<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>أرشيف المجلة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<atom:link href="https://rommanmag.com/archives/tag/%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/أرشيف-المجلة</link>
	<description>مجلة ثقافية فلسطينية مستقلة</description>
	<lastBuildDate>Sun, 11 Jan 2026 17:12:36 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.1</generator>

<image>
	<url>https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/cropped-romman_logo-pink-32x32.png</url>
	<title>أرشيف المجلة - مجلة رمان الثقافية</title>
	<link>https://rommanmag.com/archives/tag/أرشيف-المجلة</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34813</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[حسام موصللي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 30 Jan 2025 09:49:08 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أدب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[ترجمات]]></category>
		<category><![CDATA[حوارات]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34813</guid>

					<description><![CDATA[<p>حوار مطوّل (١/٢)</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34813">ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color: #999999;"><span style="font-weight: 400;">كتبتها آن- ماري ماكمانوس، <a href="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/٣٤٩٨٥٦٥٤٠٩٦٧٨٣٠٩٦٨٧٣٥٩٠٨٦٧٨٤٥٧٦٣٥٨٩٤.pdf" target="_blank" rel="noopener">نُشرت</a> </span><span style="font-weight: 400;">في مجلّة الأدب العالمي، الصادرة عن دار بريل للنشر، 2017. </span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><b>ملخَّص</b></span></p>
<p><span style="font-weight: 400; color: #808080;">في هذا الحوار، يُحدِّثنا إلياس خوري، وهو أحد أبرز الأصوات في الأدب والنقد العربيَّين المعاصرَين، عن عالميَّة الأدب العربيّ، وككاتبٍ وصوتٍ نقديّ ذي باعٍ طويل في المشاركة السياسيَّة، يطرحُ خوري مقاربةً شديدة الأهمِّيَّة بصدد كلٍّ من الإمكانيَّات والقيود ذات الصلة بالمناقشات الأدبيَّة العالميَّة الراهنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُعتبر الروائيّ اللبنانيّ إلياس خوري واحداً من أبرز الأصوات في الأدب والنقد العربيَّين المعاصرَين؛ وهو مفكِّرٌ عامّ يحظى باحترامٍ واسع النطاق في عالمَي السياسة والصحافة العربيَّتين؛ وكذلك مؤلِّفٌ مرموق تُرجِمت رواياته إلى الإنكليزيَّة والفرنسيَّة. من أبرز رواياته "باب الشمس" (1998)، و"رحلة غاندي الصغير" (1989)، و"الوجوه البيضاء" (1981)، و"يالو" (2002). حظيَت كتابات خوري وأعماله الثقافيَّة بجوائز إقليميَّة وأوروبيَّة؛ أحدثُها، في عام 2016، جائزة محمود درويش للإبداع، والتي تبرَّع بها إلى جامعة بيرزيت؛ كما تزامن إعداد هذا الحوار مع وصول أحدث رواياته، "أولاد الغيتو- اسمي آدم" (2016)، إلى القائمة الطويلة للجائزة العالميَّة للرواية العربيَّة (البوكر العربيَّة). وفي الترجمة، فاز خوري بالجائزة الفرنسيَّة للرواية العربيَّة في أولى دوراتها، عام 2008، وذلك عن رواية "كأنَّها نائمة" التي صدرت بترجمة رانيا سمارة. بالإضافة إلى ما سبق، أُقرَّ بخوري سفيراً عالميَّاً للثقافة العربيَّة إذ فاز في عام 2012 بجائزة اليونسكو-الشارقة لمساهماته في تعزيز الثقافة العربيَّة في العالم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على هذا النحو، يتمتَّع خوري بمكانةٍ فريدة تخوِّله تناول عالميَّة الأدب العربيّ؛ سواءٌ بوصفه كاتباً دخلَت أعمالُه شبكات الأدب العالميّ المعاصر، أو كصوتٍ نقديٍّ يوفِّرُ انخراطُه السياسيّ طويل الأمد، لا سيَّما مع كلٍّ من القضيَّة الفلسطينيَّة والانتفاضة السوريَّة، مقاربةً شديدة الأهمِّيَّة بصدد كلٍّ من الإمكانيَّات والقيود ذات الصلة بالمناقشات الأدبيَّة العالميَّة الراهنة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خلال حوار أُجري في كانون الأوَّل من عام 2016 في برلين، تحدَّث خوري عن رؤيته المميَّزة للعلاقات التي تربط الأدب العربيَّ بآداب العالم الأخرى. يبتعد خوري عن محطّ التركيز السائد في المجال على الدوائر المعاصرة للترجمة والتبادل، ليدعو بدلاً من ذلك إلى سردٍ تاريخيّ متعدِّد المستويات لعالميَّة الأدب العربيّ؛ الذي من شأن نتاجِه أن يكون نموذجاً لقراءات أدبيَّةٍ وتفاعلاتٍ إبداعيَّة لا حصر لها، بمقدورها ربط سرديَّة القرن العاشر العبَّاسي بأميركا اللاتينيَّة في القرن العشرين، وكذلك الربط ما بين الآداب العربيَّة بنظيراتها في الصين والهند والجنوب العالميّ ما بعد الكولونياليّ. علاوةً على ذلك، تحمل تعليقات خوري مقاييس مختلفةً لعالميَّة الأدب إذ يُميِّزُ ما بين الميادين الإقليميَّة (أي بين شمال أفريقيا وبلاد الشام) والميادين العالميَّة الأوسع. يُبيِّن خوري أيضاً أنَّ كلَّاً من الاختلاف اللغويّ وجماهير القراءة الجديدة إنَّما تسهمُ مساهمةً فعَّالة مع انتقال النصوص من لبنان إلى المغرب- في عمليَّةٍ تداوليَّة يُعزِّزها اليوم انتشار الجوائز الإقليميَّة والوسائط الرقميَّة. فكيف بإمكان دراسات الأدب العالميّ تفسير أنماط التداول المتنوِّعة هذه خارج الحدود الوطنيَّة؟ بالنسبة إلى خوري، على أيِّ حال، ما تتقاطع عنده العديد من الشبكات الأدبيَّة الغنيَّة هو مفهومٌ مهمَّش ضمن الدراسات والتعليم الأدبيَّين في أغلب الأحيان: العلاقة الأساسيَّة بين السرد والمتعة، سواءٌ أفُهِمَت بوصفها التجربة الاجتماعيَّة للإصغاء إلى حكايةٍ ليلاً، أو التفسير الإبداعيَّ الذي يُسقِطه قارئٌ على رواية، أو قدرة المؤلِّف على التحدُّث دونما قيود.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يوطِّئ مفهوم المتعة الأخير هذا للأبعاد السياسيَّة في منظور خوري للأدب العالميّ، الذي يُقرأ من داخل التقليد الأدبيِّ العربيّ المعاصر الذي تتردَّد فيه أصداء أعمالٍ نقديَّةٍ حديثة للأدب العالميّ من قِبل باحثين وباحثات مثل إيميلي أبتر وفينغ تشيا، بل ويتوسَّع فيها. تفتحُ صياغة خوري لأدبٍ عالميٍّ متجذِّرٍ تاريخيَّاً الباب لنقدِ القضايا السياسيَّة الراهنة؛ التي يصفُها بأنَّها غير مُقيَّدةٍ بسياقاتها الأصليَّة، وتُفسَّر كنضالٍ عالميٍّ من أجل التحرُّر. وإنَّ تجريد القضايا السياسيَّة من سياقاتها المحلِّيَّة يفضي إلى تداولها مثلما تتداول السلع، ممَّا يوقعها فريسةً لتهديد الغرائبيَّة. وربَّما الأهمّ من ذلك هو أنَّ هذه المعالجة المجتزأة وغير السياقيَّة للسياسة تُقوِّض الفرص أمام التضامن العالميّ- الذي يصرُّ خوري على ضروريَّته اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. رافضاً إجبار الأدب على لعب أيٍّ دورٍ أداتيٍّ أو تربويّ، يرسم مفهوم خوري عن الأدب العالميِّ سرداً يتَّسم بالدقَّة والتنوُّع لكلٍّ من الإبداع والالتزام: سرداً يظلُّ فيه الأدب الملاذ الضروريَّ للتعبير عن تجارب الحرِّيَّة، فرديَّةً كانت أم جماعيَّة.</span></p>
<p><strong>فيما يلي نصُّ محادثتنا، بعد تحريره بغاية التوضيح:</strong></p>
<p><strong>سبقَ وأن أشرفتَ على سلسلةٍ من نصوصٍ أدبيَّةٍ عالميَّة تُرجِمت إلى العربيَّة في ثمانينيَّات القرن الفائت. أتساءلُ عمَّا إذا كان بمقدورك البدء بالحديث عن تلك التجربة.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت فكرة هذه السلسلة ترجمة آداب العالم الثالث إلى العربيَّة. بدأنا بتقديم مجموعةٍ من (النصوص) الأفريقيَّة، والأسيويَّة، والهنديَّة، واليابانيَّة، ثمَّ الأميركيَّة اللاتينيَّة، إلى الأدب العربيِّ الحديث. أعلنَت هذه السلسلة، التي أطلقنا عليها مسمَّى "ذكريات الشعب"، بداية طفرة ترجمة هذه الآداب إلى العربيَّة. حرَّرت بنفسي قرابة 45 كتاباً، وكتبتُ كلَّ التوطئات. عملنا مع مترجمين قادرين على الترجمة (مباشرةً) من الإسبانيَّة، على سبيل المثال، وليس من الإنكليزيَّة أو الفرنسيَّة. كان عملاً شاقَّاً بالنسبة إليَّ، وفي الوقت نفسه مصدراً لسعادةٍ جمَّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنتُ مهتمَّاً بالأدب المقارن، الذي أصبحتُ (في فترةٍ لاحقا) أستاذاً فيه. في هذا الميدان، عادةً ما نقارنُ الأدب العربيَّ بالأدبين الفرنسيّ والإنكليزيّ، وهو أمرٌ عديم الجدوى - ليس عديم الجدوى تماماً، لكنَّه ليس القضيَّة الحقيقيَّة التي ينبغي لنا في العالم العربيِّ الاهتمام بها. لذا، أردنا الاشتغال على آداب الثقافات -ولنقل الآداب النامية- التي كانت قريبةً جدَّاً من تجاربنا الحديثة في العالم العربيّ. من هذا المنظور، كانت التجربة مثيرةً للاهتمام ومبتكرةً للغاية. قادني ذلك إلى اشتغالٍ دؤوب في مقارنة الأدبين الفلسطينيِّ والجنوب أفريقيّ، وكذلك العربيِّ والتركيّ. حتَّى ذلك الوقت، لم تكن مثل هذه المقارنات قد عُقِدت، للأسف، سواءٌ في الأدب العربيّ أو في آداب العالم الثالث. ما زلت أتذكَّر أوَّل لقاءٍ جمعني بكاتبٍ تركيّ، يقيمُ اليوم في فرنسا، وقد أخبرني حينها أنَّه قرأ عنَّي في "لوموند". أجبتُه بنعم، وأنَّني كنتُ بحاجةٍ إلى القراءة عنه في "الغارديان". وهذا واقعٌ مؤسِف. لذا، كان بناء مثل هذا الجسر مهمَّاً للغاية، وأرى أنَّه بُنيَ بالفعل. وكان ذلك أيضاً إشارة إلى أنَّ آداب العالم الجديدة لم تعد تأتي من أوروبَّا، بل من هذه البلدان الأخرى بصورةٍ رئيسيَّة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>هل ترى في هذه السلسلة استمراريَّةً للنزعة "العالم ثالثيَّة" التي ميَّزت مؤتمر باندونغ وتلك الحقبة المفصليَّة في ستينيَّات القرن المنصرم؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمكنك ربطها بباندونغ، لكن في وعينا لم يكن للأمر علاقة به، باعتبار أنَّني كنتُ صغير السنِّ إبَّان انعقاده. بالنسبة إليّ، كان الدافعُ شعوراً بالعودة إلى تراثنا. أوَّلاً وقبل كلِّ شيء، وعلى الرغم من أنَّنا خضعنا في العالم العربيِّ للحكم العثمانيِّ على مدى أربعة قرون، لكنَّنا لا نعرف الأدب التركيّ، وهذا أمر مخجل. وكذلك لا نعرف الأدبين الفارسيِّ والهنديّ. لكن إذا عدنا إلى تراثنا الكلاسيكيّ، فسنجدُ أنَّ "ألف ليلةٍ وليلة" كان كتابَ العالمِ القديم. هذا العالم القديم الذي لم يكن سوى العالم العربيّ، والهند، والصين، واليونان. وعليه، بمقدور المرء أن يجد آثاراً من كلِّ هذه الثقافات كجزءٍ من ثقافتنا العربيَّة. بدأت فكرة (السلسلة) من هنا، ثمَّ تطوَّرت باتِّجاه قراءة الآداب الأفريقيَّة. وعلى الصعيد الشخصيّ، كانت تجربةً عظيمةً بالنسبة إليَّ أن نترجمَ أعمالاً لأتشيبي وسوينكا وآخرين، مثل نغوغي واثيونغو، إلى العربيَّة. بعد ذلك، أشرعَت (السلسلة) أبوابها لآداب أميركا اللاتينيَّة: كورتاثار، وفوينتس، وماركيز، وبورخيس، وغيرهم. يكتشفُ المرء كيف ترتبطُ هذه الآداب ببعضها البعض. وخاصَّةً في آداب أميركا اللاتينيَّة، حيثُ لمسنا إلى أيِّ مدى شكّلت أعمال بورخيس فصاعداً امتداداً لـ "ألف ليلةٍ وليلة". ولا يتعلَّق الأمر فقط بما كان يُسمَّى آنذاك بالواقعيَّة السحريَّة. بل أعتقد أنَّ أولئك المؤلِّفين قد عرفوا "ألف ليلةٍ وليلة" (نعرف أن بورخيس كتبَ عنه بإسهاب)، وخبِروا هذا التقليد جيِّداً، وكانوا بمعنى ما يواصلونه. كان هذا الاكتشافُ في غاية الأهمِّيَّة بالنسبة إلينا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يعني هذا أنَّنا توقَّفنا عن قراءة (الآداب) الإنكليزيَّة، أو الفرنسيَّة، أو الألمانيَّة. بل على العكس من ذلك، فمفهوم الأدب العالميِّ بحدِّ ذاته من ابتكارِ ألمانيّ، كما يعلم الجميع، فضلاً عن أنَّ فهم الأنواع الأدبيَّة الجديدة كان لا مناص سيمرُّ عبر التجارب الفرنسيَّة والإنكليزيَّة. لكنَّ الفكرة تلخَّصت بالوصول إلى نقطةٍ حيثُ بمقدورنا أن نكون أحراراً في قراءة ما نريد أيَّاً كان، ما يروق لنا؛ وليس القراءة وحسب، بل التواصل بعمقٍ أيضاً مع هذه النوعيَّة من الآداب. </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>في طيَّات تبيينك الأوَّل لهذه السلسلة، يبدو الأمر وكأنَّها مشروعٌ ما بعد استعماريّ، في حين أنَّ مستويات التجربة والقراءة النصِّيَّة التاريخيَّتين اللتين تصفهما توحي بفهمٍ أعمق تاريخيَّاً للأدب العالميّ- وهو فهمٌ ليس قاصراً على لحظة إنهاء الاستعمار وحسب.</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنتِ محقَّة؛ هذه السلسلة، بطريقةٍ ما، مشروعٌ ما بعد استعماريّ، لكنَّها ليسَت كذلك فقط. فهي تتعلَّق أيضاً بالغوص عميقاً في طبقات هذه الثقافات من أجل فهم تراثنا الأدبيّ. وفي الواقع، ليس فقط لغاية فهمه، بل للاستمتاع به. نحنُ نقرأ للاستمتاع! بيد أنَّنا ننسى ذلك. معظم الأساتذة يدرِّسون في المجالات كافَّةً على نحوٍ يجعلُ (القراءة) عبئاً. لكنَّنا في واقع الأمر بحاجةٍ إلى الاستمتاع! الاستمتاع هو الغاية الأساسيَّة من الأدب. وكما تعلمين، لدى الكاتب العربيِّ العبَّاسيّ، أبو حيَّان التوحيديّ، كتابٌ بعنوان "الإمتاع والمؤانسة". وهذا هو الأدب: الاستمتاع والتواصل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من ثمَّ، أجل، يمكن أن تساعدك قراءة الرواية على فهم المزيد عن مجتمعٍ ما. تتيحُ الروايات تلك الإمكانيَّة في بعض الأحيان. وكما كان ماركس يقول، يتعيَّن على المرء قراءة بلزاك إذا ما أراد فهم المجتمع الفرنسيّ؛ لأنَّه كان أفضل من أيِّ عالِم اجتماع. لكنَّني أرى أنَّ هذا الأمر هو أحد الآثار الجانبيَّة للأدب. وأمَّا تأثيره الرئيسيّ، فهو الغوص في خبايا النفس البشريَّة، في التجربة الإنسانيَّة، ومنحك هذه المعرفة العميقة لحالتنا الإنسانيَّة. أوَليسَت المعرفة متعة؟ بل إنَّ أعظم متعةٍ هي متعة المعرفة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>هل ما تصفهُ هُنا يُحاكي مفهوم المؤانسة التي نجدها في المعنى الكلاسيكيّ للأدب؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إذا ما عدتِ إلى التراث العربيّ، إلى "المقامات" أو "ألف ليلةٍ وليلة"، أو غيرها من أشكال السرد القصصيّ، ستجدين أنَّ سرد القصص كان يحدُث في حيِّز الليل، ففيه يجدُ المرء كلَّ ظلال الحياة. بالمناسبة، كان مفهوم الليل مختلفاً حينذاك؛ دَمَّرنا الليل بالكهرباء. كان الليل أواناً تتجلَّى فيه الأرواح، وموعداً للحديث إلى الموتى، وظهورِ الجنّ، وانكشافِ أسرار الحياة كلِّها. لذا، أوَّلاً، كانت (القصص) تُروى ليلاً. وثانياً، كان سرد القصص متعة. وثالثاً، كان فخَّاً. حكت شهرزاد حكاياتها من أجل النجاة بحياتها؛ وفي المقامات روت شخصيَّات (على غرار أبي الفتح الإسكندريّ) قصصها تسوُّلاً وإبهاراً لجماهيرها. بناءً على ما تقدَّم، نجد أنَّ هناك مستويات عديدة لمعنى السرد القصصيِّ والتعاطي مع الأدب؛ بيد أنَّها تصبُّ جميعاً في بوتقةٍ واحدة إذا ما تحدَّثنا عن فكرة المتعة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يقول الناقد عبد الفتَّاح كيليطو، في معرضٍ تعليق له على أشكال الأدب العربيِّ الكلاسيكيِّ وأنواعه التي دخلَت الأدب العالميّ: عمل "ألف ليلةٍ وليلة"، الذي لم يُصنَّف كأدبٍ رفيع في أوساط اللغة العربيَّة، أوفى بولعٍ أوروبيٍّ نحو السردِّ الطويل والعجائبيّ في آن، على عكس ما حدث للمقامات. ونتيجةً لذلك، لم تشغَل الأخيرة مكانة ممثِّلةٍ "عالميَّة" للأدب العربيِّ- بخلاف مآل "ألف ليلةٍ وليلة". هل تتَّفق مع هذا التوصيف؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالطبع. وأودُّ أن أضيف أنَّ مشكلة المقامات ليسَت فقط في كونها لم تَرُق للذائقة الأوروبيَّة في القرن الثامن عشر، بعكس "ألف ليلةٍ وليلة"؛ بل إنَّها لم تَرُق لذائقتنا أيضاً! لا يمكننا قراءة المقامات. ويَبرُز ثقل اللغة كواحدٍ من ضمن فروقاتٍ رئيسيَّةٍ عديدة بين المقامات و"ألف ليلةٍ وليلة". لغة العمل الأخير سلسلة، كالماء؛ مزيجٌ من المحكيَّة والكلاسيكيَّة، مزيجٌ مبسَّط جدَّاً من النثر والشعر. بينما المقامة أشبه بمعجم؛ فكانت مكاناً يستعرضُ الكاتب فيه مدى معرفته باللغة. لذا أصبحَت معرفة اللغة هدفاً بحدِّ ذاتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن ينبغي ألَّا تكون اللغة هدفاً إلَّا بمعنى الكشف والإفصاح؛ فهي ليسَت حجاباً. اللغة في المقامات حجاب. بيد أنَّها، في "ألف ليلةٍ وليلة"، تكشفُ النقاب عن الحياة. هذا فارق كبير. لذا، باعتقادي، وصل "ألف ليلةٍ وليلة" إلى الأدب العالميّ، وليس فقط لأنَّ القصص راقَت للذائقة الأوروبيَّة. وهي بالطبع راقت لهم، ومن الواضح كيف قرأها الأوروبيُّون ووظَّفوها. لقد سبقَ أن تحدَّثنا عن تأثير "ألف ليلةٍ وليلة" في أدب أميركا اللاتينيَّة، لكنَّ تأثيره في الأدب الأوروبيّ عظيمٌ أيضاً.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>بصفتك كاتباً، فأنت تجمع في أعمالك الأدبيَّة أيضاً بين الفصحى والمحكيَّة أو العاميَّة. هل تبتغي من هذا تحقيق خفَّةٍ مماثلة على مستوى اللغة؟</strong></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أجل. كما أجمعُ أيضاً بين الشعر والنثر في رواياتي. أوَّلاً، فيما يتعلَّق باللغة: فنحنُ قد ورثنا لغةً غنيَّةً جدَّاً. ولا أقصد بهذا الفصحى وحسب؛ فالعربيَّة لغةٌ غنيَّة لأنَّها تنطوي على أربع "عائلات" عاميَّةٍ مُنظَّمة، على الأقلّ: أعني الشاميَّة، والعراقيَّة-الخليجيَّة، والمصريَّة-السودانيَّة، والشمال أفريقيَّة. كما أنَّ كلَّاً من هذه العائلات الأربع الكبرى تضمُّ عائلاتٍ أصغر، ممَّا يمنحنا ككتَّابٍ إمكانيَّةً هائلة للعب بالكلمات، وانتقاء كلمةٍ من موقعٍ وتوظيفها في آخر، وما إلى ذلك. وهذا بدوره يمنحنا طبقاتٍ من المعنى لا يمكن تخيُّلها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">طالما حضرَت العاميَّة في العربيَّة. وأمَّا النموذج الذي يدأب بعض المثقَّفين العرب، والعديد من المستشرقين، على إقحامه، فهو ليس صحيحاً: أتحدَّث عن تلك الفكرة القائلة إنَّ اللغة العربيَّة مُقدَّسة، ومصيرها مشابه لمصير اللاتينيَّة. أوَّلاً، لم يَحدُث أن كانت اللغة العربيَّة مقدَّسةً قطّ. ومنذ بداية "عصر التدوين"، في القرن الثامن، كان النقَّاد العرب واضحين جدَّاً بهذا الصدد. يخبرنا ابنُ جعفر أنَّ "الشعر غير الدين"، لذا نفصلُ بينهما.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أعتقد أنَّ النقَّاد العرب العبَّاسيِّين أظهروا ذكاءً متَّقداً إذ جعلوا من الشعر الجاهليَّ مرجعاً لغويَّاً للقرآن. إذن للقرآن مرجعٌ في اللغة محكيٌّ تماماً؛ مرجع لا ينطوي على أيِّ قداسة. وليس القرآن أصلَ اللغة العربيَّة؛ بل يتعيَّن على المرء العودة إلى الشعر الجاهليّ ولغته لفهم القرآن. لذا تتباين اللغة العربيَّة عن لغةٍ مقدَّسة أخرى، ألا وهي العبريَّة، التي بادَت حتَّى أُعيدَ إحياؤها من خلال الصهيونيَّة الحديثة والنموذج الأوروبيِّ للدولة القوميَّة. بيد أنَّهم ما زالوا إلى اليوم يشتمون بمفرداتٍ عربيَّة! هل بوسعك تخيُّل لغةٍ بلا مفردات شتائم؟ على أيِّ حال، تلك كانت الأسطورة الأولى (عن اللغة العربيَّة)، وهي مجافيةٌ للصواب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الأسطورة الثانية هي أنَّ العربيَّة تشبهُ اللاتينيَّة. لكن في حالة العربيَّة، ظلَّت الفصحى حاضرةً على الدوام، جنباً إلى جنب مع العربيَّة المحكيَّة، وكذلك (تعايشَت) معاً مستوياتٌ عديدة للغة نفسها منذ أزمنة ما قبل الإسلام. وهكذا، فإنَّ توظيف هذه المستويات في أدبنا المعاصر هو في المقام الأوَّل ثورةٌ في وجه مفهومٍ صيغَ في عصر النهضة (النهضة العربيَّة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين): أعني الدعوة للعودة إلى لغة المتنبِّي "الذهبيَّة" ورفض لغة "ألف ليلةٍ وليلة"، إذ كان يُنظر إلى الأخيرة على أنَّها تغصُّ باللغة المحكيَّة. أعمال الجاحظ مليئةٌ بالعربيَّة المحكيَّة؛ قلائل من يعرفون هذه المعلومة. إنَّ بمقدورنا التعاطي مع اللغة المحكيَّة باعتبارها مستوى من مستويات العربيَّة، ممَّا سيفسح لنا مجالاً للعب على مستوياتٍ مختلفة من اللغة. في رواياتي، لا أقصر استخدامي للعاميَّة على الحوارات وحسب. بل أوظِّف في واقع الأمر صياغات الجمل العاميَّة في بناء لغتي، ممَّا يساعد على تغيير معناها. يفترض بنا، معشر الكتَّاب، فعلُ أشياء عديدة، من بينها الابتكار في اللغة وجعلها أكثر ملاءمةً لحياتنا وأساليب حديثنا.</span></p>
<p><br style="font-weight: 400;" /><a href="https://rommanmag.com/archives/34819">الجزء الثاني من الحوار هنا...</a></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34813">ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/34660</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سليم البيك]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 21 Jan 2025 08:33:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<category><![CDATA[الياس خوري]]></category>
		<category><![CDATA[رمانة]]></category>
		<category><![CDATA[رواية]]></category>
		<category><![CDATA[نكتب لفلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://rommanmag.com/?p=34660</guid>

					<description><![CDATA[<p>رمانة:</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34660">الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">ينتقد إلياس خوري، أو يسخر من، عمل المؤرّخين في أكثر من صفحة على طول روايته «أولاد الغيتو»، بكتبها الثلاثة. فالمؤرخ، بخلاف الأديب، لا يصدّق القصص ما لم تكن بوثائق ملموسة تكون رسمية، في حين تشدّ الروائيَّ قصصٌ متناقلة شفاهةً لكارثة لم تترك مجالاً للمنكوبين لـ «ترسيمها».</p>
<p dir="rtl">يمتد هذا الانحياز الحكائي لدى خوري إلى ما قبل الرواية الثلاثية، إلى روايته «باب الشمس» (١٩٩٨) التي بُنيت على مقابلات طويلة أجراها الروائي اللبناني في المخيمات الفلسطينية، شاتيلا تحديداً. بنى حكايته على ما حكاه شهود تهجّروا من الجليل الفلسطيني إلى لبنان عام النكبة، وأسّس روايةً شخصية على أساسها، فروايته هذه قصّة حب كما عرّفَها دائماً.</p>
<p dir="rtl">القصة هي أساس الأدب، أما التأريخ فيجد ضالته في المعلومة. لكن، من قال إن كتب التاريخ أشدّ مصداقية من كتب الأدب!</p>
<p dir="rtl">التاريخ لدى خوري -كما أفهمه على الأقل- هو تراكم قصص شخصية، تتشابه القصص لتشابُه الظرف، فيودي التراكم إلى ظاهرة، أو كارثة، كانت النكبةَ في فلسطين عام ٤٨. ألّف خوري في «باب الشمس» واحدة من أعمق التمثيلات و"أجملها" لهذه الكارثة، لم يتجاوزها من بعدها سواه، في الأعوام الأخيرة قبل رحيله، في روايته «أولاد الغيتو»، العمل الروائي الشاسع، للكارثة الفلسطينية.</p>
<p dir="rtl">لم تنَل الرواية بكتبها الثلاثة، بعد، نقدياً على الأقل، ما يفيها حقّها. باستثناء كتابها الأول «اسمي آدم» (٢٠١٦). أما «نجمة البحر» (٢٠١٩) و«رجل يشبهني» (٢٠٢٣)، فلم تنالا، إلى اليوم، مساحاتهما النقدية المستحَقّة، خاصة الختامية منهما، لجدّتها. ولعلّي كنت بين كثيرين ممن نظّموا المسألة: قرأتُ الكتاب الأول عام صدوره. صدر الثاني فاقتنيته وانتظرت، فالأول يوحي بتتابع لصيقٍ ضمن أجزاء الرواية الثلاثية. صدر الكتاب الثالث واقتنيته بقرارٍ مسبق في إعادة قراءة الأول، ٨ أعوام بعد القراءة الأولى، مستتبعاً إياه بالكتابين التاليين، وهو واحد من أفضل القرارات القرائية التي يمكن أن أقول إني اتخذتها.</p>
<p dir="rtl">أعوام قليلة قد نحتاجها لندرك أن «أولاد الغيتو» تتخطى «باب الشمس» في مكانتها الأدبية والتأريخية، لتكون العملَ الأدبي الفلسطيني الأشمل. لكن خوري الروائي بقي مخلصاً إلى الأدب رغم تلك الشمولية. بخلاف أعمال أدبية عربية سعت إلى الشمولية في ثلاثيات ورباعيات وغيرها، لنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وآخرين، فزاحت الشموليةُ الروايةَ من الفرد إلى المجتمع، لتكون أقرب إلى دفتر العائلة منها إلى دفتر اليوميات.</p>
<p dir="rtl">بخلاف ذلك، وازنَ خوري بين العنصرين، منحازاً إلى دفتر اليوميات، بحساسية الأديب تجاه الأفراد، وانتباهه تجاه المجتمع. نحن هنا أمام رواية عمّرت سرديةً فلسطينية، تامة في اجتماعيتها وتاريخيتها، من خلال فرد، وشخصيات قليلة تحيط به. لسنا أمام رواية دوستويفكسيّة أو ماركيزيّة أو بروستيّة تتشعب فيها الشخصيات مشكّلةً شبكة، وتالياً، عيّنةً اجتماعية، وتالياً وبالتراكم، شهادةً لشعب في سياق مُحدّد.</p>
<p dir="rtl">وصل خوري إلى الغاية ذاتها إنّما من خلال فرد لم يطمح، لا هو ولا مؤلّفُه ربما، لأن يكون عيّنة، بل كان، من خلال استثنائيته الحكائية، الفردية، واحداً من أصحاب القصص الفلسطينية المتشابكة فلا تنفصل واحدتها عن الأخرى. خوري في ذلك، مثل باموق، أقرب إلى الرواية الحديثة الغربية، إلى كونراد وسارتر وأوستر. وكان خوري ينقلنا في أعماله الطويلة، برشاقة الروايات القصيرة، من قصة، أو فصل حكائي من حياة آدم، ختمها بعبارة «فتلك حكاية تستحق أن تروى»، ينقلنا إلى أخرى، كأننا لا أمام رواية بنحو ١٤٠٠ صفحة، بل أمام -لنقُل- عشر روايات يحملنا خوري من واحدتها إلى الأخرى. وفيها، عشرتها، جاذبية «ألف ليلة وليلة» وسحر «كتاب الإمتاع والمؤانسة»، حيث ليالي الكلام تتواصل موصلةً القصةَ بالتالية.</p>
<p dir="rtl">غاص خوري بصفحاته الـ ١٤٠٠ في تاريخٍ فلسطيني جمعيّ، بالإخلاص إلى فردانية شخصيته الرئيسية، وخصوصياتها، وقلقها، منذ وُجد آدم مرمياً على صدر أمه الميتة، على قارعة طريق الخارجين يوم النكبة، إلى غيتو اللد، مروراً بحيفا ووصولاً إلى مطعم الفلافل في نيويورك. شخصية واحدة، ملحميّة، رسم من خلالها خوري الشخصية الجمعية للفلسطينيين، المودية أخيراً إلى منفى أوصل الموت بالولادة، الموت احتراقاً في الشقة النيويوركية بالولادة في بلاد تحترق منتكبة.</p>
<p dir="rtl">الرواية التي جعلت من القصة الفردية سرديةً جمعية، ما كان لها أن تفعل، ولا لنا أن ننجذب وننسحر، ما لم تكن تتنقّل بنا في بساط سندباديّ، من حكاية تستحق أن تُروى، إلى أخرى تستحق كذلك، أن تُروى، إلى سرديةٍ لشعب تحقّقت بهذه الملحمة الأدبيّة.</p>
<figure id="attachment_34661" aria-describedby="caption-attachment-34661" style="width: 1024px" class="wp-caption alignleft"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-34661" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54.jpg" alt="" width="1024" height="768" srcset="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54.jpg 1024w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54-300x225.jpg 300w, https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2025/01/73e897e3-ebcb-44e9-a4eb-2c01fb973d54-768x576.jpg 768w" sizes="(max-width: 1024px) 100vw, 1024px" /><figcaption id="caption-attachment-34661" class="wp-caption-text">إلى جانب الياس خوري في مؤتمر في فيينا، ٢٠٢٣.</figcaption></figure>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/34660">الياس خوري... فتلك حكاية تستحق أن تروى</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الياس خوري: أكتب لأني أحب</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/20918</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[المعتصم خلف]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 02 Jul 2022 12:09:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<category><![CDATA[اختيارات المحرر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d8%ae%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%a3%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%84%d8%a3%d9%86%d9%8a-%d8%a3%d8%ad%d8%a8/</guid>

					<description><![CDATA[<p>الأدب الفلسطيني هو الذي صنع الهوية الفلسطينية، والحكاية أهم من التاريخ</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20918">الياس خوري: أكتب لأني أحب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<div dir="rtl"><span style="color: #7f8c8d;">يخجل أحدنا من تقديم مقابلة مع إلياس خوري أو كتابة مدخل لها. ليس لدى المجلة ما تقوله سوى أنها افتُتحت عام 2016 بمقابلة مع خوري، وأنها أرادت المرور بعيدها السادس، في آب القادم، بمقابلة معه جديدة متجددة، واخترنا أخيراً أن تكون المناسبة أقرب إلى خوري وأدبه وسيرته، ذكرى نصف قرن على اغتيال غسان كنفاني، هذا الشهر.</span></div>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;"> من البداية أستاذ الياس، أنت خضت تجربة غنية مع الكتابة في الصحافة والأدب والمسرح، ضمن ظروف سياسية واجتماعية صعبة ومختلفة، شهدت فترة صعود منظمة التحرير وفترة الثورة في لبنان والحرب الأهلية والاجتياح، الآن في الحاضر كيف ترى جدوى الكتابة في زمن الانهيار لبنانياً ومع نهاية الثورات العربية ودخولنا في زمن التطبيع أو "التتبيع" كما تسميه؟</span></p>
<p dir="rtl">التجربة الطويلة تعطي الإنسان ما نسميه الحكمة، وأهم حكمة أن الأشياء لا تدوم، وفي حياتنا اليومية لا أحد يصدق أن الأشياء لن تدوم، لذلك عندما يحلم الإنسان بالموت، لا يحلم بموته، بل يحلم بموت الآخرين، لأنه لا يفكر أنه سوف يموت، ففي الحياة اليومية يفكر بالموت ولكن عندما تصل الأمور إلى الجد لا يفكر بموته، لأن المنام هو اللاوعي الشخصي، وفي اللاوعي لا أحد مقتنع بموته. عادة نحن الذين نقول هذه الحكمة ولا أحد يقتنع فيها داخلياً.</p>
<p dir="rtl">مع الزمن والتجارب وتراكم الأزمنة، هناك أشياء أتت وذهبت، من كان يتخيل أن منظمة التحرير تقتل؟ في شبابنا كان ذلك أمراً مستحيلاً، من كان يفكر أن يخرج الجيش السوري من لبنان؟ لا أحد، علاقتنا أبدية هكذا كنا نفكر، إذ تكتشف أن حكمة الزمن تقول أن لا شيء يدوم. إذاً المراحل الماضية لم تدم ولذلك هذه المرحلة لن تدوم.</p>
<p dir="rtl">أنا أتعامل مع هذه المرحلة بصفتها مؤقتة، والأساسي والحقيقة أن الأدب يعلم حكمة أن هذا كله ليس للغد، رغم أنك لا تستطيع إلا أن تكتب عما تعيشه، فلو عشت الحرب الأهلية سوف تكتب عن الحرب الأهلية، ولو عشت الوضع الفلسطيني كما نعيشه، سوف تكتب عن الوضع الفلسطيني كما نعيشه، إذاً فالأدب الذي يصف الناجي فقط ليس أدباً. كي يكون أدباً يجب أن يكون هناك شيء آخر، هذا الشيء الآخر هو الأسئلة الإنسانية الكبرى التي تتغير، تحافظ على عناوينها ولكنها تتغير، منذ جدنا الأعلى هوميروس حتى الآن.</p>
<p dir="rtl">يعيش الأدب والفن عموماً بعد انتهاء ظروفهما، الإلياذة كتبت بالحروب اليونانية، من يفكر اليوم بالحروب اليونانية؟ ولكن عندما نقرأ الإلياذة نفكر بتفاصيل أخرى، نفكر بالإنسان، نفكر بالعلاقة مع القدر، نفكر بالموت، لذلك الظرف هو الشكل الخارجي، أما الأدب فهو الذهاب إلى لب الأشياء، لب الأشياء لا علاقة له بهذه المتغيرات، يرويها طبعاً، يروي الحاضر كما نعيشه، نحن شهود على الزمن الذي نعيشه، ولكن أيضاً شهود على كل الأزمنة.</p>
<p dir="rtl">الأدب لا يحاور الأحياء فقط بل يحاور الموتى. عندما يسألونني عن محمود درويش أقول لهم لا لم يمت، محمود درويش فعلياً مات، وهو بالنسبة لعائلته غير موجود، ولكن في الحقيقة هو حي، عندما أشتاق إليه أفتح الكتاب وأسمعه جيداً، لذلك مثلما أسمع الموتى بالأدب، نطمح بالأدب أن نجعل الموتى يسمعوننا، لذلك الأدب مهمة صعبة، لأننا يجب أن نجرؤ على المخاطبة، بصرف النظر عما إذا كانوا يسمعونك أم لا، أن تجرؤ وتقول هل يقرأ لي هذا الكتاب إدوارد سعيد الميت منذ سنوات، أو يقرأ لي هذا الكتاب أبو حيان التوحيدي، فهذه لعبة الأدب العميقة، ولكن هذه اللعبة تلعب بالحاضر، بمعنى أنك سوف تكتب لغة الحاضر، ويجب أن تكون شاهداً على الحاضر.</p>
<p dir="rtl">بالنسبة لي يجب أن تكون مواطناً، لذا قصة الالتزام، أي أن تكون مواطناً ملتزماً، فإن كنت فلسطينياً وتريد أن تصبح ملتزماً، والإسرائيلي وراءك يطاردك حتى منزلك، ولن يتوقف عن مطاردتك بمجرد قولك أنك لست ملتزماً، وفي لبنان عدم التزامك يعني توقفك عن شراء الخبز. عملياً الالتزام هو بالمعنى الأخلاقي؛ أن تقوم بدورك كمواطن، الالتزام ليس بالمعاني القديمة أو الاشتراكية وإلى آخره، التي أثبتت برأيي تجربتها مع لينين، عندما سألوه عن أعظم شاعر قال لهم "بوشكين" ولم يقل لهم "ماياكوفسكي"، عندما كان ماركس يحكي عن الأدب حكى عن الرواية الأوروبية  التي هي رواية برجوازية يجب أن نقرأها لنتعرف على المجتمع، لذلك الالتزام هو الالتزام الأخلاقي بكونك إنسان، في القيم الأساسية، هذا كله بقلب العملية الأدبية الكبرى التي نعيشها، هذا ما يعطيك صيغة حميمة عن الواقع، ولا يعني أن تكون منفصلاً عن الواقع، قد تظن شخصاً يقول لك أتحدث مع محمود درويش مجنوناً، أنا لا أقصد التحدث معه، ولكن يجب أن أتحدث معه لأكون قد كتبت أدباً، أقصد أن أحكي عن حياتي، ويجب أن يكون لدي القدرة والموهبة والجدية لكي أنتج نصاً يستطيع أن يخاطب هؤلاء.</p>
<p dir="rtl">والجدوى؟ يمكن لأي شخص أن يقول لا يوجد جدوى، سوف أقول له نعم، ولو كنت تظن أنك عندما تقرأ أو تكتب قصيدة يمكنك أن تقود ثورة بالتأكيد أنت مخطئ. الأدب لا يغير المجتمع، الأدب يغير الأدب، بمعنى أنه يغير المجتمع بالمعنى العميق، ولكن عندما نبحث عن جدوى مباشرة لا يوجد جدوى مباشرة.</p>
<p dir="rtl">أنا أكتب مقالاً أسبوعياً لأني أريد أن أعبر عن رأيي، لأني مواطن وليس لأني أديب. فأنا أعيش في هذه البلاد، وهذه البلاد تستفز بداخلي قيم إنسانية، وقيم رفض الظلم والاستبداد، من أجل ذلك أكتب المقال، حتى هذا المقال يقولون أنه مؤثر ولكني لست متأكداً، ولكن لنفترض أن هذا مؤثر، ولكن الأدب تأثيره بالمعنى العميق، تأثيره ليس غداً، الأدب مثل الفن، ما يفعله  الأديب أو الفنان يدفعك لرؤية الأشياء بطريقة مختلفة، دائماً هناك عمق، أو شيء خفي في الأشياء، تفاصيل لا نراها، ابن المقفع لديه مثل جميل جداً، يقول الأدب هو العامة والخاصة وهذا كان تعبير العصر العباسي، أنك عندما ترى جوزة سوف تظنها كرة لتلعب بها، ولكن لكي تأكل الجوزة، يجب أن تكسرها، يجب أن تذهب إلى اللب، فالأدب يرينا اللب، ولكن أنا هدفي ليس أن أريك، ليس هدفي أو هدف أي كاتب آخر أن يُري الناس الجوهر، بالتأكيد لا، أنا أبحث عن الجوهر، عن هذا الجزء الخفي من الأشياء، إذا نجحت وكتبت نصاً، ممتاز، وقتها سيذهب القارئ معي إذا أراد، وقد يمل، وأنا أفهم هذا الأمر، ولكن بهذا المعنى الكتابة هي رحلة نحو أعماق الأشياء، هي سفر نحو أعماق الأشياء لنرويها.</p>
<div style="text-align: center;"><img decoding="async" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/WhatsApp-Image-2022-06-08-at-3_14_03-PM-2.jpeg" alt="© رمان الثقافية" width="1600" height="1066" /></div>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">كثيراً ما تدفع الأحداث السياسية والاجتماعية المثقف لأخذ مواقف أخلاقية ومثالية جداً. كيف تقرأ هذه المواقف اليوم وما مدى أثرها على الواقع؟ </span></p>
<p dir="rtl">صراحة، أنا أفتقد المواقف المثالية للمثقفين العرب. ليت هناك مواقف مثالية، نحن نفتقد هذه المواقف، الجميع يعمل في "NGOs" أو يعمل في صحف النفط والغاز. ما يسمى موقفاً مثالياً بالاسم خاطئ، يجب أن نسميه مبدأياً، أنا أشعر بأني يجب أن أحافظ على إنسانيتي، لأننا في زمن انهارت فيه القيم، بمعنى ماذا يعني أن يقوم أحد بمجزرة حي التضامن، أن يقتلهم! يأتي الجيش الإسرائيلي ويقتل شيرين أبو عاقلة، أسفل الأذن، في المكان الوحيد الذي إذا أصابها به فستموت، لأنها ترتدي خوذة ودرعاً، رصاصة واحدة وقُتلت.</p>
<p dir="rtl">نحن في مجتمعاتنا، وأظن في العالم كله، مع سيادة النيوليبرالية والرأسمالية المتوحشة والعنصرية. بهذا الزمن أنا أشعر أن وظيفة الفن والثقافة هي أن تحمي معاني القيم، إذا لم يكن هناك معنى للقيم لن يكون هناك معنى للحياة، وعندما يصبح الموت بلا معنى. ألم يقتلوا شيرين ورميت على الأرض، وفي التضامن رُموا في الحفرة، نحن نعطي هذه الأمثلة لأننا نعيشها الآن ولكن هناك أمثلة لا تحصى، ولكن عندما يصبح هذا الموت بلا معنى، هذا يعني أن الحياة لا يوجد لها معنى، على الأقل يجب أن نعيد معنى الموت.</p>
<p dir="rtl">تصعد وزيرة خارجية أميركا مادلين أولبرايت ويقال لها قتلتِ نصف مليون طفل عراقي في الحصار، وتقول "نعم يستحقون".. ماذا يعني يستحقون! ما الذي يستحق قتل طفل واحد! فعلياً لا شيء يستحق، نحن عندما نفكر أن الموت لا يوجد له معنى، نظن أن موت الآخر لا يوجد له معنى، وينتهي الأمر أن موتك لا يوجد له معنى، لعبة المعاني معقدة جداً، ولذلك أظن هذه مواقف مبدئية وليست مثالية، هذه شرط أن أكون قادراً على الكلام، ماذا سوف أقول؟ كيف سأقول كلاماً صادقاً؟ وإلا أكون كاذباً، وإذا كنت أكذب عليك وأنت تعلم أنني كاذب وأنت تجاوبني بأن تكذب علي وهكذا. وللأسف هذا هو مجتمعنا. لذلك نحن الآن في لحظة يجب أن نعيد المعاني إلى الأشياء.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">في أغلب أعمالك الروائية كان يطغى صوت الشخصيات على صوت الكاتب، لقد صدقنا نهيلة، ويونس، ويالو وميليا، هل تحدثنا عن البدايات كيف تبدأ بالعمل على رواياتك ومن أين تستمد الكتابة؟</span></p>
<p dir="rtl">أكبر إنجاز يقوم به الكاتب هو أن نتذكر أبطال رواياته وننساه، لو أخبرتك حدثني عن "هاملت" سوف نتحدث ساعة، ولكن "شكسبير" لا شيء. الكاتب ليس مهماً، نقطة الانطلاق والمهم هي الأبطال الذين يحكون تجاربهم والذين نرى كيف عاشوا حياتهم، والذين يعيشون رحلة نحو الإنصات.</p>
<p dir="rtl">كيف تظهر الفكرة، في كل مرة تظهر بشكل مختلف، مثلاً في رواية "باب الشمس" لم أبدأ بكتابة النكبة، فكرت بكتابة قصة غرام، ومثل كل قصص الغرام عندما يموت البطل أو تموت البطلة سوف نفتقده، لا يوجد غرام إذا تزوجا، عند الزواج ينتهي الحب، لذا أردت أن أكتب قصة حب يونس ونهيلة، وكلما ذهب يونس ليرى نهيلة يقترب من الموت، هذه هي الفكرة، هكذا بدأ النغم بداخلي، ولكن عندما بدأت الكتابة، وبدأت أكتب لماذا يذهب، ولماذا نهيلة من دير الأسد، والمخيمات ولماذا وصلوا إلى المخيمات، ظهرت بهذا الشكل الجديد، ولكن الهدف صدقاً هو قصة حب فقط.</p>
<p dir="rtl">برأيي هذا هو الحب، الحب هو حب رجل لامرأة صحيح، ولكن كتبتها كونها قصة حب أنا عشتها، أنا أحب هؤلاء الناس وأنا ذهبت وعشت في المخيمات لأني أحبهم، هؤلاء الأشخاص الوحيدون الذين أشعر بأني مرتاح عندما أجلس معهم، أفضل من الجلسات المصطنعة مع المثقفين، هناك هي الحياة، ذهبت لأنني أحبهم، فكتبت قصة حبهم.</p>
<p dir="rtl">لذلك برأيي الكتابة هي فعل حب، لا تستطيع الكتابة وأنت تكره، الكراهية لا تصنع الكتابة، إذا كنت تكره اذهب واقتله لا تكتب عنه رواية، لذلك فعلياً الرواية أو الأدب هو حكاية حب بالأساس، أنا هكذا أكتب لأني أحب، وأنا فعلياً عندما ماتت نهيلة تأثرت جداً وكأنه قد مات شخص أعرفه جيداً، لأني أحببتها.</p>
<p dir="rtl">كل كتاب يظهر بشكل مختلف، أحياناً يظهر في موسيقى بداية نغم، أحياناً في حكاية صغيرة، أحياناً يظهر كحلم، كل مرة بطريقة مختلفة، ولكن بالبداية، عندما يصبح لديك تصور عن البداية، الرواية سوف تأخذ شكلاً آخر لا علاقة له بالتصور، أنت سوف تطاردها وليست هي من ستطاردك، لذلك كلما تقدمت في العمر سوف تختفي، فهي عملياً اختفاء للكاتب.</p>
<div style="text-align: center;"><img decoding="async" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/WhatsApp-Image-2022-06-08-at-3_14_02-PM-2.jpeg" alt="© رمان الثقافية" width="1600" height="1066" /></div>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">يقول تولستوي "موضوع التاريخ ليس ما يريد الإنسان، بل تصورنا لما يريده" وأنت في رواياتك عالجت قضايا من تاريخ منطقتنا من خلال أحداث رواياتك. كيف تتعامل مع هذا التاريخ روائياً؟ </span></p>
<p dir="rtl">أنا لا أكتب تاريخاً، أنا أكتب رواية، وأنا لبناني وبعد ذلك كنت فلسطينياً وعملت معهم، هذان المكانان اللذان أنتمي إليهما، أشعر أنهما بيتي، المكانان ليس لديهما تاريخ، فلسطين تاريخها كتبه الإسرائيلي، ولبنان لا تاريخ له لأنه لا يوجد منتصر يوجد طوائف فقط، أنا لا أملك مشكلة مع التاريخ، برأيي الحكاية في الصراع عندما نحكي في الإطار الفلسطيني فحكايتنا كفلسطينيين سوف تهزم التاريخ الذي كتبه الإسرائيليون، أنا أرى الحكاية أهم، لأن الحكاية هي الحياة اليومية للناس، هي المعاناة.</p>
<p dir="rtl">التاريخ هو تاريخ مصنوع، لا يوجد تاريخ غير مؤدلج، وفي لبنان وحدها الحكاية التي بقيت، أتذكر أني كنت في ندوة وأتى "إميل حبيبي" الذي أعتبره كاتباً عظيماً وأستاذاً لي، فقال لي: "كيف تكتب أسماء شخصيات يظهرون كمسيحيين ومسلمين" قلت لهُ "هم هكذا بالواقع" فقال لي: "لا تستطيع" فقلت له: "نحن مجتمع متعدد الطوائف ونحن نتحدث عن المجتمع ونتحدث عن الحرب ويجب أن نجرؤ على أن نسمي الأشياء بأسمائها". لنعد إلى رواية "الوجوه البيضاء" التي عندما نشرت أدت إلى مشكلة لا نهاية لها، وأزعجت الكثير من الناس، هي الحكاية كما هي في الحقيقة ومستوحاة من الحياة الاجتماعية التي عشناها لسنوات في الحرب قبل الغزو الإسرائيلي. برأيي الحكاية في الحياة اللبنانية والفلسطينية أهم من التاريخ، وبرأيي أن هذا ينطبق على سوريا، ومع تعاطفي الكامل مع الشعب السوري، ولكن سوريا أيضاً تاريخها مدمر.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">غالباً ما يتحول الواقع إلى أدب، ولكن عندما أقام ناشطون فلسطينيون قرية "باب الشمس" لمقاومة الاستيطان رأينا كيف تحول الأدب إلى واقع، إلى أي حد برأيك أثر الأدب الفلسطيني على بناء الهوية الجماعية الفلسطينية؟ </span></p>
<p dir="rtl">أرى أن الأدب الفلسطيني هو الذي صنع الهوية الفلسطينية. الفلسطينيون تحطموا عام 1948، إعادة بناء الهوية بالمعنى الإنساني تم عن طريق الأدب. الفلسطينيون قدموا محمود درويش وسميح القاسم وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وإدوارد سعيد والكثير، كانت هناك رؤية أدبية عميقة، وأهم فكرة تم العمل عليها هي الفكرة التي نسميها دائماً "فكرة فلسطين"، إن فلسطين فكرة، ليست فقط أرضاً أو تاريخاً ضائعاً، هي فكرة إنسانية كبرى، الأدب الذي صنع وطور هذه الفكرة وتجاوزها بالمعنى الإنساني العميق. المراحل الأخيرة من حياة محمود درويش على سبيل المثال، بدأ يخاطب المشكلة الإنسانية في العمق، يمكنك أن تكون فلسطيني أو في أي مكان في العالم، لكي تتماهى مع هذا النص الأدبي العظيم. أنا أرى دور الأدب والثقافة دوراً مفصلياً، في حالات التطهير العرقي أو الإبادات الممارسة على الشعوب. الفلسطينيون تعرضوا لإبادة في عدد لا يحصى من المذابح، وتعرضوا لتطهير عرقي شامل في المرحلة الأولى من النكبة وبرأيي الآن ما زال مهدداً بالتطهير العرقي، ولا أحد يريد أن يسمع. هناك شعوب تعرضت لهذا النوع من الكسر، الثقافة يمكنها أن تحميها، نقطة الحماية هي الثقافة، البعض يقول إن الدين هو نقطة الحماية وهنا يوجد صراع، ولكن برأيي الدين ليس نقطة حماية، لأن الدين سلطة كيفما كان وفي أي دين كان، انظر إلى الدين اليهودي كيف يستعمل كأداة استعمارية، لذلك الثقافة هي الجزء الذي يحمي الوجود الذي يعتبر أهم من الهوية، الوجود الذي يدفعك لتشعر أنك جزء من الكل على الرغم من أن الكل انكسر، وهذا مستمر.</p>
<p dir="rtl">تأمل الكوفية، الرموز الثقافية الأساسية، الكوفية بدأت كهوية وطنية عام 1936، الثورة بدأت بالريف، وبالريف يرتدون الكوفية، فكان الجنود الإنكليز في المدن كلما رأوا شخصاً يرتدي كوفية اعتقلوه، فارتدى الناس كلهم الكوفية، هكذا أصبحت الكوفية رمزاً، صنعها النضال. هنا تشعر أن كل العناصر الثقافية بكل أبعادها وأهمها الأدب هي المكان الذي يدفع الناس للشعور رغم كل ما حدث، في أنهم قطعة من جسد واحد، بهذا المعنى يكمن دور الثقافة أساسي.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">تستمد روايتاتك موسيقى الشعر وأحياناً كثيرة تبدأ به أو تتناول سيرة شاعر، حدثنا عن أثر الشعر ودوره في بناء أعمالك.</span></p>
<p dir="rtl">أنا أحب الشعر كثيراً وأحفظه، وكان يستغرب أصدقائي الشعراء أني أحفظ شعرهم أكثر منهم. عندما تقرأ كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي برأيي هو أهم كتاب عن العرب، يخبر الكتاب قصة ويستنتج الراوي، كيف يستنتج؟ إنه يستنتج من خلال أبيات من الشعر، كأن الشعر مسامير في النثر لكي تقبض على المعنى، هذا ما تعلمته من "ألف ليلة وليلة"، يمكنك أن تقول إن الشعر في الكتاب ركيك، وسأقول لك أكيد، أنا أحبها لأنها ركيكة، لغة العامة، تعلمت أن أكتب كيف ندخل العامي في الفصحى، ولكن المهم ضبط المعنى، النثر يتمم بالشعر.</p>
<p dir="rtl">العلاقة  بين النثر والشعر علاقة مهمة بشكل أساسي في الثقافة العربية، لأنه لا يمكنك أن تفصلهما عن بعضها البعض، أن تقرأ نصاً نثرياً ثم تستشهد بالشعر، هكذا من العصر العباسي لدى كبار كتّاب العصر العباسي، وكذلك كبار كتّاب الأندلس، هذه العلاقة في الحداثة اختفت لدى كتّاب النثر، فقمت بها بشكل غير مقصود، وزادت مع الوقت، ولفترة صارت جزءاً بنيوياً من النص، ليست فقط للقبض على المعنى، مثل رواية "كأنها نائمة". في الرواية ميليا تحلم، ومنصور زوجها، كي يقوم بتوازن مع لاوعي زوجته، يقول الشعر، فالشعر هو من يقود التوازن في النص، وهو جزء بنيوي من النص النثري بالنسبة لي، وبالتأكيد هذا اجتهادي، البعض يقول لا هذا غير ضروري.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">قلت عن تجربة الكتابة "إن الكتابة في جوهرها هي رهان عبثي مع الزمن والنسيان." بعد كل ما كتبته وتكتبه الآن كيف ترى رهانك اليوم مع الكتابة؟ </span></p>
<p dir="rtl">ما زال رهاناً مع العبث. لأن هناك صراعاً دائماً مع العبث، العبث جزء منا، والكتابة مثل الحياة، والحياة هي رهان عبثي، مع العبث، ضد العبث، داخل العبث. تسألني لنصل إلى أين؟ أقول لك لا أعلم، ولكن يمكنني أن أقول لنصل للمعنى. ولكن هل هذا يبقى؟ لا أظن. هناك أشياء لا نفكر فيها، مثل أن اللغات تنقرض، نحن كلنا كشعوب سوف ننقرض، قبل القرن التاسع بعد الفتح العربي كنا نتحدث بالسريانية، ونكتب بالسريانية، ولغتنا العامية فيها جزء سرياني، ولكن اللغات معرضة للانقراض، وهذا شيء مخيف. لو أن هدفك الخلود، هذا برأيي شيء آخر، الخلود عبثي، لا يوجد خلود، الكل يعلم أن الأرض كلها سوف تزول، بالطبيعة وليس في الدين، ولكن بقلب هذا العبث أنت وظيفتك أن تمسك المعنى، لذلك هناك صراع مع العبث، وبعد ذلك سوف نموت، وهل هناك شيء عبثي أكثر من الموت، الوضع متداخل وليس بسيطاً. ولكن هو كذلك.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">أنت الآن تعمل على رواية جديدة هي الجزء الثالث من رواية "أولاد الغيتو". حدثنا عن موعد صدورها وكيف كانت تجربة العمل عليها ؟</span></p>
<p dir="rtl">سوف تصدر في شهر تشرين القادم، كان العمل عليها صعباً جداً، بسبب ظروف كورونا، والانهيار اللبناني كان قاتلاً جداً، هذا الجانب كان صعباً جداً، ولكن هي رواية سلسة لتختم الثلاثية، ونخرج من قصة "آدم دنون" الذي أودّعه بالكثير من الحزن، بعد أن صرنا أصدقاء جداً على مدى تسع سنوات. في كل مرة كانوا يطلبون مني المخطوط كنت أحاول أن أؤجل لكي يبقى عندي في البيت. تقريباً انتهت الرواية، ونهاية الرواية مثل نهاية أي شيء آخر فيها الكثير من الحزن، ولكن آدم الآن لديه حياته.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">نحن في ذكرى مرور نصف قرن على اغتيال الكاتب غسان كنفاني، كيف نقرأ ما كتبته الشهيد غسان كنفاني اليوم ؟</span></p>
<p dir="rtl">غسان كنفاني هو أهم من صنع اللغة والحدثية الفلسطينية، ومعه محمود درويش، غسان كنفاني رسم الرموز الأولى التي لها علاقة بالأرض، مثل البرتقال، رسم الربط الأول مع الفلسطيني الذي طرد من بلده، غسان هو بدايات الأدب الفلسطيني وأستاذنا جميعنا.</p>
<p dir="rtl">أهميته أنه طرح علينا أسئلة كبرى، إن كان في "رجال في الشمس" "لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" أو الأعمال التي تطرقت إلى معنى الهوية، بالتالي برأيي غسان هو الوعاء الأول الذي ينتدب في الأدب الفلسطيني، وبالتأكيد بعد غسان هناك روائيون يلعبون دور أساسياً مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا، الذين أعطوا إيقاعاً للمعنى الفلسطيني على مختلف المستويات.</p>
<p dir="rtl">غسان هو المخيم، أول من كتب المخيم وشخصياته وكأنها على المسرح، شخصيات "رجال في الشمس" كأنها على المسرح، و"عائد إلى حيفا" تأمل أحداثها كأنها على مسرح، فأنت أمام مكان استجمعت فيه عناصر الحكاية الفلسطينية، وما علينا نحن الروائيين الذين أتينا بعد غسان كنفاني سوى أن نَفرط هذه العناصر ونتوسع بها ونعيد كتابتها، وهذا دليل على أنه معلمنا، وهو لمعة لحظات فنية كبرى، ويجب أن نحبه كما هو، وأهم شيء أن نتعلم منه كما هو.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">"إسرائيل صارت دولة أبارتهايد، سواء تم الضم القانوني أم لم يتم، ويجب أن يبدأ النقاش الفلسطيني من هذه النقطة، ليعيد طرح مسألة مقاومة الاحتلال كخيار وحيد." هذا الاقتباس من مقالتك "الأبرتهايد والنكبة المستمرة" بحسب عملك في مؤسسة الدراسات الفلسطينية كيف ترى أن من الممكن مواجهة هذا المشروع العنصري الصهيوني أكاديمياً وثقافياً؟ </span></p>
<p dir="rtl">أولاً الأكاديمية على المستوى الفكري، هي كيف نصيغ الفكرة، ولكن الأبرتهايد مكشوف، بالأمس نائب بالكنيست الإسرائيلي يقول: "يجب على الفلسطينيين ألا ينسوا النكبة وإن نسوها فليسألوا أهلهم". الجهد الذي بذل في الخمسينات والستينات، وأنا برأيي أستاذنا وليد الخالدي بذل جهداً كبيراً، في الخطة "دالت" وسقوط حيفا ليبرهن أنهم طردونا بالقوة، لأن الرواية الإسرائيلية كانت أن الفلسطينيين هم من رحلوا، الآن اختلف الوضع، فالإسرائيلي يقول نعم هناك خطة طرد وماذا بعد! الآن بيني موريس الذي يعتبر كبير المؤرخين الإسرائيليين كتب "دولتي كانت على خطأ لأنها لم تكمل على الضفة". الإسرائيليون يقولون نحن عنصريون، لا نحتاج إلى مجهود، في مسيرة الأعلام  هتفوا "الموت للعرب" وشتائم للنبي محمد، وكأن النبي محمد على قيد الحياة!</p>
<p dir="rtl">الإسرائيلي يقول أنا عنصري، لقد قمت بالنكبة ومستعد أن أقوم بنكبة أخرى في أي لحظة، ويمكنني أن أقتلك، فأنا قاتل، هذا ما يقوله. لذلك يكون المجهود في كيف نصيغ، نعود لنصيغ فكرة فلسطين، هذا هو الجهد الفكري المطلوب منا الآن، أن نصيغ فكرة فلسطين ليس كفكرة نضال ضد الاستعمار فقط، بل كفكرة إنسانية، لأن برأيي الآن في فلسطين يجتمع كل الموقف الإنساني في العالم، فإما أنت إنساني أو أنت عنصري فاشي وتدعو إلى التفوق الأبيض.</p>
<p dir="rtl"> المعركة هي في الصياغة وأنا أظن أنها معركة طويلة جداً، لن تنتهي غداً، نحن أمام تحولات ووضع تاريخي يشبه الحروب الصليبية، الصليبيون ارتكبوا فظائع، طردوا وقتلوا  كل سكان المدن الساحلية، إذ كتب أمين معلوف في كتابه "الحروب الصليبية كما رآها العرب" أنهم كانوا يقومون بشواء الأطفال، لقد ارتكبوا فظائع. ونحن واضحون، هل هناك أسوأ من "أوسلو" ما هي "أوسلو"؟! "أوسلو" تعني الاستسلام، تعني أن الفلسطينيين استسلموا، قال لهم الإسرائيليون نرفض استسلامكم، ماذا يعني؟ تخيل اليابان في الحرب العالمية الثانية قال لهم الأمريكان نرفض استسلامكم، ماذا يعني، يعني أنهم سوف يبيدونهم. الفلسطينيون استسلموا ولكن استسلامهم لم يكن فيه الأكثرية الكافية، على الرغم من معارضة المثقفين، ولكن منظمة التحرير كانت تمثل الشعب الفلسطيني قالت أعطونا دولة تمثل 22 بالمئة من الوطن، ماذا يعني؟ إبادة أو طرد، والمشروع هو مشروع طرد. مناحيم بيجن خلال غزو لبنان في حزيران، يقول إن فلسطينيي لبنان يجب توزيعهم على ليبيا والعراق يعني أن نطردهم، استخدم هذه العبارة "الحل النهائي" هي عبارة لم تستخدم إلا من قبل النازيين بالحديث عن اليهود، "الحل النهائي" لمسألة اليهود في أوروبا هو إبادتهم. الطرد الآن هو الموضوع، فأنت لست بحاجة لتبرهن شيئاً، بل بحاجة لإعادة صياغة فكرة فلسطين، كفكرة نضال إنساني ضد الاحتلال والقمع والعنصرية والتطرف، هذا هو النضال، إذا كنا فعلاً نريد تحرير فلسطين.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">الفنون الفلسطينية تضيء على تجارب جديدة في الرواية والشعر والرسم جميعها تستمد دورها من الحاضر الفلسطيني. كيف تقرأ التجارب الجديدة في الأدب الفلسطيني؟ </span></p>
<p dir="rtl">إنني أرى تجارب هائلة، هناك تجارب تدفعني للشعور بالفخر، مثل روايات أكرم مسلم. تشعر بالنشوة، والسينما، وتجارب الشباب في السينما، تجارب متنوعة في الشعر والأدب، أسماء وتجارب رائعة لا تنتهي… وأنا برأيي أن الشعب الفلسطيني حي، وينتج ثقافته، الثقافة في فلسطين لم تمت، سوف يبقى الأدب، واليوم يكتبون أحسن منا، لأن الحياة أقوى من الموت، الرهان هو على الحياة، وحتى اللبنانيون والعراقيون والسوريون، الشعب والثقافة فيهم حية وتتجدد، لذلك لا أملك أي خوف على مستقبل الثقافة في فلسطين والعالم العربي، الخوف هو من استمرار الاستبداد والقمع وتشريد المثقفين، وافتتاح مجلاتنا وصحفنا مثل "رمان" في المنافي.</p>
<p dir="rtl"><span style="color: #ff0066;">أخيراً أستاذ الياس خوري سؤال الأمل واليأس. من أين تستمد الأمل، وأين يمكن أن نذهب بكل هذا اليأس الذي تفرضه حالة التفتت العربية والفلسطينية؟ </span></p>
<p dir="rtl">أنا لا أحب كلمة أمل، كلمة سخيفة، أنا استخدم كلمة حلم، كلمة الأمل تأتي من نتأمل في الحاضر، الحلم حر أكثر، وفي حاضرنا لا شيء يستدعي الأمل، ونحن لا نعيش اليأس إننا نعيش ما بعد اليأس، ما بعد اليأس يعني أن نبحث عن حلم جديد، لا يعني أن نستسلم، نحن بحاجة أن نحلم، مشكلتنا أننا انحبسنا في أطر فرضت علينا من قوى الاستبداد والاحتلال والقمع، ونحن نلعب في قلب هذا الحبس والسجن لكي نخرج منه، وأنا برأيي الحلم يتجدد لذلك يجب أن نجدد أحلامنا، ولدي ثقة أن هناك حكمة في الحياة، أن هذا الظرف الراهن لن يدوم، حقنا في هذه المرحلة الصعبة أن نبدأ  ببلورة الأحلام الخاصة بنا والرؤى لتساعدنا على تحمل هذه اللحظات التي لا تحتمل، أنت تعيش في لبنان وتعرف أن الوضع لا يحتمل، والذين يعيشون في سوريا أسوأ، وفي فلسطين أيضاً، وكل المشرق العربي، لذلك يجب أن نستجمع طاقاتنا لنحلم بشيء جديد لنتجاوز ما تعيش فيه، وبرأيي أن الحياة سوف تصنع نفسها من جديد، لن تتوقف هنا.</p>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/20918">الياس خوري: أكتب لأني أحب</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (١/٢)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/19000</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[رمان الثقافية]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 24 Nov 2017 09:19:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<category><![CDATA[إميل حبيبي]]></category>
		<category><![CDATA[المقابلة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a5%d9%85%d9%8a%d9%84-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8%d9%8a-%d9%84%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%af%d8%b1%d9%88%d9%8a%d8%b4-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d8%ae%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%a3%d9%86/</guid>

					<description><![CDATA[<p>نُشرت المقابلة في العدد الأول من مجلة «الكرمل»، بيروت، شتاء عام ١٩٨١</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19000">إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (١/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="color:#7f8c8d">براغ، ضباب وشوارع تنتشر في الضوء الخافت وفتية يرقصون، وهو إميل حبيبي، هذا القادم كأنه أبطاله جميعاً، يضحك ويسأل ونحن نريده أن يجاوب. لكنه يسأل، يأخذنا في ذاكرته إلى هناك، إلى المعاناة اليومية، ويتعامل معها ببساطة اليومي والمألوف الذي يجب تغييره، وحين يشير إلى هناك يقول “بلادنا“، إنها بلادنا. والضمير يشير إلينا جميعاً، وهو كأنه الضمير، كأنه ضحكات تمطر فوق شوارع المدينة القديمة، نمشي إليها معه، وهو يتكلم ويسأل، ونحن نستمع إلى أجوبته وأسئلته.</p>
<p> هذا هو الفلسطيني العربي، الكاتب، السياسي، المناضل. هذا السيل من الشخصيات الشعبية التي تتلخّص في رجل واحد، هذا الكاتب الذي لا يحترف سوى الحب، يكتب، كما قال، حين تأتيه الكتابة. والكتابة تأتيه على صورة «المتشائل»، حيث يختلط التراث الأدبي العربي بحياتنا اليومية، حيث تصطك اللغة القديمة تحت عذابات الراهن.</p>
<p> كأنه معنا، استعدنا تلك الأيام الجميلة القاسية في حيفا، واستعاد هو معنا بيروت وشوارعها، والبيوت التي التجأ إليها، ومجلة «الطريق»، ورئيف خوري وجميع الرفاق.</p>
<p> وفي الحوار معه، نكتشف أننا نحاور أنفسنا. كأنه صورتنا الأخرى، كأنه السنوات التي ستأتي أو العمر الذي سنذهب إليه.</p>
<p> وفي الوداع، كان ما يشبه الوجع الذي يقتلع الأعضاء. لكنه هناك وهنا ونحن في كل الأمكنة معه ومع كلماته وضحكاته ونكاته وسخريته ومحبته للآخرين.</p>
<p> في براغ، التقيناه، وتحدثنا، سرقنا فراغات الكلام ومشينا في الشوارع، ورأينا الشوارع الضيقة حيث عاش كافكا وطوابع البريد، وتذكرنا المدن الأوروپية التي ابتلعتنا، وتذكرنا پاريس، مدينة العاشق الذي مات، مدينة عز الدين القلق، ثم عدنا إلى حيفا والناصرة وبيروت.</p>
<p> وهذا الحوار هو تلخيص لأيام أربعة قضيناها في النقاش الطويل، حول الأدب والسياسة والكتابة.</span></p>
<p><span style="color:#ff0066">نبدأ من البداية.. كيف تفسر مفاجأة العالم العربي بنتاجك الأدبي؟</span></p>
<p> إن مفاجأة العالم العربي بنا ليست قضية شخصية، فالمفاجأة كانت في التعرف علينا جميعاً وعلى أدبنا بأسره، ويمكنني تفسير هذه الظاهرة بكون العالم العربي، كان بعد هزيمة حزيران 1967، بحاجة إلى بارقة أمل. فهذه الضرورة هي التي دفعت الضمير العربي إلى ”اكتشافنا“.</p>
<p> لقد استطعنا أن نكون بارقة الأمل هذه لأننا صمدنا هذا الصمود في ظل القمع الإسرائيلي طيلة هذا الوقت ولم نتراجع أو نخضع. كما يشير محمود درويش في أبياته الشهيرة: "نحن يا أُختاه من عشرين عام نحن لا نكتب أشعاراً ولكنا نقاتل“.</p>
<p> وأحب أن أضع هذه الحقيقة في مكانها الصحيح، حتى لا تكون هناك مبالغة في تقويم إنتاجنا. وهذه المبالغة تسيء إلى الجانبين: إلى موضوع المبالغة، أي نحن، وتقودنا إلى العقم، وإلى مستقبِلي المبالغة، وتقودهم إلى الرضى عن النفس، وحتى إلى قبول المواقف الاستسلامية.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> «سداسيّة الأيام الستة»، كانت أول عمل أدبي منشور لك، وقد نشر بعد هزيمة حزيران 67، فماذا كتبت قبل «السداسية»؟</span></p>
<p> نشرت مع «السداسية»، عدداً من القصص التي كنت قد كتبتها ونشرتها في سنوات سابقة، إحداها هي قصة «بوابة مندلباوم» التي كتبت في الخمسينات. والحقيقة أنني عالجت كتابة القصة منذ أن بدأت مساهمتي، في العمل السياسي. وقد نشرت العديد من القصص في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني، ونشرت في «الاتحاد»، و«الغد». كما نشرتُ في الأربعينيات عدداً من القصص في مجلة اسمها «المهماز»، شاركت في ملكيتها، وكنت رئيساً لتحريرها، وقد صدرت عام 1946.</p>
<p>وفي عام 1948 نشرت قصة قصيرة أعتزّ بها في مجلة «الطريق» اللبنانية، انطلاقاً من الأسطورة القروية عن الإنسان الذي يضبعه الضبع، ويقوده وهو فاقد الرشد نحو مغارته ويسير المضبوع نحو المغارة منتصب القامة، فيصطدم رأسه بسقف المغارة، ويُجرح ويسيل دمه فيثوب إلى رشده. وقد أردت في هذه القصة الإشارة إلى ما أصاب الشعب العربي الفلسطيني، وإلى الثقة بقدرة هذا الشعب على التخلص من الضبع والمغارة.</p>
<p> والمؤسف أن العديد من هذه القصص قد ضاع، خصوصاً ما نشر منها في «المهماز». لقد تعاطيت الأدب وأحببته منذ أيام الدراسة. وكنت معروفاً لدى الأوساط الأدبية في فلسطين زمن النكبة.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> هل يمكن أن تحدثنا عن المناخ الأدبي في فلسطين آنذاك؟</span></p>
<p> لقد أصبح معروفاً لدى الباحثين في تاريخ الأدب الفلسطيني، أن الأدب الوارد من مصر في ذاك الحين، أثر تأثيراً سلبياً على نمو الأدب الفلسطيني بشكل طبيعي، من حيث أنه ضيّقَ الخناق على الأدباء الفلسطينيين الذي كان عليهم إما النشر في الصحف والمجلات المصرية أو الاكتفاء بما تيسر من وسائل نشر بدائية، لم تكن قادرةً على منافسة المجلات المصرية. أنا تأثرت بمصطفى صادق الرافعي، على الرغم من كونه كان كاتباً رجعياً، ولم أزل إلى اليوم متأثراً بأسلوبه وطريقته في التلاعب بالألفاظ.</p>
<p> جيلي أنا، هو الجيل الذي كان تالياً لجيل أبي سلمى وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود. كنت أنا وإحسان عباس، وكان عباس شاعراً، وكان أعز صديق لي. كنا في مدرسة واحدة، وفي صف واحد. ولقد ذكرت هذه العلاقة في قصتي «قدر الدنيا»، حين كتبت عن ثلاثة أصدقاء، أحدهم صار مدرساً في الخرطوم، والثاني أصبح نزيل مستشفى الأمراض العقلية، والثالث هو أنا.</p>
<p>كنا نحاول أن نشن معارك أدبية ضد العقاد. أذكر أننا كنا نخرب ندواته في فلسطين، إذ كان العقاد مؤيداً للحلفاء الغربيين. أما نحن فكنا شلة من التقدميين الذين يعتبرون القضية الفلسطينية قضية كفاح ضد الاستعمار البريطاني، كما كنا ندعو إلى ضرورة التفريق بين اليهود والحركة الصهيونية، وكان موقفنا نقدياً من القيادة الفلسطينية الرجعية والمتجمدة آنذاك، كما كان موقفاً منفتحاً على الاتحاد السوفييتي ويرفض الاتجاهات التي كانت ترى الخير في أي تحالف مع الفاشية.</p>
<p> وأذكر أننا من جانبنا كنا ننظم ندوات وندعو أدباء وشعراء عرباً لإحيائها. دعونا الجواهري ومجموعة من الأدباء والفنانين من لبنان والعراق.</p>
<p><span style="color:#ff0066">  ما هي الخلفية الثقافية لهذا الجيل؟</span></p>
<p> لا شك في أننا تأثرنا بالأدب المصري: طه حسين، ومجلة «الرسالة». لقد تأثرنا بأسلوب الأدب المصري، وبثورية الأدب اللبناني متمثلاً بمارون عبود، ورئيف خوري (الذي كان مدرساً في فلسطين)، وعمر فاخوري، وتأثرنا بمضمون مجلة «الطريق».</p>
<p> وكان أدبنا سياسياً، وحتى في عودتنا إلى التراث، فإننا كنا نهتم بأدب الخوارج والقرامطة. كنا نبحث عن التراث المقاوم في التاريخ العربي.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> ما هي المصادر الأدبية التي أثّرت في كتاباتك؟</span></p>
<p> إن الذي قادني إلى الاهتمام بالأسلوب هو مصطفى صادق الرافعي. فمحبتي للغة العربية أخذتها عن الرافعي، في أسلوبه وتكراره، كما أنني تأثرت بالسلاسة والعزف على الموسيقى الهادئة عند طه حسين.</p>
<p> في المدرسة، بدأت بتذوّق اللغة عن طريق معلمين يبدو أنهم اكتشفوا هذه الملكة لديّ. أحدهم فرض علي، لأنه يحبني، دروس الدين، ثم علمني القرآن، فتأثرت به حتى في عملي السياسي. أما الذي فك طلاسم اللغة عندي فهو إلياس حدّاد، والد الدكتور وديع حداد، الذي عرّفني على «كتاب النحو» لجبر ضومط.</p>
<p> ولقد تأثرت بالمقامات، فأنا أحب التلاعب بالألفاظ، ولذلك، ربما، أصبحت الكتابة صعبة بالنسبة إليّ، أعود إلى النصوص وأعيد، وأنا مستاء من نفسي بسبب ذلك. وقد يكون هذا رد فعل على استهانة أدبائنا وشعرائنا باللغة.</p>
<p> كما أنني تأثرت بالأدباء الروس وعلى رأسهم تولستوي، تورجنيف، دستوييڤسكي، وماياكوڤسكي. غير أن الحدة في كتاباتي تعود إلى تأثري بكارل ماركس. وكثير من الناس يدهشون حين أشير إلى هذه الحقيقة، لأنهم لا يعلمون أن هذا المراكشي، كما كان يسميه أقرانه، كان يسمح لنفسه حين يهاجم نظاماً أو قيادات بأن يخترق قدس الأقداس.</p>
<p> أما روح التهكم المبطن، فقد أعانني الأدب الإنجليزي الكلاسيكي على تنميتها، وإلى حد ما إنتاج الأمريكي مارك توين. </p>
<p>كما أنني أحب ڤولتير كثيراً، إلى درجة أنني أشعر بأثره المباشر، أحياناً، على كتاباتي. وإذا أردت أن أشدد على ناحية أو مصدر أدبي فإنني أقول إنني تأثرت كثيراً بالمقامات والأدب الهزلي الكلاسيكي العربي، أدب الكشاكيل، وكتبت مقالات في «الجديد»، وتوقفت لأنني لم أستطع أن أتابع. وأنا عندما أكتب أعمل كثيراً في القواميس القديمة، قاموس الفيروز أبادي، وبعض الكتب كـ «العقد الفريد»، كما أنني أشعر بأن الجاحظ يشجعني على اختراع الكلمات.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> كيف تستطيع أن تفسر لنا تحولك في سن الخامسة والأربعين إلى الناشر المحترف، وإلى تقديم نفسك كأديب، بعد أن كنت معروفاً كمناضل وكقائد ثوري وككاتب سياسي؟</span></p>
<p> أستطيع أن أقول إنني جئت إلى السياسة عن طريق الأدب وليس العكس. وقد بدأت نشاطي السياسي حين كانت الشيوعية ما تزال حزباً سرياً في بلادنا. كنت آنذاك أعمل متمرناً كي أصبح مهندساً ميكانيكياً كما كان أخي الأكبر حليم يريدني أن أكون. كنت أشتغل متمرناً وأدرس عن طريق المراسلة. بدأت العمل الميكانيكي من أدنى درجاته، كنت أعمل «عطشلي» (الذي يرمي الفحم الحجري في وجاق القاطرة)، في شركة تكرير البترول في حيفا أثناء بنائها، حيث كان أخي يعمل مديراً فيها. وكان قائد القاطرة شيوعياً من عكا. ويبدو أنه أراد أن يجد طريقاً إلى ضميري، وكان ذكياً، فأدرك ميولي الأدبية وشجعني على كتابة القصص ووعدني بنشرها. وعن هذا الطريق فتحت أمامي آفاق الشيوعية. الأدب، كما ترى، هو الباب الذي أوصلني إلى السياسة، وأنا حتى عندما كنت في مرحلة الإعداد كي أكون مهندساً ميكانيكياً، كنت أعتبر نفسي بطلاً في قصة، فارساً متخفياً في ثياب العمل.</p>
<p> ثم حين عُرض عليّ الاشتراك في مسابقة لتوظيف مذيعين في محطة «إذاعة القدس» في أوائل الأربعينيات، اشتركت في المسابقة ونجحت، وعندها، استطعت، للمرة الأولى، أن أحقق اهتماماتي الأدبية، وأن أعيش وسط جو الأدباء، وأن أتعرف إلى أبي سلمى في سنوات 1942 - 1943.</p>
<p> وأنا أدعي أنني ضحيت برغباتي الأدبية من أجل المساهمة في العمل الوطني - السياسي المباشر. فلقد قدمت استقالتي من العمل الإذاعي حين طلب الحزب مني ذلك، وكان الوضع داخل الحزب صعباً. فتركت العمل الإذاعي وبالتالي العمل الأدبي عن وعي وقناعة، من أجل تلبية حاجة، كنت أدرك أنها ماسة بالنسبة للعمل الحزبي آنذاك، إذ إننا كنا في مرحلة الظهور العلني، وقد ظهرنا تدريجياً ووضعنا السلطة أمام الأمر الواقع.</p>
<p> مما لا شك فيه أن ملكتي الأدبية ساعدتني على تطوير صفة الخطابة وتطوير كتاباتي السياسية. وحين جابهت مؤخراً، وقبل كتابة «لكع»، قضية الأسلوب، وأخذت أفتش عن الأسلوب الذي يستطيع أن يستوعب تجربتي وأفكاري، اكتشفت أنني لا يمكن أن أجد الأسلوب المناسب إلا من خلال تجربتي الطويلة، عندها أدركت أن تجربتي تتميز بالنجاح في أسلوب الخطابة، فاعتمدته في «لكع».</p>
<p> لقد ضحّيتُ سابقاً بإمكانياتي الأدبية من أجل شعوري بضرورة العمل السياسي. وفيما بعد، أي بعد فترة طويلة نسبياً في العمل السياسي، وخصوصاً بعد عام 1965، بدأ يتكون لديّ الاقتناع بأنني أستطيع، ومن حقي، بعد هذا العمر الطويل، أن أعود إلى حبي الأول. ولم أعد إلا بعد أن تكوّن لديّ الاقتناع بأن حياة جيلي السياسية لم تذهب سدىً، لأننا استطعنا أن ننشئ جيلاً يستطيع أن يستمر في حمل الراية وبشكل أفضل مما حملناها. وأنا لا أكشف سراً حين أقول إن رفاقي في الحزب، وجدوا صعوبة كبيرة في فهم دوافعي. ولكن هذه هي دوافعي الحقيقية التي يعرفها حزبي. ولقد قلت في المجال الأدبي أموراً كثيرة قلتها في المجال السياسي. ولديّ ما أقوله في المستقبل في مجال العمل الأدبي. وأنا أشعر بأنني محظوظ لأنه قيّضَ لي هذا الخيار الذي لا يقيض لجميع القادة السياسيين.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> السياسي والفنان يتعايشان حتى لحظة معينة ثم يفترقان؟ كلامك يشير إلى أن خيارك الأدبي هو ما يشبه التقاعد، وكأن الأدب يصبح في لحظة معينة هو «الخلاص».</span></p>
<p> أنا لا أوافق على أن الأدب هروب، والذي دفعني إلى العودة ومواصلة العمل السياسي هو الخوف من القول بأنني هارب. لذلك عدت عضواً في المكتب السياسي ورئيساً لتحرير «الاتحاد». كل ما أطلبه، ليس التوقف عن النضال السياسي، بل أطلب وقتاً أكبر للعمل الأدبي. أنا لم أستطع التخلي عن العمل السياسي، وربما لأن هذه هي حياتي. هل أستطيع أن أخرج من جلدي!</p>
<p> وأنا أعتقد أن ما يحبه الناس في كتاباتي السياسية هو اللون الأدبي الذي فيها. حتى كتاباتي السياسية، فإنها في أغلب المرات ذاتية، كما أن العمل السياسي لم ينفصل عن الرؤية الأدبية في أدبي.</p>
<p> أنا لا أمر في أزمة سياسية، فأنا مقتنع الآن أنه بعد عام 1965، وبعد أن مر الحزب في أزمته وخرج منها، بأن الراية هي في أيد أمينة، وصرت أشعر أن الأمور تستطيع أن تستمر من دون مساهمتي المباشرة. إنه الشعور نفسه الذي جعلني أترك العمل الأدبي إلى السياسة، هو ذاته دفعني إلى ترك السياسة إلى الأدب.</p>
<p> أنا أعتقد أن جميع الناس يشعرون بهذا الصراع من أجل البقاء. وأنا أيضاً أرغب في أن يبقى ورائي الأثر الأدبي الذي أكتبه. وعندما أكتب نصاً أدبياً أتساءل: كيف ستُقوّمه الأجيال القادمة. أتمنى أن يصبح نصوصاً للقراءة في المدرسة، وأشعر بالغيرة من الكتاب الكلاسيكيين. لذلك، أحترم عملي، فأنا لا أعرف كيف سترى الأجيال القادمة إليه، هكذا كما ترون، العمر يلعب دوراً أساسياً، أنا أريد أن أتجاوز الموت.</p>
<p><span style="color:#ff0066">كيف تنظر إلى الموت؟</span></p>
<p> بدأت أعي وجودي الشخصي مع وعيي لقضية الموت. أنا بدأت أشعر بوجودي في اللحظة التي عرفت فيها الموت. أنا أخاف الموت، إذن أنا أموت. لذلك أبحث عن المستوى الذاتي، عن الوصول إلى تفاهم مع الموت، إلى الرضى بهذا الأمر مع إيجاد حل لقضية استمراري. ولقد كان أحد الأسباب الباطنية لوعيي المبكر للموت هو حبي الشديد لأمي. فأنا كنت شديد الخوف من أن تموت أمي، وكنت أتمنى أن أموت قبل أن تموت. فأنا كنت وثيق الارتباط بها نتيجة ضعف بنيتي.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> ولكن هناك أشياء تموت في الإنسان، فكيف ترى إلى موت الأشياء فيك؟</span></p>
<p> أحاول في الكثير من المرات أن أقنع نفسي بأني أصبحت كبيراً في السن، وأن أتصرف على هذا الأساس. ولكني لا أعرف الفرق بين الجيل الجديد وبيني، فأنا ما أزال كالأطفال. ولكني أتألم حين أرى الأجيال الشابة تتهكم على الحب، كما لو أنه صار عيباً. جيلنا كان يحب إلى درجة الحب العذري، وكان الحب عميقاً كما في الروايات الروسية الكلاسيكية. أما مسألة الموت، أقول نعم، ربما ماتت العواطف الجياشة وبعض الصداقات وبعض النساء والمدن، أما كيف عالجت قضية الموت في شبابي، فأنا كنت أكتب مذكرات ساذجة، وأذكر أنني كتبت أقول إنني أبحث عن حب ينسيني ذاتي وينسيني خوفي من الموت، ثم انتقلت إلى البحث عن مبدأ يستوعبني ووجدت الشيوعية، وكان من الممكن أن أقع في الإيمان الديني.</p>
<p> لقد وجدت الحب في المرأة، غير أن هذا الحب لم يستطع أن يستوعبني، لقد حاولت أن أعطيها كل حياتي، لكن المشكلة لم تحل، مشكلة الاندماج الكلي والاستعداد للتضحية بالذات من أجل قضيته.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> ولكن طالما تحدثت عن إمكانيات الإيمان الديني، كيف ترى الآن علاقتك بالله؟</span></p>
<p> لا، كلامي لم يكن دقيقاً حول هذه النقطة. بعض أخوتي وقع في الإيمان الديني، أما أنا فلا. والآن أيضاً، لا يلعب الدين أي دور في حياتي، وهذا واضح بالنسبة لي، لكني أتألم كثيًرا حين أرى أن هذا لا يزال عاملاً علينا مجابهته، بعد كل هذا العمر، في أواخر القرن العشرين، أتألم لأن الإنسانية في هذا الواقع.</p>
<p> كما أنني أتألم من قضية أخرى. فأنا أشعر بالغيرة من تجارب تنعكس في كتابات العديد من أصدقائي الذين يعرفون حياة القرية، والعائلة العربية بالتفصيل، وهي تقاليد إسلامية. ولذلك، ترى أنني في أعمالي الأدبية أشير إلى هذه التقاليد. ويؤسفني جداً أن أشعر بأنني مقيّد. فلو عشت في بيئة إسلامية لاستطعت أن أقدم أكثر. وهذا حنا مينه أنا أراه شجاعاً لأنه يكتب عن شخصية مسيحية كاملة، أنا لا أسمح لنفسي بهذا. فدين الأبطال في قصصي إما أن يكون مسلماً أو لا تجري الإشارة إليه. لذلك، فإن أغلب شخصياتي إما غير معروفة الطائفة أو الدين أو تتهكم عليه. وأنا لا أشعر أن بنيتي المسيحية هي معوق بالنسبة لي، فطموحي هو أن أكتب عن الأمر المميز لهذا الشعب، عن العام، وأنا أعتبر العام إسلامياً.</p>
<p> لقد نشأت في بيت بروتستانتي، أما مدرستي وأصدقائي فكانوا مسلمين. ربما المسألة أكثر عمقاً من الطائفة والانتماء المذهبي، ربما السبب في هذا كله هو مدنيّتي. الكتاب المدنيون هم أقلية في مجتمعنا الفلسطيني. أنا لا أعرف القرية، ومجتمعنا قروي. أنا لا أعرف بيئة القرية، لا أعرف أسماء الأدوات الزراعية، لذلك فإن أغلب مشاهد رواياتي وقصصي تدور في عكا وحيفا. وأنا لا أُحب أن أكتب عن أشياء لا أعرفها بشكل جيد.</p>
<p><span style="color:#ff0066"> هل هناك مصادر دينية في أدبك؟</span></p>
<p> لقد قرأت التوراة، وأحاول أن أهرب من تأثيرها، لأن ترجمة اليازجي ليست عربية، وقد لعبت دوراً في تشويهنا. </p>
<p>التوراة والإنجيل لم يلعبا أي دور في حياتي، أهملت الإنجيل وقرأت التوراة، وأنا أقاوم تأثيرها فيّ، وأعتقد أن تعابير التوراة هي تعابير عبرية، تراكيب الجمل هي تراكيب عبرية. أنا أقاوم الاستناد على أُمور هي من خارج تقاليد جماهيرنا، كالميثولوجيا الإغريقية، فثقافتنا تبدأ بالإسلام.</p>
<p><span style="color:#ff0066">هل يمكن أن تحدثنا عن إميل حبيبي الإنسان، ولنبدأ بالطفولة؟</span></p>
<p> أنتمي إلى عائلة قروية أصلها من شفاعمرو، قرب حيفا. والدي شكري كان معلم مدرسة في شفاعمرو، ويبدو أنه كان يعمل في مدرسة إرسالية. وكان معلم المدرسة في ذلك الوقت شخصاً محترماً، ويذكر اسمه في بقايا الأغاني في القرية: «يا شكري هات الدفتر». وكانت عائلتي واحدة من العائلات القليلة التي لم تكن تملك أرضاً. وهذا أمر نادر الظهور في ذلك الوقت لدى عرب فلسطين. ويبدو أن جدي لوالدي كان مسرفاً متلافاً، وأن الإنچليز حين دخلوا بلادنا جلبوا معهم جنوداً كانوا يسمون "مغاربة" أتوا مع عائلاتهم، وصادروا أراضي أحلوا بها هؤلاء الجنود مع عائلاتهم، وحدث أن كل ما تبقى لنا من أرض كان في وسط المنطقة التي صودرت.</p>
<p> وفي سنة 1920 هاجر والدي إلى حيفا مع أولاده، حيث أُلقوا في سوق العمال كعمال. وفي سنة 1921 وُلدتُ لعائلة من الممكن اعتبارها قسراً عائلة عاملة. وفتح والدي دكاناً لبعض الوقت وكنا نسرقها فأغلقها، واعتمدنا في معيشتنا على إخوتي (بعضهم عمل في سكة الحديد، واثنان في بناء كاسر الأمواج في ميناء حيفا، ثم في مصانع تكرير البترول في حيفا). نحن تسعة أولاد سبع صبيان وبنتان. هذا الوضع الاقتصادي هو وضع خاص بالنسبة لأية عائلة فلسطينية، وكنت ألاحظ في علاقاتي بأقراني أنه حتى القروي الذي أتى إلى المدينة بقيت له أرض في القرية أو استملك في المدينة. أما نحن فكان وضعنا مختلفاً. لكن من ناحية أخرى كان العمل اليدوي يضعنا في مستوى دخل معقول، أي في مستوى طبقة عاملة متوسطة، كما أن عائلتي كانت تنظر دائماً إلى “فوق”، أي تحاول أن تتبرجز.</p>
<p>وأذكر أن بيتنا كان مكاناً نلتقي فيه بشيوعيين من خلال زيارات أصدقاء أحد إخوتي، وحتى من خلال اجتماعات سرية، كان هذا جعلني منذ طفولتي لا أحمل آراء مسبقة معادية للشيوعية، ولم تجابهني القضية التي جابهت العديد من أبناء جيلي، وهي التغلب على هذه الآراء التي كانت تسيطر على مجتمعنا في الثلاثينيات والأربعينيات، أي قبل الحرب العالمية الثانية. ولقد تقبّلتُ الشيوعية فكرياً ومن موقع عائلتنا الاقتصادي أيضاً.</p>
<p>ولقد تكامل شعوري الوطني أثناء ثورة 1936، التي كانت أكثر الثورات الفلسطينية وضوحاً في توجهها ضد الاستعمار البريطاني، وكان صدامها مباشراً معه. ولذلك أستطيع أن أقول بأن قضية التوجه الإيجابي نحو اليهود في فلسطين كانت بالنسبة لي قضية طبيعية. ولا أعتقد أن جيلي في حيفا تأثر بشكل جدي أو عميق بآراء عنصرية معادية لليهود.</p>
<p>وفي هذا الزمن المبكر، أي عام 1936، كانت نظرتنا المعادية للصهيونية، نابعة، وبحق، من كونها أجيراً للاستعمار البريطاني، ومنفذاً لمخططاته.</p>
<p>كما أن موقفنا تأثر بمجموعة من الأحداث: عمليات طرد الفلاحين من أراضيهم وخاصة قضية وادي الحوارث، التي باعها الملاكون العرب للصهاينة وقام الجيش البريطاني بطرد الفلاحين العرب منها، وحركة القسام. وكنا في المدرسة الابتدائية نقيم تنظيمات سرية لمحاربة الإنچليز، وكان ذلك نتيجة تشجيع بعض أساتذتنا، الذين علينا الآن أن نُشيد بموقف العديد منهم. ولكنها كانت حركات صبيانية دون أي فعل سوى أننا كنا نشارك في الإضرابات والتظاهرات. وتأثرنا في مدرستنا، مدرسة المعارف الابتدائية في حيفا، بإعدام حجازي وشمشوم والزير في صفد، وخاصة وأن أخ الشهيد حجازي، كان معلمنا للغة العربية، الأستاذ عارف حجازي، وكنا نحبه ونحترمه.</p>
<p>أنجزت الصف الثانوي الأول في حيفا، ثم ذهبت إلى عكا حيث درست الصف الثانوي الثاني في المدرسة الحكومية هناك، بعدها لم يعد هناك إمكانية للتعلم الثانوي المجاني، فذهبت إلى مدرسة إرسالية إسكوتلاندية في حيفا (مدرسة مار لوقا)، وكان أحد معلميها البارزين هو إلياس حداد، وفيها أنهيت دراستي الثانوية.</p>
<p> تنقلت بين عدد كبير من الأعمال، وعلى رأسها المحاولة التي جرت بتوجيه من أخي الكبير كي أصبح مهندساً ميكانيكياً، فعملت في بناء مصافي البترول. وبعدها انتقلت إلى الإذاعة في القدس، وقدمت استقالتي من الإذاعة عام 1943، كي أتفرغ للعمل الحزبي. ثم شاركت في تأسيس «عصبة التحرر الوطني» عام 1943. وفي أيار 1944 أصدرنا جريدة «الاتحاد»، ومنذ ذلك الوقت أصبحتْ حياتي السياسية والأدبية مرتبطة بـ «الاتحاد»، ومجلة «الغد»، ومختلف الأدبيات التي كانت تصدر عن «عصبة التحرر الوطني» أو بتأثير منها.</p>
<p> وفي عام 1946، شاركت مع عدد من المثقفين العرب البارزين في ذلك الوقت في إصدار مجلة أسبوعية اسمها «المهماز»، ولاقت هذه المجلة انتشاراً واسعاً في فلسطين والأردن والعراق. وحاولنا أن نجاري بها المجلات الأسبوعية المصرية «آخر ساعة»، و«روز اليوسف»، ولكن مجلتنا لم تعش سوى سنة واحدة. وقد جابهت مجلتنا مقاومة مباشرة من الحكم الملكي الذي كان قائماً في شرقي الأردن، خصوصاً بعد أن نشرنا كاريكاتوراً على عرض الغلاف يصور تاجاً ضخماً كما لو أنه دبابة وتحته جماهير مدعوسة، وكتبنا تحت الصورة: التاج الذي سيهدى في الشهر القادم إلى أمير عربي، وكان الحديث يجري عن تتويج الأمير عبد الله ملكاً.</p>
<p>وفي «المهماز»، نشرت العديد من قصصي القصيرة. وضاعت «المهماز»، وضاعت هذه القصص. بحثنا عن المجلة في الجامعة العبرية ووجدنا بعض أعدادها، كما وجدنا بعضها الآخر في مكتبة لينين. وأنا كنت أملك مجموعة كاملة من المجلة، وكنت في أواخر الانتداب البريطاني أقيم في رام الله، وعندما اضطررت إلى تركها في حرب 1948، حفرنا حفرة في ساحة أمام بيت جدة زوجتي وطمرنا صندوقاً وضعنا فيه هذا الأعداد وكتباً وأوراقاً أخرى، فلما قامت إسرائيل باحتلال الضفة الغربية في عدوان حزيران 1967، ذهبت إلى ذلك المكان فوجدت أنه شيد فوقه بيت كبير، ولم يعد العثور على الصندوق ممكناً.</p>
<p> عام 1948، كان من الممكن أن أُقتل كما قُتل الكثيرون، وإذا لم أُقتل فهذا صدفة، وقد كنت في العديد من المرات أعيش أوضاعاً كان من الممكن أن أموت فيها برصاصة. </p>
<p>لذلك، ربما، يولد فيَ حِسّ تلخيص التجربة، وحرقة لأن هذا الأمر لا يجري على مستوى القيادات الفلسطينية. لقد آن أوان تلخيص التجربة. فتجربتنا غنية جداً في مآسيها ونكساتها، والسؤال الذي يشغلني الآن، هو أنّ هذا الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات، لماذا لم يحقق حتى الآن الحد الأدنى من أمانيه. والحجج التي تقدم غير مقنعة: العدو أقوى أو التطويق الرجعي. إذن، لماذا لا نلخص التجربة دون الاستهانة بهذه الأسباب؟</p>
<p><span style="color:#ff0066"> حدثنا عن تجربة النزوح الفلسطيني عام 1948؟ </span></p>
<p>حين نراجع الآن تسلسل أحداث المأساة أو الكارثة الفلسطينية، فإننا نحاسب أنفسنا على أمر واحد فقط. صحيح أننا بذلنا كل الجهد الممكن من أجل كشف أبعاد المؤامرة أمام جماهير شعبنا، باعتبارها تستهدف في الأساس إجلاء الفلسطينيين عن أرضهم، ودعونا جماهير شعبنا إلى البقاء في بيوتهم ومدنهم وقراهم مهما يحدث من أمر. ولكن الحقيقة، أيضاً، هي أننا بيننا وبين أنفسنا لم نكن نصدق أن تنفيذ مؤامرة، بهذا البعد، كان ممكناً. ومنذ عام 1946، حين خرج حزب العمال البريطاني بمشروعه المعروف والداعي علناً إلى ما أسماه تبادل السكان، ومضمونه الفعلي هو إجلاء العرب من فلسطين، ونحن ندرك أبعاد المؤامرة على المستوى السياسي. غير أن حداثة عهدنا بالسياسة جعلتنا لا نصدق أنه من الممكن ارتكاب مثل هذه الجريمة بعد الحرب العالمية الثانية وبعد القضاء على الفاشية والنازية.</p>
<p> ولقد قاوم حزبنا، طوال تاريخه في فلسطين، مختلف الحلول التي طرحت لتقسيم فلسطين. وما موافقتنا على قرارات الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، لإقامة دولتين مستقلتين في فلسطين، دولة عربية ودولة يهودية تجمع بينهما وحدة اقتصادية، سوى محاولة منا، في الأوضاع التي كانت قائمة آنذاك، لتفادي الكارثة.</p>
<p> ومنذ اليوم الأول لاندلاع القتال في فلسطين، جرّبنا أن نقنع الناس بعدم ترك بيوتهم وقراهم ومدنهم، بواسطة النشر والدعاية ومن خلال العمل الفعلي في لجان أحياء. غير أن المؤامرة كانت أكبر منّا بكثير. وأجد أنه من الضروري تحديد دور المسؤولين عن هذه الكارثة. فالإعلام الصهيوني يدعي أن عرب فلسطين تركوا بلادهم بمحض اختيارهم أو تلبية لنداء القيادة القومية الفلسطينية، وقيادة الدول العربية، وهذا ليس صحيحاً. والإعلام الصهيوني يناقض نفسه بنفسه في هذا المجال، فلقد تباهى رئيس حكومة إسرائيل الحالي (سنتذاك ١٩٨١) مناحيم بيغن، مرات عدة، بأن مجزرة دير ياسين التي ارتكبتها منظمته بقيادته في نيسان عام 1948، وذهب ضحيتها حوالي 40 عربياً فلسطينياً، بأنها كانت عاملاً حاسماً في إكراه العرب على ترك بلادهم. وهناك مجازر مماثلة لمجزرة دير ياسين. ولقد كُشف النقاب في إسرائيل في خضم الصراع الحزبي الداخلي على مجازر ارتكبت في الرملة واللد لترحيل أهالي البلدتين العرب. كذلك نشر قبل فترة وجيزة كتاب يكشف النقاب عن محاول مبرمجة لترحيل سكان مدينة الناصرة العرب. ومؤلف الكتاب، وهو يهودي أسترالي، كان ضابطاً في الجيش الإسرائيلي آنذاك، وقال إنه رفض تنفيذ هذه الأوامر. هذا بالإضافة إلى مجازر ارُتكبت في أغلب القرى التي أُزيلت من الوجود، أو التي لم تزل على قيد الحياة، مثل: عيلوط، وعيلبون، ودير الأسد، وشعب، وكفر ياسيف. </p>
<p>غير أن مسؤولية القيادة القومية الفلسطينية والعربية آنذاك يمكن تحديدها في أمرين: </p>
<p>الأول: أنها أوهمت الجماهير العربية الفلسطينية بأنها معنية حقاً بمنع هذه الكارثة وقادرة على ذلك، فيما أثبتت الأحداث فيما بعد أن الأمر كان عكس ذلك. </p>
<p>الثاني: في أنها لم تقاوم وتتصدّى لموجة الرحيل. </p>
<p>أما الأساس، فهو هذا المخطط الاستعماري الصهيوني. ويجب عدم لوم الجماهير الفلسطينية، فهناك نزوح طبيعي في ساحات المعارك يحدث في كل الحروب، وهذا حدث في أوروبا وغيرها، لكن الأمر الخاص في الحركة الصهيونية هو أنها تقوم على إحلال شعب مكان آخر.</p>
<p><span style="color:#ff0066">وماذا عن تجربتك الشخصية خلال فترة النزوح هذه؟ </span></p>
<p>في هذه الأثناء كنت مقيماً في رام الله وأعمل في القدس. واستطعت أن أكون شاهد عيان على العديد من الجرائم التي ارتكبها المستعمرون البريطانيّون. وكان الهدف المباشر منها هو تأجيج الصدام الدموي اليهودي - العربي في أحياء عديدة من مدينة القدس، وقد حدثت أمور مماثلة في بقية المدن الفلسطينية. كانوا، مثلاً، يعلنون منع التجول في أحد أحياء القدس المختلطة، ثم يأتون ببعض الشباب العرب المتحمسين بشكل عفوي أو حتى المشبوهين، ويدلونهم على الدكاكين اليهودية المغلقة، فيفتحونها ويقدمون لهم البنزين لإحراقها. ويستمر منع التجول لليوم الثاني، فيجلبون بالسيارات المصفحة نفسها يهوداً يقومون بعمليات مشابهة في الدكاكين العربية. كما كانت المصفحة البريطانية تلتقط من حي عربي شاباً وتأخذه إلى الحي اليهودي حيث يقتل، ثم يلتقطون شاباً أو شيخاً يهودياً وينزلون إلى الحي العربي، وتتكرر المسرحية الدموية.</p>
<p> وفي حيفا، قامت سيارات الجيش البريطاني، بشكل مباشر بنقل الأهالي العرب إلى زوارق بريطانية أخذتهم إلى عكا، ومنها جرى ترحيلهم إلى لبنان. وفي القدس، أسهمت سيارات الجيش «العربي» الأردني مباشرة في ترحيل العرب. </p>
<p>إنني أتذكر أيام نزوح العرب عن القدس، وقد كنت هناك، كان ذلك في شهر نيسان، وكانت تهب زوابع ترابية، وكان الناس يسيرون على أقدامهم أو محملين كالأغنام في السيارات المتجهة نحو الأردن، وكانت قنابل ”الهاون“ تتساقط عليهم وعلى منازلهم التي خلفوها وراءهم، ولا تسمع سوى صوت الانفجارات وولولة النساء وبكاء الأطفال. ولقد علقت هذه المشاهد في ذهني إلى الأبد، مرتبطةً بفيلم كنت قد شاهدته عن انفجار بركان ”فيزوف“، واحتراق مدينة بومبيي وتهدمها، وكان مشهد النزوح مشابهاً للمشهد السينمائي بشكل مدهش، لأن ما حدث طبع في أذهان الجماهير كما لو أن بركاناً قد انفجر فجأة.</p>
<p> وهذه هي خيانة القيادة القومية الفلسطينية التي سلمت مقاليد هذا الشعب، في تلك الساعات المصيرية، إلى دول عربية مرتبطة حتى أسنانها بالاستعمار ومخططات الصهيونية، ولا تملك سوى الشعارات الغيبية والبعيدة عن الواقع، حتى أصبح هذا الواقع في أذهان الجماهير التي أضاعت البوصلة بركاناً لم تحسب أي حساب لانفجاره.</p>
<p>من المعروف أن المأساة الفلسطينية كشفت عن عفونة الأنظمة الرجعية العربية آنذاك، ومنذ ذاك الوقت تفجرت الانقلابات في مختلف أنحاء العالم العربي. ومع ذلك لم يقاس أي شعب عربي في خيانة الأنظمة كما قاسى شعبنا العربي الفلسطيني. لأنه ليس صحيحاً أن ما حدث كان بركاناً وكارثة طبيعية لا يمكن تفاديها. إن ما حدث كان مؤامرة مدبرة من قبل الاستعمار والصهيونية. ولقد نجحت هذه المؤامرة اعتماداً على انعدام كل شعور وطني لدى الأنظمة العربية التي كانت سائدة.</p>
<p> وحري بالتسجيل هنا، العمل الاستبدادي الأخير الذي قامت به سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين، وهو إغلاق جريدتنا «الاتحاد» باعتبارها مخلة بالأمن، لا لسبب سوى لأنها كشفت حقيقة المؤامرة، ودعت الشعب الفلسطيني إلى البقاء في وطنه. ولقد ظهرت في تلك الأثناء حالة مأساوية هي تعاون بعض القيادات القومية الفلسطينية مع قوات الانتداب البريطاني. أضف إلى ذلك أن هذه القيادة كانت أول من ترك البلاد والتجأ إلى البلدان العربية وخصوصاً إلى لبنان والأردن والسعودية، مما دفعها إلى تشديد التحريض على كل من دعا إلى البقاء في البلاد والتحريض علينا بشكل خاص. وقبل أن تقوم سلطات الانتداب بإغلاق «الاتحاد»، قامت عناصر أرسلتها هذه القيادة بمهاجمة مكاتبنا في القدس ومصادرة أعداد الجريدة، غير أن هذا الإجراء لم يقبل شعبياً، فاضطرت إلى التراجع عن هذه الخطوة، فجاء الإجراء البريطاني المباشر بإغلاق الجريدة.</p>
<p> ولقد تبين لي أن إقامتي في رام الله، في هذا الجو، لم تعد مأمونة، كما أننا أردنا أن نجد طريقاً للاستمرار في إصدار «الاتحاد». فقمت بالاتفاق مع إخواني، بالعودة إلى حيفا، مدينتي، عبر الأردن ولبنان ثم الجليل قبل الخامس عشر من أيار 1948، وأقمت في لبنان عدة أسابيع، وحتى في تلك الأيام لم يكن واضحاً لنا مدى الكارثة. </p>
<p>عدت إلى حيفا حيث تقيم عائلتي واخوتي فلم أجد أحداً منهم، وفهمت أنهم رحلوا إلى لبنان ما عدا أبي وأمي اللذين انتقلا إلى الإقامة في قريتنا الأصلية شفاعمرو حيث كان أبي قد توفي. أما والدتي فعدت بها إلى بيتنا في حيفا.</p>
<p>لقد حاولت أن أستعيد في قصة «المتشائل»، تجربة العودة من لبنان إلى حيفا من حيث الطريق لا من حيث العائد. وأن أستعيد كذلك لقائي المأساوي بحيفا بعد النكبة، والتجأت إلى أُسلوب السخرية في هذا الوصف، لأن المأساة كانت أقوى من أن تتحملها الذاكرة. </p>
<p><span style="color:#ff0066">يوحي إنتاجك الأدبي، أنك تكتب ثلاثة أنواع أدبية هي القصة والرواية والمسرحية، ونحن نعتقد أنك تكتب نوعاً أدبياً واحداً هو مزيج من المقال والحكاية الشعبية، فأنت كما نعتقد لست متأثراً بالرواية العالمية، بل إن مصادر تأثرك الفعلية هي حكايا «ألف ليلة وليلة»، والجاحظ والمقامة. </span></p>
<p>يواجه الضرير عاهته بأن يفتش عن تعويض لهذه العاهة. ولذلك ادعيت أنه في مقدوري، اعتماداً على إلمامي بالتراث وعلى تذوقي للأدب العالمي (هناك فرق بين أن تكتب الموسيقى وأن تتذوقها)، أن أفتش عن أسلوب جديد في الأدب يتفق وإمكانية الاستيعاب الجماهيري العربي الخاص. </p>
<p>والحقيقة أنني حين كنت أخوض في أسلوب جديد كنت أفعل ذلك عن تعمد وإصرار، مجيزاً لنفسي حرية التجربة. وفيما بعد، حين لاحظت هذا الأمر لدى العديد من شعرائنا، أدركت أن محاولتي هذه ليست عرضية، وإنما هي تعبير عن الحاجة الموضوعية. وأحب هنا أن أحدد بعض الأمور. إن معرفتي بالنقد الأدبي حديثة جداً، ولكنني أحاول في هذا الزمن المتأخر أن أتخلص من هذا النقص في معلوماتي، غير أنني من جهة أخرى لا أستطيع أن أدعي أن إلمامي بالأدب العالمي واسع نسبياً، فأنا منذ طفولتي متعشق لقراءة الأدب، وقراءاتي واسعة جداً، وهي في الأساس قراءات في الأدب الكلاسيكي العالمي. وقد حالت انهماكاتي السياسية فيما بعد بيني وبين متابعة تطور الأدب في العصر الحديث، ما عدا الأدب العربي. وأنا لو لم أكن سياسياً لكنت أديباً، ولو لم أكن ثائراً لكنت شاعراً. </p>
<p>أما لجوئي للأدب الساخر فإنه يعود إلى أمرين:  - أرى في السخرية سلاحاً يحمي الذات من ضعفها. -  كما أرى فيها تعبيراً عن مأساة هي أكبر من أن يتحملها ضميري الإنساني.</p>
<p>ولقد وجدت في التراث العربي معيناً لا ينضب في هذا المجال، وكم من أعمال عربية كلاسيكية لم يفهمها جيلنا باعتبارها أدباً ساخراً، وعلى رأس هذه الأعمال تأتي «رسالة الغفران»، للمعرّي، و«ألف ليلة وليلة»، فمن المعروف عن «ألف ليلة وليلة»، أنها بدأت بقصة الأمير الذي وجد زوجته تخونه مع أحد عبيده، فهام على وجهه بعد أن قتلهما، وفيما كان يمر على شاطئ البحر إذا بموج البحر يصخب وينشق البحر عن مارد مخيف يحمل على كتفه صندوقاً كبيراً، فالتجأ الأمير إلى شجرة اختفى بين أغصانها، وأما المارد فجلس على الشاطئ وفتح الصندوق ثم صندوقاً آخر في داخله حتى الصناديق السبعة وأخرج منها حورية لم يمسها إنسان، فنام على ركبتها دون أن يمسها هو نفسه، ولحظت الحورية الأمير الشاب فوق الشجرة، فأشارت إليه بأن ينزل أو توقظ المارد، ففعل، فطلبت إليه أن يضاجعها أو توقظ المارد، ففعل، ثم طلبت إليه أن يعطيها خاتمه الذهبي أو توقظ المارد، ففعل، فأخرجت صرة لتضع الخاتم فيها فإذا بها مليئة بالخواتم، وأخبرته أن هذا المارد سرقها من أهلها وأخفاها في سبعة صناديق في بطن سبعة بحور حتى لا يكون هناك أي مجال لها كي تخونه، ولا هو يمسها، وفي كل شهر يخرجها مرة إلى شاطئ البحر ويكتفي بالنوم على ركبتها، ولديها حتى الآن سبعون خاتماً لسبعين شاباً استطاعت أن تخون المارد معهم. </p>
<p>فهل هناك ألطف من هذه السخرية على أولئك الأزواج الذين يتوهّمون غير ذلك !؟ وتولستوي أخذ من «ألف ليلة وليلة»، في إحدى قصصه القصيرة، قصة الفلاح الذي وجده هذا الأمير يفلح أرضه وقد حمل فوق ظهره صندوقاً كبيراً، فسأله لماذا يحمل الصندوق، قال وضعتُ زوجتي فيه حتى لا تخونني حين أذهب إلى الحقل، فلم يصدق الأمير وأنزل الفلاح صندوق وفتحه، ويبدو أنه كان يفعل ذلك للمرة الأولى، وإذا بزوجته مع شاب يتضاجعان في الصندوق فوق ظهر الزوج. كما أن «العقد الفريد»، يشبه الـ «ديكاميرون»، حيث نجد هزلاً في نهاية كل فصل، و«رسالة الغفران»، أيضاً.</p>
<p>إن كل أديب في كل مكان في العالم، لا يمكن أن ينشأ في بوتقة منعزلة عن منجزات الآداب العالمية. وبالطبع، فإن أدبنا لا يختلف في هذا المجال عن بقية آداب الشعوب. ولولا اعتمادي على التراث العالمي، لما كان في مقدوري أن أكتب سطراً واحداً. ولكنني لاحظت أنه كثيراً ما يتم نقل ميكانيكي لمكتسبات الآداب العالمية بما لا يتلاءم، لا مع أذواقنا الجماعية الخاصة، ولا مع الحاجة إلى الاستمرار في رفع مستوى هذه الأذواق. وبهذا يختلف الأدب عن بقية فروع المعرفة، من حيث أن علم الحساب هو علم الحساب في كل مكان، أما الأدب وبقية الفنون، فتظل في الأساس تعبيراً عن خصوصية الإسهام الذي يقدمه شعب من الشعوب للتراث العالمي.</p>
<p>من هنا، اهتمامي الخاص بلغتنا وأسلوبنا. وأعتقد أن التحديات التي تجابهنا في بلادنا، وهي تحديات البقاء القومي، دفعتنا إلى الاهتمام الخاص بهذه القضايا.</p>
<p>وأكثر من أثارني هو محاضرة لوزير إسرائيلي أراد فيها أن يثبت اعتباطاً عدم وجود شعب فلسطيني متميز، فادعى في سبيل ذلك أنه لم يظهر كتاب وأدباء ومؤرخون من هذه المنطقة التي تسمى فلسطين، وهذا الكلام غير صحيح، ولقد قمنا في بلادنا بأبحاث تاريخية أثبتنا فيها عدم صحة هذا الكلام، غير أن هذه المسألة تؤرّق وعينا.</p>
<p>أنا أعتبر أن على الأدب الجيد أن يتحلى بصفتين: الصدق في المضمون، والأسلوب الجيد. وأنا اكتفيت وأكتفي في محاولاتي الأدبية بالالتزام بالصدق، ولا أفهم من كلمة الالتزام سوى هذا الأمر. ولقد اكتشفت، من خلال تجربتي، أن ما من شيء أكثر صعوبة على الكاتب من الالتزام بالصدق. وقد ازداد إعجابي بشارلي شابلن حين قرأت عنه أنه لم يكن يجيز عملاً سينمائياً له إلا بعد أن يعرض على الأطفال. وأنا متأكد من أن التزام الصدق سوف يقود الكاتب إلى رؤية الحقيقة الأساسية في الحياة، والتي يمكن التعبير عنها أدبياً بأن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.</p>
<p>ويستطيع الكاتب أن يقدم للناس عملاً صادقاً إذا استطاع أن يقدم إليهم ذاته القديمة النقية التي ولد بها. فالأدب المبدع بالنسبة لي هو أن يستطيع الفنان إطلاق لا وعيه، فيصبح أدبه صادقاً ويكون مستحقاً للحياة. وهذا هو أكثر الأمور صعوبة بالنسبة لشخص مثلي، وهذه مأساتي، كيف أطلق اللا وعي. وأنا حين أشعر بأنني غير قادر على تقديم الصدق كله، أحاول أن أخفي هذا العجز عبر استخدام أُسلوب يمكن تأويله، ويمكن اعتباره غامضاً، ولكنني أرفض أن أكذب.</p>
<p> لقد جوبهت بقضية ما يسمى بأدب الشعارات، ولاحظت أن المتهم الوحيد بهذا العيب هو الأدب التقدمي، حتى أصبح هذا الالتحام يخيفنا وكأن العيب هو أسلوب الشعارات نفسه. ثم وجدت، من قراءاتي للأدب الرجعي، بما فيه الأدب الأمريكي الحديث، أن أحداً لا يعيب عليهم لجوءهم إلى الشعارات، حتى ولو كانت مبتذلة، وساقطة، ما دامت شعارات معادية للتقدم.</p>
<p>وأنا متأكد الآن من أن القضية ليست في أسلوب الشعارات، كما يسمونه، إنما هي قضية صدق العمل الأدبي أو عدم صدقه. ولقد تمكنت، أثناء وجودي في الخارج، من أن أتعرف على الأدب الفلسطيني الحديث، وباستثناء كتاب يعدون على أصابع اليد الواحدة، فقد لاحظت أن العيب في أعمالهم، ليس الشعارات، بل هو بعدهم عن الحقيقة، إذ إنهم لا يكتفون فقط بعدم احترام لغتهم، بل إنهم لا يحترمون جغرافية بلادهم أيضاً، وكثيراً ما نقرأ قصصاً عن مدن وقرى فلسطينية، يظهر لنا فيها أن هؤلاء الكتاب لا يعرفون جغرافية هذه المدن والقرى.</p>
<p>من الواضح بالنسبة لي أن الأسلوب الأدبي هو الذي يميز الأدب عن غيره من الأعمال الكتابية، وأنا لا أسمح لنفسي بارتكاب أي خطأ في اللغة حين أكتب الأدب. وأسلوبنا معرض ونحن معرضون سياسياً للتلوث، وإننا نعتز في بلادنا بأننا أسهمنا في منع مأساة شبيهة بمأساة شمالي أفريقيا (من حيث قضية إحلال لغة أخرى مكان لغتنا العربية).</p>
<p>لذلك اسمحوا لي أن أعبر عن دهشتي أمام ما أجده في الناتج الفلسطيني الحديث، من استخفاف باللغة، لا يجيزه لنفسه طالب مدرسة ابتدائية.</p>
<p><span style="color:#7f8c8d">القسم الثاني من المقابلة... <a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=4623">هنا</a><br />
المقابلة من أرشيف الزميل أوس يعقوب</span></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/19000">إميل حبيبي لمحمود درويش والياس خوري: أنا هو الطفل القتيل (١/٢)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الياس خوري لـ «ذا باريس ريفيو»: حين يحتلّون بلدك، تقاوم (1/2)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18887</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سمر عبد الجابر]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 06 Sep 2017 07:09:32 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<category><![CDATA[المقابلة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d8%ae%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d9%80-%d8%b0%d8%a7-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%b1%d9%8a%d9%81%d9%8a%d9%88-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d8%ad%d8%aa%d9%84/</guid>

					<description><![CDATA[<p>المقابلة المطوّلة في المجلّة الأميركية... ننشر غداً الجزء الثاني منها</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18887">الياس خوري لـ «ذا باريس ريفيو»: حين يحتلّون بلدك، تقاوم (1/2)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div>
<div style="text-align: justify;"><span style="color: #7f8c8d;">أجرت مجلة <a href="https://www.theparisreview.org/interviews/6940/elias-khoury-the-art-of-fiction-no-233-elias-khoury" target="_blank" rel="noopener">«ذا باريس ريفيو»</a> الأميركية ربيع هذا العام حواراً مطوّلاً مع الروائي اللبناني الياس خوري، قمنا بترجمتها لننشر اليوم القسم الأول منها على أن ننشر القسم الثاني غداً ملحقاً بمقدّمة المقابلة التي أجراها روبن كريسويل.</span></div>
<div><span style="color: #7f8c8d;">المحرر</span></div>
<div style="text-align: justify;">
<p><span style="color: #ff0066;">يقرأ الأدب العربي عادةً في هذا البلد (الولايات المتحدة) بحسب علاقته بالأحداث الحاليّة. يقرأ كإثنوغرافيا أو صحافة. أنت معروف هنا بكتابتك عن فلسطين والحرب الأهليّة اللبنانية. هل تجد أنّ هذه السّمعة تحدّك؟</span></p>
<p>صحيح أنّه، في معظم الأحيان، يقرأ النّقاد الأميركيون الأدب العربي كما لو كانوا يقرأون الصحيفة. حتى نجيب محفوظ يُعامل كما لو أنّه كتب تقارير من القاهرة. ما جعلني سعيداً باستقبال الأميركيين لـ«باب الشمس»، أنّ النقاد، بعضهم على أيّة حال، عاملوا الرواية كعمل أدبيّ. لا شكّ أنّهم كتبوا كثيراً عن جوانبها السياسية، لكنّهم كتبوا أيضاً عن تقنيّة السّرد، قصّة الحبّ، وأشياء أخرى. وقد كان هذا ممتعاً بالنسبة لي.</p>
<p>سمعة الشخص ليست دائماً تحت سيطرته. في بيروت، بعد أن نشرت «باب الشمس»، ظنّ الناس أنّي فلسطيني. حتّى أهالي الحيّ ظنّوا ذلك -وهذا هو المكان الذي كبرت فيه، وعاش فيه أبي وجدّي طيلة حياتهما. لكن ذلك الخطأ كان تكريماً بالنسبة لي.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">لديك تاريخ طويل مع الحركة الوطنية الفلسطينية. متى ولماذا قرّرت أن تنضمّ؟</span></p>
<p>كان للموضوع علاقة بالمحيط الذي أعيش فيه. كبرت في الأشرفيّة، في بيروت الشرقيّة، في بيئة مسيحيّة بحتة. مسيحيّة بمعنى أنّها تأخذ حبّ الآخر والإهتمام بالفقير بغاية الجدّية. حين كنت طالباً في الجامعة اللبنانية في السّتينات، شاركت مع مجموعات مسيحيّة، مع أنّنا بالطّبع كنّا نطلق على نفسنا لقبي "الماويين" و"الجيفاريين" وندعم فيتكونج. لكن عام 1966، قامت قوى الأمن اللبنانية بقتل الفدائي الفلسطيني "جلال كعوش" -هناك مقطع في «الوجوه البيضاء» يشير إلى هذا- فقام الطلّاب بمظاهرة. كانت تلك هي المظاهرة الأولى في حياتي. الجيش أطلق علينا النار وقتل العديد من النّاس. لكن، كنت أقول حينها أنّ مشاعر تعاطفي مع الفلسطينيين كانت أساساً أخلاقيّة، وتجريديّة بعض الشّيء.</p>
<p>بعد نكسة 1967، شعرت أنّه علينا أن نقوم بالمزيد. الحرب خلقت موجة من اللاجئين الهاربين من الضفة الغربيّة. معظمهم اتجهوا إلى الأردن، وقامت مجموعة بنصب مخيّم خارج عمّان، في مكان يدعى "البقعة". قام مجموعة منّا، طلاب مسيحيّون من لبنان، بزيارة المخيّم. وقد كانت الأحوال هناك سيّئة بشكلٍ مبكٍ. فبقينا للمساعدة، تحضير وجبات، بناء بيوت، تنظيف. حين عدنا إلى بيروت، أبديت رأيي في أنّ الأمر الأخلاقي الوحيد الذي يمكن فعله حينها هو الإنضمام إلى ”فتح“. بعضنا قام بذلك.</p>
<div style="text-align: center;"><img loading="lazy" decoding="async" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screen-Shot-2017-09-05-at-18_20_46-2.png" alt="غلاف العدد الذي افتُتح بالمقابلة" width="767" height="1200" /></div>
<p><span style="color: #ff0066;">كيف كان الإنضمام إلى ”فتح“ يتم حينها؟</span></p>
<p>أخذت تاكسي إلى عمّان وبقيت في فندق، حيث كان بإمكانك النوم على السّطح بدينار واحد. في الصباح التالي، ركبت في تاكسي وقلت للسائق: خذني إلى الفدائيين! السائق ظنّ الأمر مضحكاً، لأنّ معظم التاكسيات في عمّان كانت تعمل لصالح قوى الأمن الأردنية. كان من الممكن أن يأخذني أيّ منهم فوراً إلى المحقّقين. لكنّي كنت محظوظاً، كان السّائق فلسطينيّاً. أخذني إلى السّلط، حيث كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. طرقت الباب ففتح الباب أبو جهاد، الشريك المؤسّس لفتح مع عرفات. أبو جهاد نظر إليّ وقال لي أن أذهب إلى البيت. لكنّي كنت عنيداً فبقيت.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">أين تدرّبت؟</span></p>
<p>تدرّبنا في سوريا، في مخيّمات حماه وميسلون، خارج طريق بيروت-دمشق السّريع. هناك كانت مخيّمات الفدائيّين. لاحقاً، عملنا في جنوب لبنان، وكذلك حول بيروت.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">عدت إلى الأردن للمرّة الثالثة، بعد أيلول الأسود، حين قام النظام بطرد منظمة التحرير.</span></p>
<p>وصلنا حين كان الجيش الأردني يطارد الفدائيين نحو جبال جرش وعجلون في تشرين الثاني. لم نذهب إلى الجبال. عدنا إلى لبنان، وقد تمّ ذبح الفدائيين. في ذلك الوقت، شعرت أنّنا تسرّعنا. كنّا مؤمنين أنّنا طليعة الثورة العربيّة الكبرى. لم يكن أحدٌ منّا غبيّاً ليعتقد أنّنا يمكننا تحرير فلسطين بينما العالم العربي بأكمله محكومٌ من قبل طغاة، لكنّ اليساريّين المتطرّفين خلقوا خلافاً مع الأردن قبل أن تكون الحركة ذات النطاق الأوسع قد نضجت. هؤلاء كانوا اليساريّين الّذين خلقوا تعبير "كلّ الدعم للمقاومة!". بدأوا بإعداد سوفييتات في إربد، وشمال الأردن وأماكن أخرى. ما فعلناه في الأردن كان غير ناضج بتاتاً، كان جنوناً.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">جان جينيه عاش بين الفدائيين في الأردن خلال هذه الفترة. في «أسير عاشق»، يكتب أنّ ثمّة ما هو مسرحيّ بشكل أساسيّ في المخيّمات الفلسطينيّة. حتّى أنّه سمّاهم المخيّمات "الخادعة". هل شعرت أنّ ثمّة ما هو مسرحي في تجربتك الخاصّة مع الفدائيّين؟</span></p>
<p>قابلت جينيه في بيروت في أوائل السبعينات، وأتذكّر كم أعجبت بقدرته على رؤية نفسه من الخارج، أن يدرس نفسه بقسوة وسخرية، وكأنّه شخصٌ آخر. الآن أعتقد أنّ القدرة على أن تقسم نفسك إلى اثنين، وهي قدرة يمتلكها جميع الممثّلين، هي أيضاً شرط للكتابة وحتّى للحياة. الأدوار الّتي تلعبها تصبح في نهاية الأمر قصّة حياتك. لكن ذلك لا يسلب شيئاً من الأهمّية السّياسيّة والوجوديّة لهذه الّلحظات. تجربتي مع الفدائيّين كانت نوعاً ما تدريباً للحياة، وللموت. كانت تتطلّب الإلتزام الأخلاقي الأقصى والقدرة على رؤية الأشياء بطريقة نقديّة، حتّى ساخرة في بعض الأحيان. أعتقد أنّ التجربة هذه -ويمكنك أن تسمّيها مسرحيّة لو أردت- مشتركة لكلّ من التزم بمحاولة صناعة ثورة.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">هل كنت تشارك في السياسات الداخلية للحركة الفلسطينية؟</span></p>
<p>لا لم أشارك أبداً. وحين أنظر الآن نحو الوراء، أعتقد أنّ دوافعي الحقيقيّة للإنضمام إلى المقاومة كانت إنسانيّة لا سياسيّة. لم أقف أبداً مع جانب محدّد من السياسة الفلسطينية، رغم أن العديد من أصدقائي فعلوا ذلك، داعمو الجبهة الشعبيّة ضد فتح أو الفصيل الماوي ضد الفصيل السوفياتي، وهكذا. لم أدخل في هذه النزاعات لأنّ المشكلة كانت واضحة بالنسبة لي، للفلسطينيين الحق في بلدهم وللاجئين حق في العودة إلى أرضهم. الصراع لا يزال في الأساس مسألة أخلاقية بالنسبة لي. حين يكون هناك ضحيّة أمامك، عليك أن تتماثل مع الضحية، وليس فقط أن تتضامن معها.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">هل لتجربتك الشخصيّة كأقليّة دور في شعورك هذا؟</span></p>
<p>أوّلاً، لا أشعر أنّني من مجموعة أقلّية. بالنسبة للأسطورة المسيحيّة، المسيحيون يقولون لأنفسهم (وهي أسطورة من القرن التاسع عشر، وقد كبرت معها) بأنهم كانوا عرباً قبل أن يكون المسلمون عرباً. بكلمات أخرى، هم ليسوا أقلّية في لبنان، هم المالكون الأًصليّون للبلد. ثانياً، في البيت الّذي نشأت فيه، لم يكن هناك أيّ عداء تجاه المسلمين.</p>
<p>كان لدينا قرآن في البيت، وكنّا نحتفل بعيد الفطر، رغم أنّنا كنّا نعيش في حيّ مسيحي بالكامل. لذلك لم يكن لديّ أيّ إحساس بالإنتماء لأقليّة، حينها أو الآن. أنا جزء من نسيج المجتمع، وهذا لا يعني أنّي أتجنّب موضوع العلمانيّة في رواياتي. لكن بالنسبة لي، إرث الإنسان الديني هو بالضّرورة إرث أدبي. أعتقد بأنّي لو كنت قد ولدت مسلماً، كنت لأكتب كتبي بالطريقة نفسها.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">بعد وصول «منظمة التحرير الفلسطينية» إلى بيروت، بعد طردها من الأردن، جئت إلى فرنسا.</span></p>
<p>بعد أيلول الأسود، ظننت بأنّ الوقت قد حان لأصبح مثقّفاً.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">ماذا درست في باريس؟</span></p>
<p>درست "التاريخ الإجتماعي" مع ألين توراين في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا. تناولت في أطروحتي الحرب اللبنانية في جبل لبنان، الصّراع بين المارونيين والدروز بين عامي 1840 و1860.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">ما الذي دفعك لاختيار هذا الموضوع؟</span></p>
<p>اكتشفت، وقد فاجأني ذلك، أنّه لم يكن ثمّة سرد مكتوب عن الحرب. لم يكن هناك أرشيف للمراجعة، كان هناك فقط همسات من الممكن أن تسمعها في البيت، الدروز قتلوا جدك، المسيحيون قتلوا عمّك، أشياء من هذا القبيل. بالنسبة لي، هذا النقص في كتابة الماضي بشكلٍ محدّد كان يعني أنّنا كلبنانيّين ليس لدينا أي حاضر كذلك. لست مهتمّاً بالذاكرة بحد ذاتها، بل بالحاضر. لكن لكي يكون لديك حاضراً يجب أن تعرف أيّ الأشياء يجب أن تنسى وأيّها يجب أن تذكر. نقص التاريخ المكتوب لدينا جعلني أشعر أنّي لم أعد حتى أعرف البلد الذي نشأت فيه. لم أكن أعرف مكاني فيه. لا أعتقد أنّي قمت بأيّ اكتشافات عظيمة كمؤرّخ، لكن حين بدأت بكتابة الروايات، بعد ذلك بسنوات، وجدت بأنّي أردت كتابة الحاضر، حاضر حربنا الأهليّة.</p>
<div style="text-align: center;"><img loading="lazy" decoding="async" src="https://rommanmag.com/wp-content/uploads/2024/10/Screen-Shot-2017-09-05-at-18_14_28-2.png" alt="صفحة من مخطوط رواية «يالو»، ٢٠٠٢" width="917" height="1200" /></div>
<p><span style="color: #ff0066;">ماذا تعني "كتابة الحاضر"؟</span></p>
<p>ذلك يعني أنّ عليك تسمية الأشياء كما هي في الحقيقة. أتذكّر إيميل حبيبي، الروائي الفلسطيني العظيم، وقد سألني مرّة: "كيف تتجرّأ على إعطاء شخصيّات رواياتك أسماء مسيحيّة أو مسلمة؟". حبيبي كان مسيحيّاً مثلي بالطّبع. قلت له: "لكن هكذا هو مجتمعنا. تعرف أنّه يمكننا معظم الوقت أن نحدّد ديانة الشخص من اسمه“، فقال: "يجب أن تطلق عليهم أسماء محايدة، هذا ما أفعله". قلت: "اسمك ليس محايداً! إنّه إيميل! ماذا ستفعل لتغيّر ذلك؟"</p>
<p><span style="color: #ff0066;">أوائل السبعينات كانت فترة مثيرة للإهتمام بالنسبة لطالب في باريس.</span></p>
<p>أتذكّر الذّهاب إلى بعض محاضرات ميشيل فوكو في الكلّية الفرنسيّة. وقد كانت تحظى بشعبيّة كبيرة. الكلّية اضطرت لفتح العديد من القاعات فقط لكي تناسب حجم الجماهير. كنّا نصل قبل الموعد بثلاث أو أربع ساعات مع سندويشاتنا لنحصل على مقعد جيّد. فوكو كان مثل السّاحر، واسع المعرفة بشكل كبير. لم يتجرّأ أحد على توجيه أيّ سؤال له بعد انتهاء المحاضرة. في ذلك الوقت، كنت كذلك أكتب النقد المسرحي في «مواقف» في بيروت. الشّاعر أدونيس، الّذي كان رئيس تحرير المجلّة، طلب منّي تعميم فكرة التعاون مع مجموعة «تل كيل». فالتقيت بفيليب سولير وجوليا كريستيفا وباقي الشلّة. لكنّي ظننت أنّهم ماويون برجوازيون زائفون. لم ينتج عن ذلك شيء يذكر.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">في الجامعة درست التاريخ وعلم الإجتماع، إذن ما الّذي أوحى إليك بكتابة رواية؟</span></p>
<p>بصراحة، بدأت أفكّر بنفسي ككاتب حين قرأت «الغريب» لألبير كامو كطالب مدرسي واكتشفت أنّي حفظت الكتاب عن ظهر قلب. قرأته بالعربية أوّلاً، ثمّ بالفرنسيّة لاحقاً. كنت أحفظ كمّيات كبيرة من الشعر الحديث بالعربيّة: أدونيس، السيّاب، خليل حاوي. لم أدرسهم، بل حفظتهم. وبعد أن حفظت «الغريب» شعرت بأنّي كنت أنا المؤلّف. الكتاب أصبح جزءاً منّي، كان في داخلي. حدث ذلك في كلّ مرّة قرأت فيها كتاباً أعجبني. لم أكن أشعر أنّي أودّ كتابة ما يشابه ما قرأته، بل كان إحساسي أنّ الكتاب دخل إليّ وأصبحت أنا مؤلفه. أصبحت مهووساً بالأدب. حتّى حين كنت أتدرّب في سوريا، أحضرت معي روايات للقراءة.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">أي روايات؟</span></p>
<p>حقائب مليئة بالروايات! لكن أكثرها لغسان كنفاني. قرأت «رجال في الشمس» حال نشرها عام 1963. كانت مهمة جدّاً بالنسبة لي. أطلقت على روايتي عنوان «باب الشّمس» إكراماً لها.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">التقيت بكنفاني لاحقاً؟</span></p>
<p>نعم، التقيت به في بيروت بعد عودتي من باريس. كنت أعمل في مركز الأبحاث الفلسطيني وجريدته، «شؤون فلسطينية»، بينما كان يكتب لجريدة «الهدف»، التي كانت مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كنفاني كان شخصاً لافتاً. كان مرض السّكري سيّء جدّاً لديه وكان يدرك أنّه سيموت، لكنّه، رغم ذلك، لم يهتم بنفسه أبداً. كان يدخّن بشكل متواصل ويشرب القهوة والويسكي وكان دائماً يكتب شيئاً: صحافة، روايات، مقالات، كتب أطفال، مسرحيّات. كان يكتب بتلك السّرعة، أعتقد، لأنّه كان يدرك أنّه لم يمتلك الكثير من الوقت. كان سوف يموت حتّى لو لم يقم الموساد باغتياله في تفجير سيّارة عام 1972. جسده تفجّر. أصدقاؤه جمعوا أطرافه من الرّصيف.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">كتبت </span><u><a href="http://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/11472.pdf" target="_blank" rel="noopener"><span style="color: #7f8c8d;">مقالاً عن كنفاني</span></a></u><span style="color: #ff0066;"> تقول فيه أنّ رواياته "بدلاً من أن تسرد تلخص، وبدلاً من أن تسترسل تقتصد". كما أنّك تمدح "التقشف في التعبير". أليس هذا إلى حدّ كبير بعكس كتاباتك؟</span></p>
<p>بعكسها تماماً. كنت أظن أنّه كان يكتب بتلك الطريقة لأنّه لم يمتلك الوقت ليكتب بطريقةٍ أخرى. كان يريد الوصول إلى النهاية في أقرب وقت ممكن. أعني، أنظر إلى «عائد إلى حيفا»، هي أقرب للنص المسرحي منها للرواية. الخطوط العريضة التي أكتبها  لرواياتي أطول من ذلك. لكني الآن أفكّر بكنفاني بطريقة مختلفة. لقد أمضى حياته في المؤسسات السياسية، وأعتقد أنّه في رواياته أراد الوصول إلى الأشياء الأساسية في أسرع وقت ممكن. لا يشعر بحاجة لبناء شخصياته. حتّى أنّنا معظم الوقت لا نعرف من أين هي. تشعر مباشرةً، من الجملة الأولى، أنّك في منتصف الأحداث. بالنسبة لي، الأمر معكوس. بالنسبة لي، التفصيل الهامشي أو القصة الجانبية هي الّتي يجب اعتبارها محوريّة.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">نشرت رواية «الجبل الصغير» عام 1977، بعد مرور عامين على بداية الحرب اللبنانية الأهلية. هل هي مذكرات مموّهة؟</span></p>
<p>ليست كذلك. صحيح أنّه خلال أوّل عامين من الحرب، قاتلت إلى جانب الفدائيين، لكنّ القصص في «الجبل الصغير» هي قصص خيالية. بعض الأماكن -الكنيسة، في الإفتتاحية مثلاً- حقيقية، لكن الأحداث مخترعة. وصراحة، بعد أن انتهيت من كتابتها، خفت لأنّي لم أعرف ما فعلت. لم أعرف ماذا أسمّيه. ما زال يرافقني ذلك الشعور كلّما جلست لأكتب، بأنّني لا أعرف كيف أفعل ذلك، وأنّه عليّ أن أتعلّم الكتابة من الصّفر. ما أدركته في تلك الفترة هو أنّه علينا القيام بعكس ما قاموا به الكتّاب العرب في القرن التاسع عشر. بدلاً من الروايات التاريخية، علينا أن نكتب الأشياء بينما تحدث، أن نحكي قصّة الحاضر.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">كيف كنت تجد الوقت للكتابة أثناء الحرب؟</span></p>
<p>كنت أكتب على دفعات. مثلاً، أنهيت المسودّة الأولى من «الوجوه البيضاء» خلال ثلاثة أسابيع. كتبت بطريقة سريعة لدرجة أنّ يدي آلمتني. لم أكتب بتلك الطريقة بعد ذلك. كان ثمّة أوقات أقاتل فيها في بيروت أو خارج المدينة، وأوقات كنت أعمل فيها في مركز الأبحاث. فلم يكن الأمر متعلّقاً بالجلوس للكتابة لمدّة ثلاث ساعات كلّ صباح كما أفعل الآن. كنت أكتب متى استطعت، معظم الوقت في المساء. كما قلت، كنت مهووساً أو مسكوناً. هل تعرف قصّة الأخطل، الشّاعر الأمويّ؟ كان مسيحيّاً في زمن الخليفة معاوية. يقال أنّ الأخطل حين وقف لإلقاء قصائده أمام الخليفة، حاول أعداؤه إحراجه بسؤاله إن كان يصلّي حين يسمع المؤذّن ينادي على المؤمنين. فقال الأخطل: أنا أصلّي حين تزورني الصّلاة. الكتابة كذلك بالنسبة لي.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">كيف تمّ استقبال «الجبل الصغير»؟</span></p>
<p>أدونيس ومحمود درويش، الشاعر الفلسطيني الكبير الّذي كان صديقي وزميلي في مركز الأبحاث، كلاهما أحبّاها. كان ذلك مهمّاً بالنسبة لي. وأعتقد أنّ ذلك ساعد في حصول الرواية على بعض المراجعات الجيّدة. وقد تفاجأت أكثر بالاهتمام الّذي حصلت عليه الرواية في الخارج. بعد بضع سنوات من صدورها، اتصل بي ناشر فرنسي صغير يدعى "أرليا للنشر" وسألني إن كان بإمكانه ترجمتها. في ذلك الوقت، كانت ترجمات الأدب العربي قليلة جدّاً -تقريباً لا شيء غير نجيب محفوظ. بعد ذلك قال لي إدوارد سعيد، وهو كان ما زال يأتي إلى بيروت منذ بداية السبعينات، أنّه سيجد ناشراً أميركيّاً لـ«الجبل الصغير»، وقد كتب له تقديماً جميلاً جدّاً.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">تقديمٌ شبّهك به بمحفوظ على نحو معروف. وقد أشار إلى أنّ أسلوب كتابتك "المتقطّع" هو نوع من القفزة الما بعد حداثية بالنسبة لكتابات محفوظ الواضحة، والتقليدية في السرد القصصي.</span></p>
<p>لا أريد أبداً أن أعارض إدوارد. أحبّه. أقول فقط أنّي لم أكن على علم بما يحدث في الأدب التجريبي أو الما بعد حداثي. في كل الأحوال، تجاربي كانت مختلفة. خذ شعراء مجلة شعر على سبيل المثال -أدونيس وبقيّة طليعيي بيروت- في الخمسينات والستينات، كانوا يترجمون شعراء صعاب مثل سان جون بيرس ثمّ يكتبون قصائدهم بنفس الطريقة. كانوا يجرّبون، لكن كان لديهم نموذج. أحياناً كان حداثيّاً، وأحياناً كلاسيكيّاً. أمّا أنا فلم يكن لدي نموذج. كتبت كرجلٍ أعمى.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">إدوارد سعيد قام بدعوتك للتدريس في كولومبيا في تلك الفترة؟</span></p>
<p>قمت بتدريس مقرّر تعليمي للّغة العربية عامي 1980 و1981. كانت تلك زيارتي الأولى لنيويورك. كنت متوتّراً جدّاً لأنّي كنت بالكاد أتكلّم الإنجليزية في ذاك الوقت. في الحقيقة، ذهبت إلى رئيس القسم وسألته كيف يمكنني التعليم وإنجليزيتي سيئة. قال لا تقلق، لا أحد يتكلم الإنجليزية هنا! المهم أن يكون لديك أفكار. هل لديك أفكار؟. قلت القليل منها. حسناً! عرفت أنّ نيويورك تعمل بذات الطريقة. ليس عليك أن تتقن الإنجليزية لتتعايش.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">هل قام سعيد بالتجوّل معك ليريك المدينة؟</span></p>
<p>نعم، لقد كان دليلي. ذهبنا إلى وسط المدينة كثيراً. ذهبنا إلى بارات الجاز في "الفيليج" وشاهدنا الكثير من المسرح. أتذكّر رؤية آل باتشينو، رغم أنّي لا أتذكّر اسم المسرحيّة. سعيد أيضاً عرّفني على "ذا فيليج فويس"، وقد كانت جريدة عبقريّة في حينها. أتذكّر بشكلٍ أساسيّ عدم وجود مقاه في الجزء الأعلى من المدينة. كنت تشرب الإسبرسو في نفس المكان الّذي تتناول فيه الهامبرجر، وقد اعتبرت ذلك جنوناً. الجامعة أعطتني شقة صغيرة في "ريفير سايد درايف" إلى جانب حديقة خطرة بعض الشيء. لكني كنت آتياً من بيروت، فلم يزعجني ذلك حقّاً.</p>
<p>اللجنة التي رحّبت بي بشكلٍ حقيقي في المدينة كانت من اليهود. ليس فقط في الجامعات بل أيضاً في النشر. بعض المراجعين ودور النشر المستقلة رحّبت بي هنا ودعمت عملي. هذه التجربة في نيويورك اليهودية تظهر في روايتي الأخيرة «أولاد الجيتو».</p>
<p><span style="color: #ff0066;">هل علّمت مع سعيد؟</span></p>
<p>مرّة واحدة فقط. أعطى محاضرة عن "فرانتز فانون" وسألني أن أحاضر في السّاعة الثانية عن "موسم الهجرة إلى الشّمال" للطيب صالح. سعيد تكلّم لمدّة ساعة من دون أن ينظر إلى أوراقه. كان مثل البهلوانيّ -فانون، ايمي سيزار، لوكاس، والجدليّة. لا أعرف ماذا بعد. كان بمثل براعة فوكو. بعد أن انتهى، أخذ الصّف استراحة وخرجنا نحن الإثنين لكي أدخّن. سألني إن كنت جاهزاً، فقلت لا، سأذهب إلى المنزل. كيف كان من الممكن أن أحاضر بعد ذلك؟ كان عليه أن يجرّني إلى الداخل. لكن كل شيء كان على ما يرام. الطلّاب لاحظوا أنّي شاب وخائف، فكانوا لطفاء معي.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">في نفس الوقت، كنت تكتب «الوجوه البيضاء»، رواية تُفهم معظم الوقت على أنّها رمز للوطنيّة في لبنان خلال الحرب. هل تراها كذلك؟</span></p>
<p>لست متأكّداً أنّها رمز، بالرغم من أنّني أستطيع تفهّم من يراها بتلك الطريقة. الرمز الوطني يدور حول بناء وطن جديد، يحكى من خلال قصص أفرادٍ ممثّلين. هكذا أفهم هذا المصطلح. لكن «الوجوه البيضاء« هي رواية عن التشظّي الإجتماعي. هي عن التفكك لا عن البناء. وطريقة السّرد فيها ليست رمزيّة، بل واقعيّة. «الوجوه البيضاء» هي قصّة رجل عاديّ -خليل أحمد جابر، ساعي بريد- يُقتل بلا سبب ويرمى فوق كومة زبالة. يمكنك أن تعطي قصّته تفسيراً رمزيّاً، لكن هي أيضاً قصّة تقاوم أي محاولة لاستخلاص أيّ معنىً منها. بطل الرواية يُقتل لسبب لا نعرفه.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">الرواية تبدو وكأنّها تحاكي، في مصطلحات رسمية، التشظّي الّتي تمثّله. يبدو هذا خياراً خطيراً. </span></p>
<p>فلنضع الأمور في سياقها. نحن نتحدّث عن فترة الحرب الأهليّة -والتي كانت في الحقيقة عدة حروب صغيرة- الّتي أتت بعد الغزو السّوري عام 1976 وقبل الإجتياح الإسرائيلي عام 1982. الجيش السّوري كان قد دمّر الحركة الوطنيّة، واليسار اللبناني، وقد دفع ذلك مجتمعاً كان لديه ميول تفكّكية إلى التحلّل الكامل. البلد كانت قد أصبحت مسلخاً. أعتقد أن قول ذلك يتطلّب نوعاً من اللامبالاة. لا أجد أي طريقة لتجنّب ذلك. الحرب لم يعد لها معنى، كانت تكرّر نفسها. كان هذا واقعاً. لكن يصعب قوله للناس، بعضهم بطبيعة الحال، ما زالوا يحاربون. أنا شخصيّاً كنت ما أزال أحارب.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">منظمة التحرير الفلسطينية، بشكل خاص، لم تعجبهم روايتك.</span></p>
<p>لم تعجبهم لكن ذلك لم يكن مفاجئاً. عرفات كان قد حثّني على الإستقالة من مركز الأبحاث قبل ذلك بعامين.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">لماذا؟</span></p>
<p>إن كنت لا تعرف القصّة، فمن المهم أن أخبرك بالحقائق. في ذلك الوقت، كنت مدير تحرير «شؤون فلسطينية» في مركز الأبحاث، ومحمود درويش كان رئيس التحرير. في أحد الأيّام، جاء رجال الأمن وقالوا أنّهم أُرسلوا ليستجوبونا، بأمر من عرفات. السبب الّذي ذكروه كان سخيفاً. كنّا قد نشرنا مقالاً لهادي العلوي، عراقي شيوعي لم يأخذ طريق فتح، والقيادة لم توافق. لكن كانت تلك حجّة. السبب الحقيقي كان أن عرفات لم تعجبه الطريقة التي أدرنا فيها المجلّة. لم تكن عضواً في الحركة، نشرنا أشياء تنتقد القيادة. كان موقفهم أنّك لا تستطيع انتقاد الثورة. موقفنا كان أنّك يجب أن تنتقد الثورة، وإلّا لا تكون ثورة! بكل الأحوال، رفضنا، محمود وأنا أن يُحقّق معنا، فاستقلنا من المركز. عندما نشرت «الوجوه البيضاء» عام 1981، كانت ردّة فعل منظمة التحرير الفلسطينية قاسية جدّاً.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">ماذا فعلوا؟</span></p>
<p>نشروا شائعات تقول بأنّني ضد الفلسطينيين وأشياء من هذا القبيل. كما أنّهم تأكّدوا من عدم وجود الرواية في المكتبات. عندما لاحظت هذا، اتصلت بالناشر، رجل يدعى سليمان صبح. سألته ما الّذي حدث فقال أنّ جميع نسخ الكتاب قد بيعت. قلت له اطبع غيرها اذن. قال سوف نرى. فاستنتجت أنّ الرواية قد منعت. لم أستطع التأكّد من ذلك لأنّه لم يتم الإعلان عن ذلك بشكل رسمي، وذلك أسوأ من المنع الرّسمي! بعد ذلك، وقبل أن يموت، تحدثت مع سليمان في تونس، وكان قد لحق بمنظمة التحرير عام 1982، بعد النفي من لبنان. كان فعليّاً على فراش الموت لكنّه عرف أنني في المنطقة فاتصل بي. قال، سأقول لك الحقيقة قبل أن أموت. أنّه ذات يوم، أتى رجال أمن عرفات -القوّة 17- وأمروه أن يسحب الكتب من المكتبات ويدمّر كلّ النسخ، وهو ما فعله سليمان. لم ألمه. روايتي كانت الوحيدة التي منعت من قبل المقاومة، رغم أنّهم لم يعترفوا بذلك أبداً.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">هل فكرت يوماً أنّك ستترك بيروت وتذهب إلى تونس مع منظمة التحرير؟</span></p>
<p>شجّعني بعض الأصدقاء الفلسطينيين على الذهاب معهم. في رأيهم الوضع في لبنان كان سيّئاً جدّاً حتّى أنّه كان خطراً عليّ. لكن لم أستطع الذهاب.</p>
<p><span style="color: #ff0066;">لماذا؟</span></p>
<p>بيروت هي المكان الّذي أنا منه. الإسرائيليون كانوا يحتلّون بلدي. ماذا كان من المفترض أن أفعل غير ذلك؟ حين يحتلّون بلدك، تقاوم.</p>
</div>
</div>
<p>&nbsp;</p>
<h3><a href="https://rommanmag.com/archives/18890"><strong><span style="color: #ff0000;">لقراءة القسم الثاني... هنا.</span></strong></a></h3>
<p>&nbsp;</p>
<div>
<div style="text-align: justify;">
<p><span style="color: #3498db;">من أسئلة القسم الثاني غداً:</span><br />
<span style="color: #7f8c8d;">هل بدأت بتجميع القصص عن النكبة الفلسطينية أثناء عملك في مركز الأبحاث؟<br />
هل دار حولك أي شك كونك لست فلسطينيّاً؟<br />
لماذا لم يتعرّض الأدب للتقسيم الطائفي كما كل شيئ في لبنان؟<br />
ما الذي حدث للربيع العربي؟ هل كان ثورة في المقام الأول؟<br />
أخبرني عن روايتك الأخيرة "أولاد الغيتو".<br />
كيف تستمر في كتابة الروايات بينما كل يوم يأتي بأخبار مآسي فظيعة ومصائب بشرية من محيطك؟</span></p>
</div>
</div>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18887">الياس خوري لـ «ذا باريس ريفيو»: حين يحتلّون بلدك، تقاوم (1/2)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>يوميات غسان كنفاني... (1959 ـ 1965) (1/2)</title>
		<link>https://rommanmag.com/archives/18633</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[غسان كنفاني]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 07 Apr 2017 22:00:00 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[آداب]]></category>
		<category><![CDATA[أرشيف المجلة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://romman.b5digital.dk/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%ba%d8%b3%d8%a7%d9%86-%d9%83%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%86%d9%8a-1959-%d9%80-1965-1-2/</guid>

					<description><![CDATA[<p>ننشر اليوميات كاملة اليوم، في الذكرى الواحدة والثمانين لميلاده</p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18633">يوميات غسان كنفاني... (1959 ـ 1965) (1/2)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="color:#696969">نشرت مجلة «الكرمل» الفلسطينية، في عددها (الثاني) ـ ربيع 1981، مختارات من دفتر يوميات كتبه الشهيد غسان كنفاني بين عامي (1959ـ 1960) ، خلال عمله في الكويت. وهي لم تنشر في كتاب من قبل.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#696969">كما نشر الناقد والأديب اللبناني محمد دكروب في كتابه (مقالات فارس فارس ـ غسان كنفاني)، تحت عنوان «من يوميَّات أبو فايز»، وهي يوميات ساخرة، كما يشير الأستاذ دكروب في تقديمه لليوميات "كان غسان كنفاني ينشرها في جريدة «المحرر» اليومية، خلال العام 1965، تحت عنوان: «بإيجاز»، وبتوقيع «أ. ف»، أي: «أبو فايز» (وفايز هو اسم ابن غسان). الطَّابع العام لهذه اليوميات هو: التناول الساخر لجوانب من الحياة السياسية والاجتماعية، مع إطلالات نادرة وخفيفة على الحياة الثقافية. ولعل هذه اليوميات كانت بمثابة «بروفة» في الكتابة الساخرة مهدت لظهور فارس فارس ومقالاته النقدية، الأكثر تنوعًا وعمقًا ونضجًا"(ص236).</span></p>
<p dir="rtl"><span style="color:#696969">تعد هذه الأوراق الشخصية المنشورة في مجلة «الكرمل»، وفي كتاب «مقالات فارس فارس»، نوعًا أدبيًا نفتقده في حياتنا الأدبية العربية والمعاصرة، وهي تضيء كثيرًا من جوانب حياة وإبداع كنفاني في شبابه المبكر. ففي ثنايا هذه اليوميات، نعثر على دراما الحياة والموت، ويتبين لنا أحيانًا كثيرة أن غسان لا يتحدث عن الآخرين بقدر ما يتحدث عن نفسه، عما يجول في نفسه، وعمَّا يمور في روحه المتألقة والقلقة في آن.</span></p>
<p dir="rtl">أعدّه: أوس داوود يعقوب</p>
<p dir="rtl"><strong>31/12/1959</strong></p>
<p dir="rtl">«... إن الضباب الأسود غير موجود في الطبيعة، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يؤكد أنه ليس أبعث على الراحة من الضباب الطبيعي الذي لا لون له؟؟».</p>
<p dir="rtl"><strong>1/1/1960</strong></p>
<p dir="rtl">.. ليلة أمس قررت أن أبدأ من جديد..</p>
<p dir="rtl">هذه اليوميات عمل كريه، ولكنه ضروري كالحياة نفسها..</p>
<p dir="rtl">أتى القرار بسرعة وببساطة، كانت الساعة تمام الثانية عشرة، أي أننا كنا ننتقل من عام قديم إلى عام جديد.. كانت الغرفة صامتة، تعبق برائحة وحدة لا حد لها.. عميقة حتى العظم، موحشة كأنها العدم ذاته.. وبدا كل شيء تافهًا لا قيمة له، فقررت أن أكتب شيئًا.. لكنني فضلت، لحظتذاك، أن أبكي.. ومن الغريب أنني فعلت ذلك ببساطة، ودون حرج، وحين مسحت دمعة، أو دمعتين، كنت كمن يهيل التراب على جزء آخر من جسد ميت سلفًا ندعوه حياتنا..</p>
<p dir="rtl">وهأنذا أكتب من جديد... يوميات كريهة، لحياة كريهة تنتهي بموت كريه، مستشعرًا كم أنا مجبر على أن أكتب، كم أنا مجبر على أن أعيش، كما أنا مجبر على أن أموت..</p>
<p dir="rtl"><strong>4/1/1960</strong></p>
<p dir="rtl">إنني مريض، نصف حي يكافح من أجل أن يتمتع بهذا النصف، كما يتمتع كل إنسان بحياته كاملة.. وكل المحاولات التي افتعلتها لكي أنسى هذه البديهية تقودني من جديد لكي أواجهها.. وبصورة أمر.</p>
<p dir="rtl">لقد توصلت الآن إلى أن أؤمن بأن عنصر المشاركة يكاد يكون معدومًا بين الناس.. إنهم يحسون أنك تتألم، ولكنهم لا يعرفون كم تتألم، وليسوا على استعداد أبدًا لأن ينسوا سعادتهم الخاصة من أجل أن يشاركوا الألم.. وعلى هذا فعلينا أن نتألم بيننا وبين أنفسنا.. وأن نواجه الموت كما يواجه واحد من الناس الآخرين نكتة يومية.. وهذا يجعل من الإنسان عالمًا بلا أبعاد، ولكنه في الآن ذاته، عالم مغلق على ذاته.</p>
<p dir="rtl">في الحقيقة، إن المخرج الوحيد في هذه الدوامة الموحلة، هو أن يؤمن المرء بأن العطاء هو المقبول، فقط لدى إنسان الحضارة.. وأن الأخذ عمل غير مرغوب فيه... أن يعيش الإنسان باذلًا نفسه هو المقابل، ولا مقابل سواه... إنني أحاول الآن أن أصل إلى هذا الإيمان بطريقة من الطرق، أو أن الحياة تصبح، بلا هذا الإيمان، شيئًا لا يحتمل على الإطلاق..</p>
<p dir="rtl">دفعني لأكتب هذا الكلام.. جرح سببته الحقنة اليومية هذا الصباح.. وأعتقد أنه مازال ينزف إلى الآن.. لو قلت لإنسان ما إنني أتألم منه لأعتبره شيئًا يشبه النكتة الطريفة.. ويرددها على هذا الأساس، متسائلًا: «كيف يستطيع إنسان أن يجرح نفسه؟ لاشك أنها تجربة طريفة!!» أو أنه على أحسن الاحتمالات سوف يقول: «إنه يتألم!» ويغير الموضوع.. أما بالنسبة لي فهي تعني، وسوف تبقى تعني كل يوم، أنني أريق جزءًا من احتمالي، وإنسانيتي، وسعادتي من أجل أن أعيش... وإنه لثمن باهظ حتمًا.. أن يشتري الإنسان حياته اليومية بالألم.. والقرف.. والنكتة.. إنه ثمن باهظ بلا شك.. أن يشتري حياته اليومية بموت يومي..</p>
<p dir="rtl"><strong>5/1/1960</strong></p>
<p dir="rtl">أفكر في كتابة قصتين، الأولى قصة إنسان مخذول، خذلته القيمة التي اعتقد أنها مقياس الحياة الوحيد، وإذا هي قيم لا تعتبر في عالم الحضارة المعاصر... إنني لم أتوصل بعد إلى اصطياد الحادثة الملائمة.. ولكنني أحتاج أن أصل منها إلى التعبير عن الانخذال الكامل الذي يحسه إنسان صفع بشيء آمن به، فإذا به عند الآخرين لا يساوي شيئًا، وليس يهمني على الإطلاق أن يكون هذا الإيمان خطًا، أو صوابًا. يهمني فقط أنه إيمان يحمل على دعائمه كل طموح ذلك الإنسان، إيمان مبثوث في عروقه مع أمه. جنبًا إلى جنب.</p>
<p dir="rtl">أما القصة الثانية فتدور حول نفس المحور.. ولقد سمعتها اليوم من صديق رواها ببساطة حرقت محجري.. تُرى، هل أن أنقلها ببساطة إلى محاجر الآخرين؟ إنها قصة مثقف أضاع ذراعه في اعتداءٍ غادر... وحينما خرج من المستشفى (...) وجد نفسه مرفوضًا من قبل الحياة التي لا تعترف بالضعف.. إنني لم أصل بعد إلى صياغة جميع تفاصيل هذه القصة، ولكنني أشعر أنني أستطيع أن أفهمها بإخلاص وصدق.. بل وأن أعانيها.</p>
<p dir="rtl">لقد كتبت إلي إذن، تقول ببساطة، إنني أصبحت مركومًا في ماضي، لا علاقة لها به.. لقد نسيت كل الحب الذي وهبتها خلال عامين كاملين... ونسيت المستقبل الذي بنيناه في كل كلمة... مركومًا في ماض لا علاقة لها به.. أقف في وجه عاصفة أطمع في شيء كبير لن أناله على الإطلاق.. كتبت ذلك ببساطة... أيكون الغضب الذي أحسه انخذالًا يتملق معنى من معاني التحدي؟ أيكون النصف الباقي من حياتي مازال ينتفض بشيء من الكبرياء الذبيحة؟ أأكون مازلت أعتقد إنني كالآخرين؟</p>
<p dir="rtl">هذه هي المشكلة.. أن أستسلم.. أن أعترف.. أن أستسلم.. أستسلم.. هذا كل ما في المشكلة.. ولكنني مازلت أرفض هذه البديهية.. إذ يبدو لي صعبًا بعض الشيء أن أخرج من حياتي، وأراقبها من مقعد المتفرجين كأنني في سيرك؟؟ لوجدت أنه معمر متهدم..</p>
<p dir="rtl">في الفترة الأخيرة، أصبحت أتردد في رواية أية حادثة مخافة أن يرد فيبعث القرف في حلقي.. أما إذا كانت الحادثة طويلة فإنني لا أفكر في التكلم عنها على الإطلاق...</p>
<p dir="rtl">كل تصرف يقوم به له جذور، كل فكرة يقولها يحفظها منذ الأزل... ورأسه عبارة عن شبكة رادار تعكس كل ما في العالم، إلا نفسها... وأعتقد أن هذا هو السبب الأولي في أنني لا أستطيع أن أتخذ موقفًا منه.. إنه دائمًا ليس هو.</p>
<p dir="rtl"><strong>9/1/1960</strong></p>
<p dir="rtl">مرة أخرى سمعت حفيف ريش الملائكة، كما يقول سكير واشنطن، حين رأيت الجبال تدور حول رأسي بصخب مخيف، ثم أحسست بالرمل ينسحق بين أسناني...</p>
<p dir="rtl">كيف حدث ذلك؟ إنني لا أذكر التفاصيل، أما الزملاء فكل واحد منهم عنده جانب من القصة... لقد ذهبت معهم إلى رحلة تقع خلف الحدود، وفي لحظة واحدة حوالي العاشرة، أحسست بقليل من الدوخان، ولكنني لم أبالِ.. كنت قد أعددت عدتي من الصباح، ولذلك فلقد استبعدت إطلاق أن يحدث لي أي اضطراب...</p>
<p dir="rtl">بعد هنيهة، قمت إلى زميل أداعبه بضربة، أو بضربتين، ولكنني حينما رفعت كفي عنه رأيت الجبال الصخرية التي كانت حولنا تدور برقصة مخيفة، وعبثًا حاولت أن أوقف رأسي عن اللف معها.. لقد كانت ثمة مطارق تهوي على مؤخرة عنقي، وكانت الفكرة الوحيدة التي سيطرت على رأسي هي أنني يجب ألا أقع في الوادي، فلو وقعت، فمن الحتمي ألا يستطيع الرفاق إيصالي إلى فوق حيث سيارتنا، إلا بعد مشقة هائلة ووقت طويل.. وعبثًا حاولت أن أسيطر على رأسي.. لقد انسحق كل شيء، إلا رغبتي في أن أصل إلى فوق، حيث السيارة، بأي ثمن...</p>
<p dir="rtl">ثم صحوت على السفح، كان الرفاق يتبعوني لاهثين، وكنت أطوي الصخور صاعدًا بكل ما في طاقتي من احتمال.. وحينما لامست عيوني سيارتنا هناك عاد إلي غثيان قاس، وصحوت مرة أخرى على طريق المستشفى...</p>
<p dir="rtl">إلا أن الذي حدث لم يكن هذا فحسب، لقد سبق صعودي الجبل إغماء استمر أكثر من ربع ساعة، قيل لي إنني دفنت رأسي في الرمل، وكانت يدي تشير إلى الجبال بحركة لولبية.. بينما أخذ جسدي ينتفض بحيث عجز ثلاثة من رفاقي عن مسكه وتثبيته في مكانه، كانت عيوني، أيضًا، مفتوحة حتى أقصاها، ولكنها عمياء... وكفاي ينبشان الأرض بجنون... لقد مكسوني هناك، بعيدًا عن كل شيء، وحشروا قطعًا من البسكويت في فمي ـ كنت أشكو نقصًا في السكر ـ ورشقوا وجهي بالماء... وقالوا إنني حينما صحوت قليلًا انطلقت أعدو فوق الصخور ميممًا شطر السيارة البعيدة، باذلًا جهدًا مسعورًا كيف أصل إلى هناك، في حين حسبوا هم أنني مازلت مشدودًا إلى إغماءة قاسية...</p>
<p dir="rtl">وفي المستشفى، كانت شفتي تنزف ولساني مجروحًا، لا أدري، أهو البسكوت الذي دفع إلى حلقي بقسوة سبب هذا، أم أنني كنت أعض على إرادتي كي أصل إلى فوق؟ أما في المستشفى فلقد اكتشفوا أن انخفاضًا حدث في القلب، وبذلوا جهدًا طيبًا من أجل إعادته إلى ما كان عليه..</p>
<p dir="rtl">حينما عدت منهوكًا إلى الأصدقاء كانوا ينظرون إلي بشفقة.. وكنت أنا أحس أنني أستحقها... لأنني أنا نفسي كنت أبكي في أعماقي... أبكي بكل ما في طاقتي...</p>
<p dir="rtl"><strong>10/1/1960</strong></p>
<p dir="rtl">أمس، توفي الفيلسوف الوجودي ألبير كامو... صاحب فلسفة العبث، مات في موقف عبث، وأي رثاء له نوع من العبث ليس غير... لقد انتهى، وعليه أن يقنع بحياة عاشها عريضة، وإن لم يستطع أن يجعلها طويلة...</p>
<p dir="rtl"><strong>15/1/1960</strong></p>
<p dir="rtl">رأيته بأم عيني... وحينما سرت القشعريرة في جسمي كان إلهًا ما صبَّ على رأسي قارًا مغليًا.. رفعت كفي لأغمض عيني حتى لا أرى أكثر... </p>
<p dir="rtl">أكتب خائفًا من أن يصفع المنظر أعماقي فيودي بما تبقى من كبريائي؟.. أم أنني كنت لا أريد أن أرى كيف بذلك الإنسان نفسه من أجل أن يحتفظ بحياته؟.. كيف يناضل طفل بكل ما لديه من طاقة كي يصير كالآخرين؟؟ كيف يستحق كبرياءه بإرادته من أجل أن يعيش؟</p>
<p dir="rtl">كان، في رأيي كما يلي: ـ طفل صغير صغير، يتحدى إلهًا كبيرًا كبيرًا.. طفل قزم، يشد عنقه المتوتر إلى حضارة الخزي، ويبصق في وجهها.. طفل تجثم على صدره كل أخطاء الرب.. ولكنه يدفعها باذلًا جهده في أن يتغلب عليها...</p>
<p dir="rtl">لماذا يتعذب طفل دون أن يخطئ؟؟ إننا نعرف كيف؟، ولكننا لا نعرف لماذا؟ أليس هذا صحيحًا؟؟</p>
<p dir="rtl">بدأت القصة بأنني وقفت على شرفة غرفتي أراقب مباراة في كرة القدم بين فريقين من أطفال الحي... جمال المباراة كان في الجهد المبذول لا في مستوى اللعب... بدا لي، في لحظات، أن العالم كله، والله، والحضارة، لا معنى لها بالنسبة لهؤلاء الصغار سوى نتيجة هذه المباراة.. وهكذا كانت الدنيا كلها مخلوعة إلى خارج طموح هؤلاء الصبية، وكانت السعادة شيئًا يمكن أن ينال بواسطة بذلك الجهد فحسب...</p>
<p dir="rtl">وفجأة، برز بينهم، كان يلبس سروالًا أسود قصيرًا، وقد أرخى قميصه الطويل فوقه، شعره كان مشوشًا، ووجهه يبتسم بعناد رجولي لا يتناسب وعمره. كان صدره عريضًا، لا يتناسب على الإطلاق مع تلك الساق التي كانت تشبه خيطًا من القنب، والتي كان ينقلها إلى جوار ساق سليمة، ينقلها مشوهة، مرتخية، نحيلة، لينة، مشلولة...</p>
<p dir="rtl">وكان يركض بكل جهده، عناد رجولي في وجه طفل، كان يخجل، نعم، هذا أصح: رافعًا ساقًا سليمة، متريثًا على ساق كريهة، مشلولة، نحيفة كأنها ليست لهذا الجسد المتفجر بالحياة والجهد، وكان وجهه، إلى ذلك كله، جميلًا..</p>
<p dir="rtl">أكان جميلًا فعلًا؟؟؟... لماذا يتعذب الطفل بلا سبب؟؟ كانوا يلعبون هناك، صغارًا، باذلين جهدًا خارقًا، كأن الحياة كلها لا تعني لهم سوى أن يصلوا إلى نتيجة مشرفة، أو كانت كذلك فعلًا. وكان هو بينهم... وكانوا لا يعاملونه بشفقة، أو مجاملة، وبدا لي أنه كان سعيدًا بذلك إلى آخر حد، سعيدًا لأنه أقنع نفسه، للحظة، بأنه سعيد!! لماذا رفعت كفي إلى وجهي، وأخفيت هذا المنظر عن عيني؟.. ألأنني عرفت كم هو كبير، وكم أنا صغير؟.. ألأنني عرفت كم يناضل الإنسان من أجل أن يجعل حياته أكثر معنى، وأكثر جمالًا؟ أم لأنه لم يرق لي أن يبيع الإنسان كل حياته في سيبل لحظة كرامة واحدة؟..</p>
<p dir="rtl">لماذا؟</p>
<p dir="rtl"><strong>23/1/1960</strong></p>
<p dir="rtl">قررت اليوم أن أبدأ بكتابة قصة طويلة، (سوف تكون أقل طموحًا من «كفر المنجم»، التي كتبتها في العام الفائت وفشلت)، لأنني سوف أحكي فيها قصة إنسان فرد... وأعتقد أنها لن تستغرق وقتًا طويلًا... وفكرتها في رأسي منذ زمن بعيد: الخذلان، سوف لن أستشير أحدًا فيها، إذ أنني وجدت أن أنسب مكان للآخرين يفرغون فيه أحمال عقدهم النفسية هو الثغرات المفتوحة في نفوس القلقين.</p>
<p dir="rtl"><strong>6/2/1960</strong></p>
<p dir="rtl">بلادة وخمول، ولا شيء غير هذا على الإطلاق... هنا، في هذا البلد المصرور في الجمود والصمت نموت رويدًا رويدًا، دون أن نعرف كيف يعيش أي إنسان ناضل قرونًا طويلة في سبيل لحظة طمأنينة واحدة!.. صور الفتيان معلقة على الجدران تستذل رجولتنا، والموسيقى الحزينة تمتص أحاسيسنا، وكلمات المجاملة الكاذبة تهدهد طموحنا.. إلى أين؟ لسنا ندري... كل ما نعرفه هو أن غدًا لن يكون أفضل من اليوم.. وأننا ننتظر على الشاطئ، بلهفة، سفينة لن تأتي... وبأنه حكم علينا بأن نكون غرباء عن كل شيء... سوى عن ضياعنا...</p>
<p dir="rtl">إنني لست راغبًا في أي شيء... كل الأشياء التي اعتقدت أنني أحبها فقدت معناها تمامًا.... لست أحسن التصرف مع الأصدقاء... ولست راغبًا في الاستمرار أكثر داخل هذه الدوامة التي تدور كساقية مجنونة تفور في رمال صحراء عطشى منذ آلاف السنين..</p>
<p dir="rtl">أصحيح أن عمري خمسًا وعشرين سنة؟؟ إنني أتصور أحيانًا أنني عجوز متهدم ينتظر بصمت واستسلام دفة من الخشب ينقلونه فوقها إلى استقراره الأخير.. أو إلى استقراره الحقيقي...</p>
<p dir="rtl"><strong>21/2/1960</strong></p>
<p dir="rtl">كتبت اليوم رسالة إلى (...) و(...) كانت قصة حب بلا شك.. أما الآن فهي مأساة.. إن رسائلها الأخيرة لي كانت تحمل طابعًا خاصًا.. كأنها كانت تريدني أن أقول موقفي بوضوح كي تعرف ماذا يتعين عليها أن تفعل.. وهذا حقها بلا أدنى شك. لقد كتبت لها رسالة اليوم، حاولت فيها أن أكون مخلصًا لها ولنفسي، وحينما قرأتها بعد كتابتها اكتشفت بوضوح أنني فعلًا أحبها... سوف أنقل إلى هنا بعض مقاطعها..</p>
<p dir="rtl">«... أنا مشوش جدًا... لذلك تبدو أفكاري مهزوزة.. والذي يشوشني خبر زفه الطبيب إلي ظهر أمس.. لقد بدأ هذا القلب المسكين يتعب... إنه يخفق بلا جدوى.. وحينما أنظر الآن إلى الأشياء أحس بأنني خارجها.. إنها مسحوبة من المعقول... إنني لا أخاف من الموت، ولكنني لا أريد أن أموت.. لقد عشت سنوات قليلة قاسية، وتبدو لي فكرة أن لا أعوض فكرة رهيبة.. إنني لم أعش قط... لذلك فأنا لم أوجد.. ولا أريد أن أغادر دون أن أكون، قبل المغادرة موجودًا... أتعرفين الذي أعنيه؟؟... إن شعوري غريب جدًا.. شعور إنسان كان ذاهبًا إلى مكان ما كي يتسلم عملًا ملائمًا، فمات ـ فجأة في الطريق..</p>
<p dir="rtl">إن شعوري الآن هو هذه «الفجأة» بالذات...</p>
<p dir="rtl">... لقد فكرت طويلًا طويلًا في رسائلك الأخيرة.. ووجدت أنك على مطلق الحق في موقفك.. ولكنني أنا الآخر أملك شيئًا منه.. لماذا لا نضع النقاط على الحروف جيدًا؟ لماذا لا نعترف بأننا «خطان متوازيان يسيران معًا ولكنهما لن يلتقيا..؟» لقد كتبت هذا الكلام لي منذ أول تعارفنا، وكنتُ وكنتِ في أعماقنا نرفضه على الإطلاق!</p>
<p dir="rtl">أيتها الغالية.. لماذا قدر للإنسان أن تكون أعمق جروحه تلك التي يحفرها بيده؟ تريدين أن أكتب لك بوضوح، أن أكفن سرابي بيدي، وأستمر بضياع بلا قاع؟ سألت في رسالتك الأخيرة: «هل مات الداتشمان؟». إنني أعتقد أنه مات منذ رأى باندورا لا يستطيع أن يأخذها معه عبر المحيط إلى السعادة.. وكل الذي كان بعد لقائهما هو محاولة مستميتة لنسيان هذا الموت.. بالاقتراب منه أكثر فأكثر...</p>
<p dir="rtl">أعرف أنك غضبى.. ولكن الغضب شيء يذهب.. أما الخذلان فيبقى.. أنا رجل مخذول. هل تستطيعين أن تحسي أعماق هذه الكلمة؟ كل الوحشة والغربة والضياع التي تعشش فيها؟ الخذلان لا يذهب... أما الخذلان الذي يصنعه الإنسان بيديه فإنه ينمو.. ينمو حتى يصبح غولًا..</p>
<p dir="rtl">لتحاولي أن تنسيني.. أنا لا أستحق ذكراك عني، كوني متأكدة من ذلك.. أنت تملكين الأمل والألوان والحياة والذكاء والجمال.. فلماذا تتمسكين بإنسان لا يملك سوى سواد قدره؟ حاولي أن تنسي.. أو حاولي أن تُصَّعدي ـ وأصر على هذه الكلمة ـ أن تُصَّعدي ذلك الحب إلى صداقة.. أنا لن أحاول شيئًا، سوف أرقبك وحينما أراك سعيدة.. سوف أشعر بأنني لست سببًا في تعاسة إنسان أحبه.. أحبه رغم كل شيء.. كوني متأكدة أنني لا أعتقد أنك سبب تعاستي.. لقد شغلت ثلاث سنوات من حياتي بأمل لم أذق مثله كل عمري.. وهذا يكفي في عالم لا يعطي المقابل..</p>
<p dir="rtl">آه يا عزيزتي لو استطعت فقط أن أمزق هذه الرسالة، وأكتب لك واحدة أخرى أكثر إشراقًا.. آه لو استطعت.. ولكنني أعرف أنني لا أستطيع.. إن الذي يستحق التمزيق هو حياتنا جميعًا..</p>
<p dir="rtl">«آه لو استطعت أيها الحب أن نتفق أنا وأنتَ والقدر</p>
<p dir="rtl">على تمزيق هذا الطابع الحزين للعالم</p>
<p dir="rtl">إلى قطع صغيرة صغيرة..</p>
<p dir="rtl">ثم نعيد بناءه... كما تشتهي قلوبنا!».</p>
<p dir="rtl">أتذكرين القصة؟ قصة «باقة ورد على ضريح الخيام»؟ لقد أوحيت إلي بها.. ولكنني أوحيت لنفسي نهايتها حينما كتبت:</p>
<p dir="rtl">«شعر بأن لم يخلق ليلي أبدًا.. بل إنها هي التي خلقته، وراوده إحساس طاغ بأنه لم يكن يستحقها على الإطلاق...». </p>
<p dir="rtl">المخلص..»</p>
<p dir="rtl">لقد كانت رسالتها لي أمس فيها بعض الحياة.. ولهذا فأنا أتصور جيدًا كيف سيكون وقع هذه الرسالة على رأسها، وإلى أنني أتفاءل أن تجد طريقًا للخروج.. إنها مؤمنة بأن السعادة موجودة في مكان ما.. ولهذا فهي ستواصل البحث عنها...</p>
<p dir="rtl">وسوف تنساني.. لقد كتبت لي:</p>
<p dir="rtl">«إنني أفتقد رسائلك بشكل مخيف.. فأنت تكتب ببراعة وبعمق ـ حتى ما تؤلمني به.. ولقد آليت على نفسي ألا أجد في المستقبل سوى إنسان يكتب بمثل براعتك... عندما أنظر إلى صدر المسيح، في الصورة، أحس بك تلفح وجهي.. وأحس بنفسي تغرق في الإبحار من الحب مع الداتشمان.. ألا أخبرني بالله عليك هل مات؟ هل مات؟ هل تاه الداتشمان؟».</p>
<p dir="rtl">كتبت منذ يومين قصة «الخراف المصلوبة»، وهي الفكرة التي كانت في رأسي عن «الخذلان»... بدوي يقف في شمس الربع الخالي ينتظر من يعطيه ماء لأجل خرافه.. ولكن القافلة التي تمر من سيارات الحجاج ترفض إعطاءه ماء بسبب حاجة السيارات له، أما البدوي فلا يستطيع أن يفهم كيف تكون السيارة أثمن من الخراف ..</p>
<p dir="rtl">لقد قصدت إلى إبراز شعور الإنسان المخذول الذي تتهاوى قيمه العليا ومثله بسرعة وهدوء.. وحاولت أن أبرز مدى أهمية هذه القيم في نظر هذا الإنسان المتفرد بحوار هامشي على لسان طبيبين في القافلة:</p>
<p dir="rtl">«ـ انظر.. هانحن ذا أمام أسطورة إسبارطية من جديد.. الرجل والإله في مكان واحد.. ترى ماذا يفعل هنا؟؟</p>
<p dir="rtl">ـ يتعبد...».</p>
<p dir="rtl">وحاولت، أيضًا، أن أبرز المشابهة في الصورة: قافلة حجاج تحمل للإنسان الإله خذلانه..</p>
<p dir="rtl">وأعتقد أنها قصة ناجحة ..</p>
<p dir="rtl"><strong>22/2/1960</strong></p>
<p dir="rtl">كتبت إلى صديقي فضل النقيب في ياكيما ـ واشنطن اليوم: «تأخرت في الكتابة لك، أنا أعترف، ولكن يشفع لي أن لا جديد عندنا هنا سوى استمرار هذه العجيبة: أن لا يكون أي جديد...».</p>
<p dir="rtl">ثم كتبت له أرد على لمحة استسلام شعرت بها بين سطور رسالته: «تريد أن تنسحب؟ لماذا؟ لأنك بعيد؟ إذا كان فضل يبعد عن القضية ألف ميل، فنصف شعبه يبعد عنها ألف سنة!.. المسافة لا قيمة لها لمن يعيش في لحظة الشروق.. تريد أن تنسحب؟ لا بأس، ولكن صدقني يا فضل أن الانسحاب أصعب بكثير جدًا من التحدي... لقد حكم علينا بأن لا ننسحب».</p>
<p dir="rtl">وكتبت إلى عدنان، صديقي السجين، الذي كتب إلي يقول إنه لا يعرف إذا ما كان قد تغير خلال مدة سجنه، فهو لا يملك مقياسًا، ولا يعرف كيف تغيرت الأشياء، وتغير الآخرون.. كتبت له: «أنت نفسك تعرف أنك تغيرت، لأنك تعيش من أجل ذلك.. إننا لا نحتاج للآخرين كي نعرف أننا تغيرنا.. نحتاجهم فقط كي نعرف كم هو ضروري تغيرنا...».</p>
<p dir="rtl">الواقع لم أكن أفكر بنشرها، ولا في جعلها قصة كاملة.. إن هذا كله دخل فيها، إلاَّ أني أعتقد أن شعوري تجاهها بالضبط قد تحدد خلال كل تلك الأحداث... وهو الشعور الذي عبرت عنه ـ قبيل أسطر ـ بكلمتين: «لست أدري!».</p>
<p dir="rtl"><strong>2/3/1960</strong></p>
<p dir="rtl">«أن يسقط الإنسان من السماء بلا مظلة.. ثم يمضي طريقه إلى الأرض مفكرًا.. شيء لا يحتمل..».</p>
<p dir="rtl"><strong>17/1/1961</strong></p>
<p dir="rtl">كتبت أمس قصة جديدة: «المجنون»... وأنا أعتقد أن بناء قصة من هذا الطراز عمل صعب للغاية.. لقد كانت فكرتها كاملة في رأسي تقريبًا.. ولكن المشكلة هي مشكلة الجمل العابرة، والمفروض أن تكون عابرة في السياق إلى حد عادي جدًا، والتي يترتب على قوتها كل ما يمكن أن تعطي القصة من تأثير مقصود.. والمشكلة كانت في أن هذه الجمل لا يمكن أن تكون شيئًا معدًا سلفًا، ولابد أن تكون من وحي أسلوب القصة نفسه، وطريقة أداء الحادثة .. وهكذا فإن جو كتابة القصة هو وحده المسؤول عن خلق تلك الجمل.</p>
<p dir="rtl">لقد كتبتها على دفعتين، ومعظم الجمل العابرة الموحية كانت من حظ الدفعة الثانية.. وأعتقد أنها ليست بحاجة لأن تكتب مرة ثالثة... إذ أن أهم ما فيها ـ في رأيي ـ هو سهولة السياق، وعفويته، وبساطة التفكير.</p>
<p dir="rtl">كتبت القصة من داخل المنطق الخاص المجنون هذا، وهو نموذج لم أقرأ عنه، ومن هنا كانت صعوبة قصور منطقه المتسق، بل إني أشك في أنه «مجنون واقعي، ولقد قصدت ذلك قصدًا.. لأن "خلق" مجنون أصعب، في رأيي، من "دراسة" مجنون».</p>
<p dir="rtl">أفكاره تعتمد على تداعي الأفكار العفوي.. وهي أفكار لا علاقة لها ببعضها إلا بمقدار ما توحي كل جملة بمطلع ما بعدها.. وهكذا فلقد كان من الضروري أن تكتب الجمل القصيرة، واضحة، وسخيفة من حيث التركيب الفكري.. واعتمدت، أيضًا، على نقطة هامة: المجنون هذا يفترض أنه كان سيئًا، وبائسًا، وغير موجود قبل أن يجن.. وإلى ذلك، فهو يعترف، دون أن يواجه اعترافه مباشرة، بالسبب الرئيسي الذي دفعه إلى الجنون.. وهو حينما يقترب في ذاكرته من حادثة يكرهها يحاول أن يتصور أنها حدثت مع آخرين، وربما حيوانات، ولكنها لم تحدث معه..</p>
<p dir="rtl">ووراء كل ذلك، كان لابد أن أضع الخلفية الباهتة، ولكن الضرورية، التي تتحكم هذه الأيام بكل ما أكتب، وهي: أين يوجد الصحيح؟ من هو الذي على صواب؟ ما الفائدة من كل شيء؟ والفكرة الهامة التالية، وهي أن القلب الإنساني، مجنونًا، أو وضيعًا، أو نبيلًا، لابد أن يحمل كل صفات الإنسان هذه، الجنون والضعة والنبل، معًا، والفرق في الكمية التي يحملها من تلك الصفات.</p>
<p dir="rtl"><strong>5/2/1961</strong></p>
<p dir="rtl">يبدو لي كأنما الرحلة القصيرة على وشك أن تنتهي... وأحس نهايتها إحساسًا مباشرًا كريهًا.. عشت اليوم ساعات مقطعة.. أتصور الآن أن ساعات بعض هذا النهار كنت فيها ميتًا فعلًا.. إني أرتجف، لسبب لست أدريه، وفي الوقت نفسه، أفكاري ترتجف كما لو أنها جسد ينتفض باحتضار غريب.. أفكاري كانت اليوم شيئًا يشبه شريط تسجيل رطب ممسوح، عفوًا، في بعض نواحيه.. وهكذا، فإنه يمر فوق انقطاعات صامتة، قصيرة، ميتة.. ورغم كل ذلك، فهي موجودة بشكل ما..</p>
<p dir="rtl">أي شيء كريه أن يموت الإنسان! والأبشع أن يكون جسده هو السبب.. في الأسابيع الأخيرة كنت أفكر بصورة تثير ضحك بعض من أعرف.. ذلك أني كنت عائدًا إلى البيت في منتصف الليل، كان الشارع خاليًا إلا من إعلانات مضيئة: تنطفئ، وتشتعل برتابة.. حمراء، وخضراء، وبيضاء.. وفجأة فكرت:/ أن المأساة كلها، هو أنه عندما أموت سوف تبقى هذه الإعلانات تضيء وتنطفئ، وسوف يبقى مصعد بيتنا يلبي كلما ضغط أحدهم على الزر، وأشيائي كلها سوف تباع، لينام عليها، وليستعملها إنسان آخر.. والمجلة التي أعمل فيها سوف لن تكف عن الصدور... وسوف يرن جرس الهاتف، ويجيب أحدهم: «إنه مات»، ثم يضع الآلة السوداء، ويفكر في غدائه ..</p>
<p dir="rtl">لقد بدت لي الأفكار هذه مرعبة بصورة جارحة.. وأرهقتني فكرة أن أموت... أن أنتهي، ويستمر كل شيء...</p>
<p dir="rtl">الرحلة لن تطول كثيرًا.. هذا هو الشيء المؤكد لدي الآن... ما الذي يحدث في جسدي؟ أي شيطان يذيب بناء اسطورية كل جوفي؟</p>
<p dir="rtl"><strong>24/8/1962</strong></p>
<p dir="rtl">قبل منتصف الليل بساعة ونصف ولد فائز...</p>
<p dir="rtl">وحين هتفت الممرضة تقول مبروك، أحسست به، فائز، يقع فوق كتفي... ولمدى لحظات أحسست بشيء يشبه الدوار. وفي صخب المشاعر التي كانت تجتاحني، أحسست بأنني مرتبط أكثر بهذه الأرض التي أمشي عليها، كأن وقوعه فوق كتفي قد غرسني عميقًا في التراب..</p>
<p dir="rtl">وفي الصبح، حملته الممرضة، وعرضته أمام عيني من وراء الزجاج، وبدا لي قطعة لحم حمراء غبية، مغلقة العينين، مفتوحة الفم، راعشة الكفين.. عينان أمامهما الكثير لترياه.. وفم عليه أن يمضغ طويلًا، وكفان لا يدري أحد أهما للعطاء، أم للأخذ، أم لكليهما؟</p>
<p dir="rtl">قال لي الطبيب الواقف إلى جانبي:</p>
<p dir="rtl">ـ ما هو شعورك؟</p>
<p dir="rtl">ـ لا شعور لدي..</p>
<p dir="rtl">ـ أبدًا؟</p>
<p dir="rtl">ـ أبدًا ..</p>
<p dir="rtl">كأنني كنت أقول لنفسي أن في الوقت متسع لملايين من المشاعر، متسع للغضب والفرح والمفاجأة والخيبة والسعادة والشقاء والضحك والأسى والحب والكره والانتظار والملل.. ملايين من اللحظات المترعة بغزارة كل ما في هذه الأرض من تناقض.</p>
<p dir="rtl">وفي الغرفة الأخرى، كانت أمه ملقاة فوق الفراش. لقد نسيت كل الآلام التي اجترعتها في سبيل أن يولد، نسيت كل الدموع التي أهرقتها في العشرين ساعة الماضية، نسيت كل شيء.. كأن الحب الجديد الذي ملأها فجأة، حين قالوا لها إنها وضعت، الحب الغزير الذي لا يمكن أن يحمله إنسان لإنسان إلا الأم لابنها.. كأن هذا الحب قد غسل كل شيء بيد اسطورية ..</p>
<p dir="rtl">وبينهما، هو بين يدي الممرضة وراء الزجاج، وهي في سريرها غير قادرة على أن تخطو لتراه معي، كنت أقف أنا مغسولًا بالحب والخوف، صافٍ كأنني من زجاج .. ليس ثمة أي شيء أفكر به، أو أهتم له، مجرد رجل يقف مثل ملايين الرجال الذين لا يعرفون حقيقة المستقبل، العاجز الضئيل الصغير أمام المجهول الذي يطوقه بزوجة يريد أن يعطيها ماء عينيه، وولد يريد أن يهبه نبض شرايينه.. واقف هناك كما لو أن المشاعر الجدير بأن يحملها أثقل من أن يحملها، فتركها تحوم حوله، كهواء له صوت، وله رائحة، وله ثقل، تمسه كما تمس الحجر، وتغوص في كيانه حتى ليجهل أهو الذي نفثها، أم هي التي نفثته ..</p>
<p dir="rtl">وحين أنامته الممرضة من جديد خطوت عائدًا إلى غرفة زوجتي.. ولكن ما إن سمعت صوت خطواتي حتى عدت إلى عالمي، عالم بعيد مطوق بشيء اسمه حب حقيقي.. حب لا إلزام فيه ولا جزاء.. حب لذاته، بلا تعويض، بلا ثمن، بلا خوف، حب صافٍ لم أحس به أبدًا من قبل، أبدًا أبدًا، حب لذلك الطفل الذي ولد مني، بسببي، ومن أجلي، وكان ثمنه حبي لها، وحبها لي، ليس غير.. حب لا غاية له، ولا هدف، حب مترع العطاء، يطوف في صدري حتى أحسه يسكب في جسدي، كما لو أنه ينضح ندى فيبعث فيَّ فرحة اللقاء الحقيقي الذي لم يلوث بعد بتعقيدات الحياة، بقانون خذ وهات، وقانون أنت وأنا، وقانون أين ولماذا وكيف.. مجرد عطاء محض غير مشوب بأي سؤال، أو طلب، أو انتظار، أو تلكؤ، أو تردد.. مثل ماذا؟ مثل لا شيء، مثل ذاته ليس غير.. لو قدر لنبعة الماء أن تحس، إذن لأحسَّت ذلك الشعور، العطاء المحض الذي يخلق من جديد كلما شرب عابر من مائها ..</p>
<p dir="rtl">وحين نظرت في عيني «آني» فهمتها، ولست أدري لماذا أوشكت أن أبكي، بل إنني أحسست بالدموع تطوف في حلقي مثل الغصة.. وبذلك كل طاقتي لأقول أي شيء، عبث .. لم يكن في لساني إلا ذلك التساؤل الغبي: إذا أعطيتم الطفل حق البكاء حين يولد، أفلا تعطوني هذا الحق حين أولد أنا بولادته؟ أليس كل الأيام التي خلفتها وراء ظهري ذابت الآن؟ ألا يحق لي أن أفعل كل الذي أشاء وقد عثرت على قطعة السكر في قاع الكأس الذي اجترعت مرارته كل شبابي؟؟</p>
<p dir="rtl">ولكنك كنت وراء الزجاج يا فائز، بيني وبين لمسك مثل ما بين اليوم واليوم.. نائم هناك في غطائك الأبيض، تعني للمستشفى رقمًا مربوطًا إلى زندك ليميزك من بين عشرات المواليد الذين يشاطرونك الغرفة.. أما بالنسبة لي فإنك تعني الحياة المزدوجة، حياتك، وحياتنا: أمك وأنا..</p>
<p dir="rtl">أو تدري متى بدأت أفكر بك؟ أقول أفكر بك، وقد أحسست بك كل الوقت؟</p>
<p dir="rtl">حدث ذلك حين دخلت الممرضة لتأخذ أمك إلى غرفة أخرى:</p>
<p dir="rtl">ـ لماذا؟</p>
<p dir="rtl">لأن هذه الغرف خاصة بالدرجة الثانية، وأريد أن آخذ زوجتك إلى غرفة الدرجة الأولى..</p>
<p dir="rtl">ـ ولكنها مسجلة في الدرجة الثالثة!</p>
<p dir="rtl">ـ الثالثة؟ أوه، عفوًا إذن، لقد حسبت أنها مسجلة في الدرجة الأولى..</p>
<p dir="rtl">عندها فقط جعلوني أحس بأنني فقير.. وبأنني لن أعطيك الحياة التي يستطيع غيري أن يعطوها لأبنائهم.. ولأن هذا كله قد يعني لديك ـ غدًا ـ شيئًا..</p>
<p dir="rtl">لا تحسب أنني أريدها أن لا تعني لديك أي شيء.. الأمر لا يتعلق بك، أنه يتعلق بي أنا فقط.. لست أريد أن يشوب عطائي أي ندم..</p>
<p dir="rtl">أنا، يا فائز، لا أطالبك بحق الأبوة في المستقبل.. هذا الذي لا قيمة له إذا طالب المرء به، إنما أطالب نفسي بحقك علي، وهذا هو كل شيء عندي الآن.. لقد اكتشفت الآن فقط أن كل شيء سيبدو تافهًا لو طالبتك بأن تعوض لي سعادتي بأبوتي لك.. ولكنني لن أغفر لنفسي تقصيري بالمضي في هذه السعادة حتى آخر الشوط، بلا مقابل، بلا تعويض، هذه قضيتي أنا... أتعرف معنى هذا؟</p>
<p dir="rtl">.. وأنا أخرج من غرفة أمك عرفت أيضًا معنى الهم.. ذلك العبء الذي يثقل أكتاف الرجال، لأنه ينبع من الداخل، عميقًا من الداخل، والذي يعطي الحياة ذلك الحافز النبيل الذي يفتقر إليه رجل لا يعرف معنى العبء الذي ينبع من الداخل..</p>
<p dir="rtl"><a href="https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=3294&page=2">لقراءة الجزء الثاني... هنا</a></p>
<p>The post <a href="https://rommanmag.com/archives/18633">يوميات غسان كنفاني... (1959 ـ 1965) (1/2)</a> appeared first on <a href="https://rommanmag.com">مجلة رمان الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>

<!--
Page Caching using Disk: Enhanced 

Served from: rommanmag.com @ 2026-09-20 02:13:00 by W3 Total Cache
-->