة تُصنع فيها المواطنة والحضور في المجال العام من أسفل، عبر ممارسات الحياة اليومية، أكثر مما تُمنَح من أعلى عبر مؤسسات الدولة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في  الكيت كات، نرى هذا "التنازع" في أبسط تفاصيله: المقهى كمساحة شبه عمومية يتقاطع فيها الخاص والعام؛ وهو ما لم يعد موجودًا في القاهرة 2025، حيث غزت الدولة الأمنية للجنرال كل المقاهي باعتبارها مجالات تفاوض خارجة عن إرادته. والشارع فضاء مراقبًا لكنه في الوقت نفسه مسموح بالتجاوز فيه؛ السكن العشوائي كحل عملي لأزمة سكن بنيوية، وليس مجرد خلفية اجتماعية. إن القاهرة هنا تُبنى فعلًا عبر منطق غير رسمي: توسّع عفوي، ومساكن تُضاف طابقًا فوق آخر، وحياة حضرية تشق طريقها خارج المخططات الرسمية، لتصنع هيكلًا موازياً للمدينة المخطَّطة على الورق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شخصيات الكيت كات تتحرك داخل هذا الفضاء ككائنات عالقة في منطقة بين-بين: ليست مندمجة في اقتصاد رسمي يمكن أن يَعِد بمستقبل واضح، ولا قادرة على الانسحاب الكامل إلى هامش ريفي أو بديل. إنّها طبقة مكسورة بالمعنى الحرفي؛ لا تملك رأس مال اقتصادي يرفعها، ولا رأس مال ثقافي يضمن لها اعترافًا، ولا حتى رأس مال رمزي باستثناء بعض الفتات: درّاجة نارية، حشيش، أو حلم قديم بالسفر. هذه الهشاشة تشبه ما يرصده مارك ألين بيترسون في عن تشكّل طبقات جديدة في المدينة عبر الاستهلاك والتمييز الرمزي، مع فارق أن عالم الكيت كات يعرض الوجه المعكوس للعملة: أولئك الذين خرجوا من لعبة التمايز أصلًا، أو لم يُسمح لهم بدخولها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا المعنى، لا يمكن اختزال الكيت كات في كونه فيلمًا عن "الشارع المصري" أو "الناس البسطاء". إنّه بالأحرى فيلم عن فقدان المجال العام بوصفه فضاءً ومعنى مشتركين في آن واحد. فالحي الذي نراه لم يعد يمتلك القدرة على إنتاج رمزه الجماعي؛ لا توجد ساحة حقيقية يمكن الالتفاف حولها، ولا مشروع جمعي يمكن تخيّله. كل شخصية تنغلق في حيلتها الفردية للبقاء: الحشيش كمهرب، الحلم بالهجرة كخروج خيالي، المزاح الثقيل كتعويض عن غياب الفعل. المدينة هنا لا تقمعهم بقدر ما تتخلّى عنهم، وهذه بالضبط إحدى صور الانهيار الاجتماعي التي ستطفو على سطح التاريخ بعد سنوات، لكنها في فيلم داود عبد السيد تعمل كعلامة مبكرة على خلل أعمق في طريقة عيش القاهرة وتنظيمها لنفسها.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الإسكندرية كمدينة بديلة ومرآة وجودية للقاهرة</b></span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>رسائل البحر (2010) — حين يخرج المكان من مركزية الدولة</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في رسائل البحر، والذي عرض قبل عام واحد فقط من ثورة 2011، تحضر المدينة المنافسة للقاهرة في المخيال المصري (يُذكر أن الرئيس المصري حسني مبارك لم يزر الأسكندرية لعشر سنوات متتالية)، الأسكندرية. وهذا الحضور ليس خطًا جانبيًا في مشروع داود عبد السيد، بل خيارًا مدينيًا مضادًا أو لنقل مقابلًا، نابعًا من لحظة تاريخية أعمق: لحظة بدأت فيها القاهرة — بوصفها مركزًا للدولة وللتمثيل السياسي — تُشعر ساكنيها بأن المدينة نفسها لم تعد قابلة للعيش بالثمن القديم. فالمدن المركزية لا تفقد دورها فجأة، بل تتآكل تدريجيًا في مستوى الإحساس والمعنى قبل أن يظهر ذلك في العمران.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يحكي الفيلم قصة يحيى، شاب يعود إلى الإسكندرية بحثًا عن معنى لحياته خارج إيقاع المدينة المركزية، ليجد في البحر مرآةً لذاته أكثر مما يجد إجابات، وتبدأ المدينة بوتيرة أبطأ كثيرًا من القاهرة في اقحامه في شبكة من العلاقات المكانية (منها شباك يصدح بموسيقا على البيانو) والعلاقات الاجتماعية، منها علاقة قديمة مع جارته المصرية اليونانية، وفي تجسيد للحنين الاستعماري، في مقابل بائعة هوى منطبقة عليا. هذه التراكبية التي اعتدناها للقاهرة حتى باتت أمرًأ مفروغًا منه، تعطي مساحة مونولوغ غنية ليحيى والمتلقي، بحيث تُقدم الإسكندرية، في هذا السياق، لا باعتبارها بديلًا جاهزًا للقاهرة، بل كمختبر لمقولات وعلاقات مدينية مصرية تاريخي واجتماعي وفردي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هل يمكن للمدينة أن تُبنى من الحافة بدلًا من المركز، وهو السؤال الذي بات صعبًا وثقيلًا في القاهرة وتراكم حتى وصل إلى لحظة ثورة 2011. هل يمكن لجغرافيا بعيدة عن القرار السياسي أن تنتج نوعًا آخر من الوجود؟ وهل يمكن للجسد أن يسترد سرديته حين يخرج من العاصمة لا من التاريخ؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في القاهرة، كما تصوّرها أفلام عبد السيد الأخرى، الجسد مُسيّس قبل أن يكون حيًا: يتعلم اللغة كممر إجباري، الأخلاق كرقابة وترتيب جماعي، والخطوة فعل محسوب داخل فضاء يراقب أكثر مما يرحّب. لكن في الإسكندرية، تنقلب المعادلة، قليلًا:</span></p>
<ul>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">ليست اللغة ما يُعيد يحيى إلى العالم، بل التلعثم نفسه.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">ليست الأخلاق ما تعيد تكوين الرغبة، بل الهشاشة.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">ليست السلطة ما يعيد تشكيل الجسد، بل خطوط البحر ورسائله إلى العالم المجهول هي التي تتسع بما يكفي لاستيعاب التردد.</span></li>
</ul>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا يصبح التلعثم فعل ممانعة صغيرة ضد الدولة المركزية ذات اللغة الصحيحة والرتيبة والمنضبطة: فكل مدينة تُنتج نظامًا للخطاب، ويحيى في الفيلم يرفض أن يتكلم بلهجة العاصمة، لا صوتيًا فقط بل وجوديًا أيضًا. كأنه يقول للجسد: تكلّم بما تبقّى، حتى لو لم يكن كلامك كاملاً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وعند هذه النقطة تحديدًا يظهر عمق التنافس بين المدينتين:</span></p>
<ul>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">فالقاهرة تمتلك شرعية الدولة، ولغتها وخطابها</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">بينما تمتلك الإسكندرية شرعية الذاكرة؛ والبحر والتاريخ</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">القاهرة تفرض معنى جاهزًا للجسد،</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">بينما الإسكندرية تمنح الجسد فسحة لخلق معنى جديد، حتى لو اصطدم مع الطبقة والأخلاق والمجال الاجتماعي</span></li>
</ul>
<p><span style="font-weight: 400;">إنها ليست منافسة على الجغرافيا فحسب، بل على حق تعريف الإنسان. ومن ثم تصبح علاقة يحيى ببائعة الهوى لحظة مواجهة مع المعيارية القاهرية — لا من موقع الفضيحة الأخلاقية كما سيحكم خطاب المركز ومن يمثله في الفيلم (الصياد صاحب البناية والسوبر ماركت الذي لا يخفي تبرمه الدائم من تلعثم يحيى)، بل من موقع الاسترداد: استرداد الجسد من اللغة، واسترداد الرغبة من التاريخ، واسترداد الذات من المدينة. في هذه العلاقة، يُفهم الجسد لا كموقع للخطيئة أو البراءة، بل كمكان للتفاوض على الهوية. وكأن الفيلم يسأل: هل يمكن للحب أن يبدأ خارج العاصمة؟ وهل يمكن للرغبة أن تنجو دون موافقة المدينة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا، حين نقول إن الإسكندرية في رسائل البحر هي مرآة وجودية للقاهرة، فنحن لا نبحث عن الانعكاس، بل عن العمى: عن الأشياء التي لا تراها القاهرة في نفسها إلا إذا ابتعدت عنها قليلًا. وما لا تقوله العاصمة عن ذاتها، يقوله البحر. وما لا تسمح به المدينة المركزية، تلتقطه مدينة الهامش. وما لا تقبله سياسات الجسد في الدولة، يستعيده الجسد في المسافة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">(أكتب هذا النص من مدينة لا بحر فيها، بئسًا!!)</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>القاهرة والسلطة: الفرد في مواجهة المراقبة</b></span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>سيد مرزوق(1991) / أرض الخوف (2000) — حين تصبح المدينة جهاز دولة بلا مبنى</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في عالم داود عبد السيد، لا تظهر القاهرة كمدينة تُمارِس السلطة من خلال مؤسساتها فقط، بل كفضاء ينتج شعورًا مستمرًا بالاختبار. السلطة هنا لا تُطلّ من نافذة وزارة أو تتجسد في ضابط أو مكتب، بل تعمل كطاقة منتشرة في الهواء، تنتمي أكثر لعلم نفس المدينة منها للعلوم السياسة. هذه السلطة غير مرئية، لكنها محسوسة؛ لا تسمع صوتها لكنها تُدار بالحركة والكلام والصمت. ولهذا، في البحث عن سيد مرزوق، لا يكون السؤال: أين السلطة؟ بل: لماذا لا نحتاج أن نراها لكي نخضع لها؟، وهو ما يتوازى مع سيرورة الأمن والسلطة في مصر في العشرين سنة الأخيرة من حكم حسني مبارك. الشخصيات تتحرك في مدينة تشبه دائرة تحقيق مفتوحة؛ كل شيء عادي جدًا، لكن كل شيء قابل للريبة أيضًا. الخوف لا يأتي من حدث، بل من إمكان حدوثه. المدينة تبدو مألوفة، ومع ذلك لا تمنح إحساسًا باليقين، وكأن القاهرة تحولت إلى اختبار معرفي: هل ما زلت تنتمي؟ أم أن مجرد طرح السؤال يسحب عنك الاعتراف؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما في أرض الخوف، فيتغير مستوى اللعبة: لم تعد السلطة تُبنى على الخوف من العقوبة، بل على الرغبة في الطاعة. وهو ما يقدم لنا تأريخا للعلاقة الاجتماعية مع سلطة الدولة على مدى عشر سنوات هي السنوات الفاصلة بين الفيليمين. هنا تصبح المراقبة جزءًا من الهوية؛ ليس لأن الدولة تطالب بها، بل لأن الفرد يبدأ في ممارسة الرقابة على نفسه من الداخل (ما يذكرنا بظاهرة "المواطنين الشرفاء"، التي استفحلت في المجتمع المصري منذ أن استثمر فيها المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد سقوط مبارك). يصبح الالتزام فعلًا غريزيًا ومواطنيًا رمزيًا، كأنه اللغات التي نتعلمها دون أن نعي قواعدها. المدينة لا تُحاصر الجسد من الخارج بل تُزرع فيه، وتتحول الطاعة إلى تقنية للبقاء، لا إلى خضوع قسري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا الشكل، الفيلمان لا يقدمان خطابًا تقريريًا عن القمع أو جهاز الدولة، بل يكشفان لحظة دقيقة في تاريخ المدينة: لحظة تداخل السلطة مع الوعي. فلا يعود السؤال السياسي مجرد علاقة بين المواطن والدولة، بل بين المواطن وصورته عن نفسه، بين الجسد والتوقعات الأخلاقية والاجتماعية التي ينتجها المكان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المدينة كمنظومة مراقبة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الفيلمين، لا نرى العاصمة كحيز عمراني، بل كمنظومة معرفية سلطوية:</span></p>
<ul>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">الشارع ليس حركة بل اشتباه مستمر.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">النظرات ليست تفاعلات اجتماعية بل تقييم مستمر.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">الأخلاق ليست قناعات شخصية بل جزء من السيطرة.</span></li>
<li style="font-weight: 400;" aria-level="1"><span style="font-weight: 400;">اللغة ليست وسيلة تواصل بل معيار يُختبر به الانتماء.</span></li>
</ul>
<p><span style="font-weight: 400;">هنا يصبح المكان جزءًا من إنتاج السلطة: ليس فقط "أين نقف" بل "كيف يجب أن نقف"، ليس فقط "ماذا نقول" بل "كيف يجب أن نُسمَع"،ليس فقط "من نحن" بل "من يحق له أن يكون".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شخصيات داود عبد السيد في هذين الفيلمين ليست ضحية ولا بطلة، بل حالة مدينية معلقة، للمواطنية الحديثة في دولة تكاد تفقد كل مقاوماتها الشرعية بداية من الاقتصادي إلى الرمزي.  هي أجساد لا تُحارَب ولا تُنقذ، بل تُترك في منطقة رمادية، وكأن المدينة تقول لها أثبت أنك موجود، من دون أن نخبرك ما هي شروط الوجود.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">النتيجة أن الفرد لا يخسر حريته، بل يخسر وضوح معنى الحرية والمشترك فيه. لا يفقد القدرة على الكلام، بل يفقد اللغة المشتركة التي تمنح الكلام أثرًا. لا يختفي من المدينة، بل يفقد الاعتراف الكامل بالانتماء إليها. هذه ليست دراما شخصية، بل تجربة حضرية تؤرخ لأفول المدينة العربية الحديثة ما بعد الدولة القومية ما بعد الاستعمارية، وهي ظاهرة تحصل بالتوازي مع المجتمعات المسورة، وهدم المناطق التاريخية والهوس بالمدن الجديدة والعواصم الإدارية. هكذا يبدأ التحول من مواطن في مدينة إلى جسد داخل جهاز إداري. وهنا تكمن قيمة الفيلمَين في مسار السينما المصرية: ليس لأنهما يفضحان السلطة، بل لأنهما يلتقطان تلك اللحظة الحساسة التي يتم فيها تطبيع المراقبة في المدينة بحيث تصبح جزءًا من الحياة اليومية.</span></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ماذا فقدنا بموت داود عبد السيد؟</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بموت داود عبد السيد، الذي بدأ باجباره على الاعتزال (كما صرح هو) خسرنا أكثر من مخرج سينمائي بارز؛ خسرنا أحد آخر الذين امتلكوا القدرة على النظر إلى المدينة قبل أن تتكلم عن نفسها، وعلى قراءة الجسد قبل أن يتحول إلى ملفّ، وعلى فهم السياسة قبل أن تتجسد في حدث. لقد كان سينمائيًا يعمل على الحدود قبل انهيارها، وينصت للتاريخ قبل أن يصل صوته، ويكتب عن القاهرة — وعن الإسكندرية في مواجهتها — كمدينتين تتصارعان على تعريف الإنسان، لا كجغرافيتين تتجاوران على الخريطة، وفي الهوية. ما فقدناه هو الحسّ الذي كان يرى التشققات قبل أن تتحول إلى كوارث: رأى انهيار المجال العام قبل أن يتحول إلى واقع يومي، رأى انتقال الخوف من الشارع إلى الوعي قبل أن تتوسع المراقبة، رأى تراجع المعنى في اللغة قبل أن يفقد الناس الثقة في الخطاب، ورأى انكماش الجسد تحت ثقل المدينة قبل أن يصبح ذلك شرطًا للحياة فيها!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن رحيله لا يعني فقط أننا خسرنا من يصنع الأفلام، بل خسرنا من يصنع الوعي بالمدينة، في زمن تباد مدننا أمامنا ونحن فيها، وغزة ليست سوى إحداها! خسرنا من اعتبر الجسد وثيقة سياسية، والمكان أرشيفًا للذاكرة، والسينما جهازًا استشرافيًا لا للتنبؤ، بل لفهم ما سيحدث عندما يفشل المجتمع في أن يتعرف على نفسه. خسرنا صانع صورٍ لم تكن تسعى لالتقاط الواقع، بل لالتقاط اللحظة التي ينسحب فيها الواقع من نفسه. لم يكن داود عبد السيد يقدّم مستقبلًا بديلًا، بل كان يقدّم لغة نفهم بها المستقبل حين يصل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما خسرناه برحيل عبد السيّد حقًا كان أداتنا للنظر والمعنى.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37316">السيد والبحر والمدينة: ماذا فقدنا برحيل داود عبد السيد؟</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>من القدس والقاهرة إلى العالم: الإمبراطورية العثمانية وإعادة كتابة تاريخ الحداثة</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/37122</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 23 Dec 2025 09:53:53 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=37122</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37122">من القدس والقاهرة إلى العالم: الإمبراطورية العثمانية وإعادة كتابة تاريخ الحداثة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color: #808080;">مراجعة نقدية في كتاب آلان ميخائيل "ظل الله: السلطان سليم والامبراطورية العثمانية وتشكل العالم الحديث"</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0000;">مقدّمة: إعادة تموضع الإمبراطورية في قلب التاريخ العالمي</span></strong></p>
<p dir="rtl">يأتي كتاب آلان ميخائيل God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World (ميخائيل 2020) في لحظة معرفية يشهد فيها حقل التاريخ العالمي (Global History) مراجعات جذرية لسرديات الحداثة، ولا سيما تلك التي اختزلت تشكّل العالم الحديث في المسار الأطلسي الأوروبي. لا يقدّم ميخائيل مجرّد سيرة سياسية للسلطان سليم الأوّل، بل يقترح إعادة كتابة تاريخ القرن السادس عشر بوصفه لحظة انعطاف عالمية تشكّلت من خلالها أنماط السلطة، والحكم الإمبراطوري، والتواصل العابر للأقاليم (Transregional Communication)، من داخل الفضاء العثماني ذاته. بهذا المعنى، ينخرط الكتاب في مشروع نظري أوسع يسعى إلى تفكيك مركزية أوروبا في السرد التاريخي، وإعادة الاعتبار للإمبراطوريات البرّية والمتوسّطية بوصفهما فاعلين بنيويين في صناعة العالم الحديث (Braudel 1972, Wallerstein 1974, Chakrabarty 2000).</p>
<p dir="rtl">تنطلق أطروحة ميخائيل من فرضية حاسمة مفادها أن الإمبراطورية العثمانية لم تكن مجرّد قوّة موازية لأوروبا الصاعدة، بل شكّلت شرطًا بنيويًا لتحوّلاتها، بما في ذلك التوسّع الأطلسي، والاستعمار في الأميركيتين، وصياغة أنماط الحكم الإمبراطوري الحديثة (Mikhail 2020) وقد أثارت هذه الأطروحة استقبالًا نقديًا واسعًا، تراوح بين الإشادة بجرأة الكتاب التحليلية (Finkel 2020, Mazower 2020)، والتنبيه إلى مخاطر التعميم والمبالغة السردية في بعض مقاطع التاريخ العالمي (Cromohs Debate 2021؛  غير أن هذا الجدل نفسه يكشف عن القيمة المعرفية للكتاب: إذ يدفع حدود ما يمكن أن يقوله التاريخ العثماني عندما يُكتب لا بوصفه تاريخًا إقليميًا، بل كبنية اتصالية عالمية.</p>
<p dir="rtl">تسعى هذه المراجعة إلى قراءة "ظلّ الله" من خلال خمس مقاربات متقاطعة: نظرية الاتصال والشبكات، ونظرية التاريخ العالمي، والسوسيولوجيا الحضرية في المشرق وشمال أفريقيا، ونقاشات الحداثة وصناعة العالم الجديد، وأخيرًا الإمبريالية بوصفها منطقًا مُؤسِّسًا للعالم الحديث. الهدف ليس تلخيص الكتاب، بل مساءلة أدواته التحليلية، وحدود مقاربته، ومساهمته الفعلية في إعادة التفكير بتاريخنا المعاصر.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0000;"><strong>الإمبراطورية بوصفها شبكة: الاتصال، الحركة، وإنتاج السلطة</strong></span></p>
<p dir="rtl">يُعدّ أحد أكثر إسهامات "ظلّ الله" لفتًا للنظر هو معالجته للإمبراطورية العثمانية بوصفها شبكة اتصالية كثيفة، لا مجرد كيان سيادي قائم على الفتح العسكري. فميخائيل يبتعد عن النموذج الكلاسيكي الذي يفهم الإمبراطورية من خلال مركز وأطراف، ويقترح بدلًا من ذلك تصورًا أقرب إلى ما تصفه نظريات الشبكات بوصفه نظامًا متعدد العقد، تتوزّع فيه السلطة عبر مسارات التجارة، والحج، والدبلوماسية، والمعرفة، والبنى التحتية (Latour 2005, Castells 1996). في هذا السياق، يظهر السلطان سليم لا فقط كفاتح، بل بما هو "مكثِّف للشبكة" (network intensifier) أعاد تنظيم مسارات الاتصال وربط فضاءات كانت متجاورة لكنها غير متداخلة ولا متكاملة.</p>
<p dir="rtl">يبرز هذا المنطق الشبكي بوضوح في تحليل الكتاب لسيطرة العثمانيين على القاهرة والحجاز، حيث لم تكن الغاية ضمّ أراضٍ جديدة فحسب، بل إعادة تشكيل شبكات الإمداد الغذائي، وتدفقات الحج، والشرعية الدينية المرتبطة بالخلافة (Mikhail 2020, 210–245). هنا، تلتقي أطروحة ميخائيل مع تقاليد تحليلية ترى في الإمبراطوريات فضاءات تواصل قبل أن تكون حدودًا سياسية، على نحو ما صاغه فرناند بروديل في قراءته الطويلة الأمد للمتوسّط بوصفه نظام حركة لا مسرح أحداث (Braudel 1972).</p>
<p dir="rtl">غير أن اعتماد هذا المنظور الشبكي يطرح أيضًا إشكالات نقدية. فبعض المراجعات أشارت إلى أن تضخيم دور الشبكات الإمبراطورية قد يؤدي إلى تهميش أشكال الانقطاع، والمقاومة، واللا-تزامن داخل هذه الشبكات نفسها (Cromohs Debate 2021). ومع ذلك، يبقى إنجاز "ظلّ الله" الأساسي هو نقل النقاش من سؤال "من حكم؟" إلى سؤال "كيف تحرّكت السلطة؟"—وهو تحوّل تحليلي بالغ الأهمية في كتابة التاريخ العثماني والعالمي معًا.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0000;"><strong>مدن المشرق كعُقَد سيادية: دمشق، القدس، والقاهرة في المنظومة العثمانية</strong></span></p>
<p dir="rtl">يعالج الكتاب مدن المشرق—دمشق، القدس، والقاهرة—بوصفها ركائز تشغيلية داخل البنية الإمبراطورية العثمانية، لا كمراكز إدارية هامشية أو فضاءات رمزية معزولة. ويقترح ميخائيل قراءة حضرية–سياسية ترى في هذه المدن عُقَدًا سيادية تتجسّد فيها الإمبراطورية عبر تنظيم الحركة، وإدارة الموارد، وإنتاج الشرعية، أكثر مما تتجسّد عبر السيطرة العسكرية المباشرة (Mikhail 2020, 235–315). بهذا المعنى، لا تظهر المدينة في الكتاب كمكان ثابت، بل كجهاز ديناميكي لإدارة الإمبراطورية.</p>
<p dir="rtl">تُقدَّم دمشق بوصفها مدينة-ممر، أو ما يمكن تسميته "بنية عبور إمبراطورية"، حيث تتقاطع فيها شبكات الأناضول، والجزيرة العربية، وشرق المتوسط، وصولًا لأوراسيا. وتكمن أهميتها، بحسب ميخائيل، في دورها المحوري في تنظيم الحج الشامي، وهو ما يجعلها مدينة سيادية بامتياز، تُمارَس فيها السلطة من خلال ضبط الإيقاع الزمني للحركة وزمنيتها، وتأمين الطرق، وإدارة الموارد المرتبطة بالقوافل (Mikhail 2020, 260–275). هنا، تتقاطع قراءة ميخائيل مع نظريات ترى في التحكم بالحركة والتنقّل أحد الأسس المبكرة للحكم الحديث (Harvey 2001)</p>
<p dir="rtl">غير أن القدس تحتل موقعًا أكثر تعقيدًا وحساسية في أطروحة ميخائيل. فالمدينة لا تُقرأ بوصفها هامشًا دينيًا أو رمزًا لاهوتيًا فحسب، بل كفضاء صيغت فيه شرعية إمبراطورية متعددة الطبقات. يشدّد ميخائيل على أن دمج القدس في المنظومة العثمانية لم يتم عبر عسكرة الفضاء أو فرض نموذج إداري صارم، بل عبر إعادة تنظيم شبكة الأوقاف، وترميم العمران، وربط المدينة إداريًا واقتصاديًا بدمشق والقاهرة، ضمن منطق إمبراطوري قائم على الرعاية والاحتواء (Mikhail 2020, 300–330). بهذا المعنى، تصبح القدس نموذجًا لما يمكن تسميته «السيادة الناعمة»، حيث تُنتَج السلطة من خلال الاستمرارية، والتنظيم اليومي، وإدارة المقدّس.</p>
<p dir="rtl"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-37124 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-shadow-alan-mikhail.jpg" alt="" width="800" height="1200" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-shadow-alan-mikhail.jpg 800w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-shadow-alan-mikhail-200x300.jpg 200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-shadow-alan-mikhail-683x1024.jpg 683w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-shadow-alan-mikhail-768x1152.jpg 768w" sizes="(max-width: 800px) 100vw, 800px" /></p>
<p dir="rtl">تكتسب هذه القراءة أهميتها حين توضع في سياق أوسع من تاريخ المدن المقدسة، حيث لا تُدار القداسة بوصفها نقيضًا للسياسة، بل كأحد مواردها الأساسية. فالقدس، في القراءة العثمانية التي يعيد ميخائيل إبرازها، ليست استثناءً خارج منطق الإمبراطورية، بل أحد مختبراته المركزية لإنتاج الشرعية العابرة للأقاليم. وهو ما يجعلها، وللمفارقة، مدينة «عالمية» قبل الحداثة، مندمجة في شبكات الحج، والمعرفة، والتجارة، والرمزية الدينية التي تجاوزت حدود المشرق ذاته (Mikhail 2020, 310–315).</p>
<p dir="rtl">أما القاهرة، فتُمثّل في الكتاب ذروة التحوّل الحضري–الإمبراطوري. فضمّها لم يكن مجرد توسّع جغرافي، بل إعادة توجيه لمنظومة بيئية–اقتصادية كاملة، تتمحور حول النيل، والحبوب، والعلاقة مع البحر الأحمر والمحيط الهندي. تتحوّل القاهرة، في هذا السياق، إلى عقدة لوجستية عالمية، تُدار من خلالها تدفّقات الغذاء، والضرائب، والحج، بما يربط المتوسط بشرق أفريقيا وآسيا (Mikhail 2020, 215–245, Bose 2006). هذا ما يجعل المدينة نموذجًا مبكرًا لما يمكن فهمه بوصفه «مدينة عالمية إمبراطورية» قبل تشكّل المدن الرأسمالية الحديثة، في صورتها الأوروبية الغربية.</p>
<p dir="rtl">يسمح هذا التركيز على مدن المشرق بإعادة قراءة الإمبراطورية العثمانية بوصفها مشروعًا حضريًا شبكيًا، حيث تُنتَج السلطة داخل المدن ومن خلالها، لا من المركز فقط. غير أن هذا المنظور يفتح أيضًا مجالًا لنقد مشروع: إذ إن التركيز على وظائف المدينة الإمبراطورية قد يُخفي التوترات الاجتماعية، واللا-تزامن التاريخي، وأشكال المقاومة المحلية التي لم تُدمَج بالكامل في الشبكة الإمبراطورية—وهي ملاحظات أثارها بعض نقّاد الكتاب في سياق الجدل حول سرديات التاريخ العالمي (boundary 2 2022).</p>
<p dir="rtl">مع ذلك، يظلّ إسهام "ظلّ الله" حاسمًا في إعادة وضع القدس، ودمشق، والقاهرة في قلب نقاشات الحداثة المبكرة، لا كمدن ما قبل حديثة، بل بما هي فضاءات تشكّلت فيها—بصيغ مختلفة—منطقيات الحكم، والتنظيم، والسيادة التي ستطبع العالم الحديث لاحقًا.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0000;"><strong>الحداثة، الأطلسي، وصناعة العالم الجديد: المشرق بوصفه شرطًا بنيويًا</strong></span></p>
<p dir="rtl">يفتح "ظل الله" أفقًا تحليليًا مهمًا في نقاشات الحداثة من خلال قلب العلاقة الافتراضية المألوفة بين أوروبا والعالم غير الأوروبي. فبدل أن تُقرأ الحداثة بوصفها نتاجًا داخليًا لتطوّر أوروبي ذاتي، تقرر مدّه على أصقاع الدنيا، يقترح ميخائيل فهمها بوصفها عملية علائقية Relational تشكّلت عبر احتكاكات إمبراطورية متداخلة، كان للمشرق العثماني—ومدنه المركزية—دور بنيوي في صياغتها (Mikhail 2020, 120–170). بهذا المعنى؛ لا تُفهم الحداثة هنا كنقطة انطلاق أوروبية، بل كنتيجة لسلسلة من التفاعلات القسرية، والقيود الجيوسياسية، وإعادة توجيه لمسارات عالمية.</p>
<p dir="rtl">يجادل ميخائيل بأن السيطرة العثمانية على مفاصل التجارة في شرق المتوسّط، والبحر الأحمر، ومراكز الإنتاج الزراعي في مصر وبلاد الشام، أسهمت في دفع القوى الإيبيرية، ولاحقًا الأوروبية، إلى البحث عن مسارات بديلة خارج هذا النظام الإمبراطوري المغلق نسبيًا (Mikhail 2020, 145–160). في هذا السياق، لا يظهر التوسّع الأطلسي بوصفه فعل مبادرة حداثية خالصة، بل باعتباره استجابة تاريخية لضغط إمبراطوري قائم. يلتقي هذا الطرح مع نقد فرناند بروديل للسرديات الخطية للحداثة، حيث تُفهم التحوّلات الكبرى بوصفها ناتجة عن اختلالات في توازنات طويلة الأمد، لا عن اختراعات مفاجئة (Braudel 1972).</p>
<p dir="rtl">تكمن أهمية هذا التحليل في أنه يعيد إدخال مدن المشرق—ولا سيما القاهرة ودمشق—في قلب قصة "العالم الجديد". فالقاهرة، بوصفها مركزًا حيويًا لإدارة الحبوب والضرائب وشبكات البحر الأحمر، شكّلت عنصرًا حاسمًا في التحكم بتدفّقات الغذاء والتجارة نحو أوروبا، ما جعل السيطرة عليها عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل الاقتصاد الأوروبي المبكر (Mikhail 2020, 215–245). أما دمشق، باعتبارها عقدة حركة وحج، فقد ساهمت في ضبط شبكات تنقّل ومعرفة امتد أثرها إلى ما وراء الفضاء الإسلامي، عبر وسطاء، ورحّالة، وتجار شكّلوا جزءًا من المخيال الأوروبي عن «الشرق» والعالم.</p>
<p dir="rtl">في هذا الإطار، تتقاطع أطروحة ميخائيل مع دعوة ديبيش تشاكرابارتي إلى «توطين أوروبا» داخل تاريخ عالمي متعدد المراكز، حيث لا تعود أوروبا معيارًا كونيًا للحداثة، بل حالة تاريخية تشكّلت ضمن شبكة أوسع من العلاقات الإمبراطورية (Chakrabarty 2000). غير أن الكتاب يذهب خطوة إضافية أبعد، إذ لا يكتفي بتفكيك مركزية أوروبا، بل يُظهر كيف أن أنماطًا من التنظيم، والإدارة، والسيادة—التي غالبًا ما تُنسب إلى الحداثة الأوروبية—قد تبلورت سابقًا داخل المنظومة العثمانية، وإن بصيغ مختلفة وغير متطابقة.</p>
<p dir="rtl">مع ذلك، يظل هذا الطرح عرضة لمساءلة نقدية مشروعة. فقد أشار بعض النقّاد إلى أن ربط الحداثة الأوروبية بشكل مباشر بالضغط العثماني قد ينزلق أحيانًا نحو سببية مبالغ فيها، تُقلّل من شأن الديناميات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية في أوروبا نفسها (Mazower 2020،  Cromohs Debate 2021). غير أن قوة الكتاب لا تكمن في تقديم تفسير أحادي، بل في زعزعة اليقين السردي الذي طالما فصل بين "شرق متخلف ورجعي" و"غرب متقدم وحديث".</p>
<p dir="rtl">من هذا المنظور، لا يعود "العالم الجديد" فضاءً منفصلًا عن تاريخ المشرق، بل امتدادًا غير مباشر لتحوّلات بدأت في مدن مثل القاهرة ودمشق والقدس. فالحداثة، كما يقترح "ظلّ الله"، ليست انتقالًا من الشرق إلى الغرب، ولا قطيعة زمنية، بل إعادة توزيع للقوة داخل عالم كان متشابكًا منذ البداية.</p>
<p dir="rtl"><strong><span style="color: #ff0000;">الإمبريالية، الأطلسي، والأميركيتان: العثمانيون وصناعة العالم الجديد</span></strong></p>
<p dir="rtl">يشكّل ربط الإمبراطورية العثمانية بتاريخ التوسّع الأطلسي والأميركيتين أحد أكثر جوانب الكتاب إثارة للجدل والاشتباك النظري.  ففي مواجهة السرديات التي تفصل بين تاريخ "العالم الإسلامي" وتاريخ الاستعمار الأوروبي، يجادل ميخائيل بأن الإمبريالية الأوروبية في العالم الجديد لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع البنيوي مع القوة العثمانية في المتوسّط والشرق (Mikhail 2020, 85–130) ،لا تظهر الإمبراطورية العثمانية هنا بوصفها غائبة عن الأطلسي، بل كقوة حاضرة عبر أثرها غير المباشر في إعادة توجيه الجغرافيا السياسية والاقتصادية الأوروبية.</p>
<p dir="rtl">يربط ميخائيل بين الحروب الدينية في أواخر العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث—ولا سيما العداء المتصاعد للإسلام العثماني—وبين المخيال الاستعماري الذي رافق الغزو الأوروبي للأميركيتين. فشخصيات مثل كولومبوس، بحسب قراءة الكتاب، لم تتحرّك بدافع الاكتشاف أو التجارة فحسب، بل ضمن أفق صليبي متجدّد، نُقل من المتوسّط إلى الأطلسي بعد أن أُغلقت مساراته التقليدية (Mikhail 2020, 90–110) . بهذا المعنى، لا يكون "العالم الجديد" فضاءً بريئًا أو منفصلًا، بل مسرحًا جديدًا لاستمرار صراعات إمبراطورية ودينية بدأت في مدن مثل القدس والقاهرة ودمشق.</p>
<p dir="rtl"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-37125 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-s-shadow-sultan-selim-his-ottoman-empire-and-the-making-of-the-modern-world.jpg" alt="" width="1200" height="1800" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-s-shadow-sultan-selim-his-ottoman-empire-and-the-making-of-the-modern-world.jpg 1200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-s-shadow-sultan-selim-his-ottoman-empire-and-the-making-of-the-modern-world-200x300.jpg 200w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-s-shadow-sultan-selim-his-ottoman-empire-and-the-making-of-the-modern-world-683x1024.jpg 683w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-s-shadow-sultan-selim-his-ottoman-empire-and-the-making-of-the-modern-world-768x1152.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/12/god-s-shadow-sultan-selim-his-ottoman-empire-and-the-making-of-the-modern-world-1024x1536.jpg 1024w" sizes="(max-width: 1200px) 100vw, 1200px" /></p>
<p dir="rtl">تكمن أهمية هذا الطرح في أنه يربط الإمبريالية الأوروبية المبكرة بمنطق التحويل الجغرافي للصراع (Geographical Displacement / Spatial Transfer of Conflict)، حيث لا تُلغى الحروب القديمة، بل يُعاد تموضعها في فضاءات جديدة. يتقاطع هذا التحليل مع مقاربات ترى في الإمبريالية مشروعًا تراكميًا لإعادة توزيع العنف والموارد، لا قطيعة تاريخية مفاجئة (Harvey 2003 Wallerstein 1974,). فالعنف الاستعماري في الأميركيتين—من الإبادة إلى العبودية—يظهر في "ظلّ الله" كامتداد لسجل طويل من الحروب الدينية والإمبراطورية التي شكّلت أوروبا نفسها.</p>
<p dir="rtl">غير أن هذا الربط الطموح يطرح أيضًا أسئلة نقدية جوهرية. فقد نبّه عدد من النقّاد إلى أن تحميل الإمبراطورية العثمانية دور "السبب البنيوي" للتوسّع الأطلسي قد يُخاطر بتقليص تعقيد السياقات المحلية في إيبيريا، أو بإضفاء وحدة أيديولوجية على مشاريع استعمارية كانت في الواقع متباينة بل وحتى متنافسة (Mazower 2020, Cromohs Debate 2021). كما أن التركيز على الإسلام بوصفه "الآخر المؤسِّس" للخيال الاستعماري الأوروبي قد يُغفل أشكالًا أخرى من العنف الداخلي الأوروبي التي سبقت الاحتكاك العثماني أو رافقته.</p>
<p dir="rtl">مع ذلك، تظل قيمة هذه النظرة في "ظل الله" في كسرها الفصل الاصطناعي بين تاريخ الإمبراطوريات، أو ما يعرف بالانقطاعات. فبدل النظر إلى الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطوريات الأوروبية، والاستعمار في الأميركيتين بوصفها مسارات منفصلة، يصرّ ميخائيل على قراءتها باعتبارها تواريخ متداخلة تشكّلت عبر منطق المنافسة، والمحاكاة، والعداء المتبادل. وهو بذلك يعيد الإمبريالية إلى سياقها العالمي الحقيقي، لا بوصفها "اختراعًا أوروبيًا"، بل بما هي منطق ضروري، تشكّل داخل عالم متعدد الإمبراطوريات.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0000;"><strong>خاتمة</strong></span></p>
<p dir="rtl">يقدّم كتاب "ظلّ الله"، في محصّلته النهائية، أكثر من إعادة كتابة لتاريخ الإمبراطورية العثمانية في مطلع العصر الحديث؛ إنّه اقتراح منهجي لإعادة التفكير في كيفية كتابة التاريخ العالمي نفسه. فالميزة الأهم في عمل ميخائيل لا تكمن فقط في إعادة إدراج العثمانيين في قلب السردية العالمية، بل في مساءلته العميقة للمنطق الذي حوّل الحداثة الأوروبية إلى أفق تفسيري شامل، تُقاس عليه جميع التجارب التاريخية الأخرى (Mikhail 2020). من خلال ربط الإمبراطورية بالشبكات، والمدن، والبنية التحتية، والإمبريالية، يكشف الكتاب أن العالم الحديث تشكّل داخل فضاء إمبراطوري متشابك وممتد، لا عبر مسار تقدّمي خطي ينطلق من أوروبا نحو بقية العالم.</p>
<p dir="rtl">من هذا المنطلق، تكتسب ترجمة "ظلّ الله" إلى اللغة العربية أهمية معرفية تتجاوز حدود نقل المعرفة، لتدخل في صلب معركة إبستمولوجية حول من يكتب التاريخ، ومن يُستبعد من سردياته. فالمكتبة العربية شهدت خلال العقدين الأخيرين تراكمًا لافتًا في ترجمات أعمال التاريخ العالمي والدراسات العابرة للأقاليم—من سوغاتا بوس وأطروحته حول المحيط الهندي وتاريخه الاجتماعي الممتد إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، إلى إلهام خوري-مقدسي وتحليلها لشرق المتوسط بحواضره الأساسية بوصفه فضاءً عالميًا للراديكالية، إلى ميشيل برونو في أوراسيا، وأعمال أميتاف غوش وأسامة مقدسي التي أعادت ربط التاريخ المحلي بسياقات إمبراطورية وعالمية أوسع. إدراج "ظلّ الله" ضمن هذا المسار لا يضيف كتابًا جديدًا فحسب، بل يساهم في إعادة تموضع تاريخ المشرق نفسه بوصفه تاريخًا مُؤسِّسًا للعالم الحديث، لا هامشًا تابعًا له.</p>
<p dir="rtl">تتضاعف أهمية هذا الأفق في السياق السياسي والمعرفي الراهن، ولا سيما في ظل أزمة الحداثة الغربية الأوروبية–الأمريكية التي تتكشّف اليوم بوضوح غير مسبوق. فالحرب الإسرائيلية الإبادية على غزة لم تفضح فقط عنف الاستعمار الاستيطاني المعاصر، بل كشفت أيضًا هشاشة الادعاءات الأخلاقية للحداثة الغربية، وارتهانها التاريخي لمنطق الإمبراطورية، والإقصاء، وإدارة الموت. في هذا السياق، لم تعد أسئلة التاريخ العالمي أكاديمية محضة، بل تحوّلت إلى أدوات لفهم العنف المعاصر وجذوره البنيوية، المتمثلة في سياسات اليومي المعيش. وهنا، يكتسب "ظلّ الله" راهنيته القصوى، إذ يسمح بقراءة الحاضر بوصفه استمرارًا لتاريخ طويل من التنافس الإمبراطوري، وصناعة "الآخر"، وتدوير العنف عبر فضاءات جديدة.</p>
<p dir="rtl">إن تقاطع الكتاب مع تصاعد تيارات الدراسات المناهضة للكولونيالية (Anti-colonial Studies) والنازعة لها (decolonial studies) ليس عرضيًا. فإعادة تفكيك مركزية أوروبا، وإبراز الطابع العلائقي للحداثة، وفضح الأسس الإمبراطورية التي قامت عليها، تمثّل اليوم شروطًا ضرورية لأي مشروع نقدي يسعى إلى تجاوز الاستعمار معرفيًا، لا فقط سياسيًا. غير أن قوة “ظلّ الله” تكمن في أنه لا يستبدل مركزية بأخرى، ولا يمجّد الإمبراطورية العثمانية بوصفها بديلًا أخلاقيًا، بل يستخدمها كعدسة تاريخية لكسر منطق المركز ذاته. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى ظلّ الله بوصفه نصًا تأسيسيًا في لحظة تاريخية تتداعى فيها السرديات الغربية الكبرى، وتتبلور فيها الحاجة إلى كتابة تاريخ عالمي أكثر تعدّدًا، وأكثر قدرة على مساءلة الحداثة بوصفها مشروعًا عنيفًا بقدر ما هو منتِج. إن ترجمة هذا العمل، وقراءته نقديًا في السياق العربي، ليست فعل استقبال معرفي، بل جزء من معركة أوسع لإعادة امتلاك التاريخ، والحاضر، وإمكانات المستقبل.</p>
<p dir="rtl"><strong>المراجع:</strong></p>
<ol>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Braudel, Fernand. The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II. Translated by Siân Reynolds. New York: Harper &amp; Row, 1972.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Bose, Sugata. A Hundred Horizons: The Indian Ocean in the Age of Global Empire. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell, 1996.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Cromohs Debate. “How to Write Fake Global History.” Cromohs – Cyber Review of Modern Historiography, 2021. Florence: Firenze University Press.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Finkel, Caroline. Review of God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World, by Alan Mikhail. Literary Review, 2020.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Ghosh, Amitav. In an Antique Land. New York: Vintage, 1992.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">———. The Great Derangement: Climate Change and the Unthinkable. Chicago: University of Chicago Press, 2016.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Harvey, David. Spaces of Capital: Towards a Critical Geography. New York: Routledge, 2001.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">———. The New Imperialism. Oxford: Oxford University Press, 2003.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Khuri-Makdisi, Ilham. The Eastern Mediterranean and the Making of Global Radicalism, 1860–1914. Berkeley: University of California Press, 2010.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Latour, Bruno. Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory. Oxford: Oxford University Press, 2005.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Mazower, Mark. Review of God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World, by Alan Mikhail. Financial Times, 2020.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Mikhail, Alan. God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World. New York: Liveright, 2020.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Makdisi, Ussama. Age of Coexistence: The Ecumenical Frame and the Making of the Modern Arab World. Berkeley: University of California Press, 2019.</span></p>
</li>
<li dir="ltr" aria-level="1">
<p dir="ltr" role="presentation"><span style="font-size: 10pt; color: #808080;">Wallerstein, Immanuel. The Modern World-System I: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World-Economy in the Sixteenth Century. New York: Academic Press, 1974.</span></p>
</li>
</ol>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/37122">من القدس والقاهرة إلى العالم: الإمبراطورية العثمانية وإعادة كتابة تاريخ الحداثة</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>القاهرة: في أثر صنع الله إبراهيم</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/36593</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 23 Sep 2025 14:02:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=36593</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36593">القاهرة: في أثر صنع الله إبراهيم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">منذ أن رحل صنع الله إبراهيم عن عالمنا هذا، وأنا أحاول التربص بلحظة البدايات التي كانت لي معه. أتذكر صديقي المخرج المصري محمد العسكري، حين أهداني كتاب يوميات الواحات، لصنع الله إبراهيم، وكيف أخذني هذا الكتاب معه في رحلة معرفة واستكشاف لأصواتي الداخلية، والبحث في طبقات أدب السجون، وأنا الذي خضت تلك التجربة مع عبد الرحمن منيف في "شرق المتوسط". ثم أجدني أميل لـ"ذات"، التي وصفت تحولات القاهرة والمجتمع المصري. ثم أخذني البحث إلى "بيروت" و"ظفار"، ليعرفني صنع الله هناك بفواز طرابلسي وعبد الرزاق التكريتي، ومع ذلك لم أجد تلك البداية بعد، أو لعلني لم أخرج منها إلا بوفاته. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُعد صنع الله إبراهيم (1937–2025) أحد أبرز الأصوات الأدبية في تاريخ الرواية العربية الحديثة، وصاحب تجربة سردية فريدة جمعت بين التوثيق السياسي والتحليل الاجتماعي والنقد الحاد للسلطة، وتعدد وتراكب الأجناس الأدبية. تشابكت مسيرته مع التحولات الكبرى التي عرفتها مصر والمنطقة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، فأصبح جزءًا تليدًا من فهمنا التاريخي لذواتنا العربية والمدينية -كما سنرى-. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دخل صنع الله إبراهيم السجن في عهد جمال عبد الناصر عام 1959 ضمن ما عُرف بـ"قضية الشيوعيين"، وهي تجربة تركت أثرها العميق في وعيه السياسي والسردي، وظهرت بشكل واضح في روايته الأولى "</span><i><span style="font-weight: 400;">تلك الرائحة"</span></i><span style="font-weight: 400;"> (1966). في هذه الرواية، كما في أعمال لاحقة مثل "</span><i><span style="font-weight: 400;">اللجنة"</span></i><span style="font-weight: 400;"> (1981)، يُفكك بنية الدولة التسلطية وممارساتها البيروقراطية القمعية، بلغة ساخرة ومُرّة. يتخذ موقفًا جذريًا من كل أشكال الاستبداد، بما فيها تلك التي مارسها النظام الناصري، رغم تعاطفه مع طموحات العدالة الاجتماعية التي تبناها الخطاب الناصري في تلك المرحلة. ولكنه كان من القلائل الذين أعلنوا قطيعة واضحة مع السلطة الثقافية الرسمية، تتجلى في انسحابه من حفل تكريم رسمي في معرض القاهرة للكتاب عام 2003، احتجاجًا على غزو العراق والتطبيع مع إسرائيل، في مشهد على بساطته إلا أنه كان مركبًا وفاضحًا لكل تلك المؤسسة المتواطئة. فلم تكن هذه مجرد لفتة رمزية، بل امتداداً لموقف بنيوي يرى أن دور المثقف لا يمكن أن يكون تبرير السلطة أو الصمت على جرائمها، بل مساءلتها وكشف بنيتها القمعية.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">لعلها كانت القاهرة إذن، هي بداية علاقتي معه؟</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمتد ظل القاهرة عميقًا وبعيدًا في أعمال صنع الله إبراهيم لا بوصفها مجرد مسرح للأحداث السردية، بل ككائن حي يحمل ذاكرة المدينة وجراحها وتشوّهاتها الاجتماعية والسياسية. المدينة ليست خلفية روائية باردة أو حاوية للحدث السردي والروائي فقط، بل مكون بنيوي في المشروع السردي للصنع الله، تُمثل مرآة صادقة لانكسار المجتمع المصري وتحولاته الطبقية في ظل صعود النيوليبرالية وتراجع مشروع الدولة الوطنية، المسماة جزافًا "ما بعد استعمارية". في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">ذات</span></i><span style="font-weight: 400;"> على وجه الخصوص، تصبح القاهرة ميدانًا سرديًا يعكس التاريخ الاجتماعي لمصر من الستينيات إلى نهاية الثمانينيات، حيث تتبع الرواية عبر البطلة "ذات عبد المجيد" تفاصيل الحياة اليومية في أحياء مثل العباسية وحلمية الزيتون ومدينة نصر، وهي أحياء كانت يومًا ما رموزًا للصعود الطبقي ثم صارت شاهدة على انحداره. تزدحم الرواية بوصف دقيق لحياة الطبقة المتوسطة المصرية وهي تنكسر بين مطرقة الغلاء وسندان البيروقراطية، وانهيار منظومات القيم بفعل السادات وانفتاحاته، فنقرأ مثلاً:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"شقة صغيرة في الطابق الحادي عشر... المصعد لا يعمل إلا نهارًا، ويفسد كثيرًا، والمياه تنقطع معظم الوقت، ولا يُمكن فتح النافذة بسبب العوادم".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">العمارات المتشققة، والمصاعد المعطلة، وانقطاع المياه، ليست مجرد تفاصيل واقعية، بل رموز سردية لانهيار بنية الدولة والمجتمع معًا، وانكشاف زيف الحداثة المعمارية في ظل غياب الحداثة السياسية. هذا التوتر بين الشكل والجوهر يتكرر في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">أمريكانلي</span></i><span style="font-weight: 400;">، حين يختبر البطل القاهرة من خلال مسافة مكانية ونفسية بعد إقامته في الولايات المتحدة. إذ تتحول القاهرة في نظره إلى مدينة خانقة، خالية من المعنى، تدار فيها الحياة بروتينية بيروقراطية قاتلة، ويتحول سكانها إلى كائنات تائهة، تسير وسط الزحام والضجيج في صمت مطبق. يقول الراوي بمرارة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"الزحام خانق، المواصلات متهالكة، الوجوه شاحبة، والعيون زائغة كأنهم يعيشون تحت تهديد دائم... القاهرة التي أعرفها صارت مدينة تطرد أبناءها".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تعكس الرواية الانفصام بين الخطابات الرسمية التي تروّج للانفتاح والتحديث، وبين واقع يومي تسوده البطالة والفساد والانهيار الخدمي والأخلاقي. العودة إلى القاهرة في هذا السياق لا تشبه عودة الابن إلى حضن الوطن، بل هي أشبه بالسقوط في هوة لا قرار لها، حيث تغيب الكرامة وتتحول الهوية إلى عبء ممارساتي يومي من التفاوض والمقايضة. أما في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">العمامة والقبعة</span></i><span style="font-weight: 400;">، التي تعود إلى بدايات القرن العشرين، فتظهر القاهرة بصيغة مغايرة من حيث الزمان ولكنها متصلة من حيث البنية النقدية. تُقدَّم المدينة بوصفها ساحة يتقاطع فيها الاستعمار البريطاني مع تقاليد المؤسسة الدينية والأزهرية، ومع بذور المشروع الوطني المصري الناشئ. ويكتب الراوي في تأمل حزين:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"وسط القاهرة الخديوية الفخمة، كان السراي الإنجليزية تُشيد جدرانها البيضاء، فيما الأزهر ما يزال يعج بأصوات الشيوخ الغاضبين من آلة التصوير".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذ تمتد هذه الصورة إلى القاهرة الحالية التي يراد لها أن تكون مدخلًا لقاهرة الجنرال الإدارية الجديدة، بعد أن بيعت شواطئ البلاد وصحراؤها. فلا تغيب في هذه الرواية مظاهر التناقض الصارخ بين محاولات النخبة للنهضة والانعتاق من جهة، وبين استمرار البنية التحتية للهيمنة والتبعية من جهة أخرى. تقف القاهرة في هذه الرواية كموقع رمزي لصراع الهويات: هوية تسعى إلى التحرر والسيادة، وأخرى تستبطن منطق الاحتلال والجمود في آن معًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن الأدوات السردية التي يوظفها صنع الله لتصوير المدينة تقوم على التوثيق شبه الصحفي، والملاحظة اليومية الحادة لتفاصيل الحياة اليومية الدقيقة، التي قد لا يعبأ بها الكثيرون بقدر ما تستغلها السلطة، ما يجعلها بهذا الموقع امكاناً مقاومًا (هنا تعرفت إلى آصف بيات، وحديثه عن مقاومات الحياة اليومية في القاهرة والتي راكمت إلى ثورة 2011).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإذ يستخدم صنع الله لغة تقريرية في ظاهر، إلا أنها مشحونة بكثافة رمزية تكشف عن عمق التدهور الحاصل في العمران، في اللغة، في العلاقات الإنسانية، وحتى في الأمل. التفاصيل الصغيرة – لافتات الشوارع، أصوات الباعة، إشارات المرور، رائحة المجاري – تتحول في نصوصه إلى مؤشرات لانهيار المعنى الكلي للحياة في المدينة. ومن خلال سخرية سوداء تقترب أحيانًا من الكوميديا السوداء، يفكك الكاتب خطاب الحداثة الرسمية، كاشفًا عن مدينة تتقدم عمرانيًا ولكنها تتفسخ اجتماعيًا، وعن رأسمالية ترفع شعارات الحرية بينما تنتج أشكالًا جديدة من القمع والاغتراب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ففي "</span><i><span style="font-weight: 400;">اللجنة"</span></i><span style="font-weight: 400;">، نقرأ وصفًا دقيقًا لمكاتب إحدى المؤسسات التي تمثل "اللجنة العليا" الغامضة التي تحكم كل شيء:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"ممرات طويلة، غرف بلا نوافذ، موظفون بوجوه خاوية لا يرفعون أعينهم عن الأوراق... لم يكن هناك شيء سوى رائحة الورق القديم والرطوبة، والبيروقراطية الخانقة".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا، لا تظهر القاهرة في أدب صنع الله إبراهيم كمدينة فقط، بل ككيان اجتماعي وسياسي، ومختبر لتجريب السياسات الكبرى على الناس الصغار. فهي حاضرة دائمًا بوصفها مرآة للسلطة، وميدانًا للصراع الطبقي، ومقياسًا لانهيار أو بقاء فكرة الوطن. ومن ثم، فإن القاهرة عند صنع الله ليست فقط عاصمة مصر، بل هي خلاصة المشروع العربي في لحظات انحداره، وتجسيد حسيّ لانكسار الحلم في المدينة التي كانت يومًا ما رمزًا للتنوير، فصارت مسرحًا للعبث والتكرار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولأن المدينة هي ظاهرة تعاقدية كتابية ارتبطت بالرواية تاريخيًا، لا بالحكاية، نرى في أدب صنع الله إبراهيم تعاقدات الفنون الكتابية، إذ اعتمد في العديد من رواياته على التوثيق شبه الصحفي للأحداث، والصحافة والطباعة بدايات التمدن الحديث. فنراه يدمج بين الخيال والسرد التاريخي، مستعينًا بمقاطع من الصحف والوثائق الرسمية، في محاولة لمراكمة قراءة مغايرة للخطاب بالمنطق الفوكوي (على علات الأخير).  يتجلى هذا بوضوح في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">ذات</span></i><span style="font-weight: 400;">، التي تتتبع تحولات مصر من عهد عبد الناصر حتى عهد مبارك من خلال شخصية أنثوية بسيطة، تمثل المصري "العادي" الذي يختبر كوارث الانفتاح الاقتصادي وصعود النيوليبرالية، على جسدها.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">لعله الاستعمار، إذن؟</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كفلسطيني ومصري، أجدني مشدودًا إلى مدن سلبها مني الاحتلال (يافا)، وأخرى بمجزرة وزوار الفجر ومجزرة (القاهرة)، وأخرى لم يُسمح لها بأن تدخل هويتي (ظفار)، وما بينهم رابط لم ينقطع بمسميات باذخة: الاستقلال، لكن عمن استقلت الدولة العربية الحديثة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مشهد رمزي من </span><i><span style="font-weight: 400;">أمريكانلي</span></i><span style="font-weight: 400;">، يعود البطل إلى مصر، ويصف عبوره من المطار إلى وسط المدينة، فيلاحظ أن كل شيء "أصبح رماديًا": وجوه الناس، جدران المباني، حتى الهواء نفسه. وبينما يتنقل بسيارة أجرة عبر الطرق الممتدة من المطار إلى وسط القاهرة، تتقافز في ذهنه المقارنات بين النظام العام في الغرب، والفوضى في المدينة التي نشأ فيها، لكنه يدرك في لحظة حادة أن هذه الفوضى ليست قدرًا، بل نتيجة لهيمنة داخلية واستعمار ناعم مارسه "الداخل" و"الخارج" معًا. في هذا السياق، لا تظهر القاهرة فقط كموقع للسلطة، بل كمجال مستباح من قِبل القوى الإمبريالية التي لم تغادر يومًا، وإن غيّرت أدواتها. يقول:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"نفس اللافتات التي كانت تروّج للاشتراكية تروج الآن للاستثمار الأجنبي... كأن القاهرة لم تُحرر قط، بل فقط غيّرت سادتها".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتعامل صنع الله إبراهيم مع القاهرة أيضًا كخط مواجهة رمزية ضد الاستعمار. صحيح أن الاشتباك مع قضايا التحرر الوطني يأخذ طابعًا أكثر حدة في روايات مثل </span><i><span style="font-weight: 400;">شرف</span></i><span style="font-weight: 400;"> و</span><i><span style="font-weight: 400;">العمامة والقبعة</span></i><span style="font-weight: 400;">، لكنه يتخلل أيضًا صورة المدينة بوصفها حاضنة لثقافة المقاومة، ومسرحًا لصراع طويل مع النفوذ الأجنبي. ففي </span><i><span style="font-weight: 400;">العمامة والقبعة</span></i><span style="font-weight: 400;">، تُصوَّر القاهرة أوائل القرن العشرين كموقع استعمار مزدوج: سياسي بريطاني، وثقافي تقليدي، يتصارع فيه الضباط الإنجليز مع الشيوخ والأزهريين والمثقفين الليبراليين، ضمن جدلية عميقة حول من يملك حق تشكيل الهوية المصرية. تتكرر الإشارة إلى الأحياء كعلامات على النفوذ السياسي؛ فـ"جاردن سيتي" لا تعني مجرد حي راقٍ، بل "منطقة النفوذ البريطاني"، بينما "شارع الأزهر" يصبح رمزًا للممانعة الدينية التقليدية التي لم تستطع إنتاج مشروع تحرري مستقل. والآن يعيد التاريخ نفسه، مع انتشار شائعات عن بيع منطقة وسط القاهرة لرجل أعمال إماراتي، كان عرابًا للصهاينة، حتى في حرب إبادة، أعادت ترتيب الجغرافيا السياسية للمنطقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول الراوي في تأمل تاريخي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"كانت القاهرة مستعمرة بأشكال مختلفة: الجنود في الشوارع، الصحف الناطقة بالإنجليزية، والطلبة الذين يرتدون القبعة ويحلمون بالهجرة. لم تكن حرب التحرير فقط في الجبل أو الريف، بل كانت في هذا الشارع، في هذه اللغة، في هذه المدينة".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتستمر هذه الرؤية في </span><i><span style="font-weight: 400;">شرف</span></i><span style="font-weight: 400;">، الرواية التي يمثل السجن فيها نموذجًا مصغرًا للمجتمع، ويضم داخله أنماطًا من القمع والتمييز شديدة الارتباط بالنظام العالمي والاستعمار الجديد. من بين الشخصيات الرئيسية في الرواية، يظهر "رِضا الأفغاني"، الشاب الذي قاتل في فلسطين وظفار وأماكن أخرى، ويحمل في داخله سردية مختلفة عن مصر والعالم، تنبع من التجربة الحية للمقاومة المسلحة ضد الاستعمار والاحتلال. في حواراته مع البطل، يكشف عن أن القاهرة لم تكن فقط عاصمة دولة، بل كانت دومًا ميدانًا لاستقطاب نخب فاسدة، وإجهاض الحركات التحررية. يقول رضا في أحد المقاطع:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"عندما عدت من ظفار، ووجدت القاهرة كما هي، أدركت أن العدو ليس فقط هناك في الجبال، بل هنا... في هذا العفن المعلق بين السلطة والناس".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا يتحول فضاء المدينة إلى بؤرة للتناقض بين التحرر الظاهري والاستعمار المقنّع، بين شعارات الوطنية والممارسة اليومية التي لا تختلف كثيرًا عن شروط الهيمنة الأجنبية. يتمدد هذا التناقض ليشمل حتى المؤسسات الأكاديمية والثقافية، التي تظهر في </span><i><span style="font-weight: 400;">أمريكانلي</span></i><span style="font-weight: 400;"> كواجهات مدنية لنوع جديد من السيطرة، أكثر نعومة، لكنه أكثر تغلغلًا، إذ يُعاد إنتاج النخبة المصرية في جامعات أمريكية التمويل، داخل مبانٍ تقع في قلب القاهرة، وتعمل وفق مناهج الغرب وتطلعاته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المدينة عند صنع الله إبراهيم إذًا ليست فقط رمزًا لانهيار الداخل، بل مرآة للاحتلال المستمر بأشكاله المختلفة – عسكريًا في الماضي، واقتصاديًا وثقافيًا في الحاضر. من القاهرة كتب عن ظفار، ومن خلالها عبر إلى فلسطين، وبها استعاد مركزية بيروت كمكان مقاومة لاجئ، ثم عاد ليحاكم الجميع من قلب هذه المدينة المنهكة، التي لم تعد تعرف لمن تنتمي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبين مشهد شارع مكتظ بأعلام "الشركات متعددة الجنسيات"، وبين حوار في مقهى شعبي عن الخبز والبنزين، تُولد في سرد صنع الله طبقة رقيقة من الحنين المقاوم، لكنها لا تتورط في الرومانسية. فالمدينة لا تستعاد كما كانت، بل تُكشف كما هي: محاصَرة، مرصودة، ومخترقة، لكنها لم تُهزم بالكامل بعد. وفي هذه المساحة الرمادية، يمارس الأدب – لا السياسي ولا العسكري – فعله الرمزي الأكبر: استعادة الذاكرة التحررية في قلب مدينة مُحتلة بتواطؤ أهلها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولأن الكتابة والمدينة عمليات انتاج، فأي كتابة-مدينة تلك التي تعرفت إلى صنع الله فيها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في رواية "</span><i><span style="font-weight: 400;">اللجنة"</span></i><span style="font-weight: 400;">، يبلغ مشروع صنع الله إبراهيم ذروته من حيث التكثيف الرمزي والسخرية السياسية، ولكن ما يميّز هذه الرواية، إلى جانب بعدها الكافكاوي، هو أنها تمثل نموذجًا للكتابة بوصفها فعل ترتيب مقاوم لفوضى الوجود عبثيته، ولممارسات السلطة التي تصوغ الواقع وتُحكم قبضتها عليه عبر بيروقراطياتها، وأجهزتها، ولغتها الخاصة ومخيالها الأجدب. ليست الكتابة عند صنع الله ترفًا أدبيًا، ولا أداة للتماهي مع الأشكال الجمالية السائدة في الأدب، بل هي ممارسة مادية وشبه أرشيفية، تنبع من اليومي العربي، لتعيد تنظيم العلاقة بين الذات والتاريخ، بين الإنسان والمؤسسة، وبين النص والسلطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهنا تتجاوز كتابته التخييل السياسي أو السرد الرمزي، لتُقدَّم بوصفها تفكيكًا عميقًا لاستعمارية مناهج الأرشفة الحديثة. فبدل أن يعيد إنتاج الوثيقة التاريخية بوصفها مصدرًا للسلطة المعرفية، يقوم بإدماجها داخل نسيج سردي يُفرغها من سلطتها الأصلية، ويُعيد توجيهها نحو وظيفة تحريضية، وتحررية، متعددة الحقول.ـ تستثير الإنساني فينا قبل غيره. في رواية </span><i><span style="font-weight: 400;">ذات</span></i><span style="font-weight: 400;"> مثلًا، تتجاور مقاطع من الصحف القومية مع السرد الروائي، لكن هذه المقاطع لا تعمل كأدلة أو شواهد، بل كجزء من تفكيك الوعي الزائف الذي تنتجه السلطة الخطابية الرسمية، وتغرسه في لاوعينا كذوات مواطنية. الخبر الصحفي هنا ليس "مصدرًا"، بل كائنًا لغويًا يكشف عن التلاعب بالوقائع، وتحوير اللغة، وتحويل التاريخ إلى واجهة مزيّفة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن دمج الوثيقة في النصوص السردية عند صنع الله لا يسعى إلى "صدق الوقائع"، بل إلى زعزعة احتكار السلطة للحقيقة، تمامًا كما لا تُستخدم المدينة في رواياته كديكور مكاني، بل كحقل اشتباك رمزي، واقتصادي، وأخلاقي. وبهذا المعنى، فإن مشروعه الأدبي يقدم نفسه بوصفه نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته اليوم بـ"السرد المضاد للأرشفة الكولونيالية الرسمية"، حيث لا يكون الأرشيف سجلًا لتاريخ موحَّد ومأذون به، بل فضاءً تُحرّر فيه الذاكرة من الخطاب المهيمن، وتُعاد فيه كتابة الحاضر بوصفه موضع نزاع مفتوح على التأويل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويُضاف إلى هذا الطابع، أن صنع الله لا يلتزم بالحدود الأجناسية الصارمة؛ فالرواية عنده ليست شكلًا سرديًا فنيًا فقط، بل حقل تداخل معرفي وأجناسي: بين التقرير الصحفي، والمقال السياسي، والمقابلة، والتاريخ الشفوي، والوثيقة المؤرشفة، والمتخيل السردي. هذا الانفتاح على تعدد الأشكال لا يُعَدّ خيارًا أسلوبيًا وحسب، بل هو موقف فكري ضد التجنيس الاستعماري للمعرفة، الذي يفصل بين الخبر والخيال، بين الوثيقة والحياة، بين السرد والحدث، في حين أن مشروع صنع الله يعيد مزج هذه الحقول كي يُنتج معرفة هجينة، وغير قابلة للتصنيف المؤسسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبذا، يصبح أدب صنع الله إبراهيم ليس فقط أداة لسرد المدينة، أو تشريح النظام السياسي، بل أيضًا منظومة تفكير متمردة على بنى المعرفة الموروثة من الاستعمار: أرشفة، تصنيفًا، تأريخًا، وضبطًا، والأهم خطابًا. فكما تفكك رواياته بنية القاهرة بوصفها "مدينة محروسة"، تراقب وتُراقب، وتحكم من خلال المعمار والزحام والجسد، فإنها أيضًا تفكك بنية التاريخ بوصفه نصًا مغلقًا، وتعيد فتحه على الممكن، والمسكوت عنه، والمقموعة أصواتهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا تتكامل المقاومة على مستويين: في المدينة، حيث تمارس السلطة قمعها المكاني والاجتماعي والطبقي، وفي النص، حيث تمارس الأرشفة الحديثة قمعها الرمزي والخطابي. وبين هذين الخطين، تنتصب كتابة صنع الله إبراهيم كفعل مزدوج: تفكيك للواقع بوصفه كولونياليًا في جوهره، وإعادة تخييل للكتابة بوصفها أداة تحرر لم تزل قابلة للاستعادة.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">لم أجده بعد!</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رحل صنع الله إبراهيم في عامنا الدامي هذا، لكنه ترك وراءه نموذجًا نادرًا للمثقف المشتبك، حيث المدينة العربية تبدأ من غزة وتمر ببيروت والقاهرة وظفار لتعود إلا غزة. لم يكن كاتبًا فقط، بل شاهدًا تاريخيًا، ومؤرخًا سرديًا للانهيارات الكبرى في العالم العربي، وصوتًا واضحًا في زمن التباس الأصوات وتواطؤ المهزومين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن تجربته تُشكل درسًا حيويًا في دور الأدب في مقاومة السلطة، وتوثيق التاريخ، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية. وفي زمن الانحدار السياسي والثقافي، يظل صنع الله إبراهيم أثرًا يشير إلى أن أدب لا يزال ممكنًا بوصفه موقفًا وأداة تغيير والتحرر.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">.كُتبت هذه الأسطر دون إحالات مرجعية، في محاولة للتخفف أثناء تتبع أثر صنع الله إبراهيم</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/36593">القاهرة: في أثر صنع الله إبراهيم</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بين الرؤية والعبارة: تأملات في انحيازاتنا الجمالية وإمكانات مقاوماتها</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35996</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 02 Aug 2025 10:17:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35996</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35996">بين الرؤية والعبارة: تأملات في انحيازاتنا الجمالية وإمكانات مقاوماتها</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">لم يكن الفن بريئاً يومًا، وعليه، فذائقتنا الجمالية تورط في تلك العلاقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> فالأشكال الجمالية -أيًا يكن جنسها، صوتية أو مكانية أو بصرية، أو أدائية أو غير ذلك- تحمل في طياتها ديناميات ومحمولات  السياسة والسياق التاريخي والعلاقات الاجتماعية واقتصادياتها. في العالم العربي، لم تأتِ الحداثة بما هي عملية محايدة تبدأ من القاعدة إلى القمة، بل فُرضت بعنف بعكس هذا المسار، وتم التفاوض حولها، وغالباً ما تم مقاومتها. من عمارة الدولة الضخمة إلى أنغام أغاني الاحتجاج، أصبحت الجماليات ميداناً تتصارع فيه الذاكرة والسلطة والهوية. يستكشف هذا المقال كيف تكشف الحداثة وما بعد الحداثة العربية عن الطبيعة السياسية العميقة للأشكال الفنية الجمالية، وعلاقات القوى فيها.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الصوت:</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الصوت كحيّز مضاد للدولة: من الكاسيت إلى الضوضاء</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليس الصوت مؤثرًا ماديًا خاملًا، بل وسيلة تعبير، وبنية مقاومة، وحقل اشتباك، وأداة لإنتاج المعنى بالعلاقة مع ديناميات وعلاقات القوى المختلفة. فحين نُعيد طرح العلاقة بين الصوت والسلطة مثلًا، يتّضح أن الصوت لا يخضع فقط للسمع، بل لاقتصاد سياسي كامل: من يتحكم فيه؟ من يملك أدواته؟ ومن يُقرّ بمشروعية الصوت أو يُسميه "ضوضاء"؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تنطلق هذه المقاربة من فهم الدولة الحديثة بوصفها تركيبًا ثلاثيًا: إقليم، سكان، وسيادة. ووفق هيغل، لا تكتمل أهلية جماعة لأن تُنتج تاريخًا إلا عبر امتلاك الدولة، والكتابة بوصفها مادتها. فـ"لا كتابة، لا تاريخ"، كما قال هيغل، ومن ثم عُدلت العبارة الهيغلية في القرن التاسع عشر لتكون "لا دولة، لا تاريخ".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> وهنا تتبلور ثنائية راسخة:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الصوت / السمع / الشفاهة / اللادولة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مقابل:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">النص / البصر / الكتابة / الدولة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بموجب هذا التوازي، تصبح الكتابة فعلًا سلطويًا يُنتج حيزًا وجغرافيا وسيادة، بينما تُعامل الشفاهة بما هي مؤقت صوتي، عابر، غير مؤرشف، ولا يستحق الحفظ. هذه البنية المعرفية تستبعد المجتمعات الشفاهية من التاريخ، وتُلحق بها صفات "التخلف" أو "الجهل" أو "البدائية"، كما في وصف هيغل لشعوب أمريكا الأصليين. وهكذا، يصبح الصوت قرينًا للهامش، واللادولة، والتاريخ غير الرسمي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن هذه الهامشية الظاهرة، كما توضّح ثقافة الكاسيت في العالم العربي، كانت مساحةً لإنتاج تاريخ سمعي مضاد. ففي السبعينات والثمانينات، مثّل شريط الكاسيت تمردًا على بيروقراطية البث الرسمي، ونقابة الموسيقيين، ومؤسسات الدولة الثقافية. لقد حمل أصواتًا ممنوعة: أناشيد دينية، موشحات شعبية، مونولوجات ساخرة، ورسائل سياسية. فلم تكن هذه فقط أصواتًا بديلة، بل أرشيفًا حيًّا لجماعات لا تملك حق الوصول إلى الإذاعة الرسمية، لكنها تكتب صوتيًا ما لم يُكتب نصيًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا الفضاء السمعي غير الرسمي لا يُعرّف فقط بما يُقال، بل بكيفية تدفق الصوت، بأدواته المحمولة، وطقوس تداوله الأفقي، بعيدًا عن المؤسسات. الكاسيت إذًا، لم يكن مجرد وسيط، بل تقنية لامركزية للذاكرة، تنتج الحيّز، وتنقله من ساحة الدولة إلى "العتبة"، حيث المقهى، السيارة، السوق، والمهرجان الشعبي، وكل تلك المساحات الثالثة، التي أنتجت حراكات اجتماعية وسياسية مغايرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الزمن الحاضر، يتكرّر هذا الاشتباك عبر صعود موسيقى المهرجانات، التي تعيد صياغة الصوت كأداة سيادة مضادة، وإن بدت ظاهريًا محكومة بالموقع الاقتصادي لها. فهي تفرض ذاتها على المدينة دون إذن، وتخترق المجال العام بوسائل رخيصة وقابلة لإعادة الإنتاج والتداول والتفاوض. الصراع بين فناني المهرجانات ونقابة المهن الموسيقية، هو في جوهره صراع سرديات استعمارية ورأسمالية: بين سردية كبرى تمثلها الدولة وموسيقاها "الرسمية" (كأعمال عمر خيرت في المطارات المصرية، بوصفها صوت السيادة)، وسردية صغرى تنبثق من الأحياء الفقيرة، دون ضمانات جمالية أو سياسية، ولا تلتزم بطبقية البنى الموسيقية الرسمية (الواردة في أغلبها من الرجل الأبيض)، لكنها مشبعة بالوجود الآني والغضب الاجتماعي. بهذا المعنى، يتحوّل الصوت إلى فعل سيادة جماعية خارج القانون، لا تطلب الاعتراف بل تفرض الحضور.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتعمّق البعد السياسي للصوت حين ننتقل من الموسيقى إلى الضوضاء، ذلك النص السمعي المديني المراوغ الذي يصعب الإمساك به. فالضوضاء، لا تحتاج أن تكون صاخبة لتكون فعّالة؛ هي لا تطلب الانتباه لكنها تنتزعه. هي ليست خارج اللغة فقط، بل خارج الأرشفة، خارج التفسير والتأويل بما هو ترسيم لعلاقات (ما). ومثل الصمت، تقع الضوضاء خارج منطق السلطة الحداثي الذي ينظّم الأصوات ضمن هرمية عقلانية، تقبل بها السلطة، أي سلطة. فالموسيقى الكلاسيكية، كما تعلمنا الحداثة، تُقيّد الصوت بنوتة، وتُعرّفه بـ"نغمته" كما أراد هيغل. أما الضوضاء، فهي لا تقبل التعريف، ولا تخضع للقياس، ولا يمكن تصنيفها بسهولة. إنها صوت المدينة المضادة، الهامش الذي يتزن عليه المركز.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في لحظات استثنائية، كما في حظر التجوال الذي فُرض على القاهرة بعد ثورة 2011، لا يصبح الصمت غيابًا للصوت، بل إعادة تشكيل قسرية للمجال السمعي. لم يكن الصمت آنذاك حالة فراغ، بل مساحة سمعية مضبوطة عبر صفارات الشرطة، تحكمها وتُديرها الدولة. فالصمت لم يُخل المدينة من الأصوات، بل أفرغها من الأصوات التي لا تسمح بها السلطة. وبذلك، لم يكن الصمت سوى صوت السلطة وقد تحوّل إلى أداة سيطرة إيقاعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ورغم ذلك، تظل الضوضاء والصمت يحتفظان بصفتهما كفضاءين عصيين على الضبط الكامل، حيث يُمكن لما يسميه فوكو بـ"الهيتروتوبيا" أن يظهر: فضاءات مغايرة تنشأ من داخل المدينة، لا تخضع كليًا للمنطق الأمني أو المعماري، بل تعيد إنتاج ذاتها من خلال الاحتكاك، المفاجأة، والاحتلال المؤقت للصوت، وأحيانًا الإخلال به، مثلما هو الحال مع تاريخ غناء "النشاز"، الذي مثله تيار ممتد من الشيخ إمام إلى الآن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا التوتر، يظهر منطق ما بعد الحداثة كما شرحه ليوتار: لحظة لا تنهي الحداثة، بل تزعزع سردياتها الكبرى من الداخل، وتُفسح المجال لسرديات صغرى، موقعيّة، تتشكّل من الضوضاء، هتاف الباعة، موسيقى المهرجانات، وقع الأقدام، والأصوات غير المصنّفة. هذه كلها نصوص صوتية ما بعد حداثية تُعيد رسم علاقتنا بالحيّز، بالزمن، وبالجسد، لا من خلال المعنى الثابت، بل من خلال الحضور الحسيّ المتحوّل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الصوت هنا لا يُعرض في صالة، ولا يُقرّ له بالشرعية ضمن معجم الدولة، لكنه يتسرّب في اليومي، يتكثّف في زوايا المدينة، ويُنتج وجودًا لحظيًا لا يحتاج إلى أرشفة ليكون فعّالًا، ونجد أنفسنا شركاء فيه. الصوت لا يطلب اعترافًا، بل يمارس السياسة بوصفها وجودًا جسديًا لا يُمثّل بل يُعاش. وكما تقترح تجربة الصوت في المدن المركزية، كالقاهرة، فإن الصوت هو السياسة حين لا تعترف السياسة به.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">العمارة: المدينة كأداة سلطة واستثمار في الفراغ</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المدينة، في السياق العربي الحديث، لم تُبنَ لتُسكن فقط، بل لتُراقَب وتُملَك وتُستثمَر، فهي استعارة حداثية ممتدة من التاريخ الاستعماري الأوروبي القائم على قطيعة من التراث المديني العربي. المعمار هنا لا يحمي الأجساد بقدر ما يقيّدها ويراقبها؛ لا يخلق حيّزًا للفردانية الشخصية إلا من خلال انقطاعها عن المشترك الجمعي، ما يفرض حيّزًا للسيطرة. في هذا الإطار، لم تكن الحداثة المعمارية في العالم العربي مشروع تحرر، بل بنية عنف مُمَأسَسة، تستورد أدواتها من المركز الاستعماري، وتُلبِسها لغة وطنية، وتعكس الدولة والسلطة طيلة الوقت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تُظهر شوارع المدن العربية، ومرافقها العامة، وعماراتها الحكومية، كيف يتحوّل التصميم المديني إلى تجلٍ للسلطة، كما يشرح إدوارد سوجا حين يؤكد أن إنتاج الحيّز هو إنتاج للسلطة ذاتها. فالمخططات التنظيمية ما بعد الاستقلال استندت غالبًا إلى نماذج استعمارية: الطرق المستقيمة، الأحياء المفصولة، مناطق الإدارية المحصّنة، كلها أشكال لإعادة إنتاج السيطرة تحت غطاء "الحداثة" التي استعارت تقنين الهيمنة من خلال التخطيط، من خلال نموذج البارون هاوسمان في باريس في القرن الثامن عشر، والذي صمم المدينة لغايات السيطرة على سكانها، ومن ثم ألبسها لبوسًا حداثيًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">غير أن هذا العنف لا يُمارَس فقط عبر التنظيم الصارم، بل أيضًا من خلال الدمار والإزاحة. وليس ببعيد عن غزة، حيث الإبادة المدينية (urbicide) تستهدف الحيّز بوصفه سجلًّا حيًّا للمقاومة اليومية. نجد الهدم والإزاحة في القاهرة وبيروت وجدة، لغايات إعادة ترتيب الاجتماعي طبقيًا وسلطويًا، على حساب طبقات اجتماعية احتضنت الذاكرة والتكافل والسردية غير الرسمية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتّضح هنا كيف يتحول العمران إلى رأسمال، لا إلى بيئة للعيش. حيث لا يُبنى الحيّز لتلبية الحاجات، بل لتثبيت التحالف بين الدولة ورأس المال، مشاريع البنية التحتية الضخمة (الجسور، الأنفاق، الكباري) لم تُصمم لتربط الأحياء المهمّشة، بل لتخترقها، تُقطّعها، وتُعيد ترتيب المدينة كشبكة من العزل والسيطرة، القائم على حركة رأس المال، وتأكيد سلطته، عبر تحويل المدنية إلى علاقة خدمية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتقاطع هذا مع تحولات المدينة العربية. فالتحوّل نحو "المدن الذكية" و"المجتمعات العمرانية الجديدة" يوازيه تهميش كامل للفئات التي لا تملك حق التملك أو التعبير، ما يفرغ المدينة من بعدها الحي، ويدفع نحو "الفراغ المنظّم": مساحة تُظهر الحداثة، لكنها تمحو الحياة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذا النمط من العنف المعماري لا يُشاهد فقط في مشروعات الهدم أو التهجير، بل في المنطق الكلي للتخطيط: إزالة الأسواق الشعبية، إحاطة الساحات بالكاميرات، منع التجمعات، تدجين الأماكن العامة، طرد سكان العشوائيات، وتحويل المسكن من حق إلى امتياز. كل ذلك يضعنا أمام سؤال جوهري: من يملك المدينة؟ ومن يُسمَح له بأن يكون مرئيًا فيها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن ما يبدو "تنمية" و"تنظيمًا" هو في جوهره عملية إقصاء طبقي–سياسي ممنهج، تُبنى فيه المدن لتُدار لا لتُعاش، وتُفرَض فيها الخرسانة كأداة إسكات. هذا هو عنف المعمار حين يتحوّل إلى خطاب صلب، يصمت لكنه يحكم، يُخفي لكنه يُحدّد.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الخطوط: أيعقل أن تكون مادة استعمارية؟</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الخط ليس مجرد وسيلة تقنية في الرسم أو الهندسة. في سياقات الحداثة، وخصوصًا مع تحويراتها الاستعمارية والنيوليبرالية، يتحوّل الخط إلى بنية سلطة. وكما ينبهنا مانليو بروزالين في كتابه </span><i><span style="font-weight: 400;">"قصة الخطوط"</span></i><span style="font-weight: 400;">، فالخط ليس أثرًا بريئًا ولا مجرد امتداد بين نقطتين، بل أداة إدراكية تستحضرها السلطة فور شروعها في إخضاع الحيّز: من أول ترسيم للحدود الدولانية إلى أول درس يُلقَّن لطلبة العمارة والتصميم حول "رسم الخطوط". هنا، لا يعود الخط تقنية بل تمرينًا على السيطرة، تمرينًا على ترويض الفضاء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في العالم العربي، جاء الخط المستقيم كاستعارة للاستعمار، والعقلانية الصلبة للحداثة الأوروبية. من تقسيمات سايكس–بيكو، إلى الحدود المصطنعة بين الدول، إلى تخطيط المدن وفق شبكة متعامدة تفصل الأحياء والأجساد والطبقات. هذه الشبكات لم تكن تُرسَم على الأرض فحسب، بل كانت تُغرس في المخيلة: كل ما هو مستقيم يُعدّ متطورًا، وكل ما هو منحنٍ بدائيًا أو فوضويًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تاريخيًا، يعود تمركز الخط في البصريات والرسم المعماري إلى عصر النهضة، حين قام فيليبو برونالشي وليون ألبرتي بتأسيس المنظور الهندسي كقاعدة للرؤية. حينها "رُفع" الخط وجعل منفصلًا عن الجسد، بعيدًا عن اللمس، وعن الحركة الحيّة. ما نتج عنه، إحساس بارد ومنهجي بالمكان، يُضفي على الخط صفة أخلاقية: فكونه مستقيمًا يعني أنه "عقلاني"، "متّزن"، و"متّسق مع خلق إلهي منظّم". هكذا، تُنتج الحداثة ذاتًا متألهة ترى في الخط امتدادًا لسيطرتها، لا لعلاقتها بالعالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حتى حين تتحوّل الخطوط إلى أشكال منحنية، لا يعني ذلك انكسارًا للسلطة، بل إعادة إنتاج ناعمة لها. كما يوضح دولوز، الخط المطوّق" لا يفصل فحسب، بل يحيط، يُخفي الهيمنة تحت مظاهر الانسيابية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي المقابل، ترفض الفنون والممارسات الجمالية ما بعد الحداثية هذه البنية الخطّية. فهي تعيد الاعتبار للتعرجات، للتشظي، للخطوط اليدوية، وللرسم غير المنضبط. السرد غير الخطي، الشكل الحلزوني، والأعمال التي تُفكك المنظور الكلاسيكي، كلها أفعال مقاومة وجودية ضد استقامة الخط وإرادته في السيطرة. يكتب تيم إنغولد أن الخط هو "علاقة متصلة بين الجسد والمكان"، وإذا ما انقطع هذا الاتصال، أو أُعيد توجيهه، فإننا أمام فعل مقاومة مادي–رمزي، يعيد خلق المكان ويغيّر منطق inhabitation (السكن/الانتماء).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هكذا، لا يُخفي الخط المستقيم التعرجات فقط، بل يُقصي التاريخ الحي، يختزل الذاكرة، ويُسكت الصوت. هو تمرين على الطاعة من خلال الشكل، لكن مقاومته—بالفوضى، بالمنحنى، بالصمت، أو بالتجريب—هي استعادة للحيّز، للذات، ولإمكانات أخرى لرؤية العالم.</span></p>
<p><strong><span style="color: #ff0000;">الذائقة: هل نملك ذائقتنا حقًا؟</span></strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الذوق ليس خيارًا حرًا كما نحب أن نعتقد. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن ما نُفضّله ونميل إليه في الفن، الطعام، اللباس، أو العمارة، ليس انعكاسًا لذات فردية مستقلة، بل نتيجة شبكة مركّبة من التفاعلات الطبقية، والتنشئة الاجتماعية، والرأسمال الرمزي. الذوق يتكوّن كأداة تمييز، ويمارس عمله كتمرين على الامتثال داخل هرمية رمزية تُخبرنا، دون وعي منا، بما "ينبغي" أن نحب، وما يُعتبر "جميلاً" أو "راقيًا".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في السياقات العربية، لعب الاستعمار الثقافي وما تبعه من مشاريع تحديث فوقية دورًا في إزاحة الأذواق المحلية لمصلحة نموذج غربي حداثي، أُعيد إنتاجه في مناهج التعليم، وخطابات الدولة، ومؤسسات الفن. تُفضَّل الفنون التشكيلية الأوروبية الممتدة من النهضة على غيرها، ويُحتقر الفن الشعبي، ويُنظر للعمارة المحلية باعتبارها رجعية أو معدومة القدرة على مواجهة العصر. هذه الهيمنة الرمزية لا تفرض ذوقها بالقوة المباشرة، بل تبني فينا رغبة في التشبه بالمركز، فيصبح الامتثال للمعايير وترسيمات الذائقة الغربية علامة على التحضّر، والانتماء إلى مشروع حداثي "راقٍ".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن هذا التشكيل القسري للذوق لا يقتصر على ما نحب، بل يتعداه إلى كيف نرى. فالرؤية الجمالية ليست بريئة، بل مشروطة. وكما تبيّن جوديث بتلر وإدوارد سعيد، فالنظرة تتضمّن سلطة: من يرى؟ ومن يُرى؟ ومن يُسمح له بتأويل ما يُرى؟ في السياقات ما بعد الاستعمارية، يُؤطّر العمل الفني العربي غالبًا عبر عدسة خارجية: النظرة الاستشراقية التي تفتّش عن "الشرقي الغامض"، أو النظرة الإنسانية التي تُجمّد المعاناة في صورة قابلة للتعاطف، أو النظرة النضالية التي تختزل العمل في رمزية المقاومة، وتتناول في أغلبها قضايا الهوية بمركزياتها الغربية على حساب تاريخ ممتد من التهووي العربي والإسلامي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهنا، يتقاطع الذوق والرؤية في إنتاج نظام تأويلي مسيطر، يحوّل الفن إلى أداة تصنيف، ويقيد المعنى ضمن توقعات معينة. تُعرض جداريات مخيمات اللاجئين في المتاحف الغربية كمجرد وثائق إنسانية، تُنزَع من سياقها السياسي المقاوم؛ وتُقرأ صور الثورات العربية بتأويلات متنافسة -هل هي فوضى؟ أم تحرر؟- بحسب من يراها ومن يمتلك سلطة التفسير.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، ثمة مقاومة. في الثقافة العربية المعاصرة، تظهر ممارسات ترفض هذه القوالب: من السينما التجريبية في بيروت، إلى فن الراب الفلسطيني، إلى الكولاج الرقمي الذي يصنع ذائقة هجينة بين الرسمي والهابط، بين المحلي والعالمي. هذه الأذواق الجديدة لا تكتفي باستهلاك الصور، بل تُعيد صياغة منطق النظر ذاته. إذ ثمة تيار كبير من الفنانين والفنانات العرب وآخرين من الجنوب العالمي، لم يقدموا ويقدمن فقط أعمالًا فنية، بل طرحوا تفكيكًا للنظرة: عبر السخرية، والتكرار، وتشويه الكليشيهات، ما يدعونا لنرى بشكل مختلف، أن نخلخل عملية التلقّي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الذائقة، إذًا، ليس قدرًا فرديًا، ولا الرؤية فعلًا تلقائيًا. كلاهما يُنتجان ضمن سياقات هيمنة قابلة للتفاوض والمقاومة. وعليه، فإن إعادة تشكيل الذوق لا تعني فقط تغيير ما نحب، بل كيف نرى ولماذا. فأن نحب فنًا شعبيًا، أو أن نلتقط صورة ضد القاعدة البصرية السائدة، هو أيضًا فعل سياسي يعيد للذات صوتها، وللعين استقلاليتها.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35996">بين الرؤية والعبارة: تأملات في انحيازاتنا الجمالية وإمكانات مقاوماتها</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تفكيك اللوجستيات الإمبريالية: مراجعة نقدية لـ &quot;فرقة العمال المصرية&quot;</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/35007</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 11 Mar 2025 18:32:41 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[استعمار]]></category>
		<category><![CDATA[مراجعة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=35007</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق:</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35007">تفكيك اللوجستيات الإمبريالية: مراجعة نقدية لـ &quot;فرقة العمال المصرية&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">يتناول الأكاديمي والباحث الأمريكي كايل أندرسون في كتابه فرقة العمال المصرية: العرق والمكان والفضاء في الحرب العالمية الأولى (جامعة تكساس، 2021) تداخل العرق والعمل والجغرافيا في الآلة البريطانية الامبريالية، من خلال نموذج "فرقة العمال المصرية"، وهي فرقة عسكرية لوجيستية من المصريين، قارب عددها نصف مليون مصري، جُندوا بالإكراه في الحرب العالمية الأولى، من جانب سلطة الاحتلال البريطاني، لدعم العمليات العسكرية البريطانية والحليفة في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. وقد تضمنت مهام تلك الفرقة بناء الطرق والسكك الحديدية والتحصينات، وحفر الخنادق ووضع الأسلاك الشائكة، ونقل الإمدادات والذخيرة، وأعمال الخدمات اللوجستية والصحية.كان أغلب أفراد تلك الفرقة من الفلاحين والعمال من الريف المصري شماله وجنوبه، أوكلوا بأعمال المساعدة العسكرية اللوجيستية في الحرب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإن كان الإطار العام للكتاب هو السرد التاريخي، إلا أن المؤلف استعار مفاهيم الجغرافيا النقدية، وعلم الاجتماع المكاني لفهم البنية الاجتماعية لوحدة مجتمعية متحركة في سياق استعماري امبريالي عسكري/قتالي، وكيفية مقاومتها وتموقعها في تلك الوحدة، لا باعتبارها أحداثًا تاريخية، إنما أماكن مؤرخنة (أي أماكن اجتماعية أنتجت تاريخيًا). الأمر يشبه إلى حدٍ كبير تأطيرًا تاريخيًا لنظرية "الجغرافيا المجسدنة Geocorpography" التي تطرحها الباحثة الفلسطينية نادرة شلهوب-كيفوركيان. يكشف أندرسون كيف اعتمد المجهود الحربي اللوجيستي البريطاني على الإكراه والتهجير والاستغلال العرقي للعمال المصريين ضمن محاولات إنتاج الفضاء من خلال الأجساد المؤثننة الدونية وعملها في اللوجيستيات الإمبريالية، وهي ممارسة -كما سنرى- استعمارية امتدت لقرون. لكن دراسته لا تقتصر على تحليل آليات السيطرة الإمبريالية، بل تبرز أيضاً أشكال مقاومة هؤلاء العمال، وانتاجهم لأجسادهم وفضاءاتهم وحركتهم ومجالهم الجغرافي المادي والرمزي والممارسات التفاوضية في كل ذلك.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تنبع أهمية مقاربة آندرسن من ضرورة موضعة فرقة العمال المصرية كظاهرة تاريخية وممارسة وعملية إنتاج استعماري في سياق مناهض للاستعمار Anti-colonial، حيث تتحدى سردية أندرسون الروايات التقليدية عن الحرب العالمية الأولى والبنية التحتية واللوجيستية التي انبنت عليها لتحقيق الهيمنة الحربية، حيث لا يقتصر تحليله على مصر فقط، بل يمكننا الإفادة منه لفهم ديناميات السياقات الاستعمارية الأخرى، ما يعزز فهمنا للطبيعة العالمية للهيمنة الإمبريالية، حتى في الحرب العالمية، وعلاقتها بأجسادنا كذوات مستعمرة.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-35009 aligncenter" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9781477324547-scaled.jpg" alt="" width="1696" height="2560" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9781477324547-scaled.jpg 1696w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9781477324547-199x300.jpg 199w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9781477324547-678x1024.jpg 678w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9781477324547-768x1160.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9781477324547-1017x1536.jpg 1017w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/9781477324547-1356x2048.jpg 1356w" sizes="(max-width: 1696px) 100vw, 1696px" /></p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>العمل والعرق والتسلسل الهرمي الإمبريالي</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يرى أندرسون أن فرقة العمال المصرية لم يكن مجرد قوة عمل مُستغلة، بل كان منظومة عمالية عنصرية مدمجة في التسلسل الهرمي الصارم للإمبراطورية البريطانية، والمنبني في أساسه على قواعد أثنية عنصرية، لها تاريخ في الخطاب العنصري الاستعماري حول إنتاج الذات من خلال آخرية Othering خطابية معيارية Normative Discourse. فهو يشير في مواضع ما إلى فكرة "جعل المسلمين عرقًا"، حيث ربط مفهوم العرق المسلم بين المصريين والعثمانيين وغيرهم وصولًا للمسلمين في الهند البريطانية، بوصفهم في المخيلة الإمبراطورية باعتبارهم أعراقًا تابعة أدنى، مما يضمن استمرارية التسلسل الهرمي للأعراق فيما يتعلق بالحقوق والواجبات وآليات الإنتاج، وترسيم شبكات العلاقات المنفعية والبراغماتية والإجرائية، وهو ما يعد جزءًا أساسيًا من بنية عمل الآليات الاستعمارية وبراديغماتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في محاولة لربط مفهوم أثننة العرق عند أندرسون في كتابه بمفهوم الجغرافيا المجسدنة لكيفوركيان، يمكننا النظر في كيفية كشف كلا الإطارين عن التشابك بين الأجساد، والفضاء، والسلطة في المشاريع الاستعمارية والإمبريالية. يوضح الجغرافيا المجسدنة، كمفهوم الطريقة التي ينقش بها العنف الاستعماري نفسه في آنٍ واحد على الأجساد والجغرافيا. في حالة دراسة أندرسون، نجد أن تصنيف الجيش البريطاني للعمال المصريين بناءً على السمات الجسدية والأصول الإقليمية لم يكن مجرد عملية عنصرية، بل كان أيضاً وسيلةً لتشكيل الفضاء المصري وإعادة تنظيم المجتمع من خلال منطق استعماري، وكذلك إنتاج لوجيستيات الهيمنة الاستعمارية في صورتها الأبرز: الحرب. وهذا يتماشى مع طرح شلهوب-كيفوركيان بأن الأنظمة الاستعمارية لا تستغل الأرض أو الأجساد بشكل منفصل، بل تخلق فضاءات للسيطرة من خلال حشد الأجساد بطرق عنصرية وجندرية وتصنيفية، نضيف استنادًا لآندرسن وحركية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في كلتا الحالتين، نجد أن الإنتاج الاستعماري للفضاء وتحديد مواقع العمل العرقي يهدفان إلى ضبط السكان عبر إضفاء معانٍ محددة على أجسادهم وحركتهم. فتجنيد فرقة العمال المصرية، كما هو الحال في مراقبة وقمع الأجساد الفلسطينية في أعمال شلهوب-كيفوركيان، يوضح كيف تنظم الإمبراطورية تسلسلات هرمية مكانية وجسدية للحفاظ على الهيمنة. وهكذا، يُكمل تحليل أندرسون للعمل والعرق مفهوم الجغرافيا المجسدنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يكشف الكتاب عن تراكبية العنف الاستعماري والذي لم يكن فقط عسكريًا، بل امتد ليشمل استعباد الأجساد ضمن بيئات العمل القسرية. ويصف مؤلفه هذه الديناميكية بقوله:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"الفصل الجسدي للعمال المصريين عزز خضوعهم العرقي، محولًا معسكرات العمل والخنادق والمخازن إلى أدوات للهيمنة الإمبريالية" (آندرسن، 176)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلا أن أندرسون لا ينظر إلى هؤلاء العمال باعتبارهم مجرد ضحايا، بل يُبرز أيضًا أشكال مقاومتهم. من خلال الإضرابات، والهروب، وأعمال التخريب، تمكّن العمال من عرقلة آلة الحرب الاستعمارية، حيث يؤكد:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"كانت الإضرابات العمالية وحالات الهروب والتخريب أعمال مقاومة هددت استقرار النظام الإمبريالي من الداخل" (آندرسن، 183)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بهذا، يتحدى أندرسون السرديات الاستعمارية التي تصور الشعوب الخاضعة وكأنها مجرد أرقام في نظام قمعي، ويعيد إليهم دورهم الفاعل في التاريخ.</span></p>
<figure id="attachment_35017" aria-describedby="caption-attachment-35017" style="width: 1600px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-35017" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Figure-0.4-really-real.jpg" alt="" width="1600" height="1150" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Figure-0.4-really-real.jpg 1600w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Figure-0.4-really-real-300x216.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Figure-0.4-really-real-1024x736.jpg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Figure-0.4-really-real-768x552.jpg 768w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Figure-0.4-really-real-1536x1104.jpg 1536w" sizes="(max-width: 1600px) 100vw, 1600px" /><figcaption id="caption-attachment-35017" class="wp-caption-text">من الكتاب</figcaption></figure>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الفضاء الثالث</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> باستعارة مفهوم إدوارد سوجا (أو سويا) عن "تجربة الفضاء الثالث"، يوضّح آندرسن كيف تداخل الفضاء والعرق والعمل في تشكيل البنية الإمبريالية، مشيرًا إلى أن:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"تعامل الإمبراطورية البريطانية مع فرقة العمال المصرية حوّل الفلاحين المصريين إلى قوة عاملة مستهلكة، حيث كان عملهم من خلال آليات مكانية وعرقية" (آندرسن، 84)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقدّم هذا التحليل رؤية أوسع تفيد بأن المُستعمرين لم يكونوا مجرد ضحايا للاستغلال البدني الإنتاجي، بل تم وضعهم داخل منظومة جغرافية إمبريالية تخدم مصالح السلطة الاستعمارية، لغايات توسيع مجالات الهيمنة في سياق يتخطى حدود الغايات العسكرية والاستراتيجية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومن أبرز صور هذا الاستغلال أساليب التجنيد القسري، حيث كانت السلطات البريطانية تروّج لفكرة "التطوع"، بينما كانت في الواقع تستغل ضعف الفلاحين الاقتصادي الذي تسببت به السياسات الاستعمارية نفسها. ويكشف أندرسون عن هذه التناقضات بقوله:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"حملات التجنيد استغلت هشاشة المصريين الاقتصادية، وأخفت وراء قناع الخدمة الوطنية نظامًا قسريًا منهجيًا" (آندرسن، 119)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويُظهر أن هذه التكتيكات لم تكن محصورة في مصر فقط، بل امتدت إلى فلسطين، حيث أجبر البريطانيون السكان المحليين على العمل لصالح البنية التحتية الاستيطانية والعسكرية. وبذلك، يعيد أندرسون رسم خريطة السيطرة الإمبريالية، موضحًا كيف تم نشر آليات التجنيد القسري عبر مناطق متعددة للحفاظ على الحكم الاستعماري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحد أشكال مقاومة هذه الهيمنة من قبل أفراد الفرقة المصرية، كان ما وصفه سوجا بأنه فضاء ثالث، حيث قاوم العمال المصريون الهيمنة الاستعمارية من خلال التعبير الثقافي، لا سيما عبر الأغاني والذاكرة الجماعية، والأداءات الجماعية والفردية لأشكال مختلفة من التعبيرات الثقافية المصرية. تُعدّ الأغنية الشهيرة يا عزيز عيني التي لحنها سيد درويش، وغنتها نعيمة المصرية، مثالًا بارزًا على هذه المقاومة، حيث لم تكن هذه الأغنية مجرد تعبير عن الحنين إلى الوطن، أو شكلًا من أشكال التسلي وقضاء الوقت لدى أفراد الفرقة، بل كانت شكلًا من أشكال التحدي الجماعي، كما يظهر الكتاب. فبينما كان العمال المصريون يُجبرون على أداء أعمال شاقة في ظروف قاسية، كانوا يغنون عن الشوق والتهجير والصمود، مؤكدين بذلك إنسانيتهم في مواجهة الاستغلال الاستعماري. فمن خلال يا عزيز عيني، حوّل العمال معاناتهم إلى تجربة ثقافية مشتركة، مستخدمين الموسيقى للحفاظ على التضامن والتعبير عن الرفض الضمني للسلطة البريطانية. وهكذا، أصبحت أصواتهم، رغم تقييدها بالحكم الإمبريالي، أداةً للمقاومة، تساهم في الحفاظ على الكرامة والهوية الجماعية في ظل القمع المنهجي، وأداة لانتاج فضاء رمزي ثالث مضاد ومغاير للفضاءين الأساسيين: المستعمِر والمستعمَر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه التراكبية لهذه الأغنية في كونها أداة مقاومة، تنبهت لها الباحثة المصرية علياء مسلم، والتي قامت بتحليل نص الأغنية ومبناها الموسيقي، ومن خلال موضعة التحولات على تلك الشهادة التاريخية، وبحثها بالعلاقة مع تاريخ المستعمِر والمستعمَر، كشفت مجال الفعل الرمزي المقاوم لفرقة العمال المصرية. تشير علياء مسلم، إلى التغيرات اللاحقة في الأغنية من استخدام تعبير "الحرب"، إلى "السلطة" التي أخذت "ولدي"، ما هذه التعديلات تجربة الفلاحين في صعيد مصر قبل الحرب وخلالها، وكذلك تجربة أفراد الفرقة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما أشارت علياء مسلم في دراسة أخرى لها، إلى ممارسات تحدي "السلطة" في التاريخ الشفهي لتلك الفرقة وأفرادها، حيث كانت الأغاني والنكات التي كان العمال يرددونها على الجبهات المحلية والعالمية، والتي سجلها ضباط بريطانيون في مذكراتها، بذورًا للشعارات والهتافات التي انطلقت خلال ثورة 1919، والتي أظهرت مشاعر مناهضة بأركان السلطة المهيمنة على أجساد المصريين بداية من الاحتلال البريطاني، الحكومة المصرية التي نفذت أوامره، وحتى طبقة الملاك الكبار الذين نصحوا بضبط النفس في انتظار المكاسب السياسية بعد الحرب.</span></p>
<figure id="attachment_35019" aria-describedby="caption-attachment-35019" style="width: 800px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-35019" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/ELC_members_laughing_IMG.jpg" alt="" width="800" height="576" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/ELC_members_laughing_IMG.jpg 800w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/ELC_members_laughing_IMG-300x216.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/ELC_members_laughing_IMG-768x553.jpg 768w" sizes="(max-width: 800px) 100vw, 800px" /><figcaption id="caption-attachment-35019" class="wp-caption-text">من الكتاب</figcaption></figure>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>الجغرافيا الاستراتيجية للحرب والسلطة الاستعمارية</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من خلال تبني مفهوم ديبورا كوين عن "المدن الاستراتيجية"، يحلل أندرسون كيف أعادت الإمبراطورية البريطانية تشكيل المشهد الحضري والريفي في مصر لتعزيز هيمنتها اللوجستية. فقد أصبحت مدن مثل السويس، وبورسعيد، والإسماعيلية مراكز عسكرية، غالبًا على حساب المجتمعات المحلية، وشبكة علاقاتها المكانية والمدينية والريفية، وتداخل مع تاريخها الاجتماعي على حساب أجساد المصريين. يخبرنا آندرسن أن:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"عسكرة هذه المدن أعادت تعريف فضاءاتها الاجتماعية والعمرانية، مما جعلها أدوات لوجستية إمبريالية على حساب السكان المحليين" (آندرسن، 144)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويتجلى هذا النمط في فلسطين أيضًا، حيث استُخدمت مشاريع البنية التحتية لخدمة هدفين مزدوجين: إحكام السيطرة العسكرية، وتعزيز الاستيطان الاستعماري. ومن خلال هذه المقارنة، يُظهر أندرسون أن إعادة هيكلة المساحات العمرانية لم تكن مجرد نتيجة ثانوية للحكم الإمبراطوري، بل كانت جزءًا من استراتيجية استعمارية شاملة تهدف إلى ضبط الحركة، وقمع المقاومة، وضمان الاستغلال المستمر للموارد.</span></p>
<figure id="attachment_35016" aria-describedby="caption-attachment-35016" style="width: 847px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="size-full wp-image-35016" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Q2702.jpg" alt="" width="847" height="623" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Q2702.jpg 847w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Q2702-300x221.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/03/Q2702-768x565.jpg 768w" sizes="(max-width: 847px) 100vw, 847px" /><figcaption id="caption-attachment-35016" class="wp-caption-text">من الكتاب</figcaption></figure>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>تفكيك الروايات الاستعمارية: نحو جغرافيا مناهضة للاستعمار</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على المستوى المنهجي، ينتمي عمل أندرسون إلى الجغرافيا المناهضة للاستعمار، حيث يسعى إلى تجاوز التحيزات الأرشيفية الاستعمارية من خلال الاستناد إلى الشهادات الشفوية، والمذكرات، والمصادر غير التقليدية. ويشدد على أهمية ذلك بقوله:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"إعادة الاعتبار للأصوات المهمّشة تكشف صمت الأرشيفات الإمبريالية، وتُسهم في إنتاج سردية أكثر شمولًا ونقدًا للحرب" (آندرسن، 202)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويجد هذا النهج صداه في الدراسات الحديثة حول فلسطين، حيث تتطلب عملية تفكيك التاريخ الاستعماري إشراك الروايات الأصلانية التي تتحدى التشويهات الاستعمارية. ومن خلال الربط بين العمل والفضاء والمقاومة، يوسّع أندرسون نطاق تحليله ليشمل التجارب الاستعمارية الأخرى. وبذلك، يقدم الكتاب إطارًا نظريًا هامًا لفهم إدارة العمالة الاستعمارية في سياقات متعددة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمثل كتاب فرقة العمال المصرية لكايل أندرسون مساهمة بارزة في دراسة اللوجستيات الإمبريالية، وتاريخ العمالة، والجغرافيا السياسية. من خلال تبني مقاربات الجغرافيا النقدية، وعلم الاجتماع الحضري، والجسد والجغرافيا، يفكك أندرسون السرديات الأوروبية المركزية، كاشفًا الروابط العميقة بين استغلال العمالة والعنف الاستعماري.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالنسبة للباحثين المهتمين بتقاطعات العرق والعمل والاستعمار، يوفر بحث أندرسون رؤى أساسية حول كيفية استخدام الفضاء كأداة للاضطهاد، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون ساحة مقاومة. ومن خلال الربط بين سياسات العمل الإمبريالية والتحديات المعاصرة، يؤكد الكتاب الحاجة الملحّة إلى تفكيك الأنظمة الاستعمارية، ليس فقط في التاريخ، بل في الجغرافيا الحيّة للعالم اليوم. وكما يختتم أندرسون بقوله:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">"تفكيك التاريخ الاستعماري يتطلب وضع المهمشين في مركز السردية—وهذا ليس مجرد واجب أكاديمي، بل مسؤولية أخلاقية" (آندرسن، 241)</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ختامًا، مات العديد من أفراد فرقة العمال المصرية، في ظروف قاسية بين سوء التغذية، والأمراض، والتعرض للبرد، والعنف المباشر، والاعدامات. عانوا من العمل الشاق، ونقص الغذاء والملابس، وانتشار الأمراض. تجمد الكثير منهم حتى الموت في شتاء أوروبا القارس، بينما أعدم آخرين بسبب احتجاجهم على ظروفهم. ومن الأمثلة البارزة </span><b>مجزرة كاليه</b><span style="font-weight: 400;"> حيث أطلق الجنود الفرنسيون النار على مجموعة من العمال المصريين المضربين. لم يتم الاعتراف بوفاتهم رسميًا، وحُرم الكثير منهم من الدفن اللائق، مما يعكس وحشية الاستغلال الاستعماري الذي تعرضوا له.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هذه الكتاب دعوة لا تقتصر على الماضي، بل تمتد لتكون مبدأً إرشاديًا للبحث النقدي في الحاضر الاستعماري والكولونيالي.</span></p>
<p><iframe title="آه يا عزيز عيني وأنا بدّي أروّح بلدي . نعيمة المصرية" width="800" height="600" src="https://www.youtube.com/embed/dwSIvKcVEbI?feature=oembed&#038;enablejsapi=1" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/35007">تفكيك اللوجستيات الإمبريالية: مراجعة نقدية لـ &quot;فرقة العمال المصرية&quot;</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الياس خوري والحرب وغزة وجنرالات التا(ء)ريخ</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34860</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[عبدالله البياري]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 09 Feb 2025 09:13:26 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أقوال]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف]]></category>
		<category><![CDATA[أزرق]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34860</guid>

					<description><![CDATA[<p>أزرق</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34860">الياس خوري والحرب وغزة وجنرالات التا(ء)ريخ</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">خلال عملي المؤسسي في أرشفة التاريخ الفلسطيني (أو ما كان حينها يسمى مشروع أرشفة وتوثيق تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية)، اضطررت أن أدافع عن فكرة بسيطة: هل السرد الأدبي وثيقة تاريخية و/أو أرشيفية؟ وعلى بداهة السؤال، أتت فداحة الإجابة مغموسة بكثير من الأيديولوجيا الحداثية: لا!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أثير الأمر في معرض دراسة وثيقة لأحد الأسرى، يتناول فيها أدب الأسرى وما يقرؤه الأسرى في الأسر. اقترحت في حينه إضافة كلمات مفتاحية بأسماء الروايات والأعمال الأدبية، فكان الرد حينها: لا علاقة للأدب والسرد بـ"تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أتذكر حديثي عن تلك الحادثة -من العديد من الحوادث الفاضحة والمؤسفة!- مع حياة إلياس (في فلسطين نقول "حياة" قبل اسم المتوفى في شكل من أشكال مقاومة الموت!)، وأتذكر جيّدًا رده حينها:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"يا عبد الله.. بدنا نسأل هول العالم ليه بدهن يكتبوا تاريخ الحركة الوطنية!".</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فتحت هذه الجملة من حياة إلياس (مرة أخرى!) أبوابًا كثيرة في عقلي، لم أكن أستطيع أن أغلقها حتى الآن، بشأن عالم الأرشفة ومشاريعه الفلسطينية، ومآسيه وجنرالاته ودجّاليه. بعدها سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأقدم ورقة بحثية في مؤتمر جامعة براون الأمريكية السنوي، عنوانها: "الرفض في الأرشفة: لماذا تبتعد فلسطين بكل مشروع أرشفة!" (بالإنجليزية). حاولت في هذا البحث، ولا زلت، الإجابة عن سؤال إعادة إنتاج فلسطين في الأرشفة والتاريخ والسرد، وكيف أن تلك الذكورية الطافحة (أو الفحولة، لنقل!) التي ترى في الأرشفة والتأريخ الفلسطينيين "عمل دولة"، في وقت تتكالب فيه كل دوّل العالم تقريبًا على فلسطين، حتى لو كان ذلك على حساب رأي مجتمعاتها ومواقفهم من دولهم!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأمر أشبه ما يكون بمحاولة لإنتاج فلسطين من خلال ذكورها الألفا فقط، لينتهي الأمر بمذكرات وأوراق عن قادة وسياسيين، وليس عن فلسطين التي تموضعت في الصف الثاني من المسرح. الأمر يشبه في جزء كبير منه، هكذا قلت لإلياس، محاصرة الذات الإلهية بـ99 صفة واسم مذكرين، فلا نعود نرى الإله بمعانيه المطلقة إلا من خلال لغة ذكورية فحولية تحاصره. الأمر ذاته مع "فلسطين": تحاصرها مجموعة من الذكور المرتبطة بأنواتها حصرًا، وتحاول "إعادة إحياء ذكورة سياسة ما عادت فاعلة"، حتى لو أرادوا لها ذلك على حساب المقاومة في غزة. تلك المقاومة التي تنبّه فيها إلياس إلى أن المقاومين فيها يكتبون التاريخ معطين العالم ظهورهم وهم يقبلون على الدبابات وآليات الجيش الإسرائيلي وجنوده، ما يضع فريق الذكور الألفا في أزمة هوية: كيف يكتب تاريخ فلسطين في هذه اللحظة الحاسمة من لا يمكننا حصر ألقابه ومناصبه ومواقعه ونياشينه؟!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقول إلياس في كتابه "النكبة المستمرة": "في حكايات هذه النكبة، مثلما يرويها ضحاياها وبعض جلاديها، علينا أن نصدق ما لا يصدق، وأن نتأقلم مع فكرة أن الحدود بين الحقيقي والخيالي قد دُمرت!"(خوري، 2024، ص 21).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أثارت فكرة إلياس عن "النكبة المستمرة" الكثير من الضيق لجنرالات الأرشفة والتأريخ، لأنها توظف أدوات منهجية في دراسات نزع الكولونيالية التي واجهت سرديات التأريخ الكولونيالي، تلك التي موضعت "الدولة الحديثة" باعتبارها الاستعارة الوحيدة والأساسية لكل أشكال الوجود السياسي، معتمدة على منهجيات أرشيفية تؤلّه الفرد والحزب والقيادة والسلطة والبنى الهرمية، بداية من اللغة، وتفترض انفصالًا ما بين ما حدث وما يحدث، وتقدم لنا منهجيات أرشفة وتأريخ معقّمة بادّعاء الحياد، في حين أن أرباب هذه المقولة الفارغة يعلمون تمامًا أن الأرشيف لا يمكن أن يكون محايدًا؛ فالحياد هنا تماهٍ مع الاحتلال والمنهجيات الغربية التي تعاملت مع الذوات المستعمرة باعتبارها كيانات مادية، وليست حيوات مستمرة. يعود إلياس في كتابه المشار إليه للقول:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">"هل نحن أمام ذاكرة ترفض النسيان، أم أمام حاضرٍ صارت ذاكرته جزءًا من تجربته وحياته اليومية؟" (خوري، 2024، ص 15).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في محاولة للإجابة عن سؤال السرد والتاريخ والتأريخ، يتنبه حياة إلياس خوري إلى ما لا ولن يراه جنرالات الأرشفة: "انبثق تعبير النكبة المستمرة من مرحلتين: المرحلة الأولى، خلال عملي الميداني والبحثي من أجل كتابة روايتَيّ: ’باب الشمس‘ و’أولاد الغيتو‘" (خوري، 2024، ص 16).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والروايتان لهما موقع بالغ الأهمية في النضال والتاريخ الفلسطينيين وعلائقه العربية والنضالية العالمية، والأهم في علاقتهما -وسائر إرث حياة إلياس خوري- بما يجب أن يكون عليه التأريخ الفلسطيني؛ فباب الشمس التي استخدمها، استعاريًا، مناضلون ضد الاستيطان في فلسطين، لإنشاء قرية تحمل الاسم نفسه في المنطقة E1 (وفق التصنيف الإسرائيلي)، والتي سطا عليها الاحتلال في الضفة الغربية لمصلحة مشروع استيطاني يفصل القدس تمامًا عن الضفة الغربية، ويقسم الضفة إلى جزأين، حيث من المقدر في حينه أن تبلغ مساحة الأراضي المصادرة لصالح مشروع E1 قرابة 13 كيلومترًا مربعًا، حيث يقيم عدد كبير من التجمعات البدوية، مثل عرب السواحرة وعرب الجهالين وغيرهم، وتتبع أجزاء أخرى من هذه الأراضي لبلدات مقدسية مثل العيساوية والعيزرية والطور وعناتا وأبو ديس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما "أولاد الغيتو"، فهي مشروع إلياس الذي يعرّي استعمارية اللغة والمخيال والتاريخ ويفكّكها. حيث تكشف هذه الرواية عن خطّ تاريخيّ تمرّ عبره ثلاثة تقاطعات/مرايا نقدية، في مركزها النكبة الفلسطينيّة، ثم الهولوكوست، وأخيرًا مسألة اليهود العرب ممّن هاجروا إلى ’أرض الميعاد‘. فنجد آدم دنّون‘ - الشخصيّة المركزيّة في الرواية - الفلسطينيّ المولود في غيتو اللدّ في عام النكبة، هاربًا من ’التراوما‘ (الصدمة)، وهي أحد مزاعم الحداثة الدولانية فيما يتعلق بالأرشفة بأنها تروّض الصدمة، بكونها عملية عقيمة، أو بلغة جنرالات الأرشفة "محايدة". يزور آدم وارسو متواريًا؛ ليجد نفسه في كلّ مرّة أمام الذاكرة، أو المرآة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحوّل الحقيقة آدم دنّون شاهدًا، والأرشفة يفترض بها فعل الشهادة، ولأن الموقعية الفلسطينية المفترضة لأي أرشفة يجب أن تجعلها عملية أرشفة تحررية وليست محايد/ة، فإننا نرى آدم وحياة إلياس، يرويان ويوثقان النكبة وحكاياتها من اللدّ إلى حيفا، وإلى يافا، ثم إلى منفى آدم، الفلسطيني الأخير في نيويورك. أدت هذه الصدمة إلى الدفع بآدم للنضوج فلسطينيًا في مواجهة تاريخه الشخصي والجمعي. فنجده يكتب كميكانزيم دفاعيّ مضادّ لثلاثة أشكال من عجز اللغة: الغضب، والنسيان، والصمت؛ لتواجه الرواية سؤالين عميقين يتعلّقان بدور الكتابة أمام الحقّ والحقيقة: سؤال التاريخ وسؤال الأدب. لتكن هذه هي إجابة إلياس المتنورة بشأن ما إذا كان السرد الأدبي وثيقة تاريخية وأرشيفية. حيث اعتمد خوري في مبناه السردي على الشهادات الحقيقيّة التي سمعها وقرأها وشاهدها، في محاولة لأرضنة ظروف جماليّة ونقدية نازعة للكولونيالية تخترق النوع الأدبي الروائي؛ فتصبح هذه الرواية "محاولة اعتراضيّة على الأدب أكثر ممّا هي عمل أدبي"، في العلاقة مع التاريخ والتأريخ، للقضايا العادلة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت الذي يصاب فيه هذا العالم بالعقم في مواجهة الموت الولّاد في غزة، يصرّ كثيرون على حزن لا يليق إلا بالنهايات، وإعادة إحياء موتٍ لا مناص منه لكيانات اهترأت، باسم حياة ومقاومة جديدة تبزغ من غزة، وتفرض رؤاها وضياءها علينا. لعلنا الآن أحوج ما نكون إلى رؤى حياة إلياس التي زرعها في أرض خصبة، لولا غزة ولحظتها، لما أزليت غماماتها عن بعض العقول.</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34860">الياس خوري والحرب وغزة وجنرالات التا(ء)ريخ</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-18 08:47:21 by W3 Total Cache
-->